طه حسين و «مستقبل الثقافة في مصر» الذي لم يتحقق

دعا للانفتاح على أوروبا من أجل أن نتعلم منها أسرار التقدم

طه حسين و «مستقبل الثقافة في مصر» الذي لم يتحقق
TT

طه حسين و «مستقبل الثقافة في مصر» الذي لم يتحقق

طه حسين و «مستقبل الثقافة في مصر» الذي لم يتحقق

في العقود الأولى من القرن العشرين، والنهضة العربية المشرقية بلغت أوجها في مصر، كان يدور جدل كبير ومتصل عن العلاقة بين الشرق والغرب. بين مصر وأوروبا. بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية. كانت أسئلة الانتماء والهوية والخوف من الحداثة والتغريب في أوجها. كان هناك شد نحو أفكار التحديث والتقدم واللحاق بالعصر، التي كان النموذج الواضح لها -إن لم يكن الوحيد- هو أوروبا. ولكن كان هناك جذب من الماضي والتقاليد والهوية الوطنية والدينية والخوف عليها من عواقب اقتفاء أثر المدنية الأوروبية، حتى من قبل بعض أولئك الذين أدركوا حتميتها. وكان هناك أيضاً نوع من التضارب الوجداني بين كون أوروبا هي قوة الاحتلال البغيض في الشرق المطلوب التحرر منها من ناحية، وبين كونها النموذج الأوحد للتقدم أو العصرانية العلمية والسياسية والاجتماعية.

من هنا كانت المشاعر والمواقف تجاه أوروبا لدى الطبقة المثقفة، وربما أيضاً فيما وراءها، تتراوح ما بين الإعجاب والكراهية، ما بين الرغبة والنفور، أو بخليط منها جميعاً.

من بين مثقفي تلك الفترة كان طه حسين، الذي نتذكره هذه الأيام بمناسبة مرور نصف قرن على وفاته سنة 1973، في طليعة دعاة الأوْرَبَة بلا قيد ولا شرط. في وقت كان كثيرون فيه يدعون للانفتاح الثقافي على أوروبا من أجل أن نتعلم منها أسرار التقدم، كانت قناعات طه حسين تتجاوز ذلك بشوط بعيد. فكان يؤمن بأن المصريين والأوروبيين كليهما نتاج لثقافة واحدة هي ثقافة حوض البحر المتوسط الإغريقية. من منطلق هذا التصور كان ما يقوله حسين للمصريين فعلياً هو أنهم باحتذاء النموذج الأوروبي لن يكونوا بصدد التحول إلى شيء غريب عليهم. إنما عليهم فقط أن يعترفوا بأصلهم الثقافي الحقيقي، ذلك الأصل الذي ربما أخفته عنهم أحداث التاريخ وآماد طويلة من الظلامية الفكرية.

هذه خلاصة دعوته في كتابه الشهير «مستقبل الثقافة في مصر» الذي نشره في أوج توهجه الفكري سنة 1938، وهو يشارف الخمسين من عمره.

في ذلك الكتاب يبذل طه حسين قصارى جهده ليفصم الصلة بين مصر وبين ما يُسمّى بالشرق، ليضعها في سياق أوروبي صرف. ولما كانت الحضارة الأوروبية هي سليلة الحضارة الإغريقية، فإنه يجد ذلك مدخلاً مناسباً لطرحه الأساسي. ذلك أنه إذا ما أثبت صلة فكرية قوية ما بين الإغريق والمصريين القدماء، فإنه سيكون في وضع منطقي يسمح له بطرح فكرة التماثل في النظرة إلى العالم بين مصر وأوروبا. ومن هنا يؤكد أن التفاعل بين العقل المصري والعقل اليوناني في العصور القديمة كان أمراً افتخر به الإغريق الأقدمون، على نحو انعكس في نتاجهم الشعري والمسرحي، وفي كتاباتهم الفلسفية والتأريخية.

ويواصل طه حسين طارحاً أنه من بعد فتح الإسكندر الأكبر مصر فإنها تحولت إلى دولة يونانية، كما أصبحت الإسكندرية واحدة من أعظم العواصم اليونانية على الأرض. وعندما وقعت مصر تحت الحكم الروماني فيما بعد، فإنها استمرت في دورها كمأوى للثقافة اليونانية. ومن هنا فإن مصر لا صلة لها بثقافات الشرق، لا صلة لها بأمم مثل الصين واليابان والهند وما جاورها. وإن كان للعقل المصري أن تكون له صلة قُربى فإنها لا تكون إلا بالأمم التي نمت حول حوض البحر المتوسط. ولا يستطيع طه حسين أن يخفي دهشته من أن المصريين المحدثين يفكرون في أنفسهم باعتبارهم شرقيين، وليس فقط من جهة الموقع الجغرافي وإنما أيضاً ثقافياً. ولا يتردد في نفي هذه الفكرة بوصفها بلا أساس. أما الأوروبيون الذين هم أيضاً يعدُّون المصريين شرقيين، فهذا مردُّه عنده إلى الاعتبارات السياسية والأطماع الاستعمارية التي تدفعهم إلى تجاهل البراهين التاريخية الناصعة.

ولكن قد يقول البعض إن مجيء الإسلام إلى مصر قد أدى إلى إحداث تمايز ثقافي بين الحضارتين الإغريقية والمصرية. لكن طه حسين عنده الرد جاهز. فالإسلام قد تأثر بالفلسفة اليونانية بقدر ما تأثرت المسيحية. ولذلك فإنه إن كان من الصحيح القول إن العقل الأوروبي ظلَّ إغريقياً في جوهره رغم اعتناقه المسيحية، فإنه أيضاً من الصحيح أن نقول إن العقل المصري احتفظ بخاصيته اليونانية رغم اعتناقه الإسلام. وإنما هي الظروف التاريخية وحدها، خصوصاً السيطرة العثمانية الطويلة، هي ما نشأت عنها الفجوة بين الثقافتين، مما سمح لأوروبا بأن تتطور، بينما توقف نمو العقل المصري. إلا أن ما يهم هو أن جوهر العقل الأوروبي والعقل المصري هو جوهر واحد.

هذا المفهوم النظري عند طه حسين قام بترجمته إلى إجراءات عملية متى ما وجد نفسه في موقع رسمي يتيح له أن يترجم القناعات إلى سياسات، فكان هو من أدخل الدراسات اليونانية واللاتينية في جامعة فؤاد الأول (القاهرة لاحقاً)؛ بل إنه طرح وجوب إدخال تلك اللغتين القديمتين في المستوى الثانوي.

وبعدما فرغ من تقرير الأصول الجغرافية والتاريخية لتصوراته عن التماثل بين الأسس الفكرية للحضارتين المصرية والأوروبية، فإنه يمضي ليبين كيف أن العصر الحديث جاء ليعيد ربط الأواصر التي انقطعت. فهو يؤكد أن نهضة مصر الحديثة قد تأسست بأكملها على النموذج الأوروبي مادياً ومعنوياً. فعنده أن المصريين في كل شرائحهم الاجتماعية قد تبنوا النموذج الأوروبي للازدهار المادي؛ بل يرى أن الحياة المعنوية للمصريين أيضاً انبنت على النموذج الأوروبي، سواء في نظام الحكم أو نظام التعليم، أو حتى فيما يخص إصلاح الأزهر والمحاكم الشرعية. ولا يستثني من ذلك الميول الأوتوقراطية للأسرة الملكية الحاكمة في مصر وقتها، فلا ينسبها إلى النموذج العثماني للسلطان عبد الحميد الثاني، ولكن إلى ملك فرنسا في القرن السابع عشر، لويس الرابع عشر.

ومن المفارقات أنه لم يكن عند طه حسين (ولم يكن وحده في ذلك) أي شك في أن الهدف الوطني لمصر في تلك الفترة -وهو التخلص من السيطرة الأوروبية في شكل الاحتلال البريطاني- ليس من سبيل إليه سوى الاقتداء بالنموذج الأوروبي. فهو يقرر أن السبيل إلى الاستقلال السياسي والاقتصادي والثقافي «أن نرى الأشياء كما يراها الأوروبي، ونقوّم الأشياء كما يقوّمها، ونحكم على الأشياء كما يحكم عليها»، ويبلغ من حماسه لأَوْرَبة التعليم أنه يرى أن التمكن من لغة أوروبية شرط أساسي في تدريب المعلمين، لا يستثني من ذلك حتى معلمي اللغة العربية. ذلك أنه لا يستطيع أن يتصور أن «معلماً لأي مادة من مواد الدرس في التعليم العام يجهل الحياة الأوروبية، ويعجز عن أن يتصل بها اتصالاً مباشراً من طريق لغة من لغاتها الكبرى».

على أن افتتان طه حسين بالحضارة اليونانية، وإيمانه بأنها تمثل الأساس الفكري ليس للحضارة الأوروبية وحدها، وإنما أيضاً لمصر وشرق المتوسط عامة، هو أقدم من كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» (1938) وإنما كان الكتاب مجالاً لتفصيل وتطوير آراء عبَّر عنها قبله بمدة طويلة، خصوصاً في كتاب «قادة الفكر» المنشور سنة 1925، والذي ينطوي على عرض لأفكار أعلام يونانيين، من أمثال هومر وسقراط وأفلاطون وأرسطو والإسكندر الأكبر. نلمس افتتانه بالحضارة اليونانية أيضاً في ترجمته مسرحيتي سوفوكليس: «أوديب ملكاً»، و«أوديب في كولونا»، وفي ترجمته لكتاب أرسطو «نظام الأثينيين».

لم يحِد طه حسين عن هذه القناعات التي توصل إليها في صدر حياته الفكرية حتى مماته، وهو ما نراه في حوار أجراه معه الناقد غالي شكري، قبل أشهر من وفاته، ونُشر بعد ذلك في كتيب بعنوان «ماذا يبقى من طه حسين؟» (1974). يؤكد طه حسين لمحاوره أن مجاورة مصر لأوروبا ليست مجرد «جيرة جغرافية؛ بل تاريخية أيضاً، أي أنها جيرة حضارية. أما العرب فإن وحدة اللغة والدين تجعل ارتباطنا بهم أقوى، إنه ارتباط الثقافة والعقيدة. ولكننا جميعاً -مصريين وعرباً- نحتاج إلى التفاعل الحضاري مع أوروبا احتياجنا إلى الحياة نفسها. وما أقوله بوضوح هو أن شعوب البحر المتوسط مؤهلة أكثر من غيرها لهذا التفاعل». وفي موضع آخر من الحوار يؤكد أن «الدرس الذي يجب أن نتعلمه في نهاية الأمر، هو أن الحضارة كالحرية، كل لا يتجزأ. فكما لا نستطيع أن نأخذ الحرية السياسية دون الحرية الاقتصادية، لا نستطيع أن نأخذ من الحضارة الماكينات والآلات الكهربية ونترك الفكر والأدب والفن».



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.