امرؤ القيس يعود إلى بلاده بعد 15 قرناً عبر بوابة الدرعية

حوار افتراضي مع أول من نظم الشعر عند العرب عن حياته من اللهو إلى طلب الملك الضائع

اشتهرت تيماء بقصورها وأسوارها التاريخية ولعل «الأبلق» هو الأشهر
اشتهرت تيماء بقصورها وأسوارها التاريخية ولعل «الأبلق» هو الأشهر
TT

امرؤ القيس يعود إلى بلاده بعد 15 قرناً عبر بوابة الدرعية

اشتهرت تيماء بقصورها وأسوارها التاريخية ولعل «الأبلق» هو الأشهر
اشتهرت تيماء بقصورها وأسوارها التاريخية ولعل «الأبلق» هو الأشهر

بعد 15 قرناً من الغياب، يعود الشاعر العربي امرؤ القيس إلى الواجهة، وإلى بلاده نجد من خلال بوابة العاصمة الأولى للدولة السعودية في مرحلتها الأولى، بعد أن خصصت وزارة الثقافة السعودية مهرجاناً عن الشاعر الجاهلي، أول من نظم الشعر عند العرب، وحمل المهرجان اسم: امرؤ القيس - شاعر الغزل. وينظم المهرجان ابتداءً من اليوم الأربعاء، حتى الثاني عشر من هذا الشهر، ويتضمن فعاليات مستوحاة من حياة الشاعر في عصره، وذلك ضمن مبادرة «عام الشعر العربي 2023» التي تسعى إلى تعزيز مكانة الشعر العربي في ثقافة الفرد.

«الشرق الأوسط» أجرت هذا الحوار الافتراضي مع الشاعر صاحب أشهر المعلقات الجاهلية وأكملها دربة فنية، وأقصاها بعداً نفسياً، كما أجمع على ذلك النقاد المتقدمون والمتأخرون، وحفلت حياة الشاعر بالكثير من الأحداث والقصص، وحمل بسببها ألقاباً عديدة أشهرها: «الملك الضليل»، و«ذو القروح»، وهو من «بيت ملكي»؛ حيث كان والده حجر ملكاً على بني أسد الذين قتلوه، ليحمل ابنه امرؤ القيس الذي خلعه والده من هذا البيت وهو صغير بسبب مجونه ثأر أبيه، مطلقاً صرخته المشهورة وهو ثمل: ضيعني صغيراً وحملني ثأره كبيراً... اليوم خمر وغداً أمر.

وزارة الثقافة السعودية تنظم فعالية عن الشاعر امرئ القيس في الدرعية

هنا نص الحوار:

* أنت شاعر مشهور وكنت شخصية ضاجة صاخبة في ديوان الشعر العربي ولا تحتاج إلى تعريف، لكن غيابك منذ 15 قرناً يفرض أن تقدم نفسك للقراء كما تريد؟

- أنا امرؤ القيس ولدت في أوائل القرن السادس في نجد، ووالدي هو حُجر الكندي، ونشأت في قبيلة كندة، وأسرتي هي أسرة ملوك حيث كان والدي حجر ملكاً على بني أسد الذين ثاروا عليه لأنه كان يتعسف بهم ويفرض عليهم إتاوات أثقلت كاهلهم.

* لماذا خلعك والدك حجر من البيت الملكي، وماذا فعلت إزاء هذا الموقف وأنت ابن ملك؟

- أصدقك القول: إنني في مطلع حياتي لم أكن أهتم بأبهة المُلك، لقد كنت شغوفاً شغفاً شديداً بالحياة أقتنص لذاتها، وأعانق حيّها وجمادها. لقد خلعني والدي حجر من البيت الملكي - كما أشرت في سؤالك - لأنه لمس مني بعدي عن السياسة وإدارة الدولة، وبعد أن ظهر له مجوني وتهتكي وتشبيبي بنساء قبيلتي، فهمتُ على وجهي كالطريد الشريد. ولأنني أملك المال وأتكئ على أسرة معرقة في الملك، كونت جماعة من الصعاليك والخلعاء نسير في كل اتجاه من جزيرة العرب، لا نلوي على شيء ولا نخضع لبرنامج محدد، ننام متى شئنا ونستيقظ والطيور في أعشاشها، نقيم على ماء أو على كثيب رمل أو القرب من غدير ننصب خيمتنا تارة أو نطويها ونضعها على ظهر جمل ونفترش الأرض ونلتحف السماء.

* وماذا تم بعد؟

- لما وافاني نعي أبي بعد مقتله تملكني الجزع وفدحني الخطب، فأخذت أضرب بين القبائل، مؤلباً للثأر من بني أسد، وشعرت أن أبي ضيعني وأنا صغير وحملني دمه وأنا كبير، وآل إليّ ملك متداع، مخضب بالدم ومشحون بالثارات.

*هل يمكن القول إنك ولجت إلى السياسة من بابها الملحمي بعد مقتل أبيك، وعقدت العزم على الثأر من قاتليه؟

- نعم لقد بدأت حياتي لاهياً مستهتراً ثم تصرفت بي الأحداث وقادتني من النقيض إلى النقيض، وحملت على كتفي وقر الهموم والثأر، لألج إلى السياسة من بابها الملحمي كما وصفت، أقود الجحافل بعد أن أنفقت شبابي في مقارعة كؤوس اللهو والمنادمة.

*طرح الناقد الجاحظ رأياً عنك، هل ترى أنه أنصفك؟

- شكراً للجاحظ فقد قال عني: أنني أول من نظم الشعر عند العرب، كما أجمع النقاد القدماء على أني أول من وقف واستوقف وبكى واستبكى.

*سجلت كتب الأدب مناظره شهيرة بينك وبين الشاعر علقمة الفحل الذي عاصرته مع شعراء آخرين من سادة الشعر الجاهلي مثل عمرو بن كلثوم والنابغة. هل من الممكن أن تورد قصة هذه المناظرة؟

- نعم حدثت مناظرة بيني وبين الشاعر علقمة الفحل فيما يمكن تسميته بالشعر البديهي، بحضور زوجتي أم جندب، وهي بالمناسبة ذواقة للشعر وفنونه، وتملك حساً نقدياً عالياً؛ حيث طلبت زوجتي منا شعراً نصف به الخيل فقال كل منا على الفور قصيدة طويلة. وكان مطلع قصيدتي:

خليلي، مرا بي على أم جندب

لنقضي لبانات الفؤاد المعذب

في حين كان مطلع قصيدة علقمة:

ذهبت من الهجران في كل مذهب

ولم يك حقاً كل هذا التجنب

وقد حكمت زوجتي أم جندب لقصيدة علقمة على قصيدتي، وبررت تفضليها ذاك بكشف مبدع، فقالت: إنك (أي امرئ القيس) زجرت فرسك وجهدته بالسوط، ومريته بساقك عندما قلت:

فللسوط ألهوب وللساق درة

وللزجر منه وقع أهوج متعب

وقد لاحظت زوجتي أم جندب الطريقة السهلة اللطيفة التي عالج بها علقمة فرسه وهو يكر بها، من دون ضغط ولا قسر حين قال:

فأدركهن ثانياً من عنانه

يمر كمر الرائح المتحلب

* والدي خلعني صغيراً من «البيت الملكي» بسبب مجوني وحملّني ثأره كبيراً بعد مقتله

* أول مناظرة في التاريخ الشعري تمت بيني وبين علقمة الفحل وزوجتي أم جندب فضلت شعره على شعري

* آلام نفسية أشعر بها بعد مقتل ابن الشاعر السموأل لأني كنت سبباً في ذلك

* أقول للسعوديين: لقد أسستم دولة حضارية مثل أسلافكم منذ آلاف السنين فحافظوا عليها

وقالت تشرح تحليلها للبيت: فأدرك علقمة الطريدة وهو ثانٍ من عنان فرسه، ولم يضربه بسوط، ولا مراه بساق ولا زجره.

* ما قصتك مع الشاعر صموئيل بن عاديا الشاعر المعروف باسم السموأل صاحب قصر «الأبلق» الذي يعد أول نزل (الفندق في وقتنا الحاضر) وهي قصه هزتّ الإباء العربي وسط الصحراء العربية عندما ضحى بابنه مقابل عدم تسليم دروعك التي سلمتها له أثناء رحلتك لإعادة ملكك الضائع؟

- إنك بسؤالك هذا تزيد مواجعي، لأنني كنت سبباً في مقتل ابن الشاعر السموأل وكنت أحد شخوص القصة، حيث شهد القصر فصولاً عن هذا الحدث الذي يدل على الوفاء والصمود والحزم أمام اختيار رهيب ورفض لامتهان الإنسان وقيمه بكل غال كي لا ينكث عهد الأمانة.

وجاءت فصول القصة عندما أودعت دروعي التي ورثتها عن أبي الملك المقتول، عند الشاعر السموأل صاحب الحصن المنيع الأبلق لتكون وديعة خلال رحلتي إلى بلاد الروم لطلب المساعدة منهم في استعادة ملك أبي الضائع والأخذ بالثأر من واتري، ولما علم الحارث الغسّاني ملك الغساسنة بقصة الدروع طلب من السموأل تسليمها إليه، لكنّه رفض طلبه وهو ما يعد نكثاً لعهد الأمانة، ولم يجد الملك الغساني الذي أرسل جيشاً لهذا الغرض أمام هذا الرفض غير القبض على ابن السموأل الذي كان وقتها خارج القصر المنيع، وخيّر والده بين حياة ابنه وبين أن يخون العهد، بإعطاء الدروع إلى غير صاحبها، فاختار الخيار الصعب وهو التضحية بالابن.

* دائماً ما تردد في شعرك العذارى، هل يعني هذا أنك تفضل العذارى على سائر النساء؟

- لا هذا الكلام غير صحيح لكن العذارى جزءٌ من مغامراتي مع النساء، لقد طرقت أبواب كل النساء، كانت أيام لهوي مع صوحباتي في دارة جلجل يوم نعمت معهن وسعدت بهن وقلت فيها:

ألا رب يوم لك منهن صالح

ولا سيما يوم بدارة جلجل

ويوم عقرت للعذارى مطيتي

فيا عجباً من كورها المتحمل

فظل العذارى يرتمين بلحمها

وشحم كهداب الدمقس المفتل

عندما نحرت للعذارى مطيتي، عجبت من نفسي لذلك، وقضيت على راكبها أن يتحملوا على مطية أخرى، والعذارى كل واحدة ترمي قطعاً منها إلى الأخرى وشحمها المسترسل شديد البياض كالدمقس، أو كما تسمونه اليوم بالحرير الأبيض.

لقد طرقت ليلاً خدر كثيرات مثل محبوبتي عنيزة عندما دخلت عليها في خدرها، وكن حبالى فأغويت الواحدة عن طفلها وألهيتها، وقد أردت بذلك أن أظهر شدة تتيم النساء بي وإقبالهن علّي:

فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع

فألهيتها عن ذي التمائم محول

* محبوباتك حملن أسماء كثيرة: عنيزة، فاطمة، أم الرباب، أم الحويرث، هل هي أسماء حقيقية أم أنها رموز لنساء مررت عليهن مروراً عابراً؟

- إنها أسماء حقيقية فعلاً، وقد ذكرتهن جميعاً مع تحديد مساكنهن في معلقتي التي مطلعها:

قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل

بسقط اللوى بين الدخول فحومل

فقد ذكرت أسماء المحبوبات:

كدأبك من «أم الحويرث» قبلها

وجارتها «أم الرباب» بمأسل

إذا قامتا تضوع المسك منهما

نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل

ويوم دخلت الخدر خدر «عنيزة»

فقالت لك الويلات إنك مرجلي

تقول وقد مال الغبيط بنا معاً

عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل

...

«أفاطم» مهلاً بعض هذا التدلل

وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي

أغرك مني أن حبك قاتلي

وأنك مهما تأمري القلب يفعلِ

* لوحظ أن كثيراً، إن لم يكن جل الشعراء في عصركم، خصوصاً أصحاب المعلقات السبع، وأنت واحد منهم، لم تظهر في أشعاركم أي نزعة عقائدية، عدا الشاعر لبيد بن ربيعة، الذي عرف بتقواه ولحق بالنبي محمد، وكان من المؤلفة قلوبهم في الإسلام، ما هو تفسيرك لذلك؟

- نعم أغلب المعلقات السبع في عصر ما قبل الإسلام الذي تسمونه بالعصر الجاهلي، وما بعده الذي تسمونه بالعصر المخضرم، لم تظهر في أشعارهم نزعة عقائدية رغم أنهم عاشوا في أجواء الوثنية واليهودية والمسيحية والزرادشية، وغيرها من الديانات والعقائد. لقد انشغل هؤلاء الشعراء وأنا واحد منهم بالغزل والتغني بالطبيعة والمرأة، وأغلبهم عاش في قومه عيشة السادة وطلب ملك ضائع لهم، وتنظيم المراثي المتفجعة في فقد عزيز لديهم مثل لبيد بن ربيعة الذي فجع بمقتل أخيه «أربد»، ومثل المهلهل في مراثي أخيه «كليب»، والشاعرة الخنساء في مراثي أخيها «صخر»، كما أن الأعشى الشاعر الذي عرف بحبه للنساء والخمر لم تبد عنده نزعة عقائدية رغم أنه صار إلى النبي محمد للقائه، لكن صناديد قريش منعوه، وقد نظم قصيدة في النبي امتدحه فيها، وقد تكون هذه هي إعلان إسلامه.

أما بالنسبة لي فإنني أعترف بأني أمعنت في الوصف والغزل والتفرغ للتغني بالطبيعة والمرأة بشكل فاحش.

* أنت اليوم في محافظة الدرعية القريبة من الرياض (حجر اليمامة)، مسماها السابق التي مررت بها مرات كثيرة في طريق رحلتك إلى المجهول لاهياً وثائراً، ماذا تقول؟

- يا الله أما زالت تلك القرية (حجر) باقية وقائمة وصامدة إلى اليوم منذ آلاف السنين، نعم أعرف الرياض جيداً بمسماها حجر، وقد ذكرها زملائي الشعراء ومنهم خالي المهلهل في بيت من قصيدة قالها بعد أن أخذ بثأره من قاتل أخيه كليب:

فلولا الريح أُسمع من بحجر

صليل البيض تقرع بالذكور

وقد عد هذا البيت أكذب بيت قيل لأن المسافة بين حجر ومعركة الذنائب ثلاثة أيام.

* بعد غيبة طويلة عن نجد أو اليمامة تحديداً منذ حوالي 1500 عام، تعود إليها اليوم في محافظة الدرعية القريبة من الرياض التي تعرفها باسم حجر، ماذا تقول عن ذلك؟

- وجدت بلاداً كبيرة وعاصمتين لها الدرعية والرياض، وعلمت أنهما عاصمتان لدولة تسمى المملكة العربية السعودية وتأسست منذ 300 عام على مراحل ثلاث، وقد حكمها أسرة آل سعود، من بني حنيفة القبيلة الموغلة في القدم وأفرادها أولو عزم وبأس وشدة، وكانوا حكاماً على المنطقة منذ آلاف السنين.

وقد أُبلغت بأن حاكمها اليوم هو الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ويعد سابع حكام الدولة في مرحلتها الثالثة التي أسسها والده الملك عبد العزيز، الذي يشاركني بأنه كان طالب مُلك آبائه وأجداده، وقد نجح في ذلك، في حين أنني لم أستطع إعادة ملك أبي الذي تضعضع، كما أبلغت بأن الملك سلمان ملك رحيم وعادل وحازم في الوقت نفسه، ديدنه وهاجسه إحقاق الحق وتنمية بلاده، وجعلها حاضرة في هذه المعمورة، وقد نجح في ذلك، كما يساعده نجله ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وهو شاب متقد الحماس لإنشاء دولة عظيمة تذكرني بالحضارات والدول التي قامت على هذه الأرض.

وأجدها فرصة لأشكر الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان والشعب السعودي، وأقول لهم: «لقد أسستم دولة حضارية مثل أسلافكم منذ آلاف السنين فحافظوا عليها».



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.