امرؤ القيس يعود إلى بلاده بعد 15 قرناً عبر بوابة الدرعية

حوار افتراضي مع أول من نظم الشعر عند العرب عن حياته من اللهو إلى طلب الملك الضائع

اشتهرت تيماء بقصورها وأسوارها التاريخية ولعل «الأبلق» هو الأشهر
اشتهرت تيماء بقصورها وأسوارها التاريخية ولعل «الأبلق» هو الأشهر
TT

امرؤ القيس يعود إلى بلاده بعد 15 قرناً عبر بوابة الدرعية

اشتهرت تيماء بقصورها وأسوارها التاريخية ولعل «الأبلق» هو الأشهر
اشتهرت تيماء بقصورها وأسوارها التاريخية ولعل «الأبلق» هو الأشهر

بعد 15 قرناً من الغياب، يعود الشاعر العربي امرؤ القيس إلى الواجهة، وإلى بلاده نجد من خلال بوابة العاصمة الأولى للدولة السعودية في مرحلتها الأولى، بعد أن خصصت وزارة الثقافة السعودية مهرجاناً عن الشاعر الجاهلي، أول من نظم الشعر عند العرب، وحمل المهرجان اسم: امرؤ القيس - شاعر الغزل. وينظم المهرجان ابتداءً من اليوم الأربعاء، حتى الثاني عشر من هذا الشهر، ويتضمن فعاليات مستوحاة من حياة الشاعر في عصره، وذلك ضمن مبادرة «عام الشعر العربي 2023» التي تسعى إلى تعزيز مكانة الشعر العربي في ثقافة الفرد.

«الشرق الأوسط» أجرت هذا الحوار الافتراضي مع الشاعر صاحب أشهر المعلقات الجاهلية وأكملها دربة فنية، وأقصاها بعداً نفسياً، كما أجمع على ذلك النقاد المتقدمون والمتأخرون، وحفلت حياة الشاعر بالكثير من الأحداث والقصص، وحمل بسببها ألقاباً عديدة أشهرها: «الملك الضليل»، و«ذو القروح»، وهو من «بيت ملكي»؛ حيث كان والده حجر ملكاً على بني أسد الذين قتلوه، ليحمل ابنه امرؤ القيس الذي خلعه والده من هذا البيت وهو صغير بسبب مجونه ثأر أبيه، مطلقاً صرخته المشهورة وهو ثمل: ضيعني صغيراً وحملني ثأره كبيراً... اليوم خمر وغداً أمر.

وزارة الثقافة السعودية تنظم فعالية عن الشاعر امرئ القيس في الدرعية

هنا نص الحوار:

* أنت شاعر مشهور وكنت شخصية ضاجة صاخبة في ديوان الشعر العربي ولا تحتاج إلى تعريف، لكن غيابك منذ 15 قرناً يفرض أن تقدم نفسك للقراء كما تريد؟

- أنا امرؤ القيس ولدت في أوائل القرن السادس في نجد، ووالدي هو حُجر الكندي، ونشأت في قبيلة كندة، وأسرتي هي أسرة ملوك حيث كان والدي حجر ملكاً على بني أسد الذين ثاروا عليه لأنه كان يتعسف بهم ويفرض عليهم إتاوات أثقلت كاهلهم.

* لماذا خلعك والدك حجر من البيت الملكي، وماذا فعلت إزاء هذا الموقف وأنت ابن ملك؟

- أصدقك القول: إنني في مطلع حياتي لم أكن أهتم بأبهة المُلك، لقد كنت شغوفاً شغفاً شديداً بالحياة أقتنص لذاتها، وأعانق حيّها وجمادها. لقد خلعني والدي حجر من البيت الملكي - كما أشرت في سؤالك - لأنه لمس مني بعدي عن السياسة وإدارة الدولة، وبعد أن ظهر له مجوني وتهتكي وتشبيبي بنساء قبيلتي، فهمتُ على وجهي كالطريد الشريد. ولأنني أملك المال وأتكئ على أسرة معرقة في الملك، كونت جماعة من الصعاليك والخلعاء نسير في كل اتجاه من جزيرة العرب، لا نلوي على شيء ولا نخضع لبرنامج محدد، ننام متى شئنا ونستيقظ والطيور في أعشاشها، نقيم على ماء أو على كثيب رمل أو القرب من غدير ننصب خيمتنا تارة أو نطويها ونضعها على ظهر جمل ونفترش الأرض ونلتحف السماء.

* وماذا تم بعد؟

- لما وافاني نعي أبي بعد مقتله تملكني الجزع وفدحني الخطب، فأخذت أضرب بين القبائل، مؤلباً للثأر من بني أسد، وشعرت أن أبي ضيعني وأنا صغير وحملني دمه وأنا كبير، وآل إليّ ملك متداع، مخضب بالدم ومشحون بالثارات.

*هل يمكن القول إنك ولجت إلى السياسة من بابها الملحمي بعد مقتل أبيك، وعقدت العزم على الثأر من قاتليه؟

- نعم لقد بدأت حياتي لاهياً مستهتراً ثم تصرفت بي الأحداث وقادتني من النقيض إلى النقيض، وحملت على كتفي وقر الهموم والثأر، لألج إلى السياسة من بابها الملحمي كما وصفت، أقود الجحافل بعد أن أنفقت شبابي في مقارعة كؤوس اللهو والمنادمة.

*طرح الناقد الجاحظ رأياً عنك، هل ترى أنه أنصفك؟

- شكراً للجاحظ فقد قال عني: أنني أول من نظم الشعر عند العرب، كما أجمع النقاد القدماء على أني أول من وقف واستوقف وبكى واستبكى.

*سجلت كتب الأدب مناظره شهيرة بينك وبين الشاعر علقمة الفحل الذي عاصرته مع شعراء آخرين من سادة الشعر الجاهلي مثل عمرو بن كلثوم والنابغة. هل من الممكن أن تورد قصة هذه المناظرة؟

- نعم حدثت مناظرة بيني وبين الشاعر علقمة الفحل فيما يمكن تسميته بالشعر البديهي، بحضور زوجتي أم جندب، وهي بالمناسبة ذواقة للشعر وفنونه، وتملك حساً نقدياً عالياً؛ حيث طلبت زوجتي منا شعراً نصف به الخيل فقال كل منا على الفور قصيدة طويلة. وكان مطلع قصيدتي:

خليلي، مرا بي على أم جندب

لنقضي لبانات الفؤاد المعذب

في حين كان مطلع قصيدة علقمة:

ذهبت من الهجران في كل مذهب

ولم يك حقاً كل هذا التجنب

وقد حكمت زوجتي أم جندب لقصيدة علقمة على قصيدتي، وبررت تفضليها ذاك بكشف مبدع، فقالت: إنك (أي امرئ القيس) زجرت فرسك وجهدته بالسوط، ومريته بساقك عندما قلت:

فللسوط ألهوب وللساق درة

وللزجر منه وقع أهوج متعب

وقد لاحظت زوجتي أم جندب الطريقة السهلة اللطيفة التي عالج بها علقمة فرسه وهو يكر بها، من دون ضغط ولا قسر حين قال:

فأدركهن ثانياً من عنانه

يمر كمر الرائح المتحلب

* والدي خلعني صغيراً من «البيت الملكي» بسبب مجوني وحملّني ثأره كبيراً بعد مقتله

* أول مناظرة في التاريخ الشعري تمت بيني وبين علقمة الفحل وزوجتي أم جندب فضلت شعره على شعري

* آلام نفسية أشعر بها بعد مقتل ابن الشاعر السموأل لأني كنت سبباً في ذلك

* أقول للسعوديين: لقد أسستم دولة حضارية مثل أسلافكم منذ آلاف السنين فحافظوا عليها

وقالت تشرح تحليلها للبيت: فأدرك علقمة الطريدة وهو ثانٍ من عنان فرسه، ولم يضربه بسوط، ولا مراه بساق ولا زجره.

* ما قصتك مع الشاعر صموئيل بن عاديا الشاعر المعروف باسم السموأل صاحب قصر «الأبلق» الذي يعد أول نزل (الفندق في وقتنا الحاضر) وهي قصه هزتّ الإباء العربي وسط الصحراء العربية عندما ضحى بابنه مقابل عدم تسليم دروعك التي سلمتها له أثناء رحلتك لإعادة ملكك الضائع؟

- إنك بسؤالك هذا تزيد مواجعي، لأنني كنت سبباً في مقتل ابن الشاعر السموأل وكنت أحد شخوص القصة، حيث شهد القصر فصولاً عن هذا الحدث الذي يدل على الوفاء والصمود والحزم أمام اختيار رهيب ورفض لامتهان الإنسان وقيمه بكل غال كي لا ينكث عهد الأمانة.

وجاءت فصول القصة عندما أودعت دروعي التي ورثتها عن أبي الملك المقتول، عند الشاعر السموأل صاحب الحصن المنيع الأبلق لتكون وديعة خلال رحلتي إلى بلاد الروم لطلب المساعدة منهم في استعادة ملك أبي الضائع والأخذ بالثأر من واتري، ولما علم الحارث الغسّاني ملك الغساسنة بقصة الدروع طلب من السموأل تسليمها إليه، لكنّه رفض طلبه وهو ما يعد نكثاً لعهد الأمانة، ولم يجد الملك الغساني الذي أرسل جيشاً لهذا الغرض أمام هذا الرفض غير القبض على ابن السموأل الذي كان وقتها خارج القصر المنيع، وخيّر والده بين حياة ابنه وبين أن يخون العهد، بإعطاء الدروع إلى غير صاحبها، فاختار الخيار الصعب وهو التضحية بالابن.

* دائماً ما تردد في شعرك العذارى، هل يعني هذا أنك تفضل العذارى على سائر النساء؟

- لا هذا الكلام غير صحيح لكن العذارى جزءٌ من مغامراتي مع النساء، لقد طرقت أبواب كل النساء، كانت أيام لهوي مع صوحباتي في دارة جلجل يوم نعمت معهن وسعدت بهن وقلت فيها:

ألا رب يوم لك منهن صالح

ولا سيما يوم بدارة جلجل

ويوم عقرت للعذارى مطيتي

فيا عجباً من كورها المتحمل

فظل العذارى يرتمين بلحمها

وشحم كهداب الدمقس المفتل

عندما نحرت للعذارى مطيتي، عجبت من نفسي لذلك، وقضيت على راكبها أن يتحملوا على مطية أخرى، والعذارى كل واحدة ترمي قطعاً منها إلى الأخرى وشحمها المسترسل شديد البياض كالدمقس، أو كما تسمونه اليوم بالحرير الأبيض.

لقد طرقت ليلاً خدر كثيرات مثل محبوبتي عنيزة عندما دخلت عليها في خدرها، وكن حبالى فأغويت الواحدة عن طفلها وألهيتها، وقد أردت بذلك أن أظهر شدة تتيم النساء بي وإقبالهن علّي:

فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع

فألهيتها عن ذي التمائم محول

* محبوباتك حملن أسماء كثيرة: عنيزة، فاطمة، أم الرباب، أم الحويرث، هل هي أسماء حقيقية أم أنها رموز لنساء مررت عليهن مروراً عابراً؟

- إنها أسماء حقيقية فعلاً، وقد ذكرتهن جميعاً مع تحديد مساكنهن في معلقتي التي مطلعها:

قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل

بسقط اللوى بين الدخول فحومل

فقد ذكرت أسماء المحبوبات:

كدأبك من «أم الحويرث» قبلها

وجارتها «أم الرباب» بمأسل

إذا قامتا تضوع المسك منهما

نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل

ويوم دخلت الخدر خدر «عنيزة»

فقالت لك الويلات إنك مرجلي

تقول وقد مال الغبيط بنا معاً

عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل

...

«أفاطم» مهلاً بعض هذا التدلل

وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي

أغرك مني أن حبك قاتلي

وأنك مهما تأمري القلب يفعلِ

* لوحظ أن كثيراً، إن لم يكن جل الشعراء في عصركم، خصوصاً أصحاب المعلقات السبع، وأنت واحد منهم، لم تظهر في أشعاركم أي نزعة عقائدية، عدا الشاعر لبيد بن ربيعة، الذي عرف بتقواه ولحق بالنبي محمد، وكان من المؤلفة قلوبهم في الإسلام، ما هو تفسيرك لذلك؟

- نعم أغلب المعلقات السبع في عصر ما قبل الإسلام الذي تسمونه بالعصر الجاهلي، وما بعده الذي تسمونه بالعصر المخضرم، لم تظهر في أشعارهم نزعة عقائدية رغم أنهم عاشوا في أجواء الوثنية واليهودية والمسيحية والزرادشية، وغيرها من الديانات والعقائد. لقد انشغل هؤلاء الشعراء وأنا واحد منهم بالغزل والتغني بالطبيعة والمرأة، وأغلبهم عاش في قومه عيشة السادة وطلب ملك ضائع لهم، وتنظيم المراثي المتفجعة في فقد عزيز لديهم مثل لبيد بن ربيعة الذي فجع بمقتل أخيه «أربد»، ومثل المهلهل في مراثي أخيه «كليب»، والشاعرة الخنساء في مراثي أخيها «صخر»، كما أن الأعشى الشاعر الذي عرف بحبه للنساء والخمر لم تبد عنده نزعة عقائدية رغم أنه صار إلى النبي محمد للقائه، لكن صناديد قريش منعوه، وقد نظم قصيدة في النبي امتدحه فيها، وقد تكون هذه هي إعلان إسلامه.

أما بالنسبة لي فإنني أعترف بأني أمعنت في الوصف والغزل والتفرغ للتغني بالطبيعة والمرأة بشكل فاحش.

* أنت اليوم في محافظة الدرعية القريبة من الرياض (حجر اليمامة)، مسماها السابق التي مررت بها مرات كثيرة في طريق رحلتك إلى المجهول لاهياً وثائراً، ماذا تقول؟

- يا الله أما زالت تلك القرية (حجر) باقية وقائمة وصامدة إلى اليوم منذ آلاف السنين، نعم أعرف الرياض جيداً بمسماها حجر، وقد ذكرها زملائي الشعراء ومنهم خالي المهلهل في بيت من قصيدة قالها بعد أن أخذ بثأره من قاتل أخيه كليب:

فلولا الريح أُسمع من بحجر

صليل البيض تقرع بالذكور

وقد عد هذا البيت أكذب بيت قيل لأن المسافة بين حجر ومعركة الذنائب ثلاثة أيام.

* بعد غيبة طويلة عن نجد أو اليمامة تحديداً منذ حوالي 1500 عام، تعود إليها اليوم في محافظة الدرعية القريبة من الرياض التي تعرفها باسم حجر، ماذا تقول عن ذلك؟

- وجدت بلاداً كبيرة وعاصمتين لها الدرعية والرياض، وعلمت أنهما عاصمتان لدولة تسمى المملكة العربية السعودية وتأسست منذ 300 عام على مراحل ثلاث، وقد حكمها أسرة آل سعود، من بني حنيفة القبيلة الموغلة في القدم وأفرادها أولو عزم وبأس وشدة، وكانوا حكاماً على المنطقة منذ آلاف السنين.

وقد أُبلغت بأن حاكمها اليوم هو الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ويعد سابع حكام الدولة في مرحلتها الثالثة التي أسسها والده الملك عبد العزيز، الذي يشاركني بأنه كان طالب مُلك آبائه وأجداده، وقد نجح في ذلك، في حين أنني لم أستطع إعادة ملك أبي الذي تضعضع، كما أبلغت بأن الملك سلمان ملك رحيم وعادل وحازم في الوقت نفسه، ديدنه وهاجسه إحقاق الحق وتنمية بلاده، وجعلها حاضرة في هذه المعمورة، وقد نجح في ذلك، كما يساعده نجله ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وهو شاب متقد الحماس لإنشاء دولة عظيمة تذكرني بالحضارات والدول التي قامت على هذه الأرض.

وأجدها فرصة لأشكر الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان والشعب السعودي، وأقول لهم: «لقد أسستم دولة حضارية مثل أسلافكم منذ آلاف السنين فحافظوا عليها».



الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما
TT

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران وما يولده من رهاب ويستتبعه من خرائب، باحتمالات الفهم والتأويل الروائيين للأمكنة، التي مثلت إحدى أهم ركائز الوعي الأوروبي بالجغرافيا وبتحولات المدن والأرياف في القارة العجوز، وهو الفهم الذي جعل تييري پاكو يرى في الانتماء إلى «مكانٍ ما»، الأساس المرجعي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور.

سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بروست» إلى «آني إرنو» إلى «كريستيان بوبان» ومن «بول أوستر» إلى «فليب توسان»، وآخرين... للبرهنة على جوهرية وجود هذا الـ«مكان ما»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفاً كاملاً من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلى الذهن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجوده، وعلاقاته بالآخرين وبالأرض، قابلاً للفهم والإدراك» (ص 13).

وبناء عليه يتحول العمران إلى علة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاته الذي يكون فيه الدمار قاعدة لـ«تبيئة» الوجود الشخصي، وبيان تعلقه بالمدن التي ينتسب لها، وما تحتويه من شوارع وساحات وحدائق ومرافق صمدت أو انمحت أو تحولت إلى أطلال مهجورة. حتى المنفي، والمُهجّر، والمشرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضاً «مكان ما»؛ يحنون إليه، أو يبحثون عنه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجاً بين «ما هو فِطري/أصلي» و«ما هو كوني»، بين «الوطن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه».

والظاهر أنه حين كتب الروائي المغربي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عليه شخصه» في مدينة هدها الزلزال؛ كان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلزالاً رهيباً محا معالم المدينة، ولحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني للمدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوماً ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنه مصير يلغي الدعامات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده.

تشيد الرواية دوما ما يسميه تييري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الألمانية die Heimat العصية على الترجمة، والتي تعني في آنٍ واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمكان الذي نصير فيه ما نحن عليه، والملاذ، والمهد، وبلد الأصل» (ص 12). ففي الرواية نعثر دوماً على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخل الشوارع والمقاهي والعمارات والحدائق ودور السينما والمكتبات والبارات والمطاعم...، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المنتمية إلى «مكان ما» داخلها، لتغدو تدريجياً مدناً متخيلة، تنتمي لذاكرة وزمن وطراز عمران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مالي؛ ليست «سان بترسبورغ» المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، هي لينينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة «لوسيمافور» بمرسيليا، حول ما جرى في أحد أيام حصار «كومونة باريس» سنة 1871، نشرت ضمن كتاب «الأسبوع الدامي»، يقول: «هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... على التمرد أن يُسحق في مهده بمونمارتر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس» (ص 34).

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوماً أنه يساري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديراً بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الأحداث التي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المنمحي والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايات الحروب الأهلية المتناسلة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى «المحل الوجداني» (بتعبير تييري پاكو) في خريطة عمائر المدن المنزاحة إلى اليباب.

قبل عقد، أو يزيد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حواراً نظمه «المركز العربي للعمارة» و«بيت الكتب»، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة «بدايات»؛ دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معاً في جبهة واحدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت للأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول:

«نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا».


قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
TT

قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي

تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثرية تُعرف اليوم بالقصور الأموية، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرقي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويتميّز بضخامة أسسه المعمارية. في المقابل، يقع القصر الآخر جنوب غربي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله التي تجمع بين فنون النقش والنحت والرسم والتلوين. صمدت أطلال القصر الشرقي، وظلّت ماثلة أمام الأعين، كما شهد الرحالة الذين مرّوا بها وأشاروا إليها منذ القرن السابع عشر. مهّدت هذه الشهادات لاستكشاف الموقع في العقود الأولى من القرن العشرين، غير أن أعمال المسح والتنقيب لم تنطلق فعلياً إلاّ في عام 1964، حين شرعت بعثة أميركية تابعة لجامعة ميشيغان بإجراء حملة أولى فيه، تبعتها سلسلة من الحملات استمرت حتى 1972.

بويع هشام بن عبد الملك بالخلافة في دمشق بعد وفاة أخيه يزيد في عام 724، وكان عمره يوم استُخلف 34 سنة. حسب رواية نقلها الطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، كان هشام يومها «بالزيتونة، منزله في دويرة له هناك»، فركب من الرصافة حتى أتى دمشق بعدما «جاءه البريد بالعصا والخاتم، وسُلّم عليه بالخلافة». وحسبما سجّله ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، «الزيتونة موضع كان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام فلما عمّر الرصافة، انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات». انطلاقاً من هذه الشواهد الأدبية، حاول علماء الآثار تحديد موقع قصر هشام في المنطقة التي عُرفت قديماً باسم الزيتونة، واختلفت آراؤهم في هذا المجال. فبينما رأى العالم الفرنسي جان سوفاجي أنها المنطقة التي يقع فيها قصر الحير الشرقي، رأى زميله دانيال شلومبرغر أن الموضع الذي سكنه الخليفة الأموي العاشر قبل أن ينتقل إلى الرصافة في شمال سوريا على الفرات، ما هو إلا موضع قصر الحير الغربي.

كان القصر الشرقي خربة مائلة وسط الصحراء، وأول من أشار إليها كان الرحالة الإيطالي بيترو ديللو فاللي في مدوّنته التي نُشرت في عام 1667 تحت عنوان «رحلات»، وفيها ذكر أن هذا البناء الضخم يُعرف محليّاً باسم «الحير»، وأضاف متهكّماً أنّ سكان المنطقة ينسبونه إلى النبي سليمان. بعدها، ألمح عالم الخرائط الألماني كارستن نيبور إلى هذا القصر حين رافق البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وجاءت هذه الإشارة المقتضبة في تقرير نُشر عام 1774. بدوره، مرّ الرحالة البريطاني سير آير كوت بهذا القصر، وقدّم وصفاً سطحياً له، نُشر في عام 1860، في مقالة تناولت الرحلة التي قام بها «من بصرا إلى حلب في 1780». مهّدت هذه الشهادات لدراسة علميّة أولى قام بها القنصل الفرنسي جاك روسو، ونشرها عام 1808 في كتابه «رحلة من بغداد إلى حلب». خرج قصر الحير الشرقي من الظلمة إلى النور، وقصده المستعرب الدنماركي في 1893، وقدّم وصفاً له في مقالة علمية نُشرت في 1895.

عاد جاك روسو من قصر الحير حاملاً معه نقشاً فُقد أثره لاحقاً للأسف، وهذا النقش بالغ الأهمية، إذ يذكر اسم صاحب القصر وتاريخ بنائه، ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، أمر بصنعة هذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين، وكان هذا ممّا عمل أهل حمص على يد سليمان بن عبيد سنة عشر ومائة». اتّضحت هويّة البناء في زمن سبق استكشاف سلسلة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في بوادي بلاد الشام، وأسهم هذا الإيضاح في انطلاق الدراسات الخاصة بقصر الحير الشرقي منذ ذلك التاريخ. زار العالم الفرنسي الموقع في أبريل (نيسان) 1925، وزاره ثانية في مايو (أيار)، وقدّم مقالة علمية خاصة به نُشرت في 1927. توالت الاكتشافات الأثرية الأموية في السنوات التالية، وبرز قصر الحير الشرقي بضخامته التي جعلت منه أشبه بـ«مدينة»، كما جاء في النقش الذي حمله معه جاك روسو. في عام 1964، تولّت البعثة الأميركية التابعة لجامعة ميشيغان مهمّة أعمال المسح والتنقيب في الموقع تحت إدارة العالم الفرنسي أوليغ غرابار. توالت حملات هذه البعثة حتى عام 1972، ونُشرت نتيجة أبحاثها في كتاب أصدرته جامعة هارفارد في 1978، تحت عنوان «مدينة في الصحراء».

شُيِّد هذا القصر بين عام 728 وعام 729 للميلاد في البادية، في منتصف الطريق بين تدمر والفرات، وترتفع أطلاله اليوم على بعد 30 كيلومتراً شمال قرية السخنة شرقاً، وتشكّل مجمعاً ضخماً يتكوّن من بناءين لا تزال جدرانهما قائمة، يحيط بكل منهما سور مربع الشكل. أحد هذين الحرمين كبير، والآخر صغير، ومن هنا جاءت تسميتهما بالقصر الكبير والقصر الصغير. يبلغ أطول أضلاع القصر الصغير نحو 70 متراً، وتحدّ زواياه أربعة بروج مستديرة، وبابه بين برجين في وسط الجانب الغربي. تتوسّط هذا البناء باحة تحيط بها سلسلة من الغرف بُنيت بحجر الآجرّ، تشكّل على الأرجح القصر الملكي، وما بقي من زينة هذا القصر بضعة نقوش تظهر على أعلى برجي مدخله وعلى بعض جدرانه.

في المقابل، يبلغ طول أكبر أضلاع سور الحرم الكبير 160 متراً، ويحدّه 28 برجاً، منها برجان يحملان نقوشاً تذكر اسم الخليفة هشام عبد الملك. ولهذا البناء أربعة مداخل يقع كلّ منها في منتصف كل جانب، تشكّل أربعة أبواب متناظرة، وفي زاويته الجنوبية الشرقية مسجد لا تزال أسسه قائمة. يبدو هذا البناء أشبه بمدينة صغيرة تحوي وحدات سكنية، منها ستة بيوت كبيرة ومجموعة من البيوت الصغيرة، ومنشآت صناعية، ومعصرة زيتون، إضافةً إلى حمام، ومبنيين تتوسّط كلاً منهما ساحةٌ مركزية.

لم يقف استكشاف هذه المدينة عند هذا الحد. استمرّت أعمال البحث، وقامت بعثة سورية سويسرية مشتركة بمسح منطقة سكنية أخرى من الموقع لجهة الشمال بين عام 2007 وعام 2010، وأدت هذه الحملات إلى العثور على قطع من النقوش تشكّل مجموعة من مجموعات الميراث الأموي. بعض هذه القطع زخرفي يجمع بين العناصر الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، والبعض الآخر تصويري، ويعكس جانباً آخر من جوانب الميراث الأموي الخاص بهذا الميدان.


تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟