فاريا الأوكرانية وميخائيل نعيمة: علاقة عاطفية معقدة من ثلاثة أطراف

نزوعه الطهراني لم يمنعه من الارتباط بنساء متزوجات

فاريا الأوكرانية وميخائيل نعيمة: علاقة عاطفية معقدة من ثلاثة أطراف
TT

فاريا الأوكرانية وميخائيل نعيمة: علاقة عاطفية معقدة من ثلاثة أطراف

فاريا الأوكرانية وميخائيل نعيمة: علاقة عاطفية معقدة من ثلاثة أطراف

لم أجد ضمن هذه السلسلة من المقالات التي تتناول الجانب العاطفي من حياة المبدعين، شخصية مثيرة للحيرة والالتباس كما هي حال الكاتب اللبناني ميخائيل نعيمة. وهي حيرة لا تولدها علاقة «ناسك الشخروب» بالمرأة والحب فحسب، بل تنسحب على مواقفه من الجسد والروح، الأثرة والإيثار، الأنانية والغيرية، وغير ذلك من الثنائيات المتعارضة. لا بل أي تأمل عميق في سيرة الكاتب الحياتية، والعاطفية على وجه الخصوص، لا بد من أن يدفعنا إلى الاستنتاج أننا إزاء شخصية «مأزقية» ومشرعة على نوع من المفارقات، شبيهة بتلك التي جعلها سورين كيركغارد أحد المحاور الرئيسية لفلسفته وأعماله.

قد لا يجد قارئ نعيمة أي غضاضة في إشارة الكاتب، المولود في بسكنتا عام 1889، إلى تفوقه الدراسي الذي أوصله، وهو المسيحي الأورثوذكسي، إلى المدرسة الروسية في حيفا، ثم إلى بولتافا الأوكرانية ليكمل دراساته العليا في أحد معاهدها. وإذا كان بالأمر الطبيعي أن يؤكد نعيمة سعيه إلى التفوق عبر قوله: «لقد كانت تسعفني على التحصيل نزعة عنيفة إلى التفوق، فما كنت أطيق أن يكون في صفي من هم أكثر حظوة مني في عين المعلم»، إلا إن ما تتعذر استساغته هو نزوعه اللاحق إلى التباهي والاعتداد النرجسي بالذات. فهو يسرد في كتابه «سبعون» شهادات متنوعة بعث بها إليه قراء كثر مفتونون به وبكتاباته، كقول أحدهم إن «حبي لك يفوق حبي لأي كائن مهما كان»، وقول إحداهن: «وددت لو طويت الأرض تحت قدمي فأكون في حضرتك»، ووصف مؤسسة نشر هندية لكتاب «مرداد» بأنه «كتاب الساعة، بل كتاب الجيل، بل كتاب الأبدية».

كما يستشهد نعيمة لإثبات تفوقه بقول مواطنه رشيد أيوب: «أشهد من على السطوح بأن ميخائيل نعيمة هو الذي علمنا الشعر». ولا يتوانى عن الاستعانة بالعقاد لإثبات تفوقه على صاحب «العواصف»، حيث يسر له صديق له: «أريد أن أقول لك بالسر، إن العقاد قال لي إنه يرى فيك نبوغاً على جميع إخوانك، وعلى جبران أيضاً»، دون أن يأخذ في الاعتبار أن ما قاله العقاد قد يكون متصلاً بالتنافس الحاد بينه وبين جبران على قلب مي زيادة.

أما في الجانب العاطفي، فالواضح أن نزوع نعيمة الطهراني وخوفه من فكرة الخطيئة، قد غذتهما في داخله نشأته الريفية المحافظة، ثم رسختهما المؤسسات التعليمية المختلفة التي أولت اهتمامها الجمّ للتنشئة الأخلاقية والتعاليم اللاهوتية الأرثوذكسية. فنعيمة الذي التحق بالمدرسة الروسية في حيفا يصف حياته هناك بأنها كانت أشبه «بحياة الرهبان في الدير»، مشيراً إلى أن كثيراً من الطلبة قد طردوا من المدرسة بسبب تورطهم في علاقات مشبوهة. وهو إذ يرى في الزواج، رغم نأيه اللاحق عنه، الحل الأفضل لردع الخطيئة وإطفاء نار الغرائز الشهوانية، فهو لا يؤثر العفة المفروضة من قبل المجتمع وقوانينه وأعرافه، بل العفة الطوعية التي يفرضها الفرد على نفسه، مضيفاً: «لقد عانيت في كبح عاطفتي الجنسية الشيء الكثير، ولم أستسلم لها إلا في فترات من حياتي سأذكرها في حينها».

وإذ تأخرت معرفة نعيمة بالنساء بسبب مكابداته النفسية والروحية المرهقة، فإن احتكاكه الفعلي بالنساء قد حدث من خلال المرأة الأوكرانية المتزوجة «فاريا»، التي عرفه بها عام 1908 شقيقها إليوشا. وإذ يلح الكاتب على أنه حاول ما بوسعه الإشاحة بسمعه عن نداء المعصية، إلا إن البورتريه الذي قدمه لفاريا، ذات العينين الزرقاوين الواسعتين والبشرة الناعمة والشعر الكستنائي، فضلاً عن وضعنا نحن القراء في صورة محاولاتها المضنية لإغوائه، أظهرا حرصه الشديد على تقديم ما حدث بين الطرفين بوصفه نسخة جديدة عما حدث بين يوسف وزليخة، مع فارق أساسي تمثل في أن النبي قد حظي ببرهان ربه الذي نجاه من المعصية، فيما صاحب «الغربال» لم يحظ بمثل هذا البرهان.

من حقنا أن نتساءل عن الأسباب التي جعلت نعيمة يسوّغ لنفسه ما حرّمه على جبران... وهو الذي نعت صاحب «النبي» بأنه نهش لحم النساء اللاتي تعلقن به

ومع أن نعيمة لم يرفع راية استسلامه بسرعة للمرأة المتزوجة من رجل ضعيف الشخصية وبسيط إلى حد السذاجة، إلا إنه لا يلبث أن يشير في يومياته إلى الصراع الناشب في داخله بين الوحش الشهواني الذي استيقظ للتو، وبين صورته في عين نفسه وعيون زملائه الطلبة، الذين علقوا على لوحة المعهد رسماً يمثله وهو يقف أمام مومس مشهورة ليرشدها إلى طريق التوبة والعفة، ثم كتبوا تحت اللوحة العبارة التالية: «لقد أضعنا رفيقاً، ولكننا وجدنا نبياً». إلا إن ما ضاعف من وضعه المأزقي، هو ملاحقة فاريا له في حركاته وسكناته، واعترافها الصريح بأنها منذ التقت به لم يعرف قلبها الهدوء. وهي إذ تدرك حجم الصراع الذي يدور في داخله بين العفة والإثم، تحاول أن تكسب وده عن طريق إشعاره بأنها تشاطره المعاناة نفسها، بما جعلها تسقط فريسة المرض والآلام المبرحة، دون أن تنسى اتهامه بقسوة القلب، وبالانشغال عنها بأمور أخرى لا قبل لها بمعرفتها.

وكما يظهر من سياق السيرة، فإن دفاعات الشاب المتمنع لم تلبث أن سقطت أخيراً أمام إصرار فاريا على التشبث به، وصولاً إلى استعدادها الحاسم للذهاب معه إلى لبنان كما إلى نهاية العالم. وحين تأكد له أن إليوشا، شقيق فاريا، وزوجها كوتيا، كانا مطلعين على طبيعة العلاقة وتفاصيلها، كتب نعيمة يقول: «وهكذا استسلمت. أو قل هكذا خدّرت ضميري الحي لأهوّن عليه الاستسلام للبهيمة في داخلي. والغريب أن تنبت لي في أميركا بعد سنين، حالتان مماثلتان فأخرج منهما بعين النتيجة».

ورغم التوطد التدريجي للعلاقة بين نعيمة وفاريا، فإنه ظل متردداً في الاستجابة لإلحاحها اليومي على فكرة الزواج، بسبب شعوره الممض بالذنب اتجاه كوتيا المسكين. ومع قيامها المفاجئ بمحاولة الانتحار، رضي بالزواج منها شرط التحاق زوجها بأحد الأديرة المعروفة. إلا إن رفض الكنيسة هذا الأمر، حرر نعيمة من مأزقه الصعب، ليعود وحيداً إلى لبنان. أما آخر فصول هذه العلاقة المعقدة فقد تمثلت في الرسالة المؤثرة التي بعثت بها فاريا إلى الحبيب اللبناني، الذي لم تتح له قراءة الرسالة إلا بعد مغادرته الوطن الأم باتجاه المهجر الأميركي.

وإذا كانت علاقات نعيمة بالنساء لم تقتصر على فاريا وحدها، فإن اللافت في هذا السياق هو إلحاحه المستمر على إظهار نفسه بمظهر الساحر الصدود لكل من شاءت الظروف أن يلتقي بهن. لذلك فهو لا يجد غضاضة في القول: «لقد هامت بي أكثر من فتاة ذلك الصيف. إلا أنني لم أفتح قلبي ولا استسلمت لإغراء أية واحدة منهن. ولو شئت أن أمثل دور دون جوان لمثلته بسهولة». ثم يتابع متسائلاً: «ماذا أصنع بقلبي الذي ترتمي عليه القلوب وهو لم يجد بعد قلباً يرتمي عليه؟ إنه يريد أن يحب، أن يذوب في الحب، ولكنه لم يجد ضالته، وسيجدها يوماً ما». ويتحدث نعيمة خلال إقامته في فرنسا عن الفتاة الأرستقراطية مادلين التي ظلت تتحين الفرص لاصطياده في حديقة الجامعة، والتي قاوم إغواءها حتى اللحظة الأخيرة. كما يتحدث خلال إقامته الأميركية عن علاقة عاطفية بامرأة متزوجة دعاها بيلّا، معترفاً بأنه أحبها من صميم قلبه، وملقياً عن كاهله عقد الذنب، باعتبار أنها لم تحمل لزوجها السكير سوى مشاعر الكراهية والاشمئزاز.

ثم لا يلبث نعيمة أن يحدثنا عن غرام جديد مع «العاصفة الهوجاء» التي دعاها «نيونيا»، صديقة أحد الرسامين الطليان، والباحثة عن قوت من اللحم والدم والكلمات والنظرات، لا قبل لأحد سواه بتوفيره لها، على حد قوله الحرفي. وهي علاقة استمرت بين عامي 1929 و1932، إضافة إلى علاقات سريعة أخرى، كعلاقته بهيلدا التي طلبت أن يمضي سهرة معها، ليضيف قائلاً: «ولم أشأ أن أكسر خاطرها فقبلتها قبلة عفيفة على جبينها»، وعلاقته المماثلة برئيسة تحرير مجلة أميركية، وبرسامة معروفة التقى بها ليلة وفاة جبران، وأخريات غيرهن.

وإذا لم يكن لنا أخيراً أن نأخذ على نعيمة قراره النهائي بالعزوف عن الزواج، وهو الذي يعترف بوضوح تام: «تبين لي من علاقاتي مع النساء أنني لم أولد لأكون بعلاً لامرأة، وأباً لعدد من البنات والبنين، فعملي في حياتي هو أكثر من تحديد النسل، وهذا العمل لا يطيق لصاحبه أن يتزوج ضرة عليه»، إلا إن من حقنا أن نتساءل في المقابل عن الأسباب التي جعلت نعيمة يسوغ لنفسه ما حرّمه على جبران، وهو الذي نعت صاحب «النبي» بأنه نهش لحم النساء اللاتي تعلقن به، وبأنه كان يدعو النساء إلى فراشه لا إلى قلبه، ومن حقنا أن نتساءل في الوقت ذاته عما إذا كانت الصدف وحدها هي التي جعلت علاقاته العاطفية محصورة بنساء متزوجات، أم إن الأمر متصل بدوافع سيكولوجية عميقة، من بينها إثبات تفوقه على الآخرين، ومنازلتهم فوق ساحاتهم الخاصة وفي عقر أسرّتهم الزوجية؟


مقالات ذات صلة

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».