العبور والاغتراب في الشعرية العربية الراهنة

الناقد المغربي محمد آيت العميم في أنساقهما الرمزية

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

العبور والاغتراب في الشعرية العربية الراهنة

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

صدر، أخيراً، عن دار «أكورا» بطنجة، بدعم من وزارة الثقافة المغربية، كتاب جديد للناقد والمترجم المغربي محمد آيت العميم، تحت عنوان «الأنساق الرمزية للعبور والاغتراب في الشعرية العربية الراهنة».

يأتي الكتاب منسجماً مع انشغالات آيت العميم التي ترجمها في أبحاثه المنجزة على مستوى الجامعة المغربية، أو في كتاباته المنشورة في كتب ومجلات وصحف مغربية وعربية، تناول فيها التحولات التي عرفها الشعر العربي منذ نشأته إلى اليوم، راصداً التطورات والإبدالات التي شملت الشكل والمحتوى.

وضمن هذه الصيرورة، كان طبيعياً أن يتوقف الكاتب عند التحولات الجذرية التي عرفتها القصيدة العربية، والتي أفضت إلى تجاور وتجاوز مجموعة من الأشكال بينها «قصيدة النثر».

يقول آيت العميم في مقدمة الكتاب: «عرف الشعر العربي منذ نشأته إلى اليوم مجموعة من التطورات والتحولات والإبدالات شملت الشكل والمحتوى، وهذا يدل دلالة واضحة على الفاعلية والنشاط والحركية في الفعل الشعري، وأن الشعر العربي الذي هو وديعة الوجدان، والجنس الأدبي القادر على قياس نبض الأمة وحياتها، ما زال لديه مخزون لا ينضب، وإمكانات هائلة لاكتشاف الحاضر واستثمار الماضي واستشراف المستقبل».

تناول آيت العميم منجز شعراء ينتمون إلى هذه التجربة الشعرية الجديدة، اهتدى فيها بنصوص من حساسيات مختلفة، محاولاً بذلك «إبراز التنوع داخل الوحدة، ووحدة الموضوع داخل كثرة النصوص لأجيال متباعدة في الزمن والجغرافيا، والوقوف على بصمة كل شاعر على حدة، من خلال هواجسه الخاصة، وهمومه الذاتية ووجهات نظره حول الوجود والعالم من حوله».

يقول في هذا الصدد: «بدا لي من خلال مصاحبة هذه التجارب الشعرية أن سؤال العبور والاغتراب كان سؤالاً مهيمناً في تجربة قصيدة النثر العربية؛ إذ العبور ارتبط بشعراء عرفوا حقيقة هجرة الأوطان لأسباب مختلفة، وعاشوا في المنافي، وفي أرض الاغتراب. حتى الذين لم يعبروا الجغرافيا عرفوا عبوراً آخر باتجاه الأعماق ودواخل ذواتهم، وعاشوا قلقاً وجودياً وغربة داخل الذات. بهذا المعنى يتحول العبور إلى رمزية كبرى سواء كان عبوراً للأمكنة، أم عبوراً ومجازاً باتجاه الأغوار والمياه العميقة للذات. وقد كانت مخرجاتُ هذا العبور الإحساسَ القويَّ بوطأة الاغتراب».

يرى آيت العميم أن الشاعر العراقي سركون بولص، الذي ينتمي إلى جيل الستينات، «مذ خرج من العراق وهو يعبر الأمكنة إلى أن استقر بأميركا، وكانت تجربته الشعرية الفريدة والقوية محاولة عميقة لتشريح هذا الموضوع عبر كتابة مجددة على مستوى التركيب والتصوير والمعجم والبناء الشعري»، بينما عرف الشاعر العماني سيف الرحبي حياة الترحال والسفر، وكتب شعره من وحي هذه التجارب، و«كان العبور بالنسبة إليه نوعاً من المجاز؛ حيث أضحى العبور المكاني سمة دالة على عبور أكبر هو العبور الميتافيزيقي؛ إذ الإنسان في جوهره وهويته كائن عابر ومسافر أبدي». أما الشاعر الفلسطيني - الأردني، أمجد ناصر، الذي يعد من الأصوات المجددة في قصيدة النثر، فقد «فكك رمزية العبور في أكثر من ديوان، وشرح مفهوم الاغتراب، وكانت ملاذاته في تجاوز هذه الورطة الوجودية هي السكن في الذاكرة واللغة والتاريخ الحضاري». ومن جهتها، قاربت الشاعرة الإماراتية، نجوم الغانم، التي جمعت بين الشعر والفن التشكيلي والسينما، موضوع العبور والاغتراب عبر «توظيفات مجازية كبرى لدلالات الليل التي أفسحت لها المجال كي تغوص في أعماق الذات، بغية فهم اغتراب الكائن في الوجود». بينما حاول الشاعر المغربي محمود عبد الغني، الذي عبر أكثر من جنس أدبي، ما بين الشعر والرواية والترجمة والكتابات الرحلية والذاتية، أن يعبر عن هذا الموضوع بدءاً من مجموعته الشعرية الأولى «حجرة وراء الأرض» إلى «العشب الذي يخفي كل شيء»، من خلال «الهبوط إلى مجاهيل الذات بغية فهم تحولاتها واستيعاب ما تهجس به في غربتها الداخلية». بينما التمس الشاعر المغربي طه عدنان، الذي جرب الغربة وعبر إلى الضفة الأخرى من المتوسط، الملاذ والحضن الدافئ «لتجاوز وطأة الاغتراب المكاني في العالم الافتراضي»، بينما «صادفت هجرته ظهور الإنترنت، فكان من الشعراء الأوائل الذين اتخذوا من هذه الثورة الرقمية موضوعاً شعرياً محاولاً تفكيكه وإبراز كيف تغيرت الحياة بعده». لا ينشغل آيت العميم كثيراً، في دراسته، بالسجالات بين المعارضين والمساندين لهذا الإبدال الشعري، مشيراً، في مقدمته، إلى أن «تحول الشعر نحو النثر، مستفيداً من طاقاته وإمكاناته، هو محاولة جديدة لإسباغ نوع من المصالحة بين الأنواع الأدبية». ويتوقف آيت العميم عند مبررات «اختيار شكل جديد بغية تجريب نمط آخر من القول الشعري حاول الانعتاق من ثقل الإكراهات التي كانت تكبل مغامرة الكتابة، وأيضاً الابتعاد عن الطرق المألوفة التي اعتراها التكرار والاجترار على مستوى البناء المعماري للقصيدة وعلى مستوى الصورة الشعرية بكل مكوناتها»، بعد أن «أصبح الشاعر المعاصر يميل إلى التخفف من أعباء النمطية والقول المطروق، رافعاً تحدياً جديداً للمغامرة الشعرية يسعى إلى الإمساك بتموجات الروح، وبناء تصورات جديدة حول الذات والعالم والأشياء»؛ مع تشديده على أن «ما يميز قصيدة النثر عن بقية الأجناس القريبة منها تلك الكثافةُ وذلك الإيجازُ واللاغرضية».

ينطلق آيت العميم من النصوص الإبداعية، مشدداً على أن خيار الارتهان إلى النصوص الشعرية يدخل في إطار الإنصات إلى التجارب في فرادتها، بغية الإمساك بالخيوط الناظمة لكل تجربة على حدة، في أفق بناء موضوعة شعرية بصمت هذه التجارب، وتتعلق بموضوع «العبور والاغتراب»، حيث حرص على «تشريح» نصوص الشعراء المعنيين ببحثه، وتتبع «تجليات» موضوع «العبور» و«الاغتراب» عبر «الصورة الشعرية» و«الترميزات اللغوية والمعجمية»، و«استخلاص الشبكة الدلالية وبناء معناها ووظائفها في النصوص».

في علاقة «العبور» بـ«الاغتراب»، يشدد آيت العميم على أنه قد بدا له من خلال مصاحبة هذه التجارب الشعرية، أن سؤال العبور والاغتراب «كان سؤالاً مهيمناً في تجربة قصيدة النثر العربية»، من منطلق أن هذا العبور «ارتبط بشعراء عرفوا حقيقة هجرة الأوطان لأسباب مختلفة، وعاشوا في المنافي، وفي أرض الاغتراب»، مع تشديده على أنه «حتى الذين لم يعبروا الجغرافيا، عرفوا عبوراً آخر باتجاه الأعماق ودواخل ذواتهم، وعاشوا قلقاً وجودياً وغربة داخل الذات». وبهذا المعنى، يضيف آيت العميم: «يتحول العبور إلى رمزية كبرى سواء كان عبوراً للأمكنة، أم عبوراً ومجازاً باتجاه الأغوار والمياه العميقة للذات»، في وقت كانت فيه مخرجاتُ هذا العبور «الإحساسَ القويَّ بوطأة الاغتراب».

تتوزع الدراسة بين مقدمة وخاتمة وفصلين، تناول في مباحث الأول عناوين «سركون بولص: الوصول إلى مدينة أين؟ أو العبور إلى اللامكان»، و«سيف الرحبي: رأس المسافر يلوح وسط الإعصار»، و«أمجد ناصر: العابر يصل إلى مدينة الغرباء»؛ وفي مباحث الثاني عناوين «نجوم الغانم: عبور الليل في عزلة الكائن»، و«محمود عبد الغني: الإقامة في الباطن واكتشاف متاهاته»، و«طه عدنان: الاغتراب ودفء الإقامة في العالم الافتراضي». يؤكد آيت العميم في خاتمة دراسته انتصاره للمعاينة النصية، وإنصاته إلى ما حجبته نصوص الشعراء والشواعر، لاعتقاده أن «النصوص هي التي توجه أفق البحث بعيداً عن الوصفات الجاهزة التي لا تبرح مكانها، ولا تقدم جديداً يدهش القارئ لهذه النصوص»، قبل أن يستعرض خلاصاته من حيث الشكل والمضمون للتجارب التي قام بتحليلها.



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.