هل المتنبي أهم من الفارابي؟

في جدلية الشعر والفلسفة

هل المتنبي أهم من الفارابي؟
TT

هل المتنبي أهم من الفارابي؟

هل المتنبي أهم من الفارابي؟

بدايةً، دعونا نطرح هذا السؤال: هل المتنبي أهم من الفارابي الذي كان معاصراً له في بلاط سيف الدولة؟ بلا شك. لأن فلسفة الفارابي تجاوزها الزمن، في حين أن شعر المتنبي لا يمكن أن يتجاوزه الزمن. بعد ديكارت وكانط وهيغل وماركس ونيتشه وهيدغر وغيرهم، أصبحت فلسفة الفارابي في ذمة التاريخ، وكذلك فلسفة القرون الوسطى كلها. النظريات الفلسفية يتجاوز بعضها بعضاً بمرور الزمن، وكذلك النظريات العلمية. كوبرنيكوس وغاليليو ونيوتن تجاوزوا كلياً تصورات بطليموس وأرسطو عن الكون. أصبحت أضحوكة أو غلطة كبيرة. الأرض هي التي تدور حول الشمس، وليس العكس يا سيد أرسطو، ويا سيد بطليموس. ولكن من يستطيع أن يتجاوز شعر هوميروس، الذي عاش مثل أرسطو وبطليموس، قبل ثلاثة آلاف سنة؟ لا أحد. في الشعر لا يوجد تقدم أو تأخر. لا يوجد شعر تقدمي، وشعر رجعي. يوجد شعر أو لا شعر. نقطة على السطر، بودلير كان رجعياً كبيراً، عكس فيكتور هيغو ولكن شعره باقٍ يتحدى الزمن والعصور. ثم مَن يستطيع أن يتجاوز هذه الأبيات الخالدة للنابغة الذبياني؟

«سقط النصيف ولم ترد إسقاطه

فتناولته واتقتنا باليد»..

لقطة جمالية، أكاد أقول لقطة سينمائية من أرقى ما يكون. إنها قصيدة «المتجردة»، وما أدراك ما المتجردة؟ زوجة النعمان بن المنذر: أميرة عربية! يقال إنها كانت أجمل نساء العالم: لا بريجيت باردو، ولا مارلين مونرو، ولا من يحزنون... الجمال العربي يجبُّ ما قبله وما بعده. كم يتمنى المرء لو أنه رآها، تعرَّف عليها؟ ولكن لها حفيدات كثيرات: لا تخافوا! لنكمل قليلاً:

«زعم الهُمام بأن فاها باردٌ

عذبٌ إذا قبلته قلت ازددِ

زعم الهُمام ولم أذقه بأنه

يُروى بطيب لثاتها العطشُ الصَّدِي»

هذه الأبيات قيلت قبل 1500 سنة، ومع ذلك فلا تزال تُعايشنا وتُعاصرنا. لا تزال تهزُّنا. هنا تكمن عبقرية الشعر العربي.

ما علاقة ديغول بنيتشه؟

أيّاً ما يكن، فكل شيء يذهب مع الريح، يتبخر في الهواء، ويبقى الشعر: أي اللاشيء، الفراغ، العدم، التلاشي... يبقى هذا الهيجان الداخلي الذي يحتاج لشحنات شعرية من وقت لآخر بغية امتصاصه وتهدئته، ولو مؤقتاً: بغية إشباعه. بهذا المعنى فإن قصيدة واحدة للمتنبي أو البحتري أو ابن زيدون تبقى أهم من كل العلاجات التي قد أشتريها من الصيدلية الباريسية. فما عدت أتداوى من أمراضي إلا بالشعر أو الأدب بشكل عام. ولكن دون أن أُشفى نهائياً لحسن الحظ! يبقى الشعر كفاكهة، علاجاً للروح التي لا علاج لها. نعم تبقى بعض القصائد التي نترنّم بها في خلواتنا عندما يرحل كل شيء وندخل في مرحلة الفراغ والتيه، فراغ مفتوح على فوهة المجهول والمحتوم. من يعلم أن شارل ديغول كان يترنم في أوقات يأسه وإحباطه من الفرنسيين بأبيات من فريدريك نيتشه؟ من يستطيع أن يتخيل وجود أي علاقة بين ديغول ونيتشه؟ أبعد من السماء عن الأرض! ومع ذلك فكثيراً ما تفاجأ ابنه الأميرال فيليب ديغول وهو يسمعه يردد في خلواته هذه الكلمات النيتشوية بصوت عال أو خافت، ربما:

«لا شيء يساوي شيئاً

لا شيء يحصل أصلاً تحت الشمس

ومع ذلك فكل شيء يحصل

ولكن بلا جدوى.

لا شيء له معنى في نهاية المطاف»

الترجمة الحرفية: حتى المعنى فقَد معناه. حتى المعنى أصبح أجوف فاغراً فاه. ما معنى الوجود، في نهاية المطاف، إذا كانت النهاية معروفة ومحتومة؟ كل شيء باطل في باطل وقبْض الريح... لماذا كنت معجباً في شبابي الأول بكتب إبراهيم عبد القادر المازني. عناوينها فقط تُحدث قشعريرة في نفسي، تتناغم مع أعماق روحي: حصاد الهشيم، قبض الريح، خيوط العنكبوت... إلخ. هذه النصوص وسواها هي التي أيقظتني لأول مرة على حب الأدب. كنت في الثانوي أو بدايات الجامعة. ولهذا السبب تركت دراسة الطب في جامعة حلب، وسجلت نفسي في كلية الآداب بجامعة دمشق. أبيع الدنيا كلها من أجل عيون الأدب. الأدب ديدني ومعبودي.

هذا لا يعني بالطبع أن ديغول كان عدمياً مثل نيتشه، وإلا لمَا تحرّك من أرضه وقاد الرجال وغيَّر وجه فرنسا وأنقذها مرتين: مرة أولى من جحيم النازية إبان الحرب العالمية الثانية، ومرة ثانية من جحيم المغطس الاستعماري الرهيب في الجزائر. ولم تكن الثانية أسهل من الأولى، على عكس ما نظن. ولكن في لحظات اليأس والإحباط واستعصاء الفرنسيين عليه، كان يستسلم لمثل هذه الأفكار السوداء والمواقف النيتشوية، قبل أن ينتفض مرة أخرى كالعملاق من أعماق الخواء العدمي، لكي يتدخل في مجرى الأحداث ويغير مجرى التاريخ.

ماذا يستطيع الزمن أن يفعل بلوحات فان غوخ أو قصائد هولدرلين؟

هناك شيء واحد يستطيع أن يقاوم الموت أو الفناء أو العدم أو الحياة الهاربة من بين أصابعنا في كل لحظة، هو: الفن. الشعر، الجنون، اللوحات الخالدة: ربات الجمال... ماذا تستطيع السنون أو القرون أن تفعل بقصائد هولدرلين أو لوحات فان غوخ؟ ماذا تستطيع السنون أو القرون أن تفعل بلوحته الخالدة التي رسمها في مدينة آرل، جنوب فرنسا: «السماء المرصعة بالنجوم»؟ العنوان بحد ذاته قصيدة شعر، وأيّ شعر! وهي تساوي الآن عشرات الملايين من الدولارات، وربما مئات الملايين، في حين أنه كان جائعاً عندما رسمها، ثم سرعان ما انتحر بعدها بقليل. هل يمكن لتراكمات الزمن أو تكلساته أن تصيب قصائد هولدرلين بالتجاعيد أو الأخاديد؟ فلسفة صديقه هيغل شاخت، على الرغم من عظمتها وجبروتها، ولكن أبيات هولدرلين لا تشيخ... هل يمكن للشعر أن يشحب، كما تشحب النظريات الفكرية أو الفلسفية المتعاقبة وراء بعضها البعض؟ أبداً، لا. الشعر لا يموت، الشعر لا يشيخ، على عكس الفكر: الشعر يبقى كما هو، حياً أبد الدهر. بهذا المعنى فإن الشعر يتفوق على الفلسفة، بل يتفوق حتى على النظريات العلمية التي يلغي بعضها بعضاً أو يتجاوزها، كما ذكرنا آنفاً. أما في مجال الشعر فسوف يضحكون عليك إذا ما قلت إن رامبو ألغى هوميروس، أو أن أحمد شوقي ألغى المتنبي؟ من يستطيع أن يتجاوز المتنبي أو يلغيه؟ لم تخلقه أمه بعدُ...

لنستمع الآن إلى بعض الشعر:

الربيع

آه، يا لسطوع الشمس وأزهار الأرياف!

الأيام تجيء، غنية بالأزهار، الأيام وديعة

المساء أيضاً له أزهاره. ونهارات مشرقة تنزل

من السماء، هناك حيث تولد الأيام..

***

هاهي السنة، مع فصولها،

كالمجد أو كالأعياد تنتشر...

الإنسان يستعيد أعماله ويفكر بأشياء أخرى

وكالإشارات في هذا العالم، وفرةُ المعجزات!..

آه، أيها الوطن!

البحّار يعود فرحاً إلى النهر الهادئ

بعد أن يكون قد جنى حصاده من الجزر البعيدة

أودّ مثله أن أعود إلى بلادي

ولكن ماذا حصدت غير الألم؟

***

أيتها الضفاف التي أحاطت بطفولتي

هل تعرفين تهدئة عذابات الحب؟

وأنتِ يا غابات بلادي، هل تعرفين

عندما أعود، أن تعيدي لي سلام الأيام القديمة؟

( هولدرلين)

وأخيراً، ماذا يمكن أن نقول عن هذا الموضوع الشائك: هل الشاعر أهم من الفيلسوف أم لا؟ والجواب هو أن كليهما مهم، وإنْ لسبب مختلف؛ فالشاعر يُمتعنا ويطربنا: يدوخنا، بل قد يحدس بالأشياء حدساً قبل أن تحصل، ولكن الشاعر لا يستطيع أن يحل مشكلة العصر، الشاعر لا يستطيع أن يحقق لنا أعظم الانفراجات بعد الانسدادات. الشاعر عاجز عن حل عقدة العُقد الموجعات. وحده الفيلسوف - بالمعنى الحديث والعميق للكلمة - قادر على ذلك. الشاعر يستخدم الخيال الخلاق والشطحات الرائعات. شكراً له. أما الفيلسوف فيستخدم العقل التحليلي الجبار القادر على اختراق غياهب الظلمات كالرادار. وهنا آنَ الأوان لكي نعطي الأولوية للفيلسوف على الشاعر؛ فهو وحده القادر على حل المشكلة التي تؤرق العصر، لهذا السبب أقول إن العالم العربي، بل الإسلامي كله، بحاجة ماسّة الآن لكي يظهر الفيلسوف الكبير المنتظَر الذي سيحررنا من ظلمات العصور. الآن زمن الفكر لا زمن الشعر. هذا ما حصل في فرنسا عندما ظهر ديكارت أو ألمانيا، عندما ظهر كانط أو هيغل. الفلاسفة الكبار بهذا المعنى هم منارات العصور.


مقالات ذات صلة

كيف أمضى جبّور الدويهي يومه الأخير؟

يوميات الشرق الروائيّ اللبناني جبّور الدويهي (فيسبوك)

كيف أمضى جبّور الدويهي يومه الأخير؟

عشيّة الذكرى الثالثة لرحيله، تتحدّث عائلة الروائيّ اللبنانيّ جبّور الدويهي عن سنواته الأخيرة، وعن تفاصيل يوميّاته، وعن إحياء أدبِه من خلال أنشطة متنوّعة.

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون ليلى العثمان تقتحم باسمها الصريح عالم روايتها

ليلى العثمان تقتحم باسمها الصريح عالم روايتها

رواية «حكاية صفية» للروائية الكويتية ليلى العثمان الصادرة عام 2023، رواية جريئة بشكل استثنائي

فاضل ثامر
ثقافة وفنون شاهد قبر من البحرين، يقابله شاهدان من تدمر

الفتى حامل الطير وعنقود العنب

يحتفظ متحف البحرين الوطني في المنامة بمجموعة كبيرة من شواهد القبور الأثرية المزينة بنقوش تصويرية آدمية، منها شاهد مميّز يمثّل فتى يحمل عصفوراً وعنقوداً من العنب

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون غلاف الكتاب

الرواية الفلسطينية... ممارسات الاحتلال وآليات المقاومة

«أسئلة الرواية الفلسطينية» هو الكتاب الحادي عشر في النقد الروائي للشاعر والناقد سلمان زين الدين، وقد صدر مؤخّراً عن «مركز ليفانت للدراسات والنشر» في الإسكندرية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون ريما بالي

الكاتبة السورية ريما بالي: أُواجه الحرب بالخيال وقصص الحب

تهتم الكاتبة الروائية السورية ريما بالي بسردية بلادها ما بعد الحرب، وتوليها عناية خاصة من خلال أعمالها التي تتحدث فيها عادة عن مسقط رأسها «حلب» في سياقات مختلفة

منى أبو النصر (القاهرة)

هدى النعيمي: التاريخ شائك... وليس هناك مساحة آمنة للكتابة

 هدى النعيمي
هدى النعيمي
TT

هدى النعيمي: التاريخ شائك... وليس هناك مساحة آمنة للكتابة

 هدى النعيمي
هدى النعيمي

تتميز التجربة الإبداعية للكاتبة القطرية هدى النعيمي بالصدق مع الذات والآخر، وتصوير تحوّلات الإنسان العربي في منعطفات تاريخية مهمة منذ التسعينات وحتى الآن، ورغم أنها كثيراً ما تجعل هواجس المرأة وأسئلتها الحائرة همَّها الأول وخيارها الرئيسي، فإنها تصنع ذلك في إطار إنساني عريض، وليس تعصباً للنوع، أو انتصاراً أعمى للمرأة في مواجهة الرجل.

يتنوع إنتاجها ما بين الرواية والسيرة الذاتية والقصة القصيرة ومسرح الطفل، ومن أبرز أعمالها «المكحلة»، «أنثى»، «عين ترى»، «عندما يبوح النخيل»، و«زعفرانة»... وبموازاة أدبها، واصلت هدى النعيمي مسيرتها على المستوى العلمي، فحصلت على الدكتوراه في الفيزياء النووية، وهي تشغل حالياً مديرة إدارة الصحة والسلامة في مؤسسة «حمد» الطبية بقطر.

هنا حوار معها حول روايتها الجديدة وتجربتها الأدبية:

*في روايتك الجديدة «زعفرانة» تعودين للتاريخ من باب الحرب في «ظفار»، عبر حقبة زمنية تكاد تغطي قرناً من الزمان، وتتنوع مكانياً ما بين الخليج ودول أخرى، ما مبرّرات هذه العودة؟

- التاريخ مغلّف بالأسرار والغموض، وإذا تحدثنا عن «حرب ظفار»، سنجد أنه كان من شبه المحرّمات الحديث عنها، أو تناولها في أي مرجع لسنوات طويلة، فقد غابت عن كُتب التاريخ في المنطقة، فخرج جيلي، وجيل بعدي لا يعرف عنها شيئاً، رغم أنها استمرت أكثر من عقد من الزمان.

في السنوات الأخيرة فقط خرجت بعض المراجع الجادّة لتؤرّخ لتلك الفترة، كما خرجت روايات عُمانية تتحدث عن «حرب ظفار» أيضاً. وجاءت روايتي «زعفرانة» لتطرح بعض الإجابات، والكثير من الأسئلة أمام القارئ، الذي يجب أن يعرف ما حدث في تاريخ منطقته، وإذا أراد أن يعرف أكثر فليبحث عن المزيد من القراءات.

* تنتمي روايتك «زعفرانة» لما يسمى «رواية الأجيال»... كيف ترين الرأي القائل بأن هذا الشكل الأدبي بات مستهلَكاً؟

-لا أتفق بالطبع مع هذا الرأي، ستظل رواية الأجيال شكلاً أدبياً جاذباً للقراء، لكن على الكاتب أن يُحسن قراءة تاريخ روايته، ويُحسن رصد التغيرات التي مرّت بها أجيال عمله الروائي، فلكل حقبة تاريخية خصوصية في جوانبها السياسية والاجتماعية، وتتطوّر الشخصيات وتتشعّب اهتماماتها، بل تتغيّر جذرياً أحياناً من جيل إلى جيل، وعلى من يتصدى لرواية الأجيال أن يدرك هذا، وأن يطوّر تصوير شخصياته من جيل إلى جيل.

* ما تفسيرك لظاهرة اتجاه أدباء الخليج إلى الغوص في تاريخ المنطقة، وطرح أسئلة الهوية والمستقبل من خلال هذا الشكل الأدبي؟

-أشُدّ على يد هؤلاء الذين يتصدّون للغوص في تاريخ المنطقة، فالتاريخ لدينا لم يوثّق بشكل قوي، نعم هناك كتابات، ولكن الأديب أو المبدع قادر على قول ما لا يجرؤ الباحث أو المؤرّخ على أن يقوله، لكن الرواية في صورتها الأدبية تحكي ما لم يُحكَ، وهذا لا ينطبق على الخليج فقط، بل على عوالم عربية وغير عربية حول العالم.

* البعض ينتقد ما يسمى بـ«الرواية التاريخية» في تجلياتها العربية عموماً، ويقول إنها تعكس الرغبة في البحث عن مساحة إبداعية «آمنة»، من خلال العودة للماضي الذي تتوفر فيه الأحداث والتفاصيل والشخصيات بكثافة، كيف ترين الأمر؟

- أختلف مع هذا الاتجاه في النقد، فالتاريخ منطقة شائكة، وليست آمنة للكاتب كما يعتقد بعض النقاد، بل هو حقل ألغام يجب التحرك خلاله بحذر شديد؛ لأن الماضي لا بد أن يكون موصولاً بطريقة ما مع الحاضر. وتستدعي الرواية التاريخية الكثير من القراءات والبحث والمراجعات، وعند استدعاء شخصية تاريخية، فإن ذلك يحتاج إلى شجاعة، فأغلب الشخصيات التاريخية شخصيات جدلية تحوم حولها الأساطير، والحكايات المتناقضة، فكيف تكون مساحة آمنة؟

* أثار قرارك بكتابة سيرتك الذاتية «حين يبوح النخيل» وأنت في هذه السن المبكرة استغراب كثيرين ممن اعتادوا على قراءة السير الذاتية، حين يكون صاحبها شارَف محطته العمرية الأخيرة، ماذا كانت مبرّراتك؟

- سيرتي هي سيرة بلد فتيّ هو بلدي قطر، لقد سجّلت في كتابي هذا انعكاس تطور البلاد على سيرة امرأة مثلي، وأوجدت بلادي لنفسها مكانة دولية في خلال سِنِي عمري، وأوجدت لنفسي بحمد الله مكانة عربية ودولية في مجال العلوم الذي تخصصت به، والكتاب لا يتحدث عن شخصي فقط، لكنه يتحدث عن دولة حصلت على استقلالها حديثاً عام 1971، ثم صارت اسماً عالمياً خلال 50 عاماً فقط، ولي أن أفخر أن أكون ابنة هذه البلاد، فسجّلت سيرة تنهض على التماس بيني وبين بلدي.

* لماذا لم تلجئي إلى الحل الأسهل، وهو أن تكتبي سيرتك من خلف قناع شخصية رئيسية في رواية، وتتجنّبي المواجهة الصريحة المباشرة مع القارئ، كما تفعل معظم الكاتبات العربيات حالياً؟

- لم أحتَج إلى قناع في كتابة سيرتي الذاتية، نعم هذا يحدث كثيراً مع كاتبات وكُتّاب عرب أيضاً، بخاصة عند الخوض في مناطق المحرّمات السائدة أو «التابوهات»، أو عند تصوير علاقات إنسانية يشوبها الاختلال. يرفع الكاتب أو الكاتبة نفسه عن الأحداث التي عاشها وينسبها إلى شخصيات روائية، ولا ضيرَ في ذلك، ولكنني بالفعل لم أحتَج إلى التخفّي أو إلى الأقنعة وأنا أكتب «حين يبوح النخيل».

* ما الذي يجمع بينك وبين «النخيل» الذي تصدّر غلاف سيرتك؟

- النخلة شجرة معطاءة، كريمة وفياضة العطاء، وهي تأخذ القليل، ويُسعدها العطاء أكثر من الأخذ، النخلة تهب السعف وتهبنا رُطَباً ندياً. وحين أردت أن أكتب سيرتي، وجدت أني أشبه النخلة في الرضا والعطاء، أو أحاول أن أتشبّه بها في رضاها وفي عطائها. أما الشموخ الذي تتمتع به النخلة فهذه حكاية أعشقها وأدور حولها، نعم أعشق شموخ النخيل، الذي يصعد بسعفه إلى السماء، وأتشبّه به في غَرس جذوره بالأرض الطيبة.

* حصلتِ على الدكتوراه في الفيزياء النووية، وتعملين في تخصصات علمية دقيقة، كيف يتقاطع عملك سلباً أو إيجاباً مع عوالمك الإبداعية؟

-العمل في المجال العلمي شاقّ، ويحتاج إلى تركيز ورعاية دقيقة، والإبداع أو الكتابة الإبداعية أيضاً عمل جميل وشيق، لكنه يحتاج من المبدع التدقيق في كتاباته والعناية بها، وعدم التصريح أو الإفراج عن الكتابة للقراءة إلا بعد الكثير من التدقيق، والحرص على جماليات اللغة والمعني.

أما التقاطع فهذا صحيح، لقد أخذ العمل مني الكثير من الزمن، الذي ربما كنت قد أنتجت خلاله أعمالاً أدبية كثيرة، لكن إدارة الوقت لم تكن تسمح بأكثر مما كان، في ذات التوقيت قد زادت خبرتي في الحياة، من خلال الانخراط في العمل مع عالم متنوع من البشر، والكثير من التضاربات بينهم، وهذا ينعكس على أعمال إبداعية قد تصدر يوماً بإذن الله، خصوصاً أنني تفرغت حالياً للقراءة والكتابة.

* كيف تنظرين إلى الإسهام النسائي في الرواية على الساحة الخليجية؟ وهل رفعت المرأة المبدعة أخيراً شعار «لن أعيش في جلباب الوصاية أياً كان مصدرها؟».

- حققت الكاتبة الخليجية في السنوات الأخيرة الكثير من الأهداف، دون أن أقارن بين الكاتب والكاتبة في الخليج، لكن المرأة التي عاشت لوقت طويل خاضعةً لوصاية الرجل، ممثَّلاً في الأب أو الأخ أو الزوج أو المجتمع بأسره، استطاعت في سنوات قليلة أن تخرج بالفعل من ثوب الوصاية، وتمثّل نفسها وبنات جيلها بحرية تامة، أيضاً جيل ما قبلها.

استطاعت أن تعبّر عن قضايا عامة على عكس الوصاية، ورفضت إحكام القبضة على حياتها، كما حدث مع كتابات كثيرة في السابق. الكاتبة الخليجية اليوم تخوض في إبداعها عوالم كانت مظلِمة، فتكتب عما حولها كما يكتب الرجل، وربما أفضل كأيّ كاتب حر.

* أخيراً، برأيك ما سر ظهور فن الرواية على الساحة القطرية متأخِّراً مقارنةً ببقية بلدان الخليج العربي؟

- ربما يعود السبب إلى عدم وجود دُور نشر في قطر لتشجّع على نشر الرواية، فقد غابت هذه الدُّور لوقت طويل، الأختان دلال وشعاع خليفة قامتا بطباعة أول روايتين قطريتين لهما في بيروت مطلع التسعينات، وهذا عمل شاقّ، ليس بمقدور الكثيرين القيام به، واكتفى الكاتب والكاتبة القطريَّين بنشر القصص القصيرة والشعر في المجلات المحلية التي تستقبل الإنتاج الأدبي، مثل «العهد» و«العروبة» و«الدوحة»، ولكن ما إن نُشرت روايات دلال وشعاع حتى فتح المجال واسعاً للكُتّاب الروائيين، وبدأ نشر الرواية القطرية خجولاً، ثم ازدهر بعد ذلك بوجود عدد من دُور النشر المحلية في قطر حالياً، ومنها دار «الوتد» التي أصدرت رواية «زعفرانة».