كيف أصبح «الذكاء الاصطناعي» هو «وادي عبقر» المبدعين؟

إلهام تكنولوجي يصفه آخرون بالسرقة الجماعية

 الكاتب الأميركي الشهير جيمس فراي
الكاتب الأميركي الشهير جيمس فراي
TT

كيف أصبح «الذكاء الاصطناعي» هو «وادي عبقر» المبدعين؟

 الكاتب الأميركي الشهير جيمس فراي
الكاتب الأميركي الشهير جيمس فراي

كانت المفاجأة كبيرة، حين أعلن حامل جائزة «نوبل» الأديب الصيني مو يان، قبل عدة أشهر أنه اضطر ذات لحظة للاستعانة بالذكاء الاصطناعي، لأنه عجز وارتجف أمام الورقة البيضاء. صحيح أن أحد أكبر أدباء الصين لم يستخدم التكنولوجيا لإكمال رواية، أو حلّ عقدة قصصية، لكنه اعترف أمام حشد غفير من الحاضرين في حفل تكريم صديقه الأديب يو هوا، أنه قضى أياماً وهو يحاول كتابة كلمة يلقيها في هذه المناسبة وفشل، ثم أصابه الخوف، فلجأ إلى أحد طلابه، ولقنا معاً «شات جي بي تي» معلومات عن الأديب المُكرّم، وحصلا على خطاب جميل بلهجة شكسبيرية. بهذا الاعتراف أوقع متوج «نوبل» نفسه في ورطتين، الأولى حين كشف عجزه، وهو الأديب الكبير، عن تسطير كلمات بحق صديق مقرّب فلجأ إلى آلة، والثانية أنه خرق القانون الصيني وحرّض تلميذه على ذلك، حين تحايلا للدخول على خدمة محظورة في الصين، وهو أمر يُحاسب عليه القانون.

ما اقترفه مو يان، مجرد مزحة، أمام ما بات يُرتكب كل يوم بحق الإبداع الأدبي. إذ يتبين أن ما نظنه سيحدث في المستقبل بات حاضراً منذ زمن ليس بقليل.

مئات الكتب المنشورة اليوم على «أمازون» مكتوبة بالذكاء الاصطناعي، أو بمعونته. بل ولدت منصات تتباهى بأنها تعلمك كيف تكتب نصوصك بالاتكاء على الذكاء الاصطناعي جزئياً، وربما بشكل كبير، وتنشرها وتحصل على تنويهات ومكافآت. هل سمعت عن «جيناريو» التطبيق الذي يعدك بأنه سيغير طريقتك في الكتابة بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي التوليدي، وسيجعلك كاتباً بتعليمك أفضل السبل للاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، من أجل تحقيق طموحك الأدبي. بالطبع التطبيق ليس جمعية خيرية، بل هدفه تجاري بحت، إذ تشترك بمبلغ 19 يورو شهريا، وتتعلم كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي بدءاً من الفكرة وحتى الإنتاج والتغلب على قلق الصفحة الفارغة، وانتهاءً باختيار النصوص الأفضل.

يشرح التطبيق لرواده جدوى استخدام الذكاء الاصطناعي لأن بمقدوره أن «يقترح خيارات ذكية تتناسب مع أذواق وتفضيلات الجمهور المستهدف». وهو مزود بأعمال أعظم المؤلفين، يضعها في خدمة رواده ليستلهموا منها، كما يساعد على تحسين الجودة الفنية للعمل، ويتيح ميزة المرادفات الذكية، بحيث يمكنك العثور على مجموعة من الكلمات بنقرة واحدة.

الكتّاب سيجدون صعوبة كبرى، في التعفف عن الاستفادة من خدمات الذكاء الاصطناعي، التي يبدو أنها ثمينة، رغم أنها لا تزال ضحلة. وإذا كان الأديب الصيني - وفق اعترافه - طلب المساعدة لكتابة مجرد خطاب، فإن الكاتب الأميركي المعروف بمؤلفات الخيال العلمي جيمس فراي، قال صراحة قبل أيام، وبكثير من الفخر، إنه لا يدّخر وسيلة إلا ويستخدمها، ليخرج بأفضل نص ممكن. «بالنسبة لكتابي الجديد، أحتاج للوصول إلى كمية هائلة من البيانات الإحصائية والديموغرافية والتاريخية. كنت أستخدم (غوغل) أو أذهب إلى المكتبة مثل الكثير من الكتاب. لكن لا يوجد شيء يتمتع بالسرعة والكفاءة مثل الذكاء الاصطناعي، بقوته الهائلة».

يقول فراي الشيء وضده، يبرر لجوءه للذكاء الاصطناعي بأنه للحصول على المعلومات والبيانات التي يدمجها في نصه بأسلوبه الخاص؛ لأن توفير الوقت يجعله «أكثر كفاءة وأكثر ثقة». لكنه سرعان ما يستدرك «أيها القارئ، لن تتمكن من التفريق بين ما كتبته وما تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي. كما أنني لن أعطيك أي إشارة إلى ما كتبته وما أنتجه الذكاء الاصطناعي. أنا الكاتب الذي قرر ما هي الكلمات التي تظهر على صفحات هذا الكتاب. فرغم مساهمات الذكاء الاصطناعي ما زلت أعد كل كلمة في هذا الكتاب ملكاً لي، ولا يهمني إذا كنت تعتقد خلاف ذلك».

تشعر أنك بحاجة لأن تعتذر من فراي، لأنك قد تكون أسأت فهم نياته الحسنة، لكن ستتراجع حتماً حين تعرف أنه يتبجح باستخدام الذكاء الاصطناعي من جهة، ويشارك في الإضراب الكبير لكتاب هوليوود من جهة أخرى ضد استخدام الذكاء الاصطناعي الذي يحل مكان المبدعين. فراي روائي وكاتب سيناريو، وعضو في نقابة الكتّاب الأميركيين، ويوافق زملاءه المضربين الرأي، ويشد على ساعدهم، «لأن الذكاء الاصطناعي مثل السيارة التي تحتاج إلى سائق، وهناك من يقودها أحسن من غيره. لكن كل هذا بحاجة لقوانين تنظيمية»، وهذا تحديداً ما يطالب به. كلمات فراي، تزيد إحساسك بالمراوغة، فمن ذا الذي سيجلس على رأس كل كاتب ليراقب من أين يأتي بكلماته، وكل رسام ليتأكد من شرعية عمله. فراي يقول صراحة بعد أن اختبر «شات جي بي تي»، وتأكد أنه قادر على كتابة نصوص بأسلوبه: «إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على إعادة إنتاج أسلوب الكاتب، فمن المحتمل أن تطلب منه الكتابة لك عندما لا يكون لديك الإلهام».

بالطبع، ما الذي يمنع، ما دام أن الحجة الأخلاقية جاهزة، والمانع القانوني وإن كان متوفرا، يصعب تطبيقه.

أمام هذا الواقع المربك، وجه ثمانية آلاف كاتب، رسالة احتجاجية مفتوحة إلى سلاطين التكنولوجيا، مثل مارك زوكربيرغ، وسام ألتمان، وساتيا ناديلا، رافضين استغلال نصوصهم، ومطالبين بالحدّ من الضرر الذي يتعرضون له بوصفهم أصحاب مهنة أصبحوا من المستضعفين ولا يجدون من يحميهم.

وجل ما استطاع هؤلاء الكُتاب المطالبة به من الشركات هو الحصول على موافقة رسمية من المؤلفين الذين تُستخدم كتبهم لتدريب الخوارزميات، ودفع تعويضات مالية لهم.

الوضع المالي للكتاب حتى في أميركا يتدهور بشكل سريع، ووفق نقابة المؤلفين، أقدم وأكبر منظمة مهنية للكتاب في الأميركيتين، فقد انخفض دخل الكتّاب خلال العقد الماضي بنسبة 40 في المائة، أي قبل الذكاء الاصطناعي، فكيف يمكن تصور أن كاتباً شاباً أو أديباً مستقلاً يمكن أن يكمل حياته، بعد أن أصبحت الكتابة ملك من يجيد استنطاق الآلة، وقيادة دفة البيانات التي بين يديه.

من بين الموقّعين على الرسالة المفتوحة كُتاب مشاهير، مثل دان براون صاحب «شيفرة دافنشي» الأكثر مبيعاً، وسوزان كولينز مؤلفة سلسلة روايات «ألعاب الجوع»، والفيتنامي الأميركي، فييت ثانه نجوين، الحائز على جائزة «إدغار آلان بو» لأفضل رواية أولى، وجائزة «بوليتزر» للرواية، وغيرهم من المشاهير.

بالعودة إلى تطبيق «جيناريو» الذي يستحق وحده تحقيقاً منفرداً، فإن المؤسس المشارك فيه ديفيد ديفيندي، بمساعدة المهندس لويس مانهيس، أصبح لديهما أكثر من ألف مشترك، يطمحون أن يصبحوا كُتاباً محترفين.

ويدافع ديفيندي عن منصته، مُعداً أن «الذكاء الاصطناعي موجود ليقدم لك الاقتراحات والإرشادات، باعتباره الإلهام التكنولوجي الذي يساعدك على الإبداع، هو لن يكتب لك على الإطلاق، لكنه يعطيك أفكاراً». ويستخدم الذكاء الاصطناعي بعد ذلك لفهم كيفية بناء رواية، والصراعات بين الشخصيات، وعواطفهم، وتفاعلاتهم. كما يسمح لك بمقارنة فكرتك للنص مع أعمال أخرى قد تشبهك أو لا تشبهك، واتخاذ قرارات أفضل لبناء قصتك اليومية. إنه أمر يشبهه ديفيندي بالكتابة الجماعية، مع فارق كبير لا يعترف به، هو أن النص هذه المرة يسجل باسم شخص واحد، هو الذي يملك مهارة قطف كل الجهود التي سبقته بكبسة زر.

أما شريكه المهندس لويس مانهيس، فحجته أسوأ وأكثر فجاجة حين يستغرب كيف «أن الناس تسمي تأثر كاتب بمؤلفيه المفضلين إلهاماً، أما عندما يستلهم الكاتب عبر الذكاء الاصطناعي مجموعة هائلة من المؤلفين، نسمي ذلك سرقة أدبية».

هناك من ينادي اليوم، بوضع الأمور في نصابها الصحيح، ويطالبون المحتجين بالانفتاح، وفهم التطور، واستيعاب التغيرات، وأن نستفيد من الإمكانات التي يقدمها العلم. لكنّ الواقع أن الكتابة مثل مهن أخرى، تغرق في فوضى النقاشات، والاستباحات والضياع، بين ما يجوز وما يجب أن يحرّم ويجرّم.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.