تتعدد زوايا قراءة رواية «2067» لسعد القرش، ولكل جانب قيمته الخاصة. وتتكامل الجوانب والزوايا لرؤية لوحة واحدة. فَلَو تركنا الرؤية الذاتية وما يثيره العنوان من حزن وشجن مزدوج، لرأينا أن في الرواية من الجديد الكثير في فن الكتابة وفي الفلسفة التي تشكل عمقها، وإن مر عليها البعض دون إدراكها فسوف يستمتع بالحكايات، ولكن تنقصه أبعادها الجوهرية.
أول هاجس يدهمنا عند قراءة عنوان الرواية، مخيف، فنحسب أن هزيمة 1967 سوف تتكرر؛ بل إن مجرد مشاهدة الرقمين 67 يثير غصة لمن عاش الهزيمة. كابوس الماضي حاضر.
الرواية تأخذ منحى يستبعد هذه الفكرة من الذهن، غير أن الواقع الذي تدور فيه أحداثها شديد القتامة. هو جو تحقق فيه للدولة الشمولية تطبيق المعارف الحديثة في تكنولوجيا التواصل والإنترنت، لتحقق الهيمنة على الأفراد والجماعات.
هو جو يذكّر برواية جورج أوريل «1948» التي صدرت في 1949. وكذلك برواية الكاتب الروسي أويجيين زامياتين الصادرة عام 1920 «نحن». وهناك روايات أخرى عالجت المسألة نفسها. ويمكن أن تكتمل صورة الدولة المتسلطة إذا أضفنا نظرية «بانوبتيكون» أو مراقبة المنزل التي نظّر لها جيرمي بنتام في عام 1787 للهيمنة، بوضع الناس في مبانٍ عملاقة ومصممة بشكل معماري هندسي، يسمح بمراقبة كل الأفراد، وكشف سلوك كل فرد، ولا يمكن التخفي في زاوية منها. وهذه النظرية كان السعي لتطبيقها على كل البنايات العامة من مدارس ومصانع ومستشفيات، والسجون بطبيعة الحال.
في رواية «2067» يتم تجاوز هذه الحلول «البسيطة»؛ إذ تقوم الدولة الشمولية بالاستعانة بقوات خفية عن النظر، وكأنها تلبس «طاقية إخفاء» أو عكس فكرة «الرجل الخفي» في رواية «ويلز» التي نشرت عام 1897. فالرجل الخفي، في رواية «ويلز»، كان يظهر إذا ارتدى ملابس، ويختفي عن الأنظار من دونها.
في رواية «2067»، سخّرت الدولة الذباب، وزودته بكاميرات، لملاحقة أي شخص وتتبعه في أي مكان. واختيار الذباب من قبل السلطة كان بسبب سلوكه: «لإلحاحه على المطاردة والالتصاق وتطفله ومراوغته». فيبدو أن المسؤولين كانوا على معرفة واسعة بما كُتب حول الذباب، منذ عهود بعيدة. وربما قرأوا مقال لوسيان الذي عاش حتى قرب نهاية القرن الثاني الميلادي، وهو مقال عنوانه: «في مديح الذبابة»، وفيه تقريظ لفضائل الذبابة وخصالها المتفردة، هذه الخصال هي ذاتها التي دفعت السلطة الشمولية لمنحها تلك المسؤولية الدقيقة والضرورية لمتابعة مارقين لا ينسون ثورة 25 يناير (كانون الثاني) التي لم يعيشوا أيامها بأنفسهم، إذ كانوا أطفالاً أو لم يولدوا. ورغم ذلك، لا يكفوّن عن التفكير فيها، ويحلمون بعودة تفجر «جمعة غضب 28 يناير» جديدة، بعد أربعين سنة من الجمعة الشهيرة في تلك الفترة.
رواية «2067» التي أصدرتها «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» في بيروت، تمنح مكانة متفردة للمرأة في إعادة التذكرة بمحاولة صنع التاريخ في 25 يناير 2011. فالنساء هن حافظات الذاكرة الثورية، بالمشاركة العاطفية والجسدية، وكذا بدفع الثمن بفقد الزوج كما هو حال الدكتورة «أمل». وكذا تحتل «ميس هدى» والدة رشيد، مكانة متفردة في التذكير بالأحداث الماضية، وكذا بمكانة متفردة في حياة رشيد، الشخصية الأساسية في الرواية، مع سونهام. فرشيد وسونهام يقومان بإلهاب الحنان للثورة المغدورة، عبر إحياء تفجير ذكراها، عبر متحف افتراضي يجمع مقتنيات من أيامها، سواء كانت بالصورة، أو حسية كقميص لا يزال يحمل آثار دم القاضي زوج أمل، وقد قُتل يوم جمعة الغضب في 2011.
هذا المتحف عبر موقع على إنترنت تم بثه من صديق خارج البلد؛ لكيلا يقع تحت رقابة السلطة الشمولية الحاكمة التي لا يعرف أحد تحديداً من هو الذي يحكم: هل هو الجد أم الأب أم الحفيد. فكلهم يتشابهون وإن كانوا لا يظهرون في الحياة اليومية، ومن هنا تسيطر حالة عدم اليقين.
ورغم كل احترازات السلطة الشمولية، واستخدامها لكل الوسائل المفرطة في الخيال، عادت الاحتفالات بثورة 25 يناير في «2067»، بفضل متحف جمعة الغضب، وكذا في توازٍ مع افتتاح مشروع سونهام ورشيد «أنتيكا» الذي يقوم بدور مركز ثقافي.
تمنح الرواية مكانة متفردة للمرأة... فالنساء هن حافظات الذاكرة الثورية بالمشاركة العاطفية والجسدية وكذا بدفع الثمن
حكاية الثورة في الرواية يصاحبها مضادها في سلطة «أفندينا» الذي تُسمّى كل المشاريع باسمه. ولكن ما لا يقل أهمية، ويُعدّ بؤرة الرواية، يتجسد في العلاقة الحسية بين رشيد وسونهام. فالعاشقان المتزوجان يخلقان -مع أشخاص آخرين- حالة بديلة في التلاقي بين الرجل والمرأة تكسر الأساس التقليدي، وتعيد السعادة والانتشاء خارج العلاقات المؤسساتية التي لم تتجاوز مجرد احترام بين الطرفين. في حالة سونهام التي تشكل «الشيشة سلواها الوحيدة ولا لذة غيرها». وفي غياب شريك للحب، يتجسد في الزوج، تعيش سونهام في حالة «التسامي» كما يقال في التحليل النفسي، أي كما تقول: «أشغل نفسي دائماً». والوضع في حالة رشيد علاقة تشبه العداوة، وتظل علاقة رسمية شكلية عقيمة ثمرتها طفل «متوحد».
فالثورة هنا لم تتمثل في الطلاق، ولكن بإقرار حق صنع بديل خاص بالطرفين، لا يهمهما إقرار المجتمع به، ويجسد ذروة سعادتهما الحسية والنفسية. والسطور التي تجسد هذا العشق في الرواية هي «نشيد إنشاد» للأنثى. وتكفي تلك السطور لتشكل جمالية اللغة والإمساك بعمق قدرتها على التعبير عن عظم اللذة، وما تنتجه من تحولات، مثلما هو حال ما تعبر عنه قصيدة «اليتيمة» للشاعر «دوقلة المنبجي». فهذه السطور هي ترجمة قريبة من قول الشاعر:
ولها هَنٌ رابٍ مجسّته/ وعرُ المسالك حشوه وَقْدُ
فإذا طعنتَ طعنتَ في لبَدٍ/ وإذا نزعت يكاد ينسدُّ.
فشهادة رشيد ومعايشته للتحولات تلخص كلماته لذاته: «في وقت قصير، أنبض ماء الحياة جسدها، وما كان الناظر ليظن حدة العيون الباسمة وبريق الوجه تاجاً بهيّاً لجسد ذابل استطاعت الملامسة أن تحييه، وتفجّر ينابيعه، وتكسوه نضارة تجعله بساتين مزدانة بهضاب ووهاد، وعشب يذكّر بعنفوان النبت الشيطاني، واستعصائه على سوء الطقس، وعناده للطبيعة، وصلابة تحدّيه، وتفوقه على عشب أليف، موقّر، أوهنته الرعاية. ومن العشب عشّ يستفزّ الكوامن، ويحرّض على الاقتراب، ويدعو إلى التقرب؛ لتحظى منه الجوارح بأنصبتها».
* كاتب مصري

