الكتاب العربي المسموع... هل يتجاوز نظيره الورقي؟

بعد انتشار منصات كثيرة تدعم حضوره

الناشر محمود عبد النبي
الناشر محمود عبد النبي
TT

الكتاب العربي المسموع... هل يتجاوز نظيره الورقي؟

الناشر محمود عبد النبي
الناشر محمود عبد النبي

يشكل الكتاب الصوتي الضلع الثالث في مثلث النشر العربي حالياً، فإلى جانب المطبوع ورقياً والمنشور إلكترونياً، يأتي «الكتاب الصوتي» كوافد جديد على الثقافة العربية محملاً بمزايا حصرية وتحديات متنوعة. قصائد شعر تسمعها مراهقة في الشرفة، أو رواية يتفاعل معها أربعيني وهو يقود سيارته، أو سردية تاريخية مشوقة تنصت إليها ربة المنزل وهى تقوم بمهامها اليومية المعتادة. هكذا يتحول القارئ إلى «مستخدم» بالتعبير الرقمي كما يتحول فعل القراءة هنا إلى «استماع»، مما يعني حرية أكثر وطابعاً عملياً أبرز حيث يمكن الجمع بين أكثر من شيء في وقت واحد. منصات عديدة انتشرت مؤخراً تدعم الوافد الجديد، لكن ما هي فرص انتشاره الحقيقية، وإلى أي حد يمكن أن يتأثر سلبا بالمشكلات المتنوعة التي تواجهه؟

يقول أحمد رويحل، مدير تطوير الأعمال بقسم الشرق الأوسط بمنصة «ستورتيل»:

«هناك ما يقرب من 10 آلاف كتاب! هذا هو الرقم التقريبي الذي تجمع عليه معظم المصادر حين يتعلق الأمر بحجم الإنتاج العربي السنوي من الكتب الصوتية. ففي السنوات الأخيرة، نجحت تطبيقات ومنصات عديدة في جعل هذه النوعية من الكتب تشغل حيزاً من اهتمام القراء العرب». ومن أبرز تلك التطبيقات «ستوريتل» في مصر والإمارات، «ضاد» في السعودية، «الراوي» في البحرين، «راوي الكتب» في قطر، و«مسموع» في الأردن.

الناشر أحمد رويحل

عالمياً، يعود بدء ظهور تلك الكتب إلى عام 1932 مع إنشاء «المؤسسة الأميركية للمكفوفين» استوديو بغرض تسجيل كتب على أسطوانات أو أشرطة كاسيت، بهدف مساعدة فاقدي البصر على القراءة السمعية. وفي العام التالي أقر الكونجرس الأميركي تعديلاً سمح لمكتبة الكونجرس بالشروع في إنتاج تلك النوعية من الكتب.

و تُظهِر الإحصائيات نمواً مزدهراً لسوق الكتب المسموعة في دول مختلفة مؤخراً. في الولايات المتحدة على سبيل المثال، ارتفعت مبيعات الكتب الصوتية في عام 2019 بنسبة 18 في المائة، مقارنة بعام 2018، مُسجِّلة 1.2 مليار دولار. وفي كندا، شكَّلت مبيعات الكتب الصوتية عام 2019 نسبة 5 في المائة من إجمالي مبيعات الكتب، مقارنة بنسبة 3.6 في المائة في عام 2018، أما المملكة المتحدة فقد سجَّلت الفارق الأكبر بزيادة معدلها 43 في المائة في مبيعات الكتب الرقمية لعام 2019، وقُدِّرت أرباح هذه الكتب بنحو 69 مليون جنيه إسترليني.

الناشر شريف بكر

لكن ماذا عن السوق العربية؟

يشير رويحل إلى أن الكتاب الصوتي العربي مشروع قائم منذ قرابة العشرين عاماً، وذلك من خلال مشروع بادر به مجمع اللغة العربية بأبوظبي، لكن نظراً لعدم وجود وسائط إعلامية وتطبيقية سهلة وسلسة الاستخدام في ذلك التوقيت لم ينتشر المشروع بالشكل المطلوب.

وكانت السوق على موعد مع طفرة حقيقية تزامناً مع انتشار تطبيقات الهواتف المحمولة لتبدأ منصة «كتاب صوتي» أول مشروع قائم على استثمارات حقيقية لبناء سوق الكتب الصوتية العربية. وتبعها في بناء السوق الشركة الرائدة عالمياً في هذا المجال «ستورتيل»، التي قامت بالاستحواذ على «كتاب صوتي» عام 2020. ويقدر من «يستمعون» إلى الكتب اليوم بعشرات الآلاف من المستمعين العرب من مختلف الدول العربية، ولكن تظل مصر والسعودية في المقدمة باختلاف سلوك المستمعين في البلدين، فعلي سبيل المثال «المستخدم» المصري يستمع لعدد ساعات أكثر من نظيره السعودي بينما عدد «المستخدمين» في السعودية أكثر من نظرائهم في مصر.

الناشر شريف بكر

وفيما يتعلق بالفئات العمرية من مستمعي الكتب، يشير أحمد رويحل إلى أن الأكثر إقبالاً تتراوح أعمارهم من سن 18 إلى 35 سنة ويفضل هؤلاء «المستخدمون» باختلاف أعمارهم وجنسياتهم العربية الاستماع إلى الرواية، لا سيما رواية الإثارة والجريمة والرعب، يليها الرواية الرومانسية والاجتماعية ثم الرواية التاريخية. وتلي فئة الرواية كتب التنمية الذاتية وإدارة الأعمال ثم كتب السير الذاتية والكتب ذات المحتوى الخاص مثل الفلسفة والصحة النفسية.

ويشير«رويحل» إلى أن أبرز التحديات التي تواجه انتشار الكتب المسموعة تتمثل في محدودية الوصول إلي تلك النوعية من الكتب، فالكتاب الصوتي اليوم متواجد فقط على عدد محدد من المنصات. وهذا ما يفسر العدد البسيط من الكتب الصوتية مقارنة بالكتب المطبوعة والإلكترونية، فلنا أن نتخيل أن إجمالي عدد الكتب الصوتية العربية لا يتجاوز العشرة آلاف كتاب صوتي منشور بشكل قانوني ورسمي. وهناك أيضاً مشكلة ضعف الشمول المالي في بعض الدول على نحو يؤثر بدوره على قابلية الدفع الإلكتروني لاشتراكات التطبيقات.

الكاتب مصطفى عبيد

شرائح قرائية جديدة

دار «المعارف» إحدى دور النشر المصرية التي اتجهت بقوة إلى النشر الصوتي حيث تجاوز إنتاجها في هذا المجال المائة عنوان تنوعت ما بين الإبداع الأدبي والتراث وكتب الأطفال، فماذا كانت مبررات التوجه لهذا المجال الجديد؟ طرحنا السؤال على سعيد عبده، رئيس اتحاد الناشرين المصريين ورئيس مجلس إدارة الدار فأجاب: «النشر الصوتي يجتذب شرائح جديدة من القراء و يعد رافداً مهماً للناشر ومورداً جديداً يعينه على استمرار عمله».

ويضيف عبده: «نقوم حالياً بعمل استوديوهات مجهزة من أجل إنتاج المزيد من الكتب الصوتية علماً بأن هذا الاتجاه الجديد مكلف مادياً ويتطلب قدرات اقتصادية لا تملكها كل دور النشر».

الناشر سعيد عبده

ويؤكد شريف بكر، مدير دار «العربي»، أن إنتاج الكتب الصوتي يأتي بعد الكتب المطبوعة من حيث التكلفة الاقتصادية وقد يتجاوز الكتاب المسموع نظيره الورقي إذا لجأ الناشر إلى فنان معروف كي يقوم بتسجيل النص بصوته. من هنا يتوقع بكر المزيد من الانتشار للكتاب الصوتي بالتزامن مع انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي، حيث سيتم اللجوء إلى صوت إلكتروني وليس صوتاً بشرياً لقراءة العمل لخفض التكلفة وسرعة الإنجاز، لكن هذا يتطلب ضبط النص من حيث تشكيل الكلمات كي تُنطق بشكل صحيح، كما ستكون هناك مشكلة تتمثل في خلو هذا الصوت الإلكتروني المحايد من أي مشاعر أو انفعالات أثناء القراءة.

* العلاقة بالتكنولوجيا

- ويرى محمود عبد النبي، مدير دار «إيبيدي» أن انتشار الكتب الصوتية يراهن على قوة علاقة الجيل الجديد من الشباب تحت الثلاثين بالتكنولوجيا حيث إن تلك الفئة العمرية تمثل القوة الشرائية الأكبر في السوق وتستوعب جيداً عالم التطبيقات الرقمية التي لا بد منها كي تقوم بتحميل كتاب ما والاستماع إليه.

وينفي عبد النبي أي احتمال لأن يهدد «الصوتي» نظيره «الورقي»، مستشهداً بما حدث في الولايات المتحدة عام 2016 حيث أنتجت 51 ألف كتاب صوتي ومع ذلك لم يتأثر الكتاب المطبوع الذي يستفيد في حقيقة الأمر من الكتاب المسموع بوصفه مجرد أداة تنشيطية تدعم الكتاب الورقي. ويضيف: «الأجيال التي نشأت على الكتاب المدرسي وروايات الجيب لا يمكن أن تفرط بسهولة في الكتاب الورقي وتستبدل به وسائل أخرى مهما كانت الإغراءات».

لكن ماذا عن موقف المؤلف أو الكاتب نفسه؟ كيف ينظر إلى الكتاب الصوتي؟

الروائي والباحث مصطفى عبيد تحولت روايته «جاسوس في الكعبة» و كتابه «ضد التاريخ» إلى النشر الصوتي، فكيف يرى التجربة؟

يقول عبيد: «الكتاب الصوتي لا يدخل صراعاً صفرياً يقوم على الإقصاء مع الكتاب المطبوع فكلاهما يكمل الآخر والعلاقة بينهما قائمة على التكامل والدعم المتبادل. ويأتي دور الكتاب المسموع ليعوض نقص أو صعوبة التعامل مع الورقي في حالات كثيرة، مثل ضعف النظر ووجود مشكلات صحية في العين لا تسمح بمطالعة الصفحات المطبوعة لساعات طويلة. أيضاً هناك كبار السن الذين يعانون مشاكل في العمود الفقري ولا يستطيعون القراءة لفترات ممتدة. كما تبين أن هناك قراء للعربية في أوروبا والأميركتين لا تصلهم الكتب بسهولة نتيجة ارتفاع تكلفة الشحن، وبالتالي تصبح النسخة الصوتية من الكتاب بديلاً مناسباً في حالة تعذر وجود نسخة إلكترونية».



«مختبرات السَّرد العربية»... هل أصبحت لافتةً أنيقةً دون مضمون؟

هوشنك أوسي
هوشنك أوسي
TT

«مختبرات السَّرد العربية»... هل أصبحت لافتةً أنيقةً دون مضمون؟

هوشنك أوسي
هوشنك أوسي

شهد الحراك الثقافي العربي في السنوات الأخيرة عدداً من الظواهر التي عدّها مراقبون علامةً أدبيةً مهمةً تحرك المياه الراكدة، تأتي «مختبرات السرد» على رأس هذه الظواهر. اللافت أنه قبل 20 عاماً كان المصطلح نفسه غريباً يثير التساؤل، وربما السخرية، بسبب غرابته وإحالاته العلمية والطبية، لكنه الآن بات من المفردات البديهية للنشاط الأدبي والثقافي هنا وهناك، ولا يكاد يخلو بلد عربي منه، بل إن بعض البلاد مثل مصر والمغرب أصبح لديها أكثر من مختبر سردي.

في هذا السياق، إلى أي حد تبدو تلك المختبرات ضرورية، وما هي الأهداف التي حققتها خصوصاً بعد نضوج التجربة وانتشارها؟... في هذا التحقيق يجيب مديرو ومؤسسو تلك المختبرات، بالإضافة لأدباء ومثقفين، عن هذه الأسئلة وغيرها.

عبد الرحمن غانمي

كانت شرارة البداية انطلقت من المغرب، حيث شهدت الساحة الثقافية هناك الإرهاصات الأولى لتلك التجربة، وكان للمثقفين المغاربة فضل كبير في صك المصطلح وتقديمه للساحة العربية لاحقاً. اللافت أن «مختبر السرد» بكلية الآداب، جامعة السلطان مولاي سليمان بني ملال، يمتد نشاطه ليشمل «الأشكال الثقافية: الأدب واللغة والمجتمع»، فهل ثمة دلالة ما؟ طرحنا السؤال على مدير المختبر د. عبد الرحمن غانمي فأجاب قائلاً: «في الواقع لم تنشأ الفكرة من فراغ، فهي حصيلة تراكمات أكاديمية أملت علينا في آخر المطاف تأسيس المختبر بأفق ورؤية مغايرة، ليست غايتنا تكرار التجارب، أو أن نكون مجرد رقم إضافي، ولا (مزاحمة) أيِّ من كان، وإنما فقط من أجل ترجمة المشروع الذي نؤمن به على أرض الواقع، ولذلك لم نقدم على هذه الخطوة إلا بعد مخاض مهم ونقاش مع مكونات المختبر ومرجعياته الفكرية في بدايات العقد الأول من هذا القرن».

سمير الفيل

وحول أبرز الأهداف الخاصة بالمختبر، أوضح أنها تتمثل في الاشتغال على قضايا وموضوعات ما زالت في حاجة إلى التناول، أو تلك التي لم تنل حظها من العناية والاحتضان، تبعاً لتصورات فيها قسط محترم من الاجتهاد والمثابرة، وعقد مؤتمرات وندوات وطنية ودولية ولقاءات منتظمة. والاهتمام كذلك بالتأطير الأكاديمي للطلبة في تكوين أطروحات الدراسات الأدبية واللسانية والثقافية.

لكن مع «تكاثر» مختبرات السرد من المحيط إلى الخليج، يرى البعض أنها تحولت إلى نشاط روتيني ولافتة أنيقة دون مضمون حقيقي، يجيب د. غانمي: «هناك عدد من مختبرات السرديات العربية تؤدي خدمة ثقافية لافتة، في سياقات أدبية ونقدية وفكرية بدلاً من أن يظل ذلك حكراً على بعض المؤسسات، ومن الأكيد أن التجارب تتنوع ولا تشتغل بالضرورة بإيقاع واحد، وتقوى في حين، وقد يخفت صوتها في لحظات أخرى، وقد تتحول بعض الأنشطة في بعض الأحايين إلى إعادة إنتاج الموجود».

سهير المصادفة

الرهان على الغرابة

في أواخر ديسمبر (كانون الثاني) 2009، تم الإعلان عن انطلاق «مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية». ورغم غرابة الاسم وقتها، إلا أن مؤسس ومدير المختبر الكاتب منير عتيبة راهن على أن هذه الغرابة ستكون نقطة تميز تلفت الأنظار إلى ما يقوم به المختبر، حتى لو واجه الاسم في البداية بعض التندر.

ويشير عتيبة إلى تبني المختبر فكرة «زمن السرد» مقابل «زمن الرواية»، وهو المصطلح الذي أطلقه الناقد المصري د. جابر عصفور، وذلك حتى لا يظن البعض أن الرواية قتلت بقية الأشكال السردية. وتم التوسع في مفهوم السرد بالمختبر، فلم يعد يقتصر على «السرد الكتابي» من قصة قصيرة ورواية، بل أضيف إليه «السرد المسموع» ممثلاً في الدراما الإذاعية، و«السرد المرئي» ممثلاً في الدراما التليفزيونية والسينمائية، إضافة إلى المسرح الذي يعد أب الفنون، باعتبار أن كل هذه الفنون «تسرد» فكرة في إطار فني باستخدام أدوات مختلفة من النص المكتوب إلى جسد الممثل وصوته إلى الحركة المسرحية والمؤثرات الصوتية والموسيقى والديكور والإضاءة. ويتم تنظيم لقاء شهري بـ«بيت السناري» التابع لمكتبة الإسكندرية بمنطقة السيدة زينب بالقاهرة لمناقشة عمل سردي أو مناقشة مجمل أعمال سارد. كما يتم تنظيم لقاء شهري آخر بالمكان نفسه تحت عنوان «مختبر السرديات للفتية ببيت السناري»، وهو ورشة عمل دائمة لتدريب الشباب تحت سن العشرين ومناقشة أعمالهم بالتواصل مع كبار المبدعات والمبدعين.

جعفرالعقيلي

ويوضح منير عتيبة أن مختبر السرديات بالإسكندرية حقق الكثير من أهدافه، مثل دعم جسور التعاون بين الجهات الثقافية في البلاد العربية المختلفة، وهو ما تجلى في العديد من المؤتمرات التي نظمها المختبر مثل مؤتمر «البحر والصحراء: قصة مدينتين (الإسكندرية والرياض)» الذي جاء ثمرة تعاون بين مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية وبين «وحدة السرد» بكلية الآداب بجامعة الملك سعود.

رد الاعتبار للمنجز السردي

وحسب البيان التأسيسي لمختبر السرديات بالأردن، فإن الهدف من ذلك الكيان يتمثل في «الانفتاح على جميع أشكال السرد ومنتجيه دون أي مرجعية سوى جِدّة النص وسعيه الحثيث للمقاربات الحقيقية بغرض رد الاعتبار إلى المنجز السردي باعتباره منصة للانفتاح الإنساني».

منير عتيبة

وينفي الكاتب والناشر الأردني جعفر العقيلي، نائب رئيس المختبر، فكرة أن ظاهرة مختبرات السرد تحمل شيئاً من الرفاهية أو الرغبة في التقليد، مؤكداً أن تأسيس المختبر الأردني جاء انطلاقاً من الوعي بأهمية السرد وضرورة معاينته عبر الرواية والقصة والمسرحية والنصوص، بعين واعية وناقدة، والإسهام في خلق بيئة مبدعة حرة خلاقة، من خلال المراجعات والقراءات، واستنطاق النص الحاضر، واستحضار النماذج المبدعة، وفتح الأبواب للمغامرات السردية الجديدة، كي تعزز الحضور الإبداعي المهم فيما يخص الأجيال المبدعة في مجال السرد في الأردن، ليكون تلمّسه بتجلياته وأبعاده الإنسانية ومساحاته الإبداعية.

يضيف العقيلي: «نقوم في المختبر بتنظيم أنشطة غير نمطية كانت بمثابة سبل مدروسة تلقي الضوء على السرد المكرس وتأخذ بيد التجارب السردية الجديدة وفق رؤى وأدوات لا تتحقق إلا بثالوث الروائي والناقد والقارئ». ويؤمن مؤسسو المختبر، الذي يرأسه الكاتب مفلح العدوان، أن من أبرز معالم التنوير الثقافي في البلاد العربية ازدهار حالة النقد الذي يترافق مع وجود حركة تأليف مميزة وذات فعالية.

وعلى الدرب نفسه وفي ديسمبر 2019، أطلق مثقفون من مدينة دمياط الساحلية، شمال مصر «مختبر السرد بدمياط». ومن بين هؤلاء المؤسسين الشاعر والقاص سمير الفيل الذي يشير إلى أن أنشطة المختبر تتم في مقر حزب «التجمع» بالمدينة رغبة في الاستقلال عن الهيئات الرسمية. ويضيف الفيل: «نجح المختبر في تقديم جيل جديد من النقاد إلى الساحة الثقافية المصرية منهم محمد طاهر عشعش، دعاء البطراوي، هبة عادل السويسي، إضافة إلى النقاد أصحاب الخبرة مثل د. حمدي سليمان، د. عيد صالح، د. رشا الفوال، ود. إبراهيم منصور».

ويقول الفيل إن الهدف الأهم للمختبر، الذي بدأ في التبلور والتحقق، يتمثل في مد الحركة الثقافية بنشاط نوعي حقيقي، والتعرف على أقلام لا تحظى بدرجة كبيرة من الشيوع والانتشار لكنها تملك الموهبة ولديها هاجس التجاوز والتجريب. وينفي الفيل تحول المختبر إلى مجرد نشاط روتيني، نظراً لحرص الإدارة على اختيار أعمال مرموقة وذات مصداقية، ولإسناد مهمة النقد لأقلام عُرف عنها التجرد والنزاهة.

تفاؤل وتحذير

من جهتها، تشير الكاتبة الروائية سهير المصادفة إلى أنها شاركت في معظم فعاليات مختبرات السرديات، سواء في مصر أو في العالم العربي. لعل أشهرها وأكثرها تأثيراً مختبر السرديات بالمغرب، وكذلك ملتقى السرد الذي تقيمه الشارقة، وهو في أحد وجوهه مختبر للسرد أيضاً. وحول رؤيتها لتلك التجربة بعين المبدع تقول المصادفة: «فعاليات هذه المختبرات مهمة بالتأكيد للبحث الأكاديمي والنقد الأدبي والأدب المقارن، وبالتالي هي مهمة لمسيرة السرد. ولكن لا يساهم في الارتقاء بمستوى السرد إلا السرد نفسه، أي الروائي أو الروائية، فنحن هنا نتحدث عن تناول ما بعد العملية السردية، أي تحليل العمل الأدبي المكتمل بالفعل، من خلال محاور تفتح الآفاق أمام الباحثين، وتشير إلى الطفرات الكبرى في مسيرة السرد، وقد تكتشف من خلاله مدارس أو تيارات أدبية جديدة».

ويقول الشاعر والروائي السوري المقيم ببلجيكا هوشنك أوسي: «إن مختبرات السرد ظاهرة تنعكس إيجابياً على ضفتي الإبداع والنقد معاً، لكنها يُفترض أن تكون مرتبطة إمّا بالمكتبات الوطنيّة الكبرى، أو بأقسام وكُليّات الآداب في الجامعات، أو بوزارة الثّقافة، بحيث تكون مدعومة ومموّلة، وتحظى بشخصيّة أكاديميّة اعتباريّة. لكن مع ذلك، ففي ظنّي وتقديري أن التفاؤل الموجود حيال مختبرات السّرد، يفترض أن يكون مصحوباً بالتحذير مما يمكن وصفه بـانقلاب السحر على الساحر، بحيث كنا في أمس الحاجة لمختبرات السرد، كي تنقذ السّاحة الأدبية والنقدية من مظاهر الإسفاف والتهافت في الكتابة الأدبية والنقدية، لكن الخوف أن نصبح فجأة في أمس الحاجة إلى من ينقذنا من (مختبرات السّرد) العشوائيّة والارتجاليّة، أو الخاضعة لسطوة وسلطان هذا الكاتب أو الناقد أو المموّل».


رواية وكتاب مقالات لعبد الجليل الساعدي

رواية وكتاب مقالات لعبد الجليل الساعدي
TT

رواية وكتاب مقالات لعبد الجليل الساعدي

رواية وكتاب مقالات لعبد الجليل الساعدي

عن «دار جداول» للنشر والترجمة والتوزيع، صدر مؤخراً للكاتب الصحفي والروائي الليبي الزميل عبد الجليل الساعدي كتابان؛ الأول منهما رواية بعنوان «أيام على نهر أيسيس»، وهو الاسم الذي عُرف به قديماً نهر التيمز في بريطانيا، وثانيهما مقالات بعنوان «غرب وعرب».

الرواية هي الثانية التي تصدر للكاتب، بعد روايته الأولى التي صدرت في العام الماضي، بعنوان «عرب في لندن: حوارات على التيمز»، وفيها يتناول كمتخصص لغوي وأكاديمي تحولات اللغة العربية عبر الزمن.

النهجُ الحواري هو ما يميّز السرد الروائي في الروايتين، ومرتكزاً على الأفكار. وهو أيضاً ما يميّز أسلوب الكاتب عبد الجليل الساعدي، وربما يعود ذلك إلى تأثيرات عمله الصحافي سنوات طويلة، حيث تتحول الفكرة إلى رواية يلعب فيها الحوار الدور الرئيس، وبهدف أن تكون جسراً يحاول من خلاله الربط بين ضفتين: القديم والجديد، الماضي والحاضر. وبين حياتين: الغربة والوطن. وينجز ذلك من خلال كتابة هادئة ورصينة، وبلغة تقترب في أحايين كثيرة من تخوم الشعر.

الكتابُ الثاني يحتوي على مقالات كتبها الكاتب في فترات مختلفة، تتناول موضوعات متنوعة وشائقة، لعل أكثرها لفتاً للاهتمام مقالته الساخرة عن اضمحلال أهمية القلم في حياتنا بعد أن اقتحمها ظافراً جهاز الحاسوب، ويقدم فيها متحسّراً استعراضاً تاريخياً يذكّر بأمجاد مسيرة القلم، ودوره في بناء وتشييد الحضارة الإنسانية.


لهفي على ما يُقاسيه رفاق مهنتي في مدينة غزّة المنكوبة

المقابر الجماعية تروي فضاعات الحرب
المقابر الجماعية تروي فضاعات الحرب
TT

لهفي على ما يُقاسيه رفاق مهنتي في مدينة غزّة المنكوبة

المقابر الجماعية تروي فضاعات الحرب
المقابر الجماعية تروي فضاعات الحرب

يعرض التاريخُ علينا نفسه في كلّ حقبة مثل لوحة سرياليّة، تصوّر قفصاً من الدم والعظام والبارود والصديد، تقطعه خطوط برّاقة بنفسجيّة وطويلة. يدور الزمان دورته، واللوحة ذات اللوحة، وقد تغيّر اسم وتوقيع الفنّان. أخطأ إذن من قال إن التاريخ يعود مرّة بصورة ملهاة، ومرّة يكون مأساة. هناك من لا يريد للدماء أن تتوقف عن الجريان على أرض كوكبنا، فهو يرى في هذا المشهد ما يثير شهيّته إلى الضحك والهزل.

اسم الطفلة «نغم»، تبلغ الرّابعة، وكانت ترقد في صالة العمليّات لأن قذيفة بترت إحدى ساقيها، أطلقها الجيش القادم من بغداد ضدّ ثوّار الانتفاضة الربيعيّة - أنا أدعوها ثورة التسعين - التي جرت أحداثها بعد حرب تحرير الكويت. كانت إحدى وحدات الحرس الجمهوري تقوم بهجومها الأشدّ على مدينة العمارة، مدينتي، والوقتُ تجاوز أذان العصر بقليل، وكنتُ أجري تداخلاً جراحيّاً لإعادة الحياة إلى ساق الطفلة، أو إلى قسم منها على الأقل. وفي تلك اللّحظة اهتزّ مبنى المشفى، ثم ارتجّت الأرض ثانية، وكان صفير القذيفة التالية يهدر في المكان. ارتميتُ، ومعي طبيب التّخدير والمساعدان على الأرض، واستمرّ القصف على المبنى زمناً أفاقت الطّفلة في أثنائه من تأثير البنج، وكان صوتها الواهن يدعونا إلى النجدة. لكن الوقوف على القدمين يعني القتل برصاص القنّاصين من الجيش. ببطء شديد قمنا بسحب البساط الجلديّ، حيث ترقد الطّفلة على سرير صالة العمليّات، وجرت دماؤها القليلة على البلاط، واستقرّت أخيراً بيننا، ونحن منبطحون على الأرض، وكانت عيناها السّوداوان ثقيلتين بألم لا يسمّى ولا يُعرف.

ما العمل؟ يجب أن يعمل المبضع الآن، وإلاّ فالنّزف لا يمكن إيقافه. كانت الطّفلة تتجرّع الآلام لأنها أفاقت من التخدير، وأدوات الجراحة تعمل في ساقها المعطوبة، الرقيقة العود، وفي الأثناء كانت تدور في أنحاء المشفى معركة بين جنود الحرس الجمهوري وثوّار الانتفاضة. الطفلة تئن وتنتحب، والدم يطفر من عروقها، وتقاوم الموت الرّهيب بآهة واهنة، وفي نبرتها حزن الأصوات التي تؤكد الموت، وتريد إقراراً أنّ لا شيء على قيد الحياة بقي موجوداً.

روت أمّ نغم لنا حماقة جدّ البنت الذي بعثها لتبتاع علبة سجائر بينما كانت دبّابات الحرس الجمهوري تتأهّب لاقتحام المدينة. أما أبوها فكان جنديّاً في فرقة عسكرية في الصّحراء، لم يبلغها أمر انسحاب الجيش من القيادة العسكريّة، فبقيت تقاتل إلى أن أبيدت على يد جنود شوارتسكوف (قائد قوات التحالف في حرب تحرير الكويت). لقد تعاون على أهل مدينتي الجيشُ العراقي وجنودُ قوات التحالف القادمون من 32 دولة. أيّ خلطة تاريخيّة سرياليّة مرّت على طفلتي في ذلك الزمن: أبوها يدافع عن صدّام حسين ضدّ الأمريكان، وجيش صدّام يقوم بقصف مدينة الأب، ويتسبّب في موت ابنته. التاريخ إذن لوحة سرياليّة بامتياز، والفنّ السوريالي فنّ واقعيّ بإمعان وإجادة، لأن فيه ترسيماً كاملاً للظلم واللاعدالة التي تسود الأرض. إن قطرة من القهر ليست كافية لتشويه صورة مدينة صغيرة مثل العمارة، وإنما لتشويه العالم بأسره، والحال نفسه يدور في مدينة غزّة هذه الأيّام. قصّة الطفلة نغم تعود في هذه البلدة، التي يدوسها الجيش الإسرائيلي بحجّة الدفاع عن النفس، واللوحة السرياليّة تُرسم من جديد، وخلطة التاريخ تحدث ثانية، فهناك عرب من البدو والدروز يقاتلون مع الجيش الإسرائيلي ضدّ المقاومين الثائرين الذين ينتمون إلى «حماس»، وهم أقرباؤهم، أبناء العمّ أو العمّة والخال والخالة. وتتكرّر حكاية العذاب في مدينة غزّة، في كلّ دقيقة وثانية، وهناك من يُقاسي من الأطبّاء مثلما قاسيتُ في المشفى. إنهم يجرون العمليّات دون تخدير على الأطفال، فأيّ ألم يستقرّ في أعماق الاثنين، الطبيب والطفل الجريح، إلى النهاية!؟

يُقال إن الحياة لحظة واحدة، حين يكتشف المرء، مرة واحدة وإلى الأبد، من يكون. مثلما يمكن اختصار الشجرة بإحدى أوراقها، لأنها تحمل جميع صفاتها، وحركة أغصانها مع الريح، والقوة الكامنة في الجذور، كذلك يمكن اختصار سنين عمر الإنسان إلى لحظة واحدة، يلمس في أعماقها كلّ حياته. كيفما تكن ورقة شجرتك تكن لحظتك. لكن هناك من لا تظهر له ذاته إلا في ما وراء النوم والحلم، أو بعد الموت، ولربما ولا حتّى في ذلك الحين. يحصل هذا الأمر عندما تكون حياة المرء بلا شكل ولا معنى.

من طلائع سعدك إذن أن تتعرّف على لحظتك، وأن تكون هذه سلماً أبديّاً، لأن هناك من تكون لحظته هلعاً أبديّاً. يمكن للطبيب في ساعة عذاب تقاسيه طفلة على سرير الفحص أن يكتشف هذه اللحظة، فيكون أباً لها، ويرى عندها جميع أطفال العالم أبناءه، فهو يعمل ويعيش من أجلهم، ومن أجلهم فحسب. الذين يدافعون عن الحياة ولدوا تحت طالع حسن، لأنهم رحماء من أجل أنفسهم، ولا يمكن أن يُضاف إلى حظّهم الطيّب شيء أكثر من ذلك، والذين يحاولون اليوم محو مدينة غزّة بواسطة البارود والدم، لا تنتهي من وجودهم حالة الذعر الدائم، فينكمشون بعيداً في الزوايا المظلمة طوال حياتهم، حدّ أن الأشياء التي تلمع في نور الشمس الساطع تبدو لهم غائمة في غشاوة سوداء. لهفي على ما يُقاسيه رفاق مهنتي في مدينة غزّة المنكوبة، وهم يرون أطفالهم يموتون من العذابات بين أيديهم، دون أن يستطيعوا تقديم العون.

أعود إلى قصّتي مع نغم. وشلت دماؤها على أرض صالة العمليّات حتى آخر قطرة. في الأخير رحتُ أصغي إلى صوت الروح عندما تغادرنا، وتستقرّ في الأبد، ورأيتُ البنفسج والعجين الأبيض والوجنات الحريريّة، وكانت تصلني موسيقى طبل ومزمار حماسيّة، وأخذني الخيال إلى مكان بعيد ثم تركني وحيداً مع جثّة طفلتي. كنت ألمس لحيتي بين حين وآخر كي أتأكّد أنها في مكانها، وظلّت القذائف تنزل علينا إلى آخر النهار، ورشقات بنادق الكلاشنكوف تسكت، ثم تصلنا متفرّقة.

يمكن للطبيب في ساعة عذاب تقاسيه طفلة على سرير الفحص أن يكتشف هذه اللحظة فيكون أباً لها ويرى عندها جميع أطفال العالم أبنائه

احتلّ جنود الحرس الجمهوريّ المكان بعد أن كسبوا المعركة ضدّ الثوّار، ونصبوا مدافع الهاون في ساحة المشفى لقصف المدينة، ثم قاموا بصولة وأخذوا يقتلون الجميع ويرمونهم في النهر. وجاءتنا الأخبار أن الطائرات ألقت منشورات تهدّد، في حالة عدم استسلام الثوّار في داخل المدينة، باستعمال السلاح الكيمياوي، وفي ذلك الوقت كانت قصّة مدينة حلبجة قريبة، ويعلم بها الجميع. أيّ قدر كُتِبَ على مدينة يقوم جيشها بالاعتداء عليها بواسطة المدفعيّة والطائرات؟ هل بتنا نترحّم على العثمانيّين وقرونهم الأربعة المظلمة؟ وهل كان هولاكو أكثر رأفةً بنا من إخواننا؟ ربما كانت قصّة النّهر الذي صار أحمرَ بالدّماء كابوساً رآه أحد رواة التاريخ سوف يتحقّق ويصير واقعاً في زماننا. حين فارقت الطفلة الحياة، لأنها نزفت كلّ دمها، هبط الليل علينا. الأرض خفيفة والزمان واقف، وكانت بذرة تنشقّ باكراً من أيامها، تحاول معبراً إلى السماء.


«مؤتمر الفلسفة الدولي» يناقش علاقة القيم العابرة للثقافات بالقضايا الأخلاقية

الدكتور محمد علوان يتحدث خلال افتتاح المؤتمر في الرياض (هيئة الأدب)
الدكتور محمد علوان يتحدث خلال افتتاح المؤتمر في الرياض (هيئة الأدب)
TT

«مؤتمر الفلسفة الدولي» يناقش علاقة القيم العابرة للثقافات بالقضايا الأخلاقية

الدكتور محمد علوان يتحدث خلال افتتاح المؤتمر في الرياض (هيئة الأدب)
الدكتور محمد علوان يتحدث خلال افتتاح المؤتمر في الرياض (هيئة الأدب)

في فضاء فلسفي متفرد، أطلقت «هيئة الأدب والنشر والترجمة» النسخة الثالثة من «مؤتمر الرياض الدولي للفلسفة 2023»، تحت عنوان «القيم العابرة للثقافات والتحديات الأخلاقية في العصر التواصلي»، وذلك بحضور الأمير خالد بن طلال بن بدر، أمين عام مكتبة الملك فهد الوطنية.

ويجمع المؤتمر، الذي تستضيفه مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض، حتى يوم السبت، أكثر من 70 ضيفاً قدِموا من أكثر من 20 دولة، منهم الأكاديميّون وذوو الخبرة في مجالات متنوّعة تتباين بين الفلسفة واختصاصاتها، والعلوم الفكرية، والنقدية، والطبيعية، والأدب، واللغة، والفنون.

شهد افتتاح المؤتمر حضور الأمير خالد بن طلال بن بدر أمين عام مكتبة الملك فهد الوطنية (هيئة الأدب)

أكد الدكتور محمد علوان، الرئيس التنفيذي للهيئة، خلال حفل الافتتاح، أن السعودية زاخرة بالإمكانات البحثية والفكرية الواعدة، عادّاً هذا المؤتمر «خطوة سبّاقة لدعم هذه القدرات الفذّة».

ويستهدف المؤتمر المهتمّين بالفلسفة والعلوم الفكرية، ومُحبّي التعلّم والاستكشاف، ومختلف الفئات العُمرية عبر باقة تفعيلات متنوعة وثريّة، تُقدم الفلسفة بطرق مبتكرة ومبسَّطة إلى جميع أفراد المجتمع من المختصين والهواة، وذلك عن طريق مجموعة من الورش التمهيدية، والتخصّصية، وأخرى مخصصة للأطفال واليافعين لتشجيع الإبداع والتفكير الحر، ومعرض «تقاطعات الفلسفة والفن»، والمناظرات الفلسفية بين طلاب الجامعات حول التعارض بين المعرّفات المجهولة على وسائل التواصل، فضلاً عن التجارب التفاعلية والتعليمية.

طلاب الجامعات السعودية يخوضون جولات المناظرات الفلسفية (هيئة الأدب)

وعلى هامش انطلاق فعاليات المؤتمر، وقّعت «الجمعية السعودية للفلسفة» اتفاقية انضمامها «إلى الاتحاد الدولي للجمعيات الفلسفية (FISP)»، التي تهدف إلى تعزيز مكانة الفلسفة المحلية في ساحة الحوار الفلسفي العالمي، حيث يندرج تحت المنظمة العالمية أغلبُ الجمعيات المتخصصة من دول العالم المختلفة.

ويسعى هذا الحدث إلى ربط الشركاء المحليين من مؤسسات القطاعات الحكومي والخاص وغير الربحي، بنظرائهم الدوليين على طاولة الحوار؛ سعياً إلى عقد الاتفاقيات والتفاهمات الاستراتيجية المختلفة التي تُسهم في النهوض بالمجال الفلسفي محلياً ودولياً.

من مراسم توقيع اتفاقية انضمام «الجمعية السعودية للفلسفة» إلى «الاتحاد الدولي للجمعيات الفلسفية» (واس)


وزارة الآثار في غزة تدعو «اليونيسكو» لإنقاذ معالم القطاع

المسجد العمري بعدما دمّره القصف الإسرائيلي وسط حرب غزة (رويترز)
المسجد العمري بعدما دمّره القصف الإسرائيلي وسط حرب غزة (رويترز)
TT

وزارة الآثار في غزة تدعو «اليونيسكو» لإنقاذ معالم القطاع

المسجد العمري بعدما دمّره القصف الإسرائيلي وسط حرب غزة (رويترز)
المسجد العمري بعدما دمّره القصف الإسرائيلي وسط حرب غزة (رويترز)

دعت وزارة الآثار في غزة، اليوم (الجمعة)، منظمة «اليونيسكو» للحفاظ على الكنوز الأثرية المتبقية في قطاع غزة، بعدما أدى القصف الإسرائيلي في الحرب مع حركة «حماس»، إلى تدمير أو إلحاق الضرر بمعالم مثل أقدم كنيسة وآخر الحمامات الأثرية ومساجد تاريخية.

وأظهرت مقاطع فيديو وصور نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، اليوم (الجمعة)، المسجد العمري الكبير، وهو الأكبر والأقدم في شمال غزة، وقد لحقت به أضرار بالغة، باستثناء مئذنته التي بدت سليمة إلى حد ما، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

ونددت الوزارة في بيان، بـ«تدمير مواقع تاريخية وأثرية» من قبل الجيش الذي يقصف القطاع منذ أسابيع. واندلعت الحرب في غزة بعد هجوم غير مسبوق شنّته حركة «حماس» على جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول)، أسفر عن سقوط 1200 قتيل وقضى معظمهم في اليوم الأول، بحسب السلطات الإسرائيلية.

وردّت إسرائيل بقصف مكثف على القطاع، وبدأت في 27 أكتوبر بشنّ عمليات برية. وأوقع القصف أكثر من 17 ألف قتيل معظمهم مدنيون وبينهم أكثر من 6 آلاف طفل، وفق حكومة «حماس». كما تسبّب بدمار واسع في القطاع.

وعدّت وزارة السياحة والآثار في غزة أن «جريمة استهداف وتدمير المواقع الأثرية ينبغي أن تدفع العالم واليونيسكو للتحرك لإنقاذ هذا الموروث التاريخي الحضاري الأثري العظيم».

وأكدت أن «الاحتلال يتعمّد ارتكاب مجزرة بحق الأماكن التاريخية والأثرية في البلدة القديمة وسط غزة ليغتال التاريخ وآثار الحضارات التي مرت على قطاع غزة منذ آلاف السنين».

وأضافت: «دمّر القصف الجوي الخميس وليل الجمعة، أماكن أثرية كلياً كمسجد عثمان قُشْقَار التاريخي وجزئياً مثل المسجد العمري الكبير الذي يعود تاريخ موقعه إلى 2500 عام».

وأوضحت أن المسجد أقيم فوق معبد وثني قديم لمارناس ثم حوّل إلى كنيسة بيزنطية، ثم إلى مسجد في بدايات الفتوحات الإسلامية. وبحسب الوزارة، احتفظ مخطط المسجد الحالي بأجزاء من الكنيسة التي يعود تاريخها للقرن الثاني عشر الميلادي، وكانت مقامة على الطراز القوطي. وأعيد بناء المسجد العمري وتوسعته في فترات لاحقة منها المملوكية والعثمانية، وبنيت المئذنة التي تعد من أبرز معالمه في الفترة المملوكية.

ودانت الوزارة في بيانها تدمير حمام السمرا التاريخي الذي أسس قبل 1300 سنة، ودار القرآن الكريم التي تضم منزل ومحراب الإمام الشافعي. وأشارت إلى تدمير 3 كنائس أبرزها كنيسة القديس بورفيريوس، وهي أقدم كنيسة في القطاع كانت لا تزال أبوابها مفتوحة، وتقع بجانب مسجد في البلدة القديمة بغزة، ويعود تاريخها إلى القرن الرابع الميلادي.

وكانت بطريركية الروم الأرثوذكس في القدس استنكرت قصف الكنيسة في بيان أصدرته في 19 أكتوبر.


عسير تستضيف «مهرجان الكُتّاب والقرّاء» يناير المقبل

ينعقد المهرجان في مدينة خميس مشيط خلال الفترة بين 4 و10 يناير 2024 (وزارة الثقافة)
ينعقد المهرجان في مدينة خميس مشيط خلال الفترة بين 4 و10 يناير 2024 (وزارة الثقافة)
TT

عسير تستضيف «مهرجان الكُتّاب والقرّاء» يناير المقبل

ينعقد المهرجان في مدينة خميس مشيط خلال الفترة بين 4 و10 يناير 2024 (وزارة الثقافة)
ينعقد المهرجان في مدينة خميس مشيط خلال الفترة بين 4 و10 يناير 2024 (وزارة الثقافة)

تنظم «هيئة الأدب والنشر والترجمة» في السعودية، «مهرجان الكُتّاب والقرّاء» الثاني خلال الفترة بين 4 و10 يناير (كانون الثاني) المقبل، وذلك بمركز الأمير سلطان الحضاري في مدينة خميس مشيط التابعة لمنطقة عسير (جنوب المملكة)، وذلك للاحتفاء بالثقافة والأدب العربي والعالمي.

وأوضحت الهيئة أن المهرجان سيستقطب أبرز المثقفين السعوديين والدوليين؛ لتقديم إنتاجهم لجمهورٍ شغوف من مختلف أقطار العالم، كما يوفر فرص عقد الشراكات الأدبية بمجالات الأدب والنشر والترجمة، مع ما يتضمنه ذلك من إتاحة المجال للقطاعين الخاص وغير الربحي؛ للإسهام في إثراء الحراك الأدبي.

ويقدم برنامجاً ثقافياً شاملاً ينطلق من الأدب إلى مختلف القطاعات الثقافية؛ لتشجيع الزوار على تجربة أدبية مثيرة مع الأنشطة الإبداعية المشتملة على جلساتٍ حواريةٍ، وقصائد بين الطرق، ومنصةِ الفن والأقصوصة، وتحدياتٍ وتجارب تفاعليةٍ أدبيةٍ، بالإضافة إلى مناطق أخرى للتفاعل مع الزوّار بهدف زيادة معرفتهم؛ مثل منطقة الأطفال والمغامرين الصغار، والسينما، وحديقة المطل «الفناء»، وممشى الأدب، والجداريات التي تُزين الممشى بالتعاون مع بلدية خميس مشيط.

ويتيح المهرجان للزوار فرصة الاجتماع مع الكُتّاب، والاستمتاع بعشاءٍ مستوحى من أعمال أدبية شهيرة، من شأنها أن تعزز الهوية السعودية والثقافة المحلية، بالإضافة إلى قسم مميز من المطاعم والمقاهي لتقديم مأكولات عسير الأصيلة والعالمية متمثلاً في 19 مطعماً ومقهى، ومنصة القهوة لتجربة تذوق مجموعة واسعة من أنواعها المعدة بعناية، إضافةً إلى استكشاف المزارعين في منطقة السوق المحلية، واستعراض المنتجات المحلية والحِرف اليدوية.

ويتضمن عروضاً تراثية للفنون الأدائية التقليدية المتنوعة في عسير، ويوفر منصة للفنون التشكيلية؛ لتسمح للفنانين المحليين بإبراز مواهبهم في المزج بين الفن والأدب عبر مجموعة متنوعة من الأنشطة الفنية، وتقدم نشاطاً فنياً تفاعلياً يُمكّن الزوّار من المشاركة فيه عن طريق رسم قصائد، أو أعمال فنية صغيرة، لتُعرض هذه الأعمال في «اللوحة الرئيسية» التي تعكس روح المهرجان.

ويأتي هذا الحدث استمراراً لنهج المنظومة في إقامة فعاليات تعزز مكانة السعودية الثقافية، وفتح منافذ جديدة للإبداع والتعبير المعرفي. وتسعى الهيئة، من خلاله إلى الاحتفاء بالكُتّاب والقُرّاء بصفتهما الأكثر تأثيراً في سلسلة الإنتاج الثقافي والحضاري للإنسانية كلها، وإيجاد منصة تسمح للمبدعين من المملكة والعالم بالتواصل الإبداعي الخلاّق الذي يُثري الساحة، ويُلبي احتياج الجمهور للأدب، والثقافة، والفن بأسلوبٍ جماليٍ فريدٍ، وتعزيز مفاهيم الترفيه بالثقافة لكل أفراد المجتمع.


ممثلو هوليوود يصادقون على اتفاق لمدة ثلاث سنوات مع الاستوديوهات

رئيسة نقابة «ساغ أفترا» فران دريشر تحتضن زميلة فرحاً بعد أن وافقت لجنة النقابة على اتفاقية مبدئية مع تحالف منتجي الصور المتحركة والتلفزيون «AMPTP» لوضع حد لإضراب الممثلين (رويترز)
رئيسة نقابة «ساغ أفترا» فران دريشر تحتضن زميلة فرحاً بعد أن وافقت لجنة النقابة على اتفاقية مبدئية مع تحالف منتجي الصور المتحركة والتلفزيون «AMPTP» لوضع حد لإضراب الممثلين (رويترز)
TT

ممثلو هوليوود يصادقون على اتفاق لمدة ثلاث سنوات مع الاستوديوهات

رئيسة نقابة «ساغ أفترا» فران دريشر تحتضن زميلة فرحاً بعد أن وافقت لجنة النقابة على اتفاقية مبدئية مع تحالف منتجي الصور المتحركة والتلفزيون «AMPTP» لوضع حد لإضراب الممثلين (رويترز)
رئيسة نقابة «ساغ أفترا» فران دريشر تحتضن زميلة فرحاً بعد أن وافقت لجنة النقابة على اتفاقية مبدئية مع تحالف منتجي الصور المتحركة والتلفزيون «AMPTP» لوضع حد لإضراب الممثلين (رويترز)

صادق الممثلون في هوليوود على اتفاق سبق أن توصّلوا إليه مع الاستوديوهات، ليُنهوا بذلك إضراباً شلّ القطاعين السينمائي والتلفزيوني لأشهر، على ما أفادت نقابة الممثلين «ساغ أفترا»، أمس الثلاثاء.

وأشارت النقابة إلى أن 78 في المائة من أعضائها الذين أدلوا بأصواتهم، صادقوا على الاتفاق الجديد الصالح لثلاث سنوات. وقالت رئيسة النقابة فران دريشر، في بيان: «إنّه عصر ذهبي لساغ أفترا. نقابتنا لم تكن بهذه القوّة من قبل».

وينص الاتفاق على مكافآت وأرباح للممثلين تزيد عن مليار دولار، ويحدّد ضمانات تحميهم من استخدام الاستوديوهات تقنية الذكاء الاصطناعي، على ما ذكرت النقابة.

رئيسة نقابة «ساغ أفترا» فران دريشر (في الوسط)، مع أعضاء من النقابة يقفون من أجل صورة جماعية في مؤتمر صحافي لمناقشة صفقة إنهاء الإضراب مع استوديوهات هوليوود (أ.ف.ب)

ورحّب تحالف منتجي الأعمال السينمائية والتلفزيونية «AMPTP»، الذي يمثّل «نتفليكس» و«وولت ديزني» وشركات إنتاج أخرى، بالمصادقة على الاتفاق.

وقال، في بيان: «مع هذه المصادقة سيتمكن القطاع ومختلف العاملين فيه من استئناف العمل بزخم».

وقالت النقابة إن 38 في المائة من أعضائها أدلوا بأصواتهم.

رئيسة نقابة «ساغ أفترا» فران دريشر، والمدير التنفيذي الوطني لـ«ساغ أفترا» وكبير المفاوضين، وأعضاء النقابة يلوّحون في مكاتبهم بعد انتهاء المفاوضات مع تحالف منتجي الصور المتحركة والتلفزيون «AMPTP» (رويترز)

وخلال الشهر الفائت، توصّلت نقابة الممثلين والاستوديوهات في هوليوود إلى اتفاق يُنهي إضراباً استمر 118 يوماً، واستأنف الممثلون العمل قبل المصادقة عليه.


لبوءتا الحِجْر المتواجهتان مشهد فريد في الموقع الأثري الأكثر شهرة

نقش واجهة قبر الحِجْر، يقابله نقش من إيوان مملكة الحضر، وقطعة ذهبية أخمينية
نقش واجهة قبر الحِجْر، يقابله نقش من إيوان مملكة الحضر، وقطعة ذهبية أخمينية
TT

لبوءتا الحِجْر المتواجهتان مشهد فريد في الموقع الأثري الأكثر شهرة

نقش واجهة قبر الحِجْر، يقابله نقش من إيوان مملكة الحضر، وقطعة ذهبية أخمينية
نقش واجهة قبر الحِجْر، يقابله نقش من إيوان مملكة الحضر، وقطعة ذهبية أخمينية

تحوي جبال مدينة الحِجْر الأثرية عشرات المقابر المنحوتة في الصخر، تمثّل ذروة القيمة الآثارية لمحافظة العُلا. تعود هذه المقابر إلى مملكة العرب الأنباط التي امتدت من جنوب بلاد الشام إلى السواحل الشمالية للبحر الأحمر، وضمّت منطقة الحِجْر في منتصف القرن الأول قبل الميلاد. تتميّز مجموعة من هذه المقابر بواجهاتها المزينة بالنقوش الزخرفية، وتتفرّد إحدى هذه الواجهات بنقش تصويري لا نجد ما يشابهه في هذا الموقع الأثري، يمثّل كما يبدو لبوءتين متواجهتين.

تقع هذه الواجهة إلى الشرق من منطقة الخريمات، على مقربة من قبر كبير يُعرف بقصر البنت، وهي من الواجهات المتواضعة من حيث الحجم والبناء، وتتبع في تكوينها النسق الذي ساد في هذا البقعة من مملكة الأنباط. يحدّها عمودان مجرّدان يعلوهما تاجان بسيطان مسطحان يخلوان من أي زينة. فوق هذين العمودين، تمتدّ عارضة أفقية بارزة تعلوها سلسلة من سبعة مثلثات هرمية مدرّجة. في وسط النصف الأسفل من الواجهة، يستقر باب المقبرة المفتوح وسط عمودين مشابهين أصغر حجماً، وفوق هذين العمودين تمتد عارضة أفقية بسيطة تعلو الباب. تتحوّل هذه العارضة المسطّحة إلى أرض يابسة يسكنها حيوانان من فصيلة السنوريات يصعب تحديد صنفهما بسبب غياب ملامح رأسيهما. وسط هذين الحيوانين، تحلّ أسطوانة وردية من الصنف الذي يُعرف تقليدياً باسم الأسطوانة الأشورية في قاموس علم الآثار، وهي على شكل زهرة الربيع اللؤلوئية، وتتكوّن من ست بتلات موزعة هندسياً حول قرص دائري يشكّل وسط هذه الزهرة.

يظهر الحيوانان في صورة واحدة جامعة. نراهما متواجهين في وضعية جانبية، وهما يديران رأسيهما نحو الخلف، منتصبين بثبات على ثلاثة قوائم، رافعين القائمة الأمامية اليمنى نحو الأعلى. وتلامس هاتان القائمتان المرفوعتان الأسطوانة الوردية، كأنهّما ترفعان بها نحو الأعلى. يبلغ طول هذه الأسطوانة 40 سنتمتراً، وهي من العناصر التشكيلية التي يتكرّر حضورها على واجهات حجرات الحِجْر الجنائزية، وطول كل من الحيوانين معادل له. النسب التشريحية الخاصة بكل من البهيمتين متناسقة وصحيحة، والقالب التصويري تجريدي، ويغلب عليه طابع التحوير الهندسي الاختزالي. يظهر ذيل كل من الحيوانين بشكل لافت يتمثّل في انتصابه عمودياً، والتفاف طرفه بشكل لولبي حلزوني.

يُعيد هذا الذيل اللولبي إلى الذاكرة حضور الأسود المجنّحة التي تزيّن إفريزاً من محفوظات متحف اللوفر الفرنسي، مصدره قصر داريوس الأول في مدينة سوسة الأثرية، على بعد 140 كلم شرق نهر دجلة. شُيّد هذا القصر بين عام 522 وعام 486 قبل المسيح، وتُمثل الأسود المجنّحة التي تزيّن إفريزه شكلاً من أشكال حيوان أسطوري يجمع بين الأسد والنسر، ويُعرف بـ«الغريفين»، وقد تحدث قدماء الإغريق عن هذا الحيوان المهيب الذي امتلك قوة ملك الوحوش وقوة ملك الطيور، ونقلوا روايات تقول إنه كان يبني عشه من الذهب الذي كان يحمله من أعالي قمم الجبال إلى الأرض، كما جعلوا منه حارساً للكنوز والممتلكات التي لا تقدّر بثمن.

تبدو لبوءتا الحِجْر أشبه بحيوانين من الغريفين ظهرا هنا مجرّدين من أجنحتهما، ويبدو حضورهما استثنائياً في هذه البقعة

فنيّاً، ظهر «الغريفين» أوّلاً خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد في بلاد عيلام التي تقع جنوب غرب الهضبة الإيرانية، واتّخذ أشكالاً متعددة في هذا العالم الذي مثّل حضارة ما قبل إيرانية قديمة، توسّعت في الشرق الأدنى القديم، وعُرفت باسم سوزيانا، نسبة إلى عاصمتها سوسة. بعدها، دخل «الغريفين» العالم الإغريقي الواسع، واتخذ صورة حيوان له جسم أسد ورأس وجناحَا نسر، وانتشرت هذه الصورة انتشاراً واسعاً في مجمل الميادين الفنية. في المقابل، برز هذا الحيوان الأسطوري في الإمبراطورية الفرثية التي نشأت في منتصف القرن الثالث قبل الميلاد في مقاطعة بارثيا، جنوب شرق بحر قزوين في آسيا، وامتدّت في أوجها من الروافد الشمالية للفرات في وسط تركيا، إلى شرق إيران.

تحوّلت صورة «الغريفين» إلى صورة عابرة للثقافات، شرقاً وغرباً، وتكرّر مشهد يجمع حيوانين متواجهين من هذا النوع الغرائبي، يرفع كل منهما إحدى قائمتيه الأماميتين في اتجاه إناء كبير يفصل بينهما. شواهد هذا النموذج لا تُحصى، منها نقش روماني من القرن الأول قبل الميلاد محفوظ في متحف أورانج الأثري في جنوب شرق فرنسا، ونقش فرثي من القرن الثاني للميلاد محفوظ في متحف متروبوليتان في نيويورك، مصدره إيوان مملكة الحضر، في السهل الشمالي الغربي من وادي الرافدين. كذلك تكرّر مشهد «الغريفين» الذي يرفع قائمته الأمامية وهو يدير رأسه إلى الخلف، والشواهد عديدة، منها قطعة ذهبية محفوظة في متحف جامعة شيكاغو تعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد، تختزل المثال الذي شاع في ظل الإمبراطورية الفارسية الأولى التي عُرفت باسم الإمبراطورية الأخمينية.

في سنة 1909، قاد العالمان الفرنسيان أنطونان جوسين ورفائيل سافينياك حملة استكشاف واسعة في الحِجْر، وتوقّفا أمام واجهة القبر الذي يحرسه حيوانان من فصيلة السنوريات، وبدا لهما أن جسمي هذين الحيوانين يمثّلان جسم لبوءة، أما رأساهما فأميل إلى رأس كلب ضاعت ملامحه. في الواقع، تتشابه هذه الصورة المنقوشة في تأليفها مع الصور التي تجمع بين حيوانين من «الغريفين» يفصل بينهما إناء، وفقاً للنسق الذي يتبناه نقش إيوان الحضر. في نقش الحِجْر، تحل الأسطوانة الوردية الأشورية في الوسط، بدل الإناء الكلاسيكي التقليدي الذي يظهر في وسط نقش الحضر. ويظهر الحيوانان وهما يديران رأسيهما إلى الخلف تبعاً للمثال الذي يختزله متحف جامعة شيكاغو.

في الخلاصة، تبدو لبوءتا الحِجْر أشبه بحيوانين من «الغريفين» ظهرا هنا مجرّدين من أجنحتهما، ويبدو حضورهما استثنائياً في هذه البقعة، وهذا الحضور يجعل زخارف واجهة القبر الذي يحرسانه «تختلف عما هو مألوف في هذا الموقع»، كما تقول البطاقة التعريفية الخاصة بهذا القبر في هذا الموقع الأثري السياحي.


الحب على الطرفين المتباعدين للأعمار

محمود درويش
محمود درويش
TT

الحب على الطرفين المتباعدين للأعمار

محمود درويش
محمود درويش

لطالما كانت العلاقة بين الحب والزمن مثار اهتمام الكثير من الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع، وصولاً إلى الكتاب والفنانين الذين رأوا إلى هذه المغامرة من موقع الاختبار الشخصي لا من موقع التنظير المجرد. ولم تكن الأسئلة المطروحة حول تلك العلاقة مقتصرة على ديمومة الحب، والمساحة الزمنية الافتراضية لاشتعاله أو تحلله، أو عند الأعمار الأكثر ملاءمة للوقوع في أتونه، بل توقف الدارسون ملياً عند الإشكالية المتعلقة بفارق العمر بين العاشق والمعشوق، وما إذا كان بوسع الحب أن يردم الفجوة الزمنية الواسعة التي تفصل بين الطرفين.

قد يكون الفيلسوف الروسي فاسيلي روزانوف أحد أكثر الباحثين تفاؤلاً في ما يخص قدرة الحب على هزيمة الزمن، وصهر المتحابين داخل بوتقته الرائعة. فالحب وفق روزانوف تقتله التشابهات وتحييه الفوارق. وإذا كانت قوة الحب كامنة في تباعد طرفيه، بحيث أن تأنث الرجل لا يثير بأي وجه إعجاب المرأة، والعكس صحيح أيضاً، فما الذي يمنعنا أن نتصور الأمر نفسه بالنسبة لأعمار المحبين التي تزداد جاذبيتها كلما تباعدت بينها فجوات الزمن. ويعتقد روزانوف أن الحب الحقيقي هو ذلك الذي يتفتح خارج كل قيد، «ففيما نكبر نحن البشر ونقترب من اللحد، يكاد حب غريب لم نعهده من قبل أن يتملكنا نحوه»، كما أن حالات الحب على عتبة القبر، هي بالذات دليل سيادة الحياة على الموت، أو كسرٍ لنداء الموت الذي يمض الكائن ويضنيه، بما يمكّن العاشق العجوز من أن يصرخ «أيها الموت، أين إبرتك السامة؟».

غوته

لكن جمالية الاختلاف عند روزانوف لا تسير على خط واحد بل على خطين اثنين، بحيث أن المهد يتوق إلى اللحد بالطريقة ذاتها، «حيث تخترق نجمة الموت ونجمة الولادة، المسافة الفلكية التي تفصلهما، وتندفع كل منهما بشوق بالغ لملاقاة الأخرى». ومع أن الهناءة التي يعيشها العاشق العجوز ذو الوجه المتغضن، والمتأتية عن اتحاده بصورة الجمال الأسمى التي تمثلها حبيبته الشابة، ستكون محل استنكار وسخرية وازدراء من قبل محيطه الاجتماعي، إلا أنه لن يأبه بكل ذلك، معلناً من خلال عشقه المستهجّن انتصاره الأبدي للغد على الأمس وللمستقبل على الماضي.

وكغيره من الشعراء والمبدعين، لم يكن محمود درويش بمنأى عن الشعور المأساوي بتسرب الزمن من بين أصابعه، وهو الذي لم تصرفه التراجيديا الفلسطينية وصقيع المنافي عن التشبث بأهداب العيش، وتصيّد ما أمكنه من طرائد الفرح والمتعة والجمال الكوني. إلا أن تقدم الشاعر في السن ورزوحه تحت وطأة المرض انعكسا في أعماله الأخيرة على شكل رثاء للذات المكتهلة، وشعور ممض باتساع الفجوة بينه وبين الحياة التي تمور، أبعد من ذراعيه، بكل أنواع المباهج والثمار. وهو ما يظهر بشكل واضح في قصيدته «ليتني كنت أصغر» التي تأخذ شكل حوار موارب بينه هو الكهل، وبين الفتاة اليانعة التي رأت فيه فارسها المتخيل، محاولة بذكاء ماكر أن تضيق الفجوة الزمنية الواسعة التي تبعد أحدهما عن الآخر:

قال لها: ليتني كنتُ أصغرَ،

قالت له: سوف أكبر ليلاً

كرائحة الياسمينة في الصيف،

ثم أضافت: وأنت ستصغر حين تنام

فكلّ النيام صغارٌ،

وأما أنا فسأسهر حتى الصباح

ليسودّ ما تحت عينيّ..

خذني لأكبرَ، خذني لتصغرْ

هيغو

وإذا كان الروائيون من جهتهم قد توقفوا ملياً عند موضوع التقدم في السن وعلاقة الحب بالزمن تراجيديا، فإن «الجميلات النائمات» لكاواباتا، هي إحدى أكثر الأعمال الروائية تعبيراً عن فوات الأوان ومأساة التقدم في السن. صحيح أن النساء اليافعات اللواتي يتم تخديرهن في النزل الياباني، يتيح للرجال العجائز فرصة الاستمتاع بالجمال النائم، وتذكّر حيواتهم المنقضية وماضيهم العاطفي الغابر، ولكن وضع الأجساد العارية للفتيات الفاتنات، في مواجهة مباشرة مع العيون الجاحظة للعجائز الممنوعين من لمسهن، يعطي للمفارقة بُعدها المؤلم ويوصل التراجيديا الإنسانية إلى ذروتها.

أما غابرييل غارسيا ماركيز الذي رأى في رواية كاواباتا واحدة من الذرى السردية الإبداعية التي تمنى لو كانت من تأليفه، فهو حين كتب روايته اللاحقة «ذاكرة غانياتي الحزينات»، ناسجاً على منوال كاتبه الأثير لم يستطع تحمل القسوة البالغة للرواية التي افتتن بها، فعمد إلى جعل العلاقة بين بطله التسعيني والفتاة المراهقة التي تصغره بسبعة عقود ونصف العقد، أمراً قابلاً للتحقق وممكن الحدوث. ولعل نزوع ماركيز التفاؤلي وإيمانه المفرط بقوة الحب، هما اللذان دفعاه إلى أن يجعل من روايته تلك نشيداً للتفاؤل ووصفة شافية للتعلق بأهداب الأمل، حتى بالنسبة للمسنين الذين يقفون مرتعدين في مربع حياتهم الأخير. كما بدت «لوليتا» رائعة فلاديمير نابوكوف الروائية تجسيداً حافلاً بالمفارقات للعلاقة الشائكة التي ربطت بين همبرت أستاذ الأدب المهجوس بحب الفتيات الصغيرات، وبين ابنة زوجته دولوريس، التي لم تتجاوز الثانية عشرة من العمر. صحيح أن زوج الأم لم يكن عجوزاً بما فيه الكفاية، ولكنه وهو في منتصف العمر رأى في دولوريس، متجاوزاً إثم سفاح المحارم، فرصته الثمينة لاسترداد شبابه المنصرم وأهليته المتراجعة للإغواء، فيما كانت الفتاة التي أدركت البلوغ باكراً ترى فيه فرصتها المناسبة للعثور على كنف أبوي، كما لتحقيق هويتها الأنثوية. إلا أن المغامرة العاطفية المثخنة بحمّى الشهوات ما لبثت أن أخذت طريقها إلى الخمود، حيث أنهت الفتاة العلاقة «المحرمة»، إثر تعلقها بشخص آخر يناسبها سناً وحيويةً، فيما هبط همبرت حزيناً ومنكسراً، من السماء الباذخة للأحلام إلى أرض الواقع المتواضعة.

ولم تكن الحياة الواقعية للمبدعين لتختلف اختلافاً بيّناً عما أظهروه في أعمالهم الأدبية والفنية من هواجس وإشكاليات. وهو أمر ليس بالمستغرب، ما دام كلٌّ من الأدب والحياة يقلد الآخر ويعكسه على طريقته. اللافت هنا أن المبدعين العشاق لم يكتفوا باعتماد الأدب والفن وسيلةً ناجعةً لتحقيق حلمهم بالخلود، بل رأوا في امتلاك الجسد الغض، ما يصلهم بحيواتهم المنصرمة، وبماهيهم مع «صورة الفنان في شبابه»، على حد تعبير جيمس جويس.

 

هناك عشرات الشواهد على شغف الكتاب والفنانين المسنين بالشركاء الأصغر سناً مستفيدين من عقد النقص العاطفية التي يتركها غياب الأب أو الأم في نفوس الشركاء

 

ويكفي أن نعود قليلاً إلى سيَر الكتاب والفنانين، لكي نعثر على عشرات الشواهد التي تقودنا إلى شغف المسنين منهم بالشركاء الأصغر سناً، مستفيدين من عقد النقص العاطفية التي يتركها غياب الأب أو الأم في نفوس هؤلاء الشركاء، ومن البريق الذي تشيعه العبقرية في نفوسهم الباحثة عن مثال أعلى. فالكاتب الفرنسي الشهير فيكتور هيغو الذي عرف عنه ولعه بالنساء الذكيات والمثيرات، لم يجد حرجاً في إغواء ابنة الكاتب تيوفيل غوتييه التي لم تتجاوز الثانية والعشرين من العمر والدخول معها في مغامرة عاطفية لم تعمر طويلاً. وحين دخل عليه حفيده بشكل مفاجئ وهو يعانق في الثمانين غاسلة ثيابه الشابة، خاطب الفتى المذهول بالقول «انظر يا جورج الصغير، هذا ما يدعونه العبقرية».

ورغم أن ما أنجزه غوته من أعمال ومؤلفات كان كافياً لوضعه في أعلى درجات الشهرة والمجد، فقد بدا لقاؤه، وهو في الثالثة والسبعين، بالمراهقة الحسناء أولريكه فون ليفتسو، بمثابة زلزال عنيف خلخل بالكامل ركائز حياته الجسدية والروحية. ومع أن ابنة الثمانية عشر عاماً بادلت شاعر ألمانيا الأكبر المشاعر نفسها في بداية الأمر، إلا أنها ما لبثت أن تخلت عن عاشقها العجوز، لتدخل في مغامرة عاصفة مع دون جوان أوروبا الشاب جوان دو رور.

جورج ساند

ولم يقتصر الافتتان بالجسد الفتي على الرجال وحدهم، بل قدم لنا التاريخ شواهد كثيرة تدل بالمقابل على وقوع المبدعات المسنات، في شرك هذا الافتتان. فبعد أن خاضت الكاتبة البريطانية جورج ساند علاقات متعددة مع رجال مختلفي المشارب، بينهم الشاعر الرومانسي ألفرد دي موسيه والرسام فريدريك شوبان، دخلت وهي في الستين من عمرها، في علاقة مشبوبة مع الرسام شارل مارشال الذي كانت تدعوه «طفلي البدين»، والذي كان في أواخر ثلاثيناته. كما ارتبطت الممثلة الأميركية سارة برنار مع الشاب الهولندي ليو تيليغين، الذي كان يصغرها بخمسة وثلاثين عاماً. ومع ذلك فقد عدَّ بعد أربع سنوات من العلاقة، بأن الفترة التي قضاها إلى جانب برنار كانت الأروع والأعظم في حياته.

وأياً تكن قدرة الحب على ردم الهوة الزمنية الفاصلة بين العاشقين، فإن ثمة طرفاً يحاول ما أمكنه، الخروج من جلده المتغضن ليقتات من نضارة الآخر ويناعته ودمه الطازج، فيما يقدم الآخر نفسه كأضحية خالصة على مذبح التعلق بصورة الأب البديل أو الأم المعشوقة. وهو ما يعكسه قول الشاعر الفرنسي بول إيلوار مخاطباً الفتاة الشابة التي أحبها في كهولته بالقول «لقد وقفتِ حائلاً بيني وبين الموت، ولكنني بالمقابل وقفت بينك وبين الحياة».


سيرة ذاتية افتراضية لغائب طعمة فرمان

غائب طعمة فرمان
غائب طعمة فرمان
TT

سيرة ذاتية افتراضية لغائب طعمة فرمان

غائب طعمة فرمان
غائب طعمة فرمان

رواية «بنات غائب طعمة فرمان» للروائي خضير فليح الزيدي، الصادرة هذا العام، تقوم على افتراضات تخييلية متطرفة، ينهض فيها الموتى من قبورهم، في مقدمتهم الروائي الراحل غائب طعمة فرمان، الذي يستحضره المؤلف ليلتقي بأبطال رواياته الذين طلبوا منه الحضور لتصحيح أوضاعهم الحياتية، بعد أن خرجوا من عالم الورق الافتراضي إلى العالم الواقعي، وهو مشهد يذكرنا بمسرحية الكاتب الإيطالي لويجي بيرانديللو الموسومة بـ«ست شخصيات تبحث عن مؤلف»، إذْ وجدنا شخصيات رواياته يطالبونه بتصحيح أوضاعهم، منهم كريم الذي خاطب غائب بغضب: «لقد أجرمت بحقي أيها المؤلف حين تركتني في صفائح بغداد دائخاً ومرعوباً وهربت... وجعلت آمنة تفر من شباكي وتتركني وحيداً وتائهاً هنا» (ص 29).

لكن المؤلف يعيد ثانية شخصيات «غائب» من العالم الواقعي، الأرضي الذي تسللت إليه، إلى الفضاء السردي الورقي بتعبير رولان بارت عندما يعلن «هاني بارت» للمحقق أنه كاتب، وأن «كل هؤلاء شخصيات في روايتي الجديدة بما فيهم أنت، والعون الذي سيطرق الباب بعد لحظات، رفقة محامٍ يحمل لك وثيقة عن حقيقة هويتي» (199).

وبذا فقد أعاد المؤلف الشخصيات الروائية إلى سياقها الفانتازي، وأخرجها نهائياً من العالم الواقعي. فكل شيء، وكل الشخصيات، هي مجرد كائنات ورقية كما يقول الناقد الفرنسي رولان بارت. وبذا أكدت الرواية كونها فانتازيا تخييلية تتوسل بلعبة التغريب في المسرح الملحمي البريختي لكسر حالة الإيهام والتماهي مع الفعل الدرامي، وإشعار المتلقي أن ما يتلقاه مجرد تمثيل ليس إلا، وتحريضه على التفكير المتسائل حول ما تلقاه من مشاهد وأفعال.

ويستهل الروائي روايته بإعلان علق على حائط المسجد بلافتة سوداء عن إقامة مجلس فاتحة على روح المرحوم غائب طعمة فرمان، لكن الروائي سرعان ما يتدخل، مستدركاً: «والحق أنه لا يوجد فقيد، ولا وفاة مسجلة رسمياً، ولا هم يحزنون. فقد أشبع المؤلف موتاً» (ص 9).

وبذا يختلط الواقع بالتخييلي، منذ البداية، خصوصاً عندما يحضر الفقيد بشخصه ليتلقى كلمات العزاء من المعزين، كما حضر جميع أبطال رواياته، في مقدمتهم سليمة الخبازة ومصطفى الدلال وأسومة العرجة وحمادي العربنجي وخاجيك ودبش والسيد معروف وغيرهم، فضلاً عن ذلك فقد انتشرت إشاعات عن حضور كبير تجار الشورجة السيد المرحوم عبد الرزاق البيرقدار، والد دلال، إلى مجلس العزاء.

ويمهد الروائي تدريجياً لظهور شخصيات الرواية الرئيسية عندما ينقل محامي عائلة البيرقدار السيد جبر الشوك مضمون هذه الإشاعات إلى «دلال» الابنة الصغرى للمرحوم عبد الرزاق البيرقدار، لتشهد بنفسها عودة الغائب إلى بغداد (ص 12). ويعترف غائب للسائق الذي أقله من المطار إلى فندق بغداد بأن سليمة الخبازة ضحيته، وأنه جاء لتغيير مصيرها (ص 38).

هذه المقدمات التي قدمها المؤلف كانت هي المدخل لحبكة الرواية المركزية والمتمثلة في العلاقة الثنائية بين «دلال» ابنة البيرقدار الصغرى، وكاتب شاب يدعى «هاني بارت»، وهو أحد الأدباء المنضمين إلى جمعية أدبية هدفها تفجير اللغة وتحديثها. وتهدف هذه العلاقة إلى البحث عن الروائي الراحل غائب طعمة فرمان، الذي دارت الإشاعات حول وجوده حياً في بغداد، ورغبة دلال في أن تسلمه أمانة، هي عبارة عن مخطوطة سبق للروائي الراحل أن كتبها لكنه لم ينجزها وتركها في مكتبه في معمل القطن الذي يملكه والدها المرحوم عبد الرزاق البيرقدار.

وبعد جولات ماراثونية في شوارع بغداد ومحلاتها الشعبية، في مقدمتها محلة المربعة في شارع الرشيد، التي كان يقيم الأديب الراحل فيها أثناء إقامته في العراق، تقتنع «دلال» بلا جدوى البحث عن غائب طعمة فرمان، جسداً، وتوافق على تسليم المخطوطة للأديب الشاب «هاني بارت» ليقوم بتحريرها لغرض نشرها باسم الروائي الراحل وفاءً لذكرى الأديب الراحل الذي تعدّه «دلال» بمثابة عمها. ونكتشف بعد إنجاز مهمة التحرير وإعادة الكتابة، أن المخطوطة هي رواية «بنات غائب طعمة فرمان» بالذات، وأن المحرر (هاني بارت) هو القناع الذي ارتداه المؤلف خضير الزيدي.

ومما يربك القارئ معرفة أن «دلال» الفتاة الجميلة (قمر الرصافة) كانت تخطط للتخلص من شقيقتها الكبرى تماضر: «.. أما هي، فكان كل همّها ألا تفشل الخطة التي وضعتها لتوريط أختها في جريمة القتل والاستحواذ على إرث البيرقدار» (ص 194).

ففي هذا الاتهام تنهار صورة البراءة والجمال والنبل التي رسمها المؤلف لبطلة الرواية (دلال) لأنها تفتقد إلى التبرير، كما تفتقد إلى مقدمات سردية تدعم هذا التخطيط الشيطاني. ومن اللافت للنظر أن محرر الرواية (هاني بارت) وجه مثل هذا الاتهام إلى «دلال» أثناء التحقيق:

«– دلال فاتنة استخدمتني لتورط أختها.

- فيم تورطها؟

- في قتل زوجها ابن الأغا.. لتستأثر بالإرث لنفسها» (ص 198).

وكان من الأفضل حذف هذا الاتهام غير المدروس لإبقاء صورة «دلال» على ما هي عليه.

ويبلغ المنحى الميتا سردي ذروته في نهاية الرواية، عندما يعلن المحرر (هاني بارت) أنه كاتب، وأن جميع هذه الشخصيات موجودة في روايته الجديدة، وبذا أعاد الروائي شخصيات الرواية من العالم الواقعي الذي انسلت إليه إلى العالم الورقي للسرد، في تأكيد آخر على أن كل الأحداث تخيلية ولا علاقة لها بالواقع، وهو ما دفع بالمحقق لأن يعدَّ ذلك جنوناً لا معنى له.

رواية «بنات غائب طعمة فرمان» لعبة سردية ماكرة، فيها الكثير من المستويات السردية وتنفتح على تأويلات لا نهائية. فثمة إشارة إلى أن غائب طعمة فرمان أثناء عودته عام 2006 وهو عام الصراع الطائفي، قد حلُمَ بعودته إلى حي المربعة: «ظل الغائب حتى عام 2006 يغط في نومته الطويلة، فطار به الحلم، ونقله أولاً إلى حي المربعة في وسط رصافة بغداد» (ص 67).

وهذا الحلم، يكشف عن فانتازية السرد الروائي، ولا واقعيته.

يختلط الواقع بالتخييلي، منذ البداية، خصوصاً عندما يحضر الفقيد بشخصه ليتلقى كلمات العزاء من المعزين، كما حضرت جميع أبطال رواياته

ومن الجانب الآخر تنطوي الرواية على ملامح سيرة (Biography) كتبها المؤلف خضير فليح الزيدي عن شخصية الروائي الراحل، كما تكشف الرواية عن ملامح سيرة ذاتية (Autobiography) لشخصيته يرويها الروائي غائب عن نفسه، وعن عائلة البيرقدار، وأبطال رواياته، وهي سيرة افتراضية يتداخل فيها الواقعي بالفانتازي. كما يمكن أن نتحدث عن سيرة مكان بغدادي شعبي معروف هو محلة المربعة المطلة على شارع الرشيد ببغداد.

وبذا يحق لنا أن نتحدث عن تشكل هوية سردية (Narrative Identity) بمصطلحات بول ريكور لمحلة المربعة، فضلاً عن تشكل هوية سردية افتراضية للروائي الراحل غائب طعمة فرمان. والرواية تنطوي أيضاً على كتابة سيرة لعائلة التاجر البغدادي الثري عبد الرزاق البيرقدار وبناته الثلاث، واللواتي عدّهن الروائي الراحل غائب طعمة فرمان بمثابة بناته أيضاً. وتنطوي الرواية من جانب آخر على ملامح ميتا سردية تتمثل في وجود المخطوطة الناقصة التي تركها الراحل غائب طعمة فرمان، ومشروع تحرير المخطوطة من قبل الأديب الشاب هاني بارت، فضلاً عن مطالبة شخصيات الروايات المؤلف بتصحيح أوضاعهن.

تضم رواية «بنات غائب طعمة فرمان» 26 فصلاً معنوناً. ومعظم عناوين الفصول مرتبطة بحالة الطقس وتغيراته، وهي بمثابة عتبات نصية يفترض في كونها دالة على الأحداث اللاحقة لكل فصل من فصول الرواية.

إذْ نقرأ بعض هذه العناوين: «رياح نشطة مصحوبة بزوابع نفسية» (ص 13) و«غبار يتصاعد» (ص 27) و«سماء ملبدة بالغبار» (ص 33 ) و«أجواء بغدادية غير مستقرة» (ص41) و«كتلة هوائية معتدلة» (ص 53).

ولم أجد، على مستوى القراءة والتأويل، مبرراً قوياً يدعم هذا الاختيار لعناوين الفصول، كما أن أغلبها لا علاقة له بمجريات أحداث الفصول، لكننا يمكن أن نتقبلها بوصفها لعبة سردية طريفة تسحب السرد الروائي إلى فضاء السرد البيئي. رواية «بنات غائب طعمة فرمان» تمثل نقلة روائية مهمة في تجربة الروائي خضير فليح الزيدي الغزيرة، ربما تفتح الطريق مستقبلاً أمام هذا اللون من الحبكات لإعادة صياغة سيرة حياة شخصيات ثقافية وسياسية ذات طابع تاريخي تركت أثراً واضحاً في تاريخنا السياسي والاجتماعي والثقافي.