هشام شرابي... النقد داخل النقد

قضية تحرير المجتمع العربي تتمركز في أبحاثه حول المرأة

هشام شرابي
هشام شرابي
TT

هشام شرابي... النقد داخل النقد

هشام شرابي
هشام شرابي

هل هناك حركة فكرية فلسفية في عالمنا العربي؟ ما الأفكار الفلسفية «الأصيلة»، التي طرحها كبار مفكرينا في القرن العشرين؟ وهل يمكن أن نبني عليها ونطورها اليوم؟ ذلك أن الأفكار الفلسفية ليست مجموعة من الآراء التي مضت وانقضت، وإنما الفلسفة هي العلم الموضوعي بالحقيقة، وما يميز الأفكار الفلسفية عن غيرها، حيويتها وقابليتها للتجدد، حيث تظل مفتوحة على النقد والمراجعة والتطوير، مما يثري مضمونها ويخصبه على الدوام.

ربما كان هشام شرابي (1927– 2005) من أهم المفكرين الجذريين الذين تركوا إرثاً فلسفياً غنياً لا يزال بكراً في كثير من جوانبه، ومن القلائل الذين برهنوا على: كيف استوعب الفكر والمفكر العربي مكاسب العقل الحديث من عقلانية وموضوعية وفعالية، في النصف الثاني من القرن العشرين، دون أن يسقط في شباك الخلط بين المناهج الحديثة وآيديولوجيا الغرب، وإنما طرَح أفكاراً مبدعة وأصيلة يمكن البناء عليها والسير بها قدماً نحو المستقبل.

كانت المهمة التي اضطلع بها شرابي وجيله هي الأصعب، حيث تعرض لصدمات وتحديات لم يعرفها رواد النهضة العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر. عاصر في شبابه انسحاب الاستعمار من العالم العربي وارتفاع شعار وشعور زائف بالتحرر والاستقلال ثم هزيمة 1967 وآثارها الكارثية، وكيف استعادت قوة الموروث سيطرتها على العقل العربي من جديد، فيما عانيناه من مختلف أشكال الوصاية على العقل باسم الدين تارة والآيديولوجيا تارة أخرى، لذا قرر أن يتخذ مساراً مختلفاً عن الجيل السابق، ويغوص مباشراً في البنى العميقة للمجتمع العربي، خاصة البنية الأبوية أو البطركية للكشف عن أسباب التخلف، وكيفية تجاوزه على مستوى الفكر والفعل.

وأظهرت دراساته المتعددة، أن التحديث الناتج عن الاحتكاك بالحداثة الغربية أصاب القشرة الخارجية فقط في المجتمع العربي، لكنها إصابة مؤثرة شوهت هذا المجتمع حتى النخاع، بحيث لم يعد منتمياً إلى المجتمع الأبوي التقليدي، ولا بات مؤهلاً للدخول في عصر الحداثة وما بعدها، لذا فإن قراءة الراهن العربي - برأيه - يجب أن تتم في ضوء منظورين مختلفين ومتداخلين: التبعية للغرب والبنية الأبوية المستحدثة.

قاسم أمين

اللافت للنظر أن مفهومه عن «البنية الأبوية المستحدثة» يتجاوز أفكار ماكس فيبر، ومفهوم الاستبداد الشرقي من هيغل وحتى عصر الاستشراق، لأنه كمثقف عضوي - بلغة غرامشي - مهموم بقضايا مجتمعه من الداخل، ويبحث عن الحلول الناجعة للخروج من أزماته واللاحق بالعصر، قام بعملية نقد مزدوج للبنية الأبوية والتبعية للغرب معاً، وخلص إلى نتيجة مفادها: إذا كانت الحداثة لم تستطع أن تلغي البنية الأبوية التقليدية وإنما شوهتها لتصبح أكثر سلطوية، فإن الأنظمة الأبوية بدورها تفاعلت مع الحداثة وأنتجت نظاماً هجيناً، لتثبيت أركانها بشكل أقوى من ذي قبل، وهنا بالتحديد تكمن المعضلة، و«الحل» أيضاً حسب شرابي الذي مارس ببراعة تفكيك هذه الثنائية الميتافيزيقية الملتبسة الأبوية والتبعية بالتوازي والتقاطع عبر استراتيجية مزدوجة: نقدية ونضالية.

ونستطيع أن نعثر في مجمل مؤلفاته – بما في ذلك سيرته الذاتية «الجمر والرماد» - على الخطوط العامة لهذه الاستراتيجية المزدوجة، لا سيما كتبه الثلاثة: «البنية البطركية - بحث في المجتمع العربي المعاصر»، و«النقد الحضاري لواقع المجتمع العربي المعاصر»، و«النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي»، التي ضمنها رؤيته الفلسفية للخلاص من «التخلف» في المجتمع العربي، بالكشف عن جذور هذا الخلاص، وتحديد الوسائل والآليات الكفيلة بتحريره وتحديثه، ذلك أن التخلص من هيمنة السلطة الأبوية الذكورية التراتبية، والتبعية للغرب معاً، يمر أساساً عبر «تحرير المرأة»، الذي هو في العمق تحرير الرجل والمرأة معاً والمجتمع كله، وهذه الفكرة المحورية في تصوري لم تنل الاهتمام الكافي حتى كتابة هذه السطور.

لقد أحدث شرابي انقلاباً في النظر إلى المرأة بوجه عام - حتى داخل بعض المجتمعات المتقدمة - فضلاً عن البنية الأبوية العربية على وجه الخصوص، بوصفها ركيزة هذه السلطة الأبوية الذكورية في مختلف مظاهرها وتجلياتها، وأبرزها تأمين العلاقات الرأسية والقيم والتقاليد والأعراف داخل المجتمع. فمن ناحية نظر مفكرنا إلى «السلطة» بوصفها إكسير الحياة للبنية الأبوية، الذي يجعلها نابضة ومتجددة على الدوام، ومن ناحية أخرى رأى أن «المرأة» تشكل نقطة الضعف والقوة في آنٍ معاً، داخل هذه البنية، التي تملك بالقوة مقومات تفكيك «البنية الأبوية السلطوية» من الداخل، وخلخلة النظام القائم وهدم شرعيته إذا خرجت - بتعبير أرسطو - من حالة القوة إلى الفعل.

وعلى سبيل المثال، وجد شرابي أن لا وعي النظام الأبوي مسكون بالحضور – الغياب للمرأة، فهو لا ينظر إلى المرأة بوصفها في مرتبة أدنى وأقل وأضعف فقط، وإنما كتهديد قوي محتمل وبنفس القدر، لذا فإن الحداثة المنشودة مرهونة بتفكيك هذا «الوعي»، وإن شئنا الدقة: «بناء نوع جديد من الوعي».

وبزوغ هذا النوع الجديد من الوعي يتطلب إجراء عملية تغيير مزدوج: تغيير ذهنية المرأة حتى تصبح أقوى من المنظومة الثقافية السائدة في المجتمع الأبوي، بالتزامن مع تغيير وعي الرجل منذ التنشئة الأولى، بتصحيح المفاهيم التراتبية والفوقية الخاطئة، التي تجعله يرفض التنازل عن سلطته الذكورية وهيمنته على المرأة، باللجوء غالباً إلى التقاليد الثقافية والدينية لتبرير تفوقه.

فمع شرابي باتت قضية تحرير المجتمع العربي، تتمركز حول المرأة بوصفها الفارماكون الداء والدواء – حسب أفلاطون ودريدا – ومن دون تحرير المرأة لن يتحرر المجتمع. هذا التلازم والتداخل إلى حد التماهي، يشير إلى ما هو أبعد من ذلك، لأن تحرير المرأة - برأيه - هو الكفيل بمنع عودة هذه البنية الأبوية مجدداً في وجهيها: التقليدي والمستحدث، وحماية المجتمع المنطلق نحو «الحداثة» والمستقبل.

وتلك من ألمع الأفكار، خاصة وأنه وجد أن البنية الأبوية تمتلك ذاتياً القدرة على «الالتفاف» على الانقلابات حال وقوعها، واستيعاب «الثورات» الداخلية إذا نشبت، بل واجترار نفس السلطة والهيمنة – ويا للمفارقة – خلف قناع ثوري عصري! أي أنها قادرة على إنشاء العديد من «النسخ» دون تغيير جذري في جوهرها.

وقد يكون هذا ما جعل تناول شرابي لقضية تحرير المرأة يتجاوز ما طرحه السابقون عليه والمعاصرون له، من أفكار وتبصرات قيمة، من قاسم أمين والطاهر الحداد مروراً بالطاهر بن عاشور وابنه محمد الفاضل بن عاشور، وانتهاءً بنوال السعداوي وفاطمة المرنيسي، وما بينهم من جهود رائدة.

فقد رأى أن كلاً من الاتجاهين الإصلاحي والمحافظ لم يحققا «تحرير المرأة»، وإنما العكس كرَّسا – ربما بحسن نية - القيم السائدة في المجتمع الأبوي المستحدث، التي تنحاز إلى الرجل وتمنحه نفس الامتيازات والسلطة. أما سعداوي ومرنيسي فقد كانتا أكثر عقلانية ومنهجية ورغبة في الإطاحة بالهيمنة الأبوية الذكورية، من الاتجاهين السابقين، وفي إحداث تغيير اجتماعي جذري لوضعية المرأة، لكنهما برأيه لم تعرفا ميكانيزمات السلطة الأبوية والطبيعة السياسية اللازمة للحل.

وربما بسبب هذه الاستراتيجية النقد داخل النقد، ورؤيته الفلسفية العميقة، كان مشروع شرابي نحو مستقبل أفضل هو الأكثر إبداعاً وقابلية للتطوير عملياً، رغم المعوقات التي ما زالت تظهر على السطح، فقد تنبأ بأن تغيير النظام البطركي الحديث قادم لا محالة، فضلاً عن تحقق الحداثة والقيم الإنسانية العادلة في صميمه، عملاً بمقولة غرامشي: «إن تشاؤم العقل لا يقابله إلا تفاؤل الإرادة».


مقالات ذات صلة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

ثقافة وفنون  لميعة عباس عمارة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

تقاسيم نباتية أموية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م

محمد أمير ناشر النعم
ثقافة وفنون «مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».