هل هناك حركة فكرية فلسفية في عالمنا العربي؟ ما الأفكار الفلسفية «الأصيلة»، التي طرحها كبار مفكرينا في القرن العشرين؟ وهل يمكن أن نبني عليها ونطورها اليوم؟ ذلك أن الأفكار الفلسفية ليست مجموعة من الآراء التي مضت وانقضت، وإنما الفلسفة هي العلم الموضوعي بالحقيقة، وما يميز الأفكار الفلسفية عن غيرها، حيويتها وقابليتها للتجدد، حيث تظل مفتوحة على النقد والمراجعة والتطوير، مما يثري مضمونها ويخصبه على الدوام.
ربما كان هشام شرابي (1927– 2005) من أهم المفكرين الجذريين الذين تركوا إرثاً فلسفياً غنياً لا يزال بكراً في كثير من جوانبه، ومن القلائل الذين برهنوا على: كيف استوعب الفكر والمفكر العربي مكاسب العقل الحديث من عقلانية وموضوعية وفعالية، في النصف الثاني من القرن العشرين، دون أن يسقط في شباك الخلط بين المناهج الحديثة وآيديولوجيا الغرب، وإنما طرَح أفكاراً مبدعة وأصيلة يمكن البناء عليها والسير بها قدماً نحو المستقبل.
كانت المهمة التي اضطلع بها شرابي وجيله هي الأصعب، حيث تعرض لصدمات وتحديات لم يعرفها رواد النهضة العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر. عاصر في شبابه انسحاب الاستعمار من العالم العربي وارتفاع شعار وشعور زائف بالتحرر والاستقلال ثم هزيمة 1967 وآثارها الكارثية، وكيف استعادت قوة الموروث سيطرتها على العقل العربي من جديد، فيما عانيناه من مختلف أشكال الوصاية على العقل باسم الدين تارة والآيديولوجيا تارة أخرى، لذا قرر أن يتخذ مساراً مختلفاً عن الجيل السابق، ويغوص مباشراً في البنى العميقة للمجتمع العربي، خاصة البنية الأبوية أو البطركية للكشف عن أسباب التخلف، وكيفية تجاوزه على مستوى الفكر والفعل.
وأظهرت دراساته المتعددة، أن التحديث الناتج عن الاحتكاك بالحداثة الغربية أصاب القشرة الخارجية فقط في المجتمع العربي، لكنها إصابة مؤثرة شوهت هذا المجتمع حتى النخاع، بحيث لم يعد منتمياً إلى المجتمع الأبوي التقليدي، ولا بات مؤهلاً للدخول في عصر الحداثة وما بعدها، لذا فإن قراءة الراهن العربي - برأيه - يجب أن تتم في ضوء منظورين مختلفين ومتداخلين: التبعية للغرب والبنية الأبوية المستحدثة.

اللافت للنظر أن مفهومه عن «البنية الأبوية المستحدثة» يتجاوز أفكار ماكس فيبر، ومفهوم الاستبداد الشرقي من هيغل وحتى عصر الاستشراق، لأنه كمثقف عضوي - بلغة غرامشي - مهموم بقضايا مجتمعه من الداخل، ويبحث عن الحلول الناجعة للخروج من أزماته واللاحق بالعصر، قام بعملية نقد مزدوج للبنية الأبوية والتبعية للغرب معاً، وخلص إلى نتيجة مفادها: إذا كانت الحداثة لم تستطع أن تلغي البنية الأبوية التقليدية وإنما شوهتها لتصبح أكثر سلطوية، فإن الأنظمة الأبوية بدورها تفاعلت مع الحداثة وأنتجت نظاماً هجيناً، لتثبيت أركانها بشكل أقوى من ذي قبل، وهنا بالتحديد تكمن المعضلة، و«الحل» أيضاً حسب شرابي الذي مارس ببراعة تفكيك هذه الثنائية الميتافيزيقية الملتبسة الأبوية والتبعية بالتوازي والتقاطع عبر استراتيجية مزدوجة: نقدية ونضالية.
ونستطيع أن نعثر في مجمل مؤلفاته – بما في ذلك سيرته الذاتية «الجمر والرماد» - على الخطوط العامة لهذه الاستراتيجية المزدوجة، لا سيما كتبه الثلاثة: «البنية البطركية - بحث في المجتمع العربي المعاصر»، و«النقد الحضاري لواقع المجتمع العربي المعاصر»، و«النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي»، التي ضمنها رؤيته الفلسفية للخلاص من «التخلف» في المجتمع العربي، بالكشف عن جذور هذا الخلاص، وتحديد الوسائل والآليات الكفيلة بتحريره وتحديثه، ذلك أن التخلص من هيمنة السلطة الأبوية الذكورية التراتبية، والتبعية للغرب معاً، يمر أساساً عبر «تحرير المرأة»، الذي هو في العمق تحرير الرجل والمرأة معاً والمجتمع كله، وهذه الفكرة المحورية في تصوري لم تنل الاهتمام الكافي حتى كتابة هذه السطور.
لقد أحدث شرابي انقلاباً في النظر إلى المرأة بوجه عام - حتى داخل بعض المجتمعات المتقدمة - فضلاً عن البنية الأبوية العربية على وجه الخصوص، بوصفها ركيزة هذه السلطة الأبوية الذكورية في مختلف مظاهرها وتجلياتها، وأبرزها تأمين العلاقات الرأسية والقيم والتقاليد والأعراف داخل المجتمع. فمن ناحية نظر مفكرنا إلى «السلطة» بوصفها إكسير الحياة للبنية الأبوية، الذي يجعلها نابضة ومتجددة على الدوام، ومن ناحية أخرى رأى أن «المرأة» تشكل نقطة الضعف والقوة في آنٍ معاً، داخل هذه البنية، التي تملك بالقوة مقومات تفكيك «البنية الأبوية السلطوية» من الداخل، وخلخلة النظام القائم وهدم شرعيته إذا خرجت - بتعبير أرسطو - من حالة القوة إلى الفعل.
وعلى سبيل المثال، وجد شرابي أن لا وعي النظام الأبوي مسكون بالحضور – الغياب للمرأة، فهو لا ينظر إلى المرأة بوصفها في مرتبة أدنى وأقل وأضعف فقط، وإنما كتهديد قوي محتمل وبنفس القدر، لذا فإن الحداثة المنشودة مرهونة بتفكيك هذا «الوعي»، وإن شئنا الدقة: «بناء نوع جديد من الوعي».
وبزوغ هذا النوع الجديد من الوعي يتطلب إجراء عملية تغيير مزدوج: تغيير ذهنية المرأة حتى تصبح أقوى من المنظومة الثقافية السائدة في المجتمع الأبوي، بالتزامن مع تغيير وعي الرجل منذ التنشئة الأولى، بتصحيح المفاهيم التراتبية والفوقية الخاطئة، التي تجعله يرفض التنازل عن سلطته الذكورية وهيمنته على المرأة، باللجوء غالباً إلى التقاليد الثقافية والدينية لتبرير تفوقه.
فمع شرابي باتت قضية تحرير المجتمع العربي، تتمركز حول المرأة بوصفها الفارماكون الداء والدواء – حسب أفلاطون ودريدا – ومن دون تحرير المرأة لن يتحرر المجتمع. هذا التلازم والتداخل إلى حد التماهي، يشير إلى ما هو أبعد من ذلك، لأن تحرير المرأة - برأيه - هو الكفيل بمنع عودة هذه البنية الأبوية مجدداً في وجهيها: التقليدي والمستحدث، وحماية المجتمع المنطلق نحو «الحداثة» والمستقبل.
وتلك من ألمع الأفكار، خاصة وأنه وجد أن البنية الأبوية تمتلك ذاتياً القدرة على «الالتفاف» على الانقلابات حال وقوعها، واستيعاب «الثورات» الداخلية إذا نشبت، بل واجترار نفس السلطة والهيمنة – ويا للمفارقة – خلف قناع ثوري عصري! أي أنها قادرة على إنشاء العديد من «النسخ» دون تغيير جذري في جوهرها.
وقد يكون هذا ما جعل تناول شرابي لقضية تحرير المرأة يتجاوز ما طرحه السابقون عليه والمعاصرون له، من أفكار وتبصرات قيمة، من قاسم أمين والطاهر الحداد مروراً بالطاهر بن عاشور وابنه محمد الفاضل بن عاشور، وانتهاءً بنوال السعداوي وفاطمة المرنيسي، وما بينهم من جهود رائدة.
فقد رأى أن كلاً من الاتجاهين الإصلاحي والمحافظ لم يحققا «تحرير المرأة»، وإنما العكس كرَّسا – ربما بحسن نية - القيم السائدة في المجتمع الأبوي المستحدث، التي تنحاز إلى الرجل وتمنحه نفس الامتيازات والسلطة. أما سعداوي ومرنيسي فقد كانتا أكثر عقلانية ومنهجية ورغبة في الإطاحة بالهيمنة الأبوية الذكورية، من الاتجاهين السابقين، وفي إحداث تغيير اجتماعي جذري لوضعية المرأة، لكنهما برأيه لم تعرفا ميكانيزمات السلطة الأبوية والطبيعة السياسية اللازمة للحل.
وربما بسبب هذه الاستراتيجية النقد داخل النقد، ورؤيته الفلسفية العميقة، كان مشروع شرابي نحو مستقبل أفضل هو الأكثر إبداعاً وقابلية للتطوير عملياً، رغم المعوقات التي ما زالت تظهر على السطح، فقد تنبأ بأن تغيير النظام البطركي الحديث قادم لا محالة، فضلاً عن تحقق الحداثة والقيم الإنسانية العادلة في صميمه، عملاً بمقولة غرامشي: «إن تشاؤم العقل لا يقابله إلا تفاؤل الإرادة».





