«آخ يا بلدنا وأخواتها» توثيق لتجربة شوشو المسرحية

فارس يواكيم وشفافية البوح عن أصول النصوص وجيناتها

شوشو في إحدى مسرحياته
شوشو في إحدى مسرحياته
TT

«آخ يا بلدنا وأخواتها» توثيق لتجربة شوشو المسرحية

شوشو في إحدى مسرحياته
شوشو في إحدى مسرحياته

رغم مرور 48 عاماً على وفاته، لا تزال مسرحيات شوشو التي قدمها على خشبة «المسرح الوطني اللبناني» من بين الأعمال التي لا تنسى. لا بل إن شوشو من خلالها، أبدع، وسحر، وتمكن من اجتذاب جمهور يومي، بقي يتابعه لسنوات دون انقطاع، في تجربة فريدة، لم يشهد المسرح اللبناني مثيلاً لها إلى اليوم. ومن بين أبرز المسرحيات الكوميدية التي اشتهرت، هي تلك التي كتبها لشوشو، في ذلك الوقت، فارس يواكيم. وكما غالبية النصوص المسرحية فهي، لم تُطبع، ولم تنشر، ولم يتداولها الناس. وما نعرفه اليوم عن تلك المسرحيات، هو ما صوّر منها للتلفزيون، وباتت بطبيعة الحال، قديمة، وصوتها رديء، وصورتها ضعيفة، ولا تتاح لنا إلا حين تمرّ على الشاشة، بين الحين والآخر.

وحسناً فعل فارس يواكيم، أنه عكف أخيراً على تنقيح نصوص تلك المسرحيات، ودفع بها إلى الطباعة لتصبح كتاباً توثيقياً، قيماً، كنا في غاية الحاجة إليه، كي نتمكن من العودة إلى تلك الأعمال، ودراستها، وقراءتها، وربما ربطها بالوضعين الاجتماعي والسياسي في ذلك الوقت.

إضافة إلى مقدمة المؤلف التوضيحية المهمة في الكتاب الذي يحمل عنوان «مسرحيات آخ يا بلدنا وأخواتها»، صادر عن «دار الفرات» في بيروت، هناك مقدمة لكل مسرحية تشرح ظروفها، وكيف تم العمل عليها، وتاريخ كتابتها، وما أحاط بها من تفاصيل عملية عند وضعها على المسرح، إضافة إلى الشخصيات والممثلين، وشروحات حول الديكور والإخراج، وتاريخ العرض ومدته.

نادراً ما يكتب المؤلفون العرب بهذه الدقة والشفافية حول مؤلفاتهم، إذ يحدد يواكيم وبمنتهى الصدق ما ألفه من بنات أفكاره، وما اقتبسه عن مسرحيات أجنبية، وما استوحاه، ولا يضع نصوصه المسرحية جميعها في خانة واحدة.

ويواكيم كتب مختلف أنواع المسرحيات، للأطفال والكبار، كوميدية، وغنائية، وشانسونية. للرجل 30 مسرحية، 14 منها كوميدية، 12 من بينها خصصت لشوشو، حيث قام بلعب دور البطولة فيها، وعرضت جميعها على المسرح، ما عدا واحدة، بقيت نصاً على ورق، هي «زوجة الفران»، التي استوحاها عن مسرحية لمارسيل بانيول تحمل الاسم نفسه. ولم تبصر المسرحية النور بسبب وفاة شوشو واحتراق مسرحه.

ويصنف يواكيم المسرحيات التي كتبها: «بحسب مبلغ جهدي فيها، وبحسب نصيبي من الإبداع». وهي على ثلاثة أنواع: اقتباس، وإعداد، وكتابة، وتأليف.

أما المسرحيات المقتبسة فلم يأتِ على إدراج نصوصها في الكتاب، لأنه رغم لبننتها وإسباغ بعض الإضافات والتعديلات عليها، لا يعد أن له كبير فضل فيها، فأهملها.

لكن الكتاب يتضمن نصين لمسرحيتين من إعداد المؤلف، وهما «جوّه وبره» و«الشلمسطي». ويقصد بالإعداد أنه لجأ إلى نص أجنبي اعتمد حبكته والعديد من مواقفه، وأضاف عليه من عندياته، سواء في الشخصيات أو المواقف. كذلك في الكتاب نصان آخران لمسرحيتين من كتابة يواكيم، وهما «آخ يا بلدنا» و«كرمبول». ويعترف يواكيم أنه لم يؤلف لشوشو سوى ثلاث مسرحيات، هي «فوق وتحت» و«خيمة كراكوز» و«الدنيا دولاب»: «مع التنويه بأن الثالثة فيها فكرة مستوحاة من نص أجنبي».

حرص يواكيم على أن يجعل مسرحياته حتى التي أعدّها عن نصوص أجنبية مختلفة في البناء والنسيج والحوار والأماكن، والعلاقات بين شخصياتها، كما أن معظم المشاهد جديدة في حبكتها وحواراتها والعلاقة بين السادة والخدم، وحرص في كتابه الجديد على البوح بمصادر وحيه والنصوص التي منها أفاد دون أن يواريها كما يفعل غالبية الكتاب، ولم يكن ليحاسبه أحدٌ على ذلك بعد مرور عشرات السنين على عرض المسرحيات.

ويواكيم، في لجوئه الكثيف إلى الاقتباس، والإعداد، لا يختلف عن غالبية من كتبوا للمسرح في ستينات وسبعينات القرن الماضي، حيث لجأت الغالبية إلى الاستفادة من النصوص الأجنبية. ويشرح يواكيم في إحدى مقابلاته الصحافية أن المسرح في مصر، ومن ثم لبنان في بداياته، اعتمد على الاقتباس والترجمة بتصرف، أو حتى الترجمة الأمينة، لكن مع نضوج التجربة بدأ ظهور المؤلفين المسرحيين.

«أنا شخصياً مررتُ بالخطوات ذاتها. الاقتباس يعني اللَّبنَنَة مع تصرّف بسيط، والإعداد يعني الارتكاز إلى فكرة مسرحية عالمية وكتابتها من جديد، وهذه عملية شبه تأليفية مارستُها في (جوه وبرّه) عن (ألاعيب سكابان) لموليير، وفي (الدنيا دولاب) عن (كرايتون المحبّب) لجيمس باري. ثم سلكتُ طريق التأليف في نصَّين قُدّما في مسرح شوشو: (فوق وتحت)، إخراج برج فازليان و(خيمة كراكوز) (إخراج روجيه عساف)».

ويخبرنا يواكيم في الكتاب، أن اللبننة ليست مجرد ترجمة أسماء شخصيات وأماكن، وإنما إضفاء الجو اللبناني على المسرحية.

واحدة من أشهر مسرحيات شوشو على الإطلاق هي «آخ يا بلدنا»، تلك الصرخة التي كتبها يواكيم، لتخترق قلوب الناس، خصوصاً حين يغني شوشو في أحد المشاهد «شحادين يا بلدنا، قالوا عنا شحادين، نشالين يا بلدنا قالوا عنا نشالين». وهي المسرحية التي بلغ فيها شوشو الذروة. لكن يواكيم يشرح بإسهاب كيف تمت بلورة هذا النص المغرق في لبنانيته ومحليته، وأنه كتبه تحت تأثير نص مسرحي ألماني هو «أوبرا القروش الثلاثة» لبيرتول بريشت، وكانت لقيت بنصها وحواراتها وأغنياتها وموسيقاها استحساناً كبيراً من الجمهور في بلادها عند عرضها للمرة الأولى عام 1928. لكن بريشت، لم يأتِ بالعمل كله من بنات أفكاره، بل اقتبسه عن مسرحية إنجليزية كتبت قبل ذلك بمائتي سنة ألفها جون غاي وحملت اسم «أوبرا المتسول»، وكما كل الأوبرات حينها كانت تستوحي أحداثها وموضوعاتها من الأساطير الإغريقية، والقصص التراثية.

هكذا يسعف كتاب يواكيم، إضافة إلى تتبع المسار المسرحي لشوشو، فهم جينيولوجيا النصوص المسرحية، وكأنه يرينا كيف أن الأعمال تولد متكئة على بعضها بعضاً، وأن الأفكار تتناسل بالتلاقح، ولا عيب في الاعتراف بهذا الحوار بين النصوص الذي يولد دائماً أعمالاً جديدة خصبة، وإن اقتبست مما سبقها.

و«آخ يا بلدنا» عرضت ما يقارب سبعة أشهر في بيروت دون انقطاع، ثم جالت في مختلف المناطق اللبنانية، وهي من إخراج روجيه عساف، وكتب أغنياتها الزجلية فارس يواكيم.

نعرف أيضاً أن مسرحية شوشو «كرمبول»، هي نتيجة هذا النوع من التلاقح أيضاً. إذ يعيدنا يواكيم إلى الشاعر والمؤلف المسرحي الإنجليزي بنيامين بن جونسون، الذي عاش في زمن شكسبير وكتب مسرحية «فولبوني»، وعرضت عام 1606، لكن في عام 1926، أي بعد ما يقارب 300 سنة، سيعيد ستيفان زفايغ كتابة هذا النص على طريقته الخاصة، ووفق اجتهاده ورؤيته، ثم اشترك مع الكاتب الفرنسي جول رومان لكتابة النص بالفرنسية ليقدم في باريس عام 1928 ويواكيم في الحقيقة استند في إعداد مسرحيته «كرمبول» إلى هذه النسخة، والنسخة الفرنسية معاً لتوليف أحداثه وإنشاء شخصياته.

من بين أبرز المسرحيات الكوميدية التي اشتهرت هي تلك التي كتبها لشوشو، في ذلك الوقت، فارس يواكيم

كان يواكيم يتصرف في النصوص بشكل كبير، ويتيح لنفسه الإفادة مما يقع تحت يده، والبناء عليه، أو مجرد الاستيحاء أو خلط ما يراه مناسباً، وإلباس كل هذا لباساً مغرقاً في محليته، لأن مسرح شوشو كانت له خصوصيته، وجمهوره كان متطلّباً، وعنده توقعات عالية، ينتظرون منه لا أن يضحكهم فقط، وإنما أن يقهقهوا وبصوت عالٍ.

أما شوشو، فكان يحب الارتجال ويتقنه، حين يطلع على النص أثناء كتابته، يطلب إضافات أو تغييرات. «كان يحب أن ينال الحصة الكبرى من ضحك الجمهور. لكنه يرضى أن يتولى الممثلات والممثلون الإضحاك ما دام هو غائباً عن الخشبة. وفي حال حضوره يسمح لهم بذلك أيضاً، شرط أن يبقى هو المتفوق».

النصوص المسرحية السبعة في الكتاب، هي النسخة الأخيرة التي كتبت، إذ يشرح لنا فارس يواكيم في حديث لـ«الشرق الأوسط» معه أن النص المسرحي تطرأ عليه تعديلات كل ليلة تبعاً لتجاوب الجمهور، وما يرتئيه المخرج، وما يحس به الممثل. فالنص على الورق يختبر بتفاعل الناس معه. والنصوص التي يقدمها لنا اليوم في هذا الكتاب التوثيقي الذي يأتينا من زمن تأسيسي جميل يطوي بين دفتيه النسخة الأخيرة من المسرحيات، التي أضحكت وأبكت وأفرحت القلوب الحزينة.


مقالات ذات صلة

أسئلة النصّ المسرحي في ورشة تميل إلى الحوار

يوميات الشرق حيث تبقى الكلمة ممكنة مهما اشتدَّ الخارج (الشرق الأوسط)

أسئلة النصّ المسرحي في ورشة تميل إلى الحوار

الورشة التي قدَّمتها الكاتبة المسرحية والدراماتورغ والمخرجة البريطانية بيث فلينتوف، اتخّذت من الأسئلة نقطة انطلاق...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق ملصق مسرحية «روميو وجولييت»

روميو وجولييت على المسرح: سادي سينك ونوح جوب وروعة الحب الفَتيّ

في مسرحية «روميو وجولييت»، تبدو الأحداث رهناً بسوء التوقيت؛ إذ يواجه عاشقا شكسبير الشابان حظاً عاثراً بقدر ما يواجهان الواقعية السياسية لقبائلهما المتحاربة.

هومن بركت (لندن)
يوميات الشرق دينا وإيمي سمير غانم تستعدان للعمل معاً مجدداً (إنستغرام)

«ديو» دنيا وإيمي سمير غانم لأول مرة في المسرح يخطف الاهتمام

فور الإعلان عن اجتماع الفنانتين دنيا وإيمي سمير غانم في عمل مسرحي قريباً، تصدرت تفاصيل العرض «الترند».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق عروض المسرح بمصر شهدت إقبالاً لافتاً في العيد (وزارة الثقافة)

مصر تحتفل باليوم العالمي للمسرح عبر تكريم رموزه واستعادة تاريخه

تحتفل مصر بـ«اليوم العالمي للمسرح» عبر فعاليات متنوعة وتكريمات، واستعادة لتاريخ المسرح المصري والعالمي، وسط حالة من الانتعاش التي يشهدها المسرح حالياً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق دار الأوبرا المصرية تعدل مواعيد حفلاتها (دار الأوبرا)

تداعيات الحرب الإيرانية تتسبب في تغيير فعاليات فنية بمصر

شهدت فعاليات فنية في مصر تغييرات في مواعيد إقامتها المعلن عنها مسبقاً بسبب تداعيات الحرب الإيرانية.

داليا ماهر (القاهرة )

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.