سعيد خطيبي: أكتب لأروّض التاريخ وأستمد منه الحكايات

الروائي الجزائري يقول إن أسئلة الهوية واللغة تشكل ضغطاً على الأدب في بلاده

سعيد خطيبي
سعيد خطيبي
TT

سعيد خطيبي: أكتب لأروّض التاريخ وأستمد منه الحكايات

سعيد خطيبي
سعيد خطيبي

برغم قلة ما صدر له من أعمال روائية، فإنه لفت النظر إليه باعتباره أحد أكثر الأصوات الموهوبة من الجيل الجديد في المشهد الثقافي الجزائري. يركز سعيد خطيبي على العودة إلى التاريخ الحديث فهو وسيلته المفضلة لمساءلة الحاضر سياسياً ومجتمعيا. فازت روايته الجديدة «نهاية الصحراء» بجائزة «الشيخ زايد» في الأدب هذا العام، وسبق أن فاز بجائزتي «كتارا» و«ابن بطوطة» كما وصلت روايته «حطب سراييفو» إلى القائمة القصيرة لجائزة «البوكر» للرواية العربية. وهو يحمل شهادة على ماجستير في الدراسات الثقافية من جامعة السوربون، ويعمل بالصحافة والترجمة ويكتب في أدب الرحلة أيضاً... هنا حوار معه حول تجربته الروائية:

* بداية تبدو «نهاية الصحراء» عملاً بوليسياً ينتمي لأدب الجريمة لكن مع القراءة المتعمقة يتبين أن النص يحفر في التاريخ المنسي سياسياً واجتماعياً للجزائر في الثمانينات... هل كانت الحبكة البوليسية مجرد حيلة لاستدراج القارئ؟

- الجريمة الحقيقية وقعت في حقّ التّاريخ. في الرّواية جثتان، الأوّلى لشخصية «زازا»، والثّانية جثة بلد. شرعت في كتابتها بنية الكتابة عن رّبع القرن الأوّل من الاستقلال، وصولاً إلى أحداث 5 أكتوبر 1988، حين خرج الناس إلى الشّارع يشتكون الجوع وخيبتهم مما يحصل. ربع قرن كانت كافية كي نكتشف أعطاب التاريخ. إن الاستعمار خرج لكننا لم نبنِ بلداً، لأننا اشتغلنا بخصومات داخلية وصراعات من أجل السّلطة، بينما الشعب ظل على دكة الانتظار. الشّعب هو الذي قام بحرب التّحرير وهو الذي سوف يفضح فشل مشروع الاستقلال. كيف نكتب عن بلد كان يسير صوب هاوية؟ الحبكة البوليسية فرضت نفسها. كتبت عن ذلك الهامش من الحياة الجزائرية، عن أشخاص نسمع عنهم لكن لا صوت لهم. لم يكونوا من المثقّفين ولا من المقرّبين من السلطة. يعيشون في عزلة. يتكفّلون بالبحث عن الجاني في مقتل المغنية «زازا» قبل أن يتبيّن لهم أنّهم بصدد البحث عمن خنق بلدهم.

* ما الذي استفزك في تاريخ الجزائر في حقبة الثمانينات وأردت الكشف عنه رغم أنك من مواليد 1984 وما علاقة ذلك بما تردده حول وجوب «ترويض التاريخ»؟

- تاريخ الجزائر حقيبة أسئلة. المجهول منه أكثر من المعلوم. ما يحصل في الجزائر يحصل في بلدان عربية أخرى، حيث هناك من يستفرد وحده بكتابة التّاريخ، وصار المؤرّخ موظفاً متنازلاً عن حريته. لذلك أكتب، والكتابة تستدعي ترويض هذا التاريخ الرّسمي، عدم السّقوط في اليقينيات. ولا أدّعي امتلاك الحقيقة، بل أكتب دفاعاً عن حقي في الخطأ. أكتب تخييلاً، وليس شيئاً آخر، مقتنعاً بأن الخطأ يقرّبنا من الحقيقة. لم يعد بوسعنا سوى اللجوء إلى الرّواية قصداً لتحقيق مصالحة تاريخية عجزت عنها المؤسسة الرسمية. حقبة الثّمانينات هي أكثر فترة حرجة من تاريخ الجزائر. مع صعود البرجوازيات الجديدة وما ترتب عليها من صراعات اجتماعية، تراجع السّلطة المركزية عقب انهيار أسعار البترول، وبالتّالي ضعف الدولة، مما أدّى إلى صعود خطابات راديكالية. حقبة الثّمانينات شهدت انقلاباً لم ننتبه إليه، بنهاية زمن (المجتمع) وسطوع فكرة (الفردانية)، هذه الحقبة سوف تنتج عنها عشر سنوات من حرب أهلية في التّسعينات، مع توسّع التّطرف الدّيني، الذي صاغ خطاباً تكفيرياً يبيح الموت والدّم.

* في روايتك «حطب سراييفو» تنتقل إلى جغرافيا ومأساة أخرى، لكن يبدو أنك لم تغادر الجزائر تماماً... فهل كتبت هذا العمل وعينك لا تزال فعلاً على وطنك؟

- كتبت في «حطب سراييفو» عما وقع في البوسنة والهرسك في تسعينات القرن الماضي، وهي أحداث تتشابه مع ما وقع في الجزائر في الحقبة عينها. أقمت في سراييفو – بضعة أشهر - وشغلتني التّشابهات التّاريخية بينها وبين الجزائر، لا سيما في العنف الذي تعرّضت له. كتبت عن بلدين جمعت بينهما ذاكرة ممزّقة. ما وقع في التسعينات لم ينتهِ. لا يزال التّطرّف حاضراً في المدرسة كما في المسجد، في الكتب كما في التّلفزيون. هنالك ابتذال في ممارسة عنف معنوي ضدّ المرأة، وفي تكفير الكاتب أو الفنان لذلك لا أكتب عن التاريخ من موقع المؤّرخ، الباحث عن استعادة كرونولوجيا، بل أستعير منه حكاياته كي أسرد ما يحصل أمام عيني.

* في روايتك «أربعون عاماً في انتظار إيزابيل» ثمة محاولة لإحياء سيرة واحدة من الشخصيات التاريخية الأكثر إثارة للجدل، وهي الكاتبة والرحّالة السويسرية إيزابيل إيبرهارت التي عاشت جزءاً من حياتها القصيرة في الجزائر، ما سبب اختيارك تلك الشخصية؟

- علاقتي بإيزابيل إيبرهارت بدأت في سنّ مبكرة كعلاقة شخصيّة. فقد سبق لها أن أقامت في مدينة بوسعادة، في بيت جنب بيتنا. ولا تزال الألسنة تحكي حكايتها. قبل أن أكتب عنها رواية، طالعت كلّ أعمالها، من قصص ويوميات. كتبت عنها أكثر من مقال واستطلاع مطوّل يقتفي رحلتها في الصّحراء. شعرت أن من المنطقي أن أستعيد سيرتها بشكل متخيل، بالأحرى سيرة موازية لها، لأنّها تمثل تناقضات الزّمن الذي نعيش فيه: أجنبية في مجتمع مغلق، امرأة في مجتمع ذكوري، على سبيل المثال لا الحصر. كانت أول أجنبية تتعلّم العربية في الجزائر ثم تكتب بها. كونها امرأة فقد كانت ولا تزال عرضة للتشويه، من طرف مؤسسات أكاديمية باتت تمارس قراءات دينية للأدب، رغم أن عاشت بين الأهالي ودافعت عنهم. يسعدني أن هذه الرّواية صارت مرجعاً في الدّراسات ما بعد الكولونيالية، في الجزائر وخارجها. لست أدافع عن إيزابيل إيبرهارت، لكن يهمّني هذا النّقاش الذي لا يزال يدور حولها حتى اليوم.

* هل لجوؤك للتاريخ بمثابة هروب من الواقع؟

- أنا لا أهرب من الواقع، بل إنني في اشتباك دائم معه. لا ألجأ إلى التاريخ بقصد الهروب من رقابة أو تفادياً لممارسة رقابة ذاتية على كتابتي، بل التاريخ هو نافذة أطلّ منها على يجري من حولي. في الجزائر أشعر أنه لا يمكننا الحديث عن حاضر ولا عن مستقبل، بحكم أننا نعيش في حلقة من التّكرار. أحداث ووقائع تعيد نفسها كلّ مرّة. نعيش في ماضٍ مستمرّ. لم نتخلّص من علاقتنا المرضية به.

* العام الحالي يشهد مرور 100 عام على صدور أول رواية جزائرية مكتوبة باللغة الفرنسية، إلى أي حد لا يزال «سؤال الهوية» وثنائيتا «الفرنسية والعربية» و«الاستعمار ولاستقلال» عناصر ضاغطة في المشهد الأدبي الجزائري المعاصر؟

- الرواية الجزائرية أقدم من ذلك. بحكم أن رواية «خضرة راقصة أولاد نائل» صدرت عام 1910 (مع أنّها رواية أنثروبولوجية تتطابق في رؤيتها للأهالي مع الرّؤية الكولونيالية). صحيح أننا نعيش انقساماً في الجزائر. لا توجد رواية واحدة، بل نحن في مواجهة روايتين. الأوّلى ناطقة بالفرنسية والثّانية بالعربية لم يتعد عمرها نّصف القرن (بالإضافة إلى رواية جديدة مكتوبة بالأمازيغية). لا يزال سؤال الهوية سؤالاً مركزياً في الأدب الجزائري. ففي ظلّ تغييب العلوم الإنسانية، بات الأدب وحده بديلاً عن هذه الدّراسات في الجزائر. قد يقول البعض إن من أزمات الجزائر فشل الدّيمقراطية، الرّشوة والفساد، وقضايا أخرى مشابهة، لكن برأيي أن أزمة الجزائر ولدت منذ اللحظة التي جرى فيها تحييد العلوم الإنسانية، تزامناً مع الإعلاء من شأن الشّريعة في المدارس والجامعة. في هذا الجو لا يمكن أن نتفاءل بميلاد مواطنين أسوياء. مسألة اللغة أيضاً لا تزال في واجهة الخصومات. كلّما حصل سوء فهم دبلوماسي بين الجزائر وفرنسا، فإن الأدب هو من يدفع الثّمن. يصير كلّ كاتب جزائري باللغة الفرنسية خائناً. هكذا ببساطة، مع أن اللغة الفرنسية حاضرة ولا يمكن محوّها، تحوّلت من «غنيمة حرب» إلى «بارود حرب». من جهة أخرى لا تزال اللغة العربية محتجزة بين ضفتين: بين لغة فقهاء تراوح بين الحلال والحرام، أو لغة ساسة يستغلونها في حملاتهم الانتخابية، برأيي أن مهمّتنا الأخرى في الكتابة هي إعادة اللغة العربية إلى موضعها الطّبيعي، كلغة حوار وانفتاح على الآخر، بعيداً عن تجاذبات الدّين والسّياسة.

تاريخ الجزائر حقيبة أسئلة. المجهول منه أكثر من المعلوم، وما يحصل في الجزائر يحصل في بلدان عربية أخرى، حيث هناك من يستفرد لوحده بكتابة التّاريخ

سعيد خطيبي:

* حصلت على جائزتي «كتارا» و«الشيخ زايد للكتاب»، فضلاً عن جائزة «ابن بطوطة» في أدب الرحلة... هل ترى أن الجوائز يمكن أن تكون سلاحاً ذا حدين؟

- النّاشر هو من يرشح الرّواية، وليس الكاتب. وأشكر ناشري (هاشيت أنطوان/ نوفل) على ثقته. تاريخ الجوائز الأدبية هو تاريخ قصير، مقارنة بتاريخ الأدب العربي. من المنطقي أن يثار نقاش حولها كلّ سنة، وسوف يستمر الحال كذلك في السّنوات القليلة المقبلة. لكن يجب ألا ننسى أن الجائزة الأدبية من شأنها المشاركة فيما يمكن أن نُسميه (الاقتصاد الثّقافي)، فهي ترفع من عائدات سوق الكتاب، والمستفيد هو النّاشر قبل الكاتب. كما أنها تتيح اهتماماً غربياً بالكتاب العربي، على عكس ما كان يحدث في الماضي. من المفيد تنويع الجوائز، وتدشين جوائز للقرّاء والمكتبات، والأهم من ذلك أن نؤمن بديمقراطية الأدب. وبحقّ النّقاد من لجان التّحكيم في التّصويت على كتاب، وأن ذلك لا يعني إنقاصاً من قيمة كتاب آخر. في النهاية هدفنا واحد: إعادة الكتاب إلى قائمة أولويات المواطن العربي.


مقالات ذات صلة

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

ثقافة وفنون حسن عبد الله

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

واجهة قصر الحير الغربي

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت

دوايت غارنر
ثقافة وفنون «تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.