العائدون إلى الوحشة... نصوص حول الإياب

قليلون هم الذين وجدوا في العودة ما يؤنس، ناهيك عما يثري

غازي القصيبي
غازي القصيبي
TT

العائدون إلى الوحشة... نصوص حول الإياب

غازي القصيبي
غازي القصيبي

استوحيت عنوان هذه المقالة من كتاب للناقد والشاعر السعودي عبد الله السفر، يضم مقالات كتبها على مدى سنوات حول الشعر استرعت انتباهي، من بينها مقالتان إحداهما حول مجموعة للشاعر العماني سيف الرحبي والأخرى حول قصيدة للشاعر السعودي محمد الحرز. مجموعة الرحبي تثير مسائل «الإياب إلى ما لا يستعاد، وذبل، وطحنته رحى الزمن القاسية»، في حين تتلفت قصيدة الحرز إلى ما يصفه السفر بـ«الوجود المعلق البرزخي، التوتر الدرامي بين الوراء والأمام، حيث الفجوة التي تثغر الشعور بانتظار تثقل وطأته وتتفاقم». هذا الشعور بالانتظار، يقول السفر، «يبقى الكاتب يشاغله بوجود آخر هو الوجود الشعري العصي على التبدد». في كتاب «دليل العائدين إلى الوحشة» (2012) لعبد الله السفر دليل للرؤية الشعرية أيضاً تنبهت إليه وأنا أتأمل حالات وقصائد تشاغلني بقضايا الإياب والالتفات نتيجة لما يثقلها من توقعات تنتهي مرة إلى البهجة ومرات إلى الخيبة.

عبد الله السفر

أما الحالات فعشت بعضها شخصياً حين وجدت نفسي غير مرة في مواطن تنامت فيها الطفولة أو الصبا ولم يتنام أمامي حين عدت إليها سوى الخيبة والانكسار. ولم تكن تلك أطلالاً لأحبة بقدر ما كانت أطلالاً للنفس، للذات التي تظن أن في العودة إلى الأماكن القديمة، بتعبير غازي القصيبي، عودة إلى ما اختزنته الأماكن ويتجدد به العمر. صدر ديوان القصيبي «العودة إلى الأماكن القديمة» عام 1985 وضمنه مجموعته الكاملة التي صدرت عام 1987. نسختي تعود إلى العام التالي فوجدت أن في عودتي إلى النسخة عودة أخرى إلى مكان قديم، ديوان شعر هذه المرة أكتشف فيه ما يؤكد ما ذهب إليه عبد الله السفر في قراءته للحرز، أي أن الإياب إلى ما لا يستعاد لا ينسحب على الشعر نفسه: يستطيع الشاعر أن يشاغل الغياب بوجود الشعر، وهو ما يفعله القارئ/ الناقد أيضاً.

سيف الرحبي

عدت إلى كتاب السفر وقصيدة القصيبي وفي ذهني نصوص من بيئات بعيدة تماماً عن الأحساء، حيث السفر والحرز والبحرين حيث كان القصيبي في صباه. كانت العودة ذاتها حافزي لاستعادة تلك النصوص وتأمل ما يجمعها. من تلك النصوص قصيدة للإنجليزي وليم وردزورث ومذكرات للفرنسي ألبير كامو وقصيدة للكندية/الترينيدادية دايون براند. نصوص شعرية ونثرية موجوعة أو منتشية بالعودة إلى الأماكن القديمة. لكن الوجع والانتشاء ليسا أهم المحصول هنا، وإنما هي الرؤى التي تتحول إلى قصائد تتجاوز الآني إلى المتصل والراحل إلى المقيم. ليس سوى الكلمة المبدعة وسيلة لمناهضة الوحشة ومجالدة الزمن.

«تنترن آبي» اسم مكان وعنوان قصيدة لوردزورث نشرها في أواخر القرن الثامن عشر ليتأمل فيما تركته في نفسه زيارة سابقة للمكان ذاته. هي واحدة من عيون الشعر الإنجليزي وليس شعر الرومانسي وردزورث فحسب. وهي أيضاً من القصائد القليلة بل الاستثنائية لكونها ليست موجوعة بالغياب عن المكان أو مصدومة بتغيره. هي عودة من يرى ما تحقق له رغم الغياب. الوحشة هنا ليست ما يعود إليه ولا ما ينتظره، بل هي غائبة تماماً. المكان كنيسة «تنترن آبي» التي تعود إلى العصور الوسطى والواقعة على الحدود بين إنجلترا ومقاطعة ويلز، حيث الطبيعة الباذخة في الصيف بصفة خاصة، الطبيعة التي تمركز حولها الشعر الرومانسي واستمد منها رؤاه ولغته. يقول وردزورث يقيس أثر المكان عليه بعد أن عاد إليه:

كل هذه الأشكال الجميلة،

طيلة ذلك الغياب الطويل، لم تغب عن بصيرتي

كما يغيب مرأى الطبيعة عن عين الكفيف:

وحيثما كنت وحيداً في حجرتي، أو وسط ضوضاء المدن الصاخبة،

وفي ساعات الملل والقنوط،

كانت تمنحني أحاسيس عذبة،

تسري في دمائي وفي قلبي،

بل وتصل إلى عقلي الصافي ذاته،

لتعيد لي الهدوء والسكينة... (ترجمة عبد الوهاب المسيري ومحمد علي زايد)

قليلون هم الذين وجدوا في العودة ما يؤنس، ناهيك عما يثري. من أولئك الفرنسي ألبير كامو الذي يوصف أحياناً بأنه جزائري أيضاً، وذلك في نص بديع بعنوان «العودة إلى تيبازا»، حيث المدينة الجزائرية مراتع للصبى وبواعث للحنين والذاكرة، لكني أؤثر أن أؤجل الكلام عن ذلك النص الثري والمركب إلى وقفة أخرى. هنا أود المضي إلى النصوص المقابلة تماماً لنص وردزورث، تلك التي لا ترى في العودة أكثر من الألم، إما ألم التغير والمحو وهو الغالب، أو ألم الاستمرار وهو الاستثناء في ظني.

قصيدة الكندية ديون براند تنهض على المفارقة المتمثلة في أن العودة لم تعن التغيير وإنما الثبات. هذه القصيدة سبق لي أن تناولتها في مقالة قديمة نسبياً ونشرت قراءتي في كتاب بعنوان «لغات الشعر» (2011). هنا أريد فقط أن أذكر باختصار ما تتمحور حوله القصيدة. فمن عنوانها يتضح أنها «عودة» إلى مكان قديم، والمكان هو البلاد التي تركتها حين هاجرت إلى كندا، أي ترينيداد، الجزيرة الكاريبية التي تعود إليها لتكتشف أنها لم تتغير وليتبين أن عدم التغير لا يبعث على البهجة وإنما على المفارقة المأسوية. يتضح ذلك لأن التغير المقصود، كما يتضح ضمناً، هو التحسن أو الرقي، أي الحداثة والتحضر، لكن ترينيداد لا تزال على فقرها وبؤس سكانها وكآبة منظرها:

إذاَ ما يزال الشارع هناك، ما يزال يذوب تحت الشمس

ما تزال أمواج الحرارة المشعة عند الواحدة

الرموش المحترقة، تنظر ...

ما تزال دماء الجزار تلطخ جدران السوق...

إلى آخر ما هنالك من مشاهد الثبات البائس. إنها العودة الخائبة، إلى وضع يجعل العودة غير مغرية البتة، بل مدعاة للأسى. وهذه العودة الداعية إلى الأسى هي ما يكتشفه غازي القصيبي حين يعود إلى مرابع صباه في البحرين، القصيبي الذي ولد وعاش كل حياته في السعودية ما عدا فترة طفولة وصبا قضاها في البحرين. تلك الفترة المبكرة تظل حاسمة وثمينة في حياة الإنسان، وهي ما يتأمله الشاعر في زيارة للبحرين أواسط الثمانينات من القرن الماضي وما دونه في قصيدة هي أيضاً عنوان مجموعة شعرية ضمت تلك القصيدة: «العودة إلى الأماكن القديمة».

ما يسترعي الانتباه في قصيدة القصيبي هو الانتقال من طللية رومانسية تتمثل في استدعاء الذاكرة الحميم للأماكن، إلى واقعية اقتضتها صدمة التغيير وتواري الأماكن مما يهدد بانمحاء الذاكرة نفسها. الصدمة، بتعبير آخر، ليست ناجمة، كما عند الشاعرة الكندية، عن الثبات وإنما عن التغير، وبالطبع ليس في هذا جديد على القصيدة العربية التي طالما عرفت البكاء على الأطلال. لكن بداية القصيدة تأتي مثقلة بنذر تلك الصدمة، أي بمشاعر الشيخوخة المتنامية، فالشاعر الآن كهل «تجره الأربعون» ويعلو ثوبه «غبار الصحارى»، في إشارة واضحة إلى انتقاله إلى وسط الجزيرة العربية. يأتي الشاعر باحثاً عن أطلال الطفولة:

كان يغفو في أذرع البحر بيتي

حوله الماء رقصة ولحون

ليصطدم بالتغيير:

ذهب البحر! من ترى اغتال بحري

فهو صخر صلد .. وقار مهين

عندما تقتل الحضارة بحراً

يعول الصمت.. والفراغ الحزين

هذا النعي لما فعلته الحضارة والتنمية سيبدو غريباً وهو يصدر عن شاعر صار وزيراً وارتبط اسمه بمتغيرات الحضارة والتنمية، رجل آمن بالتطوير ودعا إليه ونفذ ما أمكنه تنفيذه منه، لا سيما حين صار وزيراً للصناعة والكهرباء. لكنه الانقسام المألوف بين ذات الشاعر وذات المسؤول. في قصيدته يبدو القصيبي وكأنه يتمنى الثبات الذي اصطدمت به دايون عندما عادت هي أيضاً إلى جزيرة طفولتها. لكن حقيقة الأمر هي أن ما يتمناه القصيبي هو ثباته هو، أي استعادة طفولته لأن الأماكن ليست سوى مرايا تعلن التغيير. حين يتحول الشاعر إلى قيادي ومسؤول وتنفيذي سيكون أحد عوامل ذلك التغيير، ربما لوعيه باستحالة العودة إلى الأماكن القديمة لأنها ببساطة لم تعد هناك ولم يتبق سوى الحاضر والمستقبل. الإنجليزي وردزورث شغل بالحاضر والمستقبل أيضاً لكنه رآهما امتداداً غنياً للماضي وبالماضي. لقد عاش الشاعر الإنجليزي بدايات الثورة الصناعية وعبر عن رفضه لها مثلما فعل غير من الرومانسيين لكنه تمسك بالطبيعة ملاذاً، الطبيعة التي لم تكن بعد قد بدأت تدفع ثمن التنمية أو الحضارة التي شهد القصيبي تعمق أثرها في بلاده، سواء كانت البحرين أو السعودية.


مقالات ذات صلة

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

ثقافة وفنون كارلوس مانويل ألفاريز

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته».

تشارلي لي
ثقافة وفنون مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس».

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون محمد سليمان

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي

عمر شهريار (القاهرة)
ثقافة وفنون رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932،

فاروق يوسف
ثقافة وفنون غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended