من قرية الفاو في نجد، خرجت مجموعة كبيرة من التماثيل الأنثوية الصغيرة تشهد لتعددية الأساليب الفنية المتبعة في هذا الموقع الأثري. تحوي هذه المجموعة تمثالاً يتميّز بطابعه المحلّي، يمثّل امرأة تحمل فوق رأسها ما يُشبه الجرة الفخارية العريضة، كما تحوي تمثالاً مماثلاً بقي منه الجزء العلوي فحسب، ويمثّل كذلك امرأة تحمل فوق رأسها ما يشبه الصندوق المربّع، أعلاه تجويف دائري.
تمثال حاملة الجرة طوله 27 سنتمتراً وعرضه 7 سنتمترات، مصنوع من الحجر الكلسي المطلي بالألوان، ويعود على الأرجح إلى القرن الأول قبل الميلاد، ويمثّل امرأة تقف في كتلة واحدة دون أي حراك، منتصبةً فوق منصة مستطيلة مجرّدة من أي تفاصيل زخرفية. يبتعد النحّات عن المثال الواقعي، ويجنح بشكل كامل نحو لغة التحوير، ويحيد عن النسب المادية ليبتدع قواعد جديدة. النسب المتبعة بعيدة كلياً عن المنطق الواقعي. تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه الدائري، وتتحوّل إلى عمود. تغيب مفاصل الجسد تحت الثوب الطويل الذي يلفّ القامة المنتصبة وينسدل حتى أخمص القدمين، ولا يبقى منها سوى نتوءات بسيطة تشير إلى أعلى الصدر الأنثوي بخفر شديد.
الذراعان ملتصقتان بالجسد بشكل كامل، مع استدارة طفيفة تحدّد مفاصل العضد والزند والكوع والساعد، لكن من دون أن تبرزها. اليدان ملتصقتان كذلك بأعلى الساقين في ثبات، وأصابعهما محدّدة بأسلوب مشابه. يحلّ الوجه الدائري فوق قوس الكتفين مباشرة، ويغيب العنق بشكل كلّي. الرأس ثابت في وضعية المواجهة، ملامحه جامدة وتخلو من أي تعبير ظاهر. الأنف عريض مستقيم، والعينان لوزتان جاحظتان تحت حاجبين مقوّسين، مع ثقب غائر في وسط كل حدقة يحدّد البؤبؤ. الثغر صغير، ويتألف من شفتين مطبقتين يفصل بينهما شق طفيف. الأذنان ظاهرتان، وتفاصيلهما محدّدة بشكل مختزل. الشعر قصير، ويتمثّل بكتلتين من الضفائر تحيطان بأعلى الكتفين، مع خصل على شكل تموجات متناسقة تؤلف شبكة من الخطوط المتجانسة تتساقط من أعلى الرأس إلى أعلى الظهر.
تتميّز هذه المرأة بزينتها الغنية، وتتمثّل هذه الزينة بمجموعة كبيرة من الحلى. فوق الجبين، يظهر إكليل يلتف حول الهامة على شكل تاج رفيع. من كل أذن، يتدلّى حلق مزين بقرط عريض. حول كلّ معصم، يلتف سوار يفصل بين اليد والساعد. في أعلى الصدر، تنعقد سلسلة مخمّسة من اللآلئ الموصوفة. من أعلى الكتفين، ينسدل شريط عريض تتدلّى منه سلسلة من الأقراط المتجانسة. يجمع هذا التمثال بين النقش والرسم، ويمزج بين خيط الحفر وخيط اللون الأسود في تحديد هذه السلسلة من العقود، كما في تحديد خصل الشعر، وملامح العينين. إلى جانب هذه المجموعة الكبيرة من الحلى، تظهر عند أعلى الوركين، آثار راحتي يدين منقوشتين، ولا نملك تفسيراً لهذا التفصيل الغريب الذي يتفرّد به هذا التمثال.
تقف سيدة الفاو بشموخ ووقار، وتحمل فوق رأسها إناءً عريضاً يعلوه تجويف دائري على شكل جرّة، ولا ندري إن كان هذا الإناء مذبحاً صغيراً، أو قاعدة أنشئت لتحمل أداة أخرى تستقرّ في تجويفها الدائري. كل ما يمكن قوله إن هذا التمثال الأنثوي عُثر عليه في أحد مدافن الفاو بوادي الدواسر، ممّا يوحي بأن وظيفته جنائزية في الأساس، غير أن تحديد هوية هذه المرأة يبقى لغزاً يصعب حلّه، إذ لا نعرف إن كانت معبودة من معبودات الفاو، أو امرأة ثرية من مواطني المكان.
من الفاو كذلك، ومن مقبرة تعود إلى رجل يُدعى مسعد بن أرش، خرج تمثال مماثل بقي منه الجزء العلوي فحسب للأسف، ويمثّل كذلك امرأة تحمل فوق رأسها ما يشبه الصندوق المربّع، أعلاه تجويف دائري مماثل للتجويف الذي يعلو الجرة الخاصة بالتمثال الذي وصلنا كاملاً. ملامح الوجهين متشابهة وتكاد تكون متماثلة. كذلك تسريحة الشعر واحدة، وشبكة خصلها معالجة وفق الأسلوب نفسه. يتبع هذا التمثال الجزئي الأسلوب نفسه في المزاوجة بين الرسم والنقش، ويجمع بين خط الحفر وخط الرسم الأسود في تحديد العينين وخصل الشعر، كما في تحديد الشبكة الزخرفية التي تزيّن الصندوق المثبّت فوق الرأس.
خارج قرية الفاو، في الجانب الآخر من شبه الجزيرة العربية، نقع على تمثال يماثل بأسلوبه حاملة الجرة الفخارية بشكل لافت، ويُعرف هذا التمثال بـ«سيّدة الضالع»، محفوظ في متحف عدن الوطني، ومصدره مقبرة شُكُع، في جبل عقرم، في محافظة الضالع، وهو من نتاج القرن الأوّل قبل الميلاد. «سيّدة الضالع» أكبر حجماً من «سيّدة الفاو»، وطولها 54 سنتمتراً، غير أن ملامح السيّدتين واحدة، والحلى التي تزيّنهما متشابهة. تتزيّن سيدة الفاو بسلسلة من خمسة عقود لؤلوئية، وتتزيّن سيّدة الضالع بسلسلة من تسعة عقود مماثلة. من جهة أخرى، بخلاف سيّدتَي الفاو، لا تحمل السيدة اليمن أي مذبح فوق رأسها، كما أنها تمدّ يديها إلى الأمام، وفقاً لنموذج اتّبع بشكل واسع في جنوب شبه الجزيرة العربية.
في المقابل، تقف حاملة الجرة بثبات، وترخي ذراعيها المتلاصقتين بقامتها، وفقاً للأسلوب المصري، وهو الأسلوب الذي اتّبع في العُلا، حيث اتخذ طابعاً محلياً خاصاً، كما تشهد التماثيل المتعدّدة الأحجام التي خرجت من هذه الناحية من شمال شبه الجزيرة العربية، وباتت تُعرف بالتماثيل الدادانية.


