دون كيخوتي... النص العابر للغات والجغرافيات

أكثر من 4 قرون على رحيل سرفانتس

سرفانتس
سرفانتس
TT

دون كيخوتي... النص العابر للغات والجغرافيات

سرفانتس
سرفانتس

ها قد مرّ أكثر من أربعة قرون على رحيل مؤسس الرواية الحديثة ميغيل دي سرفانتس (1547 - 1616)، إلا أنني كلما حاولت ترتيب الأوراق المبعثرة لأحوال عصرنا هذا، وتفكيك مكوناته المتشابكة، أشعر بأنه ما زال بيننا. وكلما قمتُ بزيارة تلك المغارة الرابضة على هضبة، في كِبْرٍ تطلّ على البحر من أعالي الجزائر العاصمة ببلدية بلوزداد بالحامة، يُشبَّه لي أنني أرى طيفه يتحرك داخلها، غير آبهٍ بأحد. لم يبرحها، وقد اختارها ملجأ له، ومهجعاً له ولأحلامه وهواجسه وأمنياته ورغبته العارمة، ومحاولاته الأربع اليائسة للهرب من الأَسر نحو الضفة الأخرى من المتوسط، أو نحو وهران جهة الغرب؛ حيث كانت المدينة تحت سلطة الإسبان.

ربما من داخل رطوبة مغارة بلوزداد وظلمتها، استيقظ خياله الخِصب، وعلى بُعد أكثر من أربعمائة سنة، ومثل ساحر محترف، أكاد أسمع صوته يلاعب تفاصيل مخيّلته، ويردد أول سطر من روايته العجيبة (Don Quijote De La Mancha) دون كيخوتي دي لمانتشا:

«En un lugar de la mancha de cuyo nombre no quiero acordarme ...ect...ect».

الغريب أن هذه الرواية ظلت تخترق العصور، وكأن سرفانتس، وبحسِّه، سبق عصرنا الميكانيكي والتكنولوجي والرقمي بمئات السنين، فكأنه كان يضع منظاراً كاشفاً ومكتشفاً لأعمق دهاليز النفس البشرية المعقدة. دون كيخوتي دي لمانتشا، إنها الرواية العالمية، التي على الرغم من مُضيّ زمن طويل على صدورها، وعلى مرحلتين، وفي جزأيها: الأول سنة 1605 وكان سرفانتس بعمر السابعة والخمسين، وقد جرَّب الترحال والأَسر والحرب وفقَد بها يده اليسرى، ويصدر الجزء الثاني بعد عشر سنوات؛ أي سنة 1615، فإنها ما فتئت إلى اليوم تُغري العالم بأَسره بالقراءة، والترجمة، والمسرح، والسينما، والرسوم المتحركة، والموسيقى، والفن التشكيلي، وتتسابق جميع الفنون على مقاربتها، كلٌّ بأدواته ولغته.

ما انفكّت تبهر العالم الذي يقرأ، وتثير اهتمامه، وتصطفُّ في مقدمة الروائع الأدبية الأكثر أهمية في الأدب الإنساني عبر العصور، الأمر الذي يجعل الباحثين ينشغلون بها، وبشغف، بشتى اللغات ومن مختلف الثقافات. ولا يتردد الباحث والمفكر الإسباني المعروف خيسوس. ج. مايسترو Jesus.G.Maestro وكثيرون غيره من المتخصصين، فيعتبرونها في حسم ومغالاةٍ أيضاً، ودون منازع، أنها «جينوم Génome» الأدب العالمي والإنساني، وأنها الرواية الأعظم عبر العصور والأزمنة. وليس بغريب أن ينجز الكاتب وعضو «الأكاديمية الملكية الإسبانية» أرتورو بيريث ريفيرتي Arturo Pérez-Reverte من «الدون كيخوتي» صيغة روائية مختصرة شعبية ومدرسية، ويدعو إلى إدراجها في برامج التعليم بالفصول المدرسية، وفي متناول القراء الفتيان؛ وذلك درءاً، من جهة، لكل قطيعة قد تحدث مع الزمن للأجيال الجديدة مع الأدب الإسباني، وذاكرته الأولى التي هي رواية سرفانتس، ومن جهة أخرى لإغرائهم بقراءتها كاملة في زمن لاحق، بعد استمتاعهم بتوليفتها المختصرة، وبلغة تحاول أن تكون حديثة. لا أحد يشكُّ في حقيقة قدرة «دون كيخوتي دي لمانتشا» على إبهار قارئها، ولكن لماذا ظلت تفعل ذلك عابرة الأزمنة والأمكنة والأجيال واللغات والثقافات؟ ألأنها تشبه الإنسان، وتفضح انحيازه وغريزته للظلم من جهة، وتكتب جنونه ضد الظلم من جهة ثانية، وتصور شيزوفرينياه؟

إذا كانت شهرزاد في «ألف ليلة وليلة» مسلَّحة بترسانة عجيبة من الحكايات، مستعملة قبة خيالها الخارق، ومهارتها الدبلوماسية ومقاومتها الناعمة، وطاقتها الأنثوية لتدفع بالموت بعيداً، كل ليلة، وتقهر الظالم، وتغلبه رمزياً، فإن شخصية ألونصو كيخانو دون كيخوتي، هو الآخر، ممتلئ حتى التمام بحكايات وقصص الفروسية، وأخلاق الفرسان النبلاء، والشهامة، والرجولة، والشجاعة، ثمرة قراءاته المزمنة، الشرِهة لروايات الفروسية. سنوات طويلة من قراءة هذه الكتب جعلته يروي خياله حتى فاضَ، ليسوقه إلى ما يشبه الجنون، فلا تدرأ عنه الموت، بل تدفعه نحو المغامرة وتجرُّه نحو الهلاك.

فمركزية حكاية شخصية ألونصو كيخانو، المسكون حتى الدوخة بقراءة روايات الفروسية لسنوات طويلة، تتمثل في قراره المفاجئ أن يخرُج من الكتب إلى الواقع، أن يُخرِج أثقالها وينقل حمولتها إلى الحياة، أن يحقق في الواقع ما تحقق في تلك الروايات من فضائل الأخلاق الإنسانية السامية، فلا تظل «حبراً على ورق»، هي تلك فلسفته: تكريس حياته في سبيل مساعدة الآخر من باب الإنسانية الكبير، وليس من زاوية التآزر العقائدي الضيق.

أن يصبح بدوره فارساً في الواقع، ويطلق على نفسه اسم «الدون كيخوتي دي لمانتشا» يمتطي حصانه المسن روسينانتي Rocinante ويدعو صانتشو بانزا Sancho Panza أحد الفقراء من سكان قريته، لمرافقته، ليصير مُساعدَه وساعده وتابعه، ويعِدُه بأن ينصّبه حاكماً على إحدى الجزر، بعد انتصاره على الأشرار. آلى على نفسه أن يسير في الأرض، أن يقتفي أثر الأشرار ويحاربهم وينتصر للحق، ويساند المظلومين بفضل عزيمة سيفه القديم، ودرعه المهلهل، وحصانه المتعب، يتبعه صانتشو فوق حماره المسنّ.

وكجميع الفرسان في روايات الفروسية، لا بد أن يكون عاشقاً بحبّ أفلاطوني. سيضع دون كيخوتي نصب عينيه وقلبه وسيفه صورة لمحبوبته الفاتنة دولسينيا ديل توبوسو Dulcinea del Toboso، وهي في الحقيقة إحدى القرويات، وهو لا يعرفها. ينطلق في مغامرة مكافحة الشرِّ والأشرار، الظلم والظلمة، يهاجم طواحين الهواء؛ لأنه يراها في شكل عمالقة شريرين بشِعين وعنيفين، يضمرون السوء للبشرية، ويقف في وجه كتيبتين خطيرتين من العسكر المسلَّحين حتى الأضراس، ويهاجمهما، إلا أنهما في الحقيقة ليستا سوى قطيع من الخراف. ويرى في المساكن القديمة قصوراً، وفي بائعات الهوى سيدات من الطبقة النبيلة...

وتمتدُّ الحكايات عبر مئات الصفحات. وتتناسل حكايات دون كيخوتي، البطل الطيب الساذَج القادم من عالم الكتب المثالي في مواجهة الواقع الشنيع، يدافع باستماتة عن حق المرأة واليتيم والضعيف والفقير والمظلوم والأرملة، كل ذلك في لعبة سردية مثيرة، وتكاد المعارك الطاحنة الخاسرة في كل مرة، أن تؤدي بحياته إلى الهلاك، وتستمر الأحداث والحوارات والمغامرات والحروب الوهمية لبطلنا دون كيخوتي، تجعل المشاعر تراوح بين السخرية المُرّة، والشعور بالإشفاق الموجع. فرجة على فرد أم على التاريخ برمته؟ إلى أن يعود إلى بيته جريحاً طريح الفراش والهزيمة، ليسلم الروحَ والحلمَ بالسلام والعدالة، بعد حمّى الأيام الستة، وبعد أن يتنصل من ذاته ويستسلم بالعودة إلى «رشده»!:

- هنِّئوني، لم أعد دون كيخوتي... أنا ألونصو كيخانو الطيب Yo soy Alonso Quijano el Bueno!

هل من شك في أن دون كيخوتي قضى من الكآبة؟ لا شك... فقد أدرك بعد لأْيٍ أن الكتب لا تغير العالم؛ لأن العالم في شراسته وقساوته يقع خارج الكتب، وأما الساهرون حول فراشه من أهله ومعارفه، فيؤمنون بأن الداء العقلي الذي أصابه، جاءه من فيروسات الأفكار المعششة في روايات الفروسية التي كان يقرؤها بنهم. ولعلّ ذلك ما أعطى الشرعية للقس والحلاق للتفكير في التخلص من أخطرها بإحراقها؛ لأنها كتب تتسبب في انهيار العقول، وتصيب الناس بمرض الوهم.

أغلب الظن أن من أسباب الافتتان العالمي برواية ميغيل سرفانتس، أن كلّ من يكمل قراءتها، يكتشف أنه المعنيّ الوحيد، وأن فيه شيئاً من جينات DNA دون كيخوتي. ما الذي يستطيع فعله قارئ معاصر من سلالته، وهو جزء من هذا العالم المعاصر الواقف على شفا حفرة من الجنون والحرب والدمار؟

ونحن... أين نحن من هذا كله، بينما نسمع صوت الجنون العاقل للدون كيخوتي؟ ألسنا معنيين جداً ما دام سرفانتس كان بيننا أسيراً لخمس سنوات، يختلي بالمغارة المُطلة على أفق المتوسط؟ على الأغلب – على رأي المؤرخين - فإن الرواية ولدت بها، وليس عبثاً وجود صوت ساردٍ عربي في النص لقّبه بـ«سيد أحمد بن أنخلي».

ثم لا مهرب، فإن سرفانتس يظل ابن إسبانيا الممهورة بحضارة الأندلس الإسلامية، وكما أفضتْ لي صديقة فنانة إسبانية، خلال ملتقى بمدينة قرطبة - وليس من باب المجاملة - بقولها:

- هنا... يكفي أن يُرفع عندنا حَجرٌ... فيطلّ من عندكم أثر.



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.