خالد الفرج... هوية المثقف الخليجي ودوره

أسس المطابع وألّف الكتب وأسهم في نشر الوعي الوطني والقومي

خالد الفرج
خالد الفرج
TT

خالد الفرج... هوية المثقف الخليجي ودوره

خالد الفرج
خالد الفرج

ترافق مع التكوين السياسي لدول منطقة الخليج العربي في العقود الأولى من القرن العشرين تبلور تدريجي لدور فاعل اضطلع به أبناء المنطقة وغيرهم من أبناء الدول العربية في تحقيق ذلك التكوين ودعمه بصور مختلفة، كان منها الدور الاستشاري والمؤازرة المعنوية وشغل الوظائف المختلفة التي احتاجتها الحكومات الناشئة، وهي تكافح من أجل نهوضها ورسم معالم هويتها على الصعيد السياسي وغيره، والتخلص كذلك من الهيمنة الأجنبية بكل صورها.

أحد الذين قاموا بدور لافت، بل استثنائي، في تلك المرحلة وأثناء تلك العملية، هو خالد الفرج، الكويتي ولادةً ونشأة، والخليجي عملاً ونشاطاً وتطلعات. ومع أن الفرج لم يعِشْ أكثر من ستة وخمسين عاماً ما بين 1898 و1954، فإن منجزه الثقافي والإداري وعدد المهام التي اضطلع بها تتجاوز تلك العقود القليلة إلى أثر أعمق وأوسع. استطاع ذلك الرجل أن يؤسس المطابع ويؤلف الكتب ويتولى مهام الإدارة التنموية، ويسهم في نشر الوعي الوطني والقومي بوصفه مناضلاً ضد الهيمنة الأجنبية، البريطانية في حالة الخليج، دون هوادة وبإيمان واضح بما يتعين عليه القيام به.

«المطبعة العمومية»

كان الفرج من أوائل أبناء المنطقة الذين تعلموا تعليماً حديثاً نسبياً، حين دخل المدرسة المباركية في الكويت عند إنشائها عام 1911، وهي المدرسة الحديثة الأولى في الكويت، وربما في الجزيرة العربية والخليج، ثم جاءت رحلاته المبكرة للهند على عادة أهل الخليج آنذاك في التواصل التجاري مع الهند لتفتح له أفقاً أوسع على المستوى الثقافي؛ فتعلم الإنجليزية وقيل الأوردية أيضاً، واكتشف إلى جانب ذلك أهمية المطبعة في بعث الحياة الثقافية، فأسس هناك مطبعة سماها «المطبعة العمومية» نشر من خلالها كتباً تُنشر لأول مرة، وحين عاد أسس مطبعة بالاسم نفسه في مدينة الدمام السعودية أسهمت في نهضة الصحافة الأهلية هناك؛ وهي الصحافة التي قامت بمهمة ضخمة في التوعية والتنمية.

هذه المعلومات وغيرها متاحة لمن يريد معرفتها في بعض ما أُلّف حول الفرج، كما في مواقع كثيرة على الإنترنت، ولا أريد هنا أن أعيد نشرها. ما أود التوقف عنده هو طبيعة الدور الذي قام به، وكيف أدى ذلك الدور إلى صياغة مفهوم مبكر للمثقف في منطقة الخليج العربي، بل في الجزيرة العربية كلها، لكن قبل الدخول في صلب تلك الملاحظات، أشير إلى أن استيعاب ما قام به خالد الفرج في مناطق الخليج المختلفة التي عاش وعمل فيها (البحرين والسعودية بصفة خاصة) وقع ضمن سياق نهضوي عام، عاصر فيه الفرج رصفاء عرباً في مصر والشام والعراق وغيرها. فما كان مثقفو الخليج آنذاك يفعلونه إلى جانب الفرج (مثل إبراهيم العريض في البحرين، ومحمد حسن عواد في الحجاز، وغيرهما في الجهات المختلفة من الجزيرة العربية)، كان يفعل ما يشبهه مثقفو مصر والشام وغيرهما من أجزاء الوطن العربي؛ فسعيه لتسهيل تعلم اللغة العربية ومحو الأمية، مثلاً، يذكّر بجهود طه حسين في جعل التعليم مجانياً في مصر في الفترة نفسها تقريباً، لكن من المهم تذكر التفاوت الكبير بين مناطق عربية سبقت في التأسيس الحضاري مثل مصر والشام لقربهما من أوروبا، ومنطقة الخليج التي لم يأتها التفاعل الحضاري مع مراكز العلوم والمعارف المعاصرة إلا في مرحلة تالية نسبياً.

سياق تاريخي

البعد التاريخي مهم لمعرفة طبيعة المهام التي اضطلع بها مثقفو المنطقة، ومنهم الفرج؛ ذلك أننا إزاء كيانات سياسية واجتماعية واقتصادية كانت لا تزال في طور التشكل، وطاقات بشرية توازيها في ذلك الطور. الكيانات تتأسس، والمثقفون يتأسسون أو يتنامون في عملية متوازية إلى حد بعيد. فالمثقف في ضوء ذلك التزامن يرى نفسه مسؤولاً عن أشياء كثيرة تحتاجها عملية التأسيس والنمو تلك: إنشاء المجلات والصحف، وتأسيس المطابع، ونشر المقالات التوعوية، والمطالبة بنشر التعليم وتحديثه وتسهيل الوصول إليه، كل ذلك وغيره مما رأت النخب المثقفة آنذاك أن عليها الاضطلاع به.

إن طبيعة المهام التي كانت توكل إلى مثقفي المرحلة مؤشر بحد ذاته إلى طبيعة المرحلة نفسها؛ فالمتوقع من المتعلم أو المثقف أن يكون قادراً على إدارة ما يوكل إليه، وإن كان بعيداً عما اشتهر به من نشاط يعد تخصصاً أو قريباً من التخصص. ومما يدل على ذلك، أن الفرج الذي عُرف بالشعر والتأليف في المقام الأول كلفه الملك عبد العزيز حين جاء؛ أي الفرج، من البحرين إلى السعودية، بتأسيس وإدارة بلدية القطيف؛ فنشط في ذلك، فشق الطرق واستحدث التنظيمات، ليُكلف بعد ذلك بإدارة بلدية الدمام، ثم كلفه الملك بالإشراف على الإذاعة السعودية عند تأسيسها.

هذه المهام وغيرها لم تُعِق الفرج عن تأسيس المطبعة في الدمام، ولا عن تأليف المطولات أو الملاحم الشعرية التي كان موضوعها تاريخ الدولة السعودية ومنجزات العهد السعودي. وإذا كان العمل البلدي مما يُحمد عليه أبناء المنطقة، فإن التقرب من الملوك مما يثير عادة شبهة التملق والسعي للمصلحة الشخصية؛ لذلك حرص الفرج على الإعلان أنه لم ينظم قصائده للمديح، وإنما للتأريخ وإحقاق الحق؛ أي إنه كان قلقاً من سوء فهم الناس وتأثر سمعته بوصفه مثقفاً نزيهاً؛ لذا كتب يدافع عن نفسه:

«والذي يقرأ هذه القصيدة يضعها - دون شك - في أبواب المديح، ولا يلام على ذلك؛ لأن الناس اعتادوا أن يقرأوا آيات الثناء البراق في من يستحق ومن لا يستحق، ولا يهتمون بعد ذلك بحقيقة ما قيل إن صدقاً وإن كذباً... وليس في هذه القصيدة من المديح - المصطلح عليه - إلا مطلعها، وإلا فكل ما فيها حقائق لا غبار عليها يعرفها كل من درس تاريخ نجد وكان من المنصفين».

هذا الوعي يستدعي التساؤل عن هوية المثقف وطبيعة دوره في تلك المرحلة من تاريخ المنطقة ودولها الناشئة. نحتاج إلى التساؤل، بتعبير آخر، عن هوية المثقف: مَن هو وبأي دور اضطلع. وفي ظني أن من القراء من ستقفز إلى ذهنه أسماء مفكرين تناولوا هذه المسألة واشتهروا بتعريفاتهم أو تحديداتهم للمثقف وطبيعة دوره. ولعل أشهر تلك الأسماء المفكر الإيطالي غرامتشي الذي عرف بمفهوم المثقف العضوي، لكن ذلك المفهوم الذي تأسس على الظروف التاريخية والرؤية الماركسية وعلاقات المثقف الطبقية والحزبية، لا يعيننا كثيراً على فهم ما قام به مثقف مثل الفرج لم تحكمه علاقات طبقية ولا حزبية بالصورة التي استنبط منها غرامتشي تصوره وتحليله.

جانب نضالي

تصور آخر نجده لدى المؤرخ المغربي عبد الله العروي في تحليله لشخصية المثقف بمصر في النصف الأول من القرن العشرين، حين تحدث عن الداعية الديني ورجل السياسة وداعية التقنية، ووجد أنهم يختصرون هوية المثقف أو أنواع المثقفين في تلك المرحلة من تاريخ مصر والنهضة العربية فيها إبان تلك المرحلة. وهذا التصور وإن كان أقرب من تصور غرامتشي إلى هوية مثقف عربي خليجي، فإنه أيضاً لا ينطبق، في أي نوع من أنواعه، على الفرج ولا على كثير من مثقفي المنطقة آنذاك. لم يكن الفرج داعية دين، مثل محمد عبده، ولا رجل سياسة، مثل محمد حسين هيكل، ولا كان داعية تقنية يرى أن النهضة العربية تكون بتبني الصناعة الغربية، كما فعل سلامة موسى، حسب العروي. كان الفرج مناضلاً ضد الجهل والهيمنة الأجنبية استجابة للظروف التي عاشها وعاشتها البلاد التي عرفها وأسهم في تنميتها وتوعية أهلها. كان متديناً، لكنه لم يكن داعية، وكان قريباً من السلطة، لكنه لم يتحول إلى رجل سياسة.

الجانب النضالي التوعوي من شخصيته، وهو الجانب الواضح، يتكفل به تصور طرحه المفكر والمناضل المارتينيكي فرانتز فانون، الذي حارب مع الجزائريين ضد الاستعمار الفرنسي ووضع نظريات في المقاومة أسست لاحقاً لما يُعرف بنظرية ما بعد الاستعمار، أو ما بعد الكولونيالية. في كتابه «المعذبون في الأرض»، المنشور في ستينات القرن الماضي، يرى فانون أن من مهام المثقف توعية مجتمعه بمساوئ الاستعمار والحاجة إلى الاعتماد على الذات... يقول: «بعد أن يكون [أي المثقف] قد جرب إدماج نفسه في الشعب ومع الشعب، سيقوم على النقيض من ذلك بهز الشعب. بدلاً من أن يبدي إعجابه بحالة السبات التي يعيشها الشعب، يحول نفسه إلى موقظ للشعب... ». هذا التعريف مفيد في تحديد جانب مهم مما قام به الفرج، لكنه لا يستوعب كل المهام التي اضطلع بها.

يعني هذا كله أننا بحاجة إلى قراءة أكثر استيعاباً لهوية المثقف في منطقة الجزيرة العربية والخليج وطبيعة المهام التي تحملها، وهو ما يعني تحليلاً أكثر شمولية لأصناف المثقفين والسياقات الثقافية والسياسية والاجتماعية التي تشكلوا وعملوا ضمنها. القراءة الجاهزة ضمن المفاهيم الشائعة، على أهميتها، تظل إسقاطية، فإما أن تخطئ أو تكون فضفاضة؛ لأنها لا تلم بكثير من التفاصيل والسمات الخاصة بالبيئة الثقافية واشتباكاتها الاجتماعية والسياسية.


مقالات ذات صلة

مقتنيات صلاح أبو سيف النادرة تخرج إلى العلن للمرّة الأولى في القاهرة

يوميات الشرق صلاح أبو سيف أحد أبرز رواد الواقعية في السينما المصرية (وزارة الثقافة المصرية)

مقتنيات صلاح أبو سيف النادرة تخرج إلى العلن للمرّة الأولى في القاهرة

يأتي المعرض مواكباً للذكرى الـ30 لرحيل أبو سيف، التي تحلّ الشهر المقبل...

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق بدت الأمسية مصافحةً متأخّرةً بين ريمون جبارة وجمهور لم يعش زمنه الأول (الشرق الأوسط)

جامعة الكسليك تُكرّم ريمون جبارة... وعودة «شربل» بعد نصف قرن

جاء التكريم في وقت يحتاج فيه المسرح اللبناني إلى مَن يستعيد أسماءه المؤسِّسة.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق نبيل نحاس ومنسّقة الجناح اللبناني ندى غندور (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)

نبيل نحاس بتجهيز «تعدُّد بلا حدود» يُمثّل لبنان في «بينالي البندقية»

يريد نبيل نحاس لزوّار الجناح أن يعيشوا تجربةً تأمّليةً أمام هذه الجدارية المركّبة، قبل أن ينشغلوا بفهم فحواها.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق تفتح جدران صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون النوافذ للتعرُّف إلى الفنانَيْن (الشرق الأوسط)

الرياض تستعيد ذاكرة المكان... المسعري ومغربل في احتفاء بروّاد الفنّ السعودي

تضمّ هذه النسخة من السلسلة أعمال الفنانَيْن سعد المسعري والدكتور فؤاد مغربل، اللذين أسهما بشكل بارز في تطوير الفنون البصرية في السعودية...

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق المهندسة ريتا خلف ترى الدمار خسارة لإرث إنساني (الشرق الأوسط)

ريتا خلف تركت الموصل طفلةً وعادت لتُوثّق ذاكرة مدينة مدمَّرة

عادت ريتا خلف إلى الموصل للمرة الأولى عام 2021 بعد غياب دام 10 سنوات، وتكرّرت زياراتها منذ ذلك الحين.

«الشرق الأوسط» (باريس)

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري
TT

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م) بناء النص، ويؤدّي الحارث بن همّام وظيفة الراوي الشاهد، في حين يشغل أبو زيد السروجي موقع الشخصية المحورية التي تنتظم حولها المقامات.

صاغ الحريري 50 مقامة، أي 50 حكاية عن أبي زيد السروجي، ورسم لنا شخصية ساحرة ببلاغتها وتصرّفها في فنون الكلام، وساخرة من النخب والعوام، ومتهكّمة على المهن والمؤسسات، وهامزة هازئة بالتسلسل الهرمي الاجتماعي من مختلف الفئات.

شخصية متعدِّدة الأدوار والأطوار؛ متسلّقة اجتماعياً، ومخادعة مراوغة دهيّة ظريفة. تتفوّق على القاضي، وتقلّد الواعظ، وتتوسل المرأة العجوز لاستدرار شفقة الناس وعطفهم ورِفْدِهم.

لقد ركّزت الدراسات النقدية التي تناولت مقامات الحريري على المؤلف، بل ورأى بعض الدارسين أن شخصية المقامة هي شخصية المؤلف لا شخصية بطلها، في حين ركّزت دراسات أخرى على أبي زيد، فألّفت حوله الكتب والمقالات، بينما لم تحظ شخصية الحارث بن همام بعناية مماثلة، ولم يُلتفت إليها بدراسة مستقلة على الرغم من كونها تدخل في صلب الوقائع الحكائية المبثوثة في المقامات بحيث تمثّل نقطة التوازن بين السرد والتأمل، وبين الإعجاب والنقد، وبين الأخلاق والجمال.

وأول مظاهر الفروق في الاهتمام المنصبّ على أبي زيد دون الحارث بن همام، البحث في حقيقة أبي زيد هل هو شخصية حقيقية أم شخصية خيالية، حيث مالت نصوص النقد الأدبي القديم إلى الحديث عن الأصل الحقيقي لهذه الشخصية في حين أن النقد الأدبي المعاصر أنكر ذلك. أما الحارث بن همام فلم يبحث أحد عن حقيقته، بل تسالم الجميع على كونه ناطقاً باسم الحريري، مع العلم أنّ أبا زيد لا يعدو هذه المرتبة أيضاً.

لقد انصبّ الاهتمام فقط على سبب اختيار اسم الحارث، وفسّره ياقوت الحموي بأنّ الحريري عنى نفسه بهذا الاسم أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم حارث وكلكم همّام»، فالحارث الكاسب، والهمّام كثير الاهتمام بأموره، وكان بإمكان النقد الأدبي أن يستغل هذه الإشارة ليوضّح لنا كيف غدا الراوي حارثاً وهمّاماً في هذه المقامات؟ غير أنّه غفل عن طبيعة تكوين الحارث الذي لا يقلّ ثراءً وتعقيداً وبلاغةً عن أبي زيد، إذ لم يلحظ النّقاد أنّه ليس مجرد ناقل للأحداث، بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي والأخلاقي في آن واحد.

إنّه جوّاب آفاق، وهي صفة يشترك فيها مع أبي زيد، غير أنه يختلف معه في أسبابها، فأبو زيد له سبب واحد هو الكدية والحصول على المال، أما الحارث فهو يرحل سعياً للرزق مرة، وابتغاءً للمتعة واللهو مرة أخرى، وطلباً للعلم والمعرفة مرة ثالثة، وهو في كلّ رحلة من هذه الرحلات التي يطوّف فيها من بلد لآخر يلتقي بأبي زيد في مظهر مختلف، ويكتشف حيلة جديدة، فيسردها علينا ويقدمها لنا، وتتجاوز مهمته مجرد السرد، فيمهّد للمشهد، ويخلق الإطار الحكائي، لبطل يبدّل صوره وشخصياته، كما يبدّل المحموم وسائده.

تبدأ علاقة الحارث بأبي زيد في أول مقامة من لقاءٍ عابرٍ في صنعاء حين يرى واعظاً «يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه»، فيتتبّعه بعد انفضاض المجلس، ويراه يأوي إلى مغارة يأكل مع تلميذٍ فيها الحنيذ، ويشرب النبيذ، فيكتشف زيف هذا الواعظ، ويسأل التلميذ عن اسم شيخه فيجيبه: «هذا أبو زيد السروجي: سراج الغرباء وتاج الأدباء». من هنا تبدأ هذه العلاقة، ثم تتطور وتمرّ في عدة مراحل متداخلة: مرحلة الدهشة والانخداع في البدايات، إذ ينجذب الحارث إلى بلاغة أبي زيد بسهولة، ويقع في خداعه دون مقاومة، وتبدأ مرحلة الاكتشاف عندما يدرك نمط أبي زيد المتكرّر، ومرحلة التواطؤ، فقد بات يعرف حقيقته، لكنّه يستمر في المتابعة بدافع الإعجاب بل الافتتان، ومرحلة التوتّر الأخلاقي عندما يحاول التوفيق بين رفضه الأخلاقي ومتعة السرد، وأخيراً مرحلة النضج، إذ يصبح واعياً ببنية المقامة نفسها، ويدرك أنّه داخل لعبة أدبية، غير أنّ هذه المراحل لا تسير في خطٍّ تصاعدي واضح، فالمقامات في بنيتها تقوم على إعادة إنتاج موقف الخداع البلاغي في صور متعدِّدة، فتتكرّر الحيلة وتتنوّع الصيغ، دون أن يُبنى ذلك وفق نموٍّ تدريجيٍّ ثابت، فأبو زيد لا يظهر إلا في صورة جديدة، ولا يتكلم إلا بلسان مختلف، ولا يتحرك إلا داخل لعبة تمويهٍ واسعة. هنا يتحول الحارث من ضحيةٍ إلى شاهدٍ واعٍ، وإن ظلّ متورطاً عاطفياً وجمالياً، وبذلك يتّضح أنَّ وظيفة الحارث ليست محايدة. فهو يشارك في تشكيل المعنى ويعيش حالةً دائمةً من التذبذب بين الإعجاب والرفض. حين يسمع خطب أبي زيد المؤثرة، ينجذب إليه جماليّاً، لكنّه حين يكتشف الخديعة ينفر منه أخلاقيّاً. هذا التناقض هو جوهر شخصيته: مبدأ يرفض الكذب، وذائقة جمالية تنجذب إلى براعة الكذب، لذلك نراه أحياناً يوبّخ ضمنياً، وأحياناً يسوّغ، وأحياناً يكتفي بالمشاهدة. وإذا كان أبو زيد متلوّناً، متحوّلاً، مراوغاً، فإن الحارث ثابت نسبياً، ويمثّل نوعاً من «المرجع الأخلاقي»، وهذا التضاد مقصود فنياً: فأبو زيد يعبّر عن الحركة والخداع والتحوّل، والحارث يرمز إلى الثبات والملاحظة والتأمّل.

تتعمّق هذه العلاقة فتغدو نوعاً من الصحبة الفكرية. ينتقل الحارث من موقع المشاهدة إلى تتبّع أبي زيد عبر المدن، ويتحوّل هذا الترحال تدريجياً إلى مدخل لفهم الخداع نفسه: كيف يُبنى؟ كيف يُصدَّق؟ ولماذا ينجذب الناس إليه رغم إدراكهم أنه زيف؟

في بعض المقامات، يتحوّل الحارث من مجرد شاهد على ما يجري إلى دائرة الفعل، فيطلب أحياناً من أبي زيد أداءً بلاغيّاً معيّناً، أو يختبر قدرته على الإقناع، أو يغضّ الطرف عن بعض خداعه. ومع ذلك، لا يمكن وصفه بالمشارك الكامل، إذ يبدو كأنّه يقف في منطقة رمادية بين الحياد والتورّط، يستمتع بالمشهد على الرغم من إدراكه أنّه قائم على الخداع.

ومع تتابع التجربة، يبدأ الحارث في اكتساب وعي أعمق بطبيعة ما يراه؛ ويتحول من ضحيَّةٍ إلى مشارك ضمنيٍّ في إنتاج المتعة السردية. يتعلم كيف يتأرجح بين التصديق والتأويل، وبين الانخداع باللغة والوعي بآلياتها. وهكذا لا يصل إلى يقين نهائيّ، بل إلى وعيٍّ متوتّر يزداد تعقيداً مع كل مقامة، حتى يصبح جزءاً من إنتاج المتعة السردية نفسها، لا مجرد شاهد عليها.

في المقامة الأخيرة، يحدث التحول الأهم: يقرّر أبو زيد التوبة وترك الحيل، ويتجه إلى العبادة والوعظ. هنا ينقلب موقف الحارث بشكل مفاجئ. بدلاً من الفرح، يشعر بخيبة أمل. فالتوبة، رغم قيمتها الأخلاقية، تعني نهاية اللعبة التي كانت تغذي فضوله ومتعة المراقبة لديه، ويبدو أنّ الحارث كان يظن أنه يبحث عن الحقيقة الأخلاقية، لكنّه يكتشف أنّه كان يستمتع بالبنية الجمالية للخداع أكثر من اهتمامه بالحقيقة نفسها.

في المشهد الأخير يحدثنا الحارث عن آخر ما دار بينهما من حوار، إذ يدنو منه «كما يدنو المصافح، وقلت: أوصني أيها الناصح. فقال: اجعل الموت نصب عينك، وهذا فراق بيني وبينك، فودّعته وعبراتي يتحدّرن من المآقي، وزفراتي يتصعّدن من التراقي، وكانت هذه خاتمة التلاقي». لم يلحظ النقاد أنّ الحارث ليس مجرد ناقل للأحداث بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي

والأخلاقي في آن واحد


«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية
TT

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة بين طرفين، بدأ كل شيء بينهما بالنفور قبل أن يتحول إلى مشاعر مشتعلة في سردية تميزت باستبطان الانفعالات الداخلية للمرأة على نحو لافت.

صدرت الرواية أخيراً عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة نهى مصطفى، وفيها تجد الشخصية الرئيسية «نورا يانسون» نفسها مضطرة لاتخاذ خطوة يائسة لإنقاذ مخبز والديها من الإفلاس فتضطر لقبول المشاركة في برنامج تلفزيوني واقعي، الذي من خلاله يدخل إلى حياتها الشيف الشهير «هنريك إكلوند» ببروده المهني وانتقاداته القاسية.

وبين رائحة الخبز الدافئ وأمسيات الشتاء الطويلة تبدأ المسافة بينهما في التلاشي ويتحول الصدام إلى انجذاب غير متوقع، لكن مع تزايد الضغوط بين ما تفرضه الكاميرا وما يمليه القلب تدرك «نورا» أن المعركة الحقيقية ليست من أجل إنقاذ المخبز فقط، بل من أجل استعادة ثقتها بنفسها وفتح قلبها من جديد، عبر نص ينبض بالدفء، ويحتفي بحرارة البدايات ويبرز قوة الشغف الذي قد يولد في أكثر اللحظات غير المتوقعة.

وُلدت هيلين هولمستروم عام 1984 في السويد وتخرجت في كلية الحقوق وعملت محامية لبعض الوقت لكن شغفها بالكتابة دفعها لترك مهنة المحاماة والتفرغ لكتابة الروايات، حيث صدر أول أعمالها عام 2018 تحت عنوان «العمل بعد الساعات الرسمية»، كما اشتُهرت بكتابة نصوص عاطفية ذات حبكات مشوقة وشخصيات نسائية مثيرة للاهتمام.

ومن أجواء الرواية نقرأ: «وصل هنريك بالقطار في المساء نفسه، كان الثلج يتساقط وبدا المكان أشبه بعالم من الخيال، حاول الاتصال بـ(نورا) ليخبرها أنه في طريقه إليها، لكنها لم تجب بالتأكيد. توجه مباشرة من المحطة إلى شقتها، حيث كان مخبز الحلويات قد أغلق أبوابه في وقت مبكر جداً والباب المؤدي إلى شقتها مغلقاً. حاول الاتصال برقمها مرة أخرى لكنه تحول مباشرة إلى البريد الصوتي.

تنهد وقرر أن يتنزه قليلاً ثم يحاول مرة أخرى، عندما عاد رأي أن نوافذ الشقة مظلمة، نظر حوله وقرر أنه لا خيار أمامه. انحنى وجمع بعض الثلج وشكّل كرة ثلج كبيرة... تراجع بضع خطوات إلى الوراء وصوّب نحو النافذة، أصاب الهدف بلا رد فعل. رمى كرة ثلج أخرى ثم أخرى ثم اثنتين أخريين. فجأة أضيئت الأنوار اقتربت نورا من النافذة ونظرت إليه هزت رأسها واختفت. رن تليفونه برسالة نصية: أنا نائمة لا أريد التحدث الآن ربما غداً. هاتان الكلمتان الأخيرتان جعلتا قلبه ينبض بقوة (ربما غداً)، كانتا الموعد. استيقظت نورا على صوت المنبه. لم تنم نوماً هانئاً بسبب مكالمات هنريك المتكررة ثم ارتطام كرات الثلج بنافذتها، الآن باتت مدينة له بقلب مكسور وإهانة علنية وليلة نوم مضطربة، لكن هناك شيئاً ما في تلك الكرات الثلجية كما لو أنهما بطلا فيلم رومانسي والأفلام الرومانسية لها دائماً نهاية سعيدة.

فكرت أنه ما كان ينبغي أن يكون الأمر هكذا، لم يكن عليها أن تشعر بالغضب أو الألم أو الخذلان، ربما يستحق هنريك فرصة لتبرير موقفه. نهضت من سريرها، شغلت آلة القهوة. كان الأمر معقداً لكليهما والآن ها هو قد جاء إلى هنا يرمى كرات الثلج على نافذتها ومن الواضح أنه مستعد للقتال من أجلها».


احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
TT

احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)

أعلنت وزارة الثقافة أن المركز الثقافي في مدينة منبج بريف حلب سيشهد انطلاق فعاليات «مهرجان البحتري 2026» في 20 و21 مايو (أيار) الحالي، بمشاركة نخبة من الشعراء والباحثين والمثقفين السوريين.

ويتضمن المهرجان برنامجاً ثقافياً متنوعاً يضم أمسيات شعرية ومحاضرات فكرية وفقرات إنشادية، في إطار احتفاء يجمع بين الأصالة الأدبية والحضور الثقافي المعاصر، حسب ما أوردته وزارة الثقافة عبر معرفاتها.

وتسعى الفعاليات إلى إحياء الموروث الشعري وتعزيز الحراك الثقافي، عبر تقديم أعمال أدبية وفكرية تبرز مكانة الشعر العربي ودوره في بناء الوعي الثقافي والجمالي.

ويشهد المهرجان مشاركة عدد من الشعراء والباحثين الذين يقدمون قراءات نقدية وأدبية، إلى جانب فقرات إنشادية تستحضر جماليات اللغة وروح التراث العربي.

ويأتي تنظيم «مهرجان البحتري» ضمن سلسلة الفعاليات الثقافية التي تعمل وزارة الثقافة على إطلاقها؛ بهدف تنشيط المشهد الأدبي والفني في مختلف المحافظات.

وكانت الوزارة قد أطلقت أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مهرجان «أيام البُردة الدولي» في دار الأوبرا بدمشق، بمشاركة واسعة من شعراء ومثقفين عرب وسوريين.

وهدف مهرجان «أيام البُردة الدولي» إلى تعزيز التواصل الثقافي والاحتفاء بالتراث الأدبي، عبر برنامج جمع الشعر والفكر والفن في فضاء ثقافي متنوع.

وشارك في المهرجان شعراء من فلسطين، والعراق، والأردن، والبحرين، والسعودية، والكويت، وتونس، وليبيا وسلطنة عمان، إلى جانب نخبة من الشعراء السوريين.

وتوزعت فعاليات «أيام البُردة الدولي» بين دمشق، وحمص، واللاذقية وحلب، في ظاهرة ثقافية احتفت بالشعر العربي ومديح الرسول الكريم ضمن أجواء فكرية وفنية متنوعة.