خالد الفرج... هوية المثقف الخليجي ودوره

أسس المطابع وألّف الكتب وأسهم في نشر الوعي الوطني والقومي

خالد الفرج
خالد الفرج
TT

خالد الفرج... هوية المثقف الخليجي ودوره

خالد الفرج
خالد الفرج

ترافق مع التكوين السياسي لدول منطقة الخليج العربي في العقود الأولى من القرن العشرين تبلور تدريجي لدور فاعل اضطلع به أبناء المنطقة وغيرهم من أبناء الدول العربية في تحقيق ذلك التكوين ودعمه بصور مختلفة، كان منها الدور الاستشاري والمؤازرة المعنوية وشغل الوظائف المختلفة التي احتاجتها الحكومات الناشئة، وهي تكافح من أجل نهوضها ورسم معالم هويتها على الصعيد السياسي وغيره، والتخلص كذلك من الهيمنة الأجنبية بكل صورها.

أحد الذين قاموا بدور لافت، بل استثنائي، في تلك المرحلة وأثناء تلك العملية، هو خالد الفرج، الكويتي ولادةً ونشأة، والخليجي عملاً ونشاطاً وتطلعات. ومع أن الفرج لم يعِشْ أكثر من ستة وخمسين عاماً ما بين 1898 و1954، فإن منجزه الثقافي والإداري وعدد المهام التي اضطلع بها تتجاوز تلك العقود القليلة إلى أثر أعمق وأوسع. استطاع ذلك الرجل أن يؤسس المطابع ويؤلف الكتب ويتولى مهام الإدارة التنموية، ويسهم في نشر الوعي الوطني والقومي بوصفه مناضلاً ضد الهيمنة الأجنبية، البريطانية في حالة الخليج، دون هوادة وبإيمان واضح بما يتعين عليه القيام به.

«المطبعة العمومية»

كان الفرج من أوائل أبناء المنطقة الذين تعلموا تعليماً حديثاً نسبياً، حين دخل المدرسة المباركية في الكويت عند إنشائها عام 1911، وهي المدرسة الحديثة الأولى في الكويت، وربما في الجزيرة العربية والخليج، ثم جاءت رحلاته المبكرة للهند على عادة أهل الخليج آنذاك في التواصل التجاري مع الهند لتفتح له أفقاً أوسع على المستوى الثقافي؛ فتعلم الإنجليزية وقيل الأوردية أيضاً، واكتشف إلى جانب ذلك أهمية المطبعة في بعث الحياة الثقافية، فأسس هناك مطبعة سماها «المطبعة العمومية» نشر من خلالها كتباً تُنشر لأول مرة، وحين عاد أسس مطبعة بالاسم نفسه في مدينة الدمام السعودية أسهمت في نهضة الصحافة الأهلية هناك؛ وهي الصحافة التي قامت بمهمة ضخمة في التوعية والتنمية.

هذه المعلومات وغيرها متاحة لمن يريد معرفتها في بعض ما أُلّف حول الفرج، كما في مواقع كثيرة على الإنترنت، ولا أريد هنا أن أعيد نشرها. ما أود التوقف عنده هو طبيعة الدور الذي قام به، وكيف أدى ذلك الدور إلى صياغة مفهوم مبكر للمثقف في منطقة الخليج العربي، بل في الجزيرة العربية كلها، لكن قبل الدخول في صلب تلك الملاحظات، أشير إلى أن استيعاب ما قام به خالد الفرج في مناطق الخليج المختلفة التي عاش وعمل فيها (البحرين والسعودية بصفة خاصة) وقع ضمن سياق نهضوي عام، عاصر فيه الفرج رصفاء عرباً في مصر والشام والعراق وغيرها. فما كان مثقفو الخليج آنذاك يفعلونه إلى جانب الفرج (مثل إبراهيم العريض في البحرين، ومحمد حسن عواد في الحجاز، وغيرهما في الجهات المختلفة من الجزيرة العربية)، كان يفعل ما يشبهه مثقفو مصر والشام وغيرهما من أجزاء الوطن العربي؛ فسعيه لتسهيل تعلم اللغة العربية ومحو الأمية، مثلاً، يذكّر بجهود طه حسين في جعل التعليم مجانياً في مصر في الفترة نفسها تقريباً، لكن من المهم تذكر التفاوت الكبير بين مناطق عربية سبقت في التأسيس الحضاري مثل مصر والشام لقربهما من أوروبا، ومنطقة الخليج التي لم يأتها التفاعل الحضاري مع مراكز العلوم والمعارف المعاصرة إلا في مرحلة تالية نسبياً.

سياق تاريخي

البعد التاريخي مهم لمعرفة طبيعة المهام التي اضطلع بها مثقفو المنطقة، ومنهم الفرج؛ ذلك أننا إزاء كيانات سياسية واجتماعية واقتصادية كانت لا تزال في طور التشكل، وطاقات بشرية توازيها في ذلك الطور. الكيانات تتأسس، والمثقفون يتأسسون أو يتنامون في عملية متوازية إلى حد بعيد. فالمثقف في ضوء ذلك التزامن يرى نفسه مسؤولاً عن أشياء كثيرة تحتاجها عملية التأسيس والنمو تلك: إنشاء المجلات والصحف، وتأسيس المطابع، ونشر المقالات التوعوية، والمطالبة بنشر التعليم وتحديثه وتسهيل الوصول إليه، كل ذلك وغيره مما رأت النخب المثقفة آنذاك أن عليها الاضطلاع به.

إن طبيعة المهام التي كانت توكل إلى مثقفي المرحلة مؤشر بحد ذاته إلى طبيعة المرحلة نفسها؛ فالمتوقع من المتعلم أو المثقف أن يكون قادراً على إدارة ما يوكل إليه، وإن كان بعيداً عما اشتهر به من نشاط يعد تخصصاً أو قريباً من التخصص. ومما يدل على ذلك، أن الفرج الذي عُرف بالشعر والتأليف في المقام الأول كلفه الملك عبد العزيز حين جاء؛ أي الفرج، من البحرين إلى السعودية، بتأسيس وإدارة بلدية القطيف؛ فنشط في ذلك، فشق الطرق واستحدث التنظيمات، ليُكلف بعد ذلك بإدارة بلدية الدمام، ثم كلفه الملك بالإشراف على الإذاعة السعودية عند تأسيسها.

هذه المهام وغيرها لم تُعِق الفرج عن تأسيس المطبعة في الدمام، ولا عن تأليف المطولات أو الملاحم الشعرية التي كان موضوعها تاريخ الدولة السعودية ومنجزات العهد السعودي. وإذا كان العمل البلدي مما يُحمد عليه أبناء المنطقة، فإن التقرب من الملوك مما يثير عادة شبهة التملق والسعي للمصلحة الشخصية؛ لذلك حرص الفرج على الإعلان أنه لم ينظم قصائده للمديح، وإنما للتأريخ وإحقاق الحق؛ أي إنه كان قلقاً من سوء فهم الناس وتأثر سمعته بوصفه مثقفاً نزيهاً؛ لذا كتب يدافع عن نفسه:

«والذي يقرأ هذه القصيدة يضعها - دون شك - في أبواب المديح، ولا يلام على ذلك؛ لأن الناس اعتادوا أن يقرأوا آيات الثناء البراق في من يستحق ومن لا يستحق، ولا يهتمون بعد ذلك بحقيقة ما قيل إن صدقاً وإن كذباً... وليس في هذه القصيدة من المديح - المصطلح عليه - إلا مطلعها، وإلا فكل ما فيها حقائق لا غبار عليها يعرفها كل من درس تاريخ نجد وكان من المنصفين».

هذا الوعي يستدعي التساؤل عن هوية المثقف وطبيعة دوره في تلك المرحلة من تاريخ المنطقة ودولها الناشئة. نحتاج إلى التساؤل، بتعبير آخر، عن هوية المثقف: مَن هو وبأي دور اضطلع. وفي ظني أن من القراء من ستقفز إلى ذهنه أسماء مفكرين تناولوا هذه المسألة واشتهروا بتعريفاتهم أو تحديداتهم للمثقف وطبيعة دوره. ولعل أشهر تلك الأسماء المفكر الإيطالي غرامتشي الذي عرف بمفهوم المثقف العضوي، لكن ذلك المفهوم الذي تأسس على الظروف التاريخية والرؤية الماركسية وعلاقات المثقف الطبقية والحزبية، لا يعيننا كثيراً على فهم ما قام به مثقف مثل الفرج لم تحكمه علاقات طبقية ولا حزبية بالصورة التي استنبط منها غرامتشي تصوره وتحليله.

جانب نضالي

تصور آخر نجده لدى المؤرخ المغربي عبد الله العروي في تحليله لشخصية المثقف بمصر في النصف الأول من القرن العشرين، حين تحدث عن الداعية الديني ورجل السياسة وداعية التقنية، ووجد أنهم يختصرون هوية المثقف أو أنواع المثقفين في تلك المرحلة من تاريخ مصر والنهضة العربية فيها إبان تلك المرحلة. وهذا التصور وإن كان أقرب من تصور غرامتشي إلى هوية مثقف عربي خليجي، فإنه أيضاً لا ينطبق، في أي نوع من أنواعه، على الفرج ولا على كثير من مثقفي المنطقة آنذاك. لم يكن الفرج داعية دين، مثل محمد عبده، ولا رجل سياسة، مثل محمد حسين هيكل، ولا كان داعية تقنية يرى أن النهضة العربية تكون بتبني الصناعة الغربية، كما فعل سلامة موسى، حسب العروي. كان الفرج مناضلاً ضد الجهل والهيمنة الأجنبية استجابة للظروف التي عاشها وعاشتها البلاد التي عرفها وأسهم في تنميتها وتوعية أهلها. كان متديناً، لكنه لم يكن داعية، وكان قريباً من السلطة، لكنه لم يتحول إلى رجل سياسة.

الجانب النضالي التوعوي من شخصيته، وهو الجانب الواضح، يتكفل به تصور طرحه المفكر والمناضل المارتينيكي فرانتز فانون، الذي حارب مع الجزائريين ضد الاستعمار الفرنسي ووضع نظريات في المقاومة أسست لاحقاً لما يُعرف بنظرية ما بعد الاستعمار، أو ما بعد الكولونيالية. في كتابه «المعذبون في الأرض»، المنشور في ستينات القرن الماضي، يرى فانون أن من مهام المثقف توعية مجتمعه بمساوئ الاستعمار والحاجة إلى الاعتماد على الذات... يقول: «بعد أن يكون [أي المثقف] قد جرب إدماج نفسه في الشعب ومع الشعب، سيقوم على النقيض من ذلك بهز الشعب. بدلاً من أن يبدي إعجابه بحالة السبات التي يعيشها الشعب، يحول نفسه إلى موقظ للشعب... ». هذا التعريف مفيد في تحديد جانب مهم مما قام به الفرج، لكنه لا يستوعب كل المهام التي اضطلع بها.

يعني هذا كله أننا بحاجة إلى قراءة أكثر استيعاباً لهوية المثقف في منطقة الجزيرة العربية والخليج وطبيعة المهام التي تحملها، وهو ما يعني تحليلاً أكثر شمولية لأصناف المثقفين والسياقات الثقافية والسياسية والاجتماعية التي تشكلوا وعملوا ضمنها. القراءة الجاهزة ضمن المفاهيم الشائعة، على أهميتها، تظل إسقاطية، فإما أن تخطئ أو تكون فضفاضة؛ لأنها لا تلم بكثير من التفاصيل والسمات الخاصة بالبيئة الثقافية واشتباكاتها الاجتماعية والسياسية.


مقالات ذات صلة

تأكيد سعودي - جزائري على عمق العلاقات وأهمية التعاون الثقافي

الخليج الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مستقبلاً وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان في القصر الرئاسي الثلاثاء (واس)

تأكيد سعودي - جزائري على عمق العلاقات وأهمية التعاون الثقافي

أكدت السعودية والجزائر على عمق العلاقة التي تجمعهما، وأهمية التعاون الثقافي المشترك، وتوحيد مواقفهما لخدمة مصالحهما في الموضوعات الثقافية لدى المنظمات الدولية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
يوميات الشرق وجه لا يُسلّم مفاتيحه لأحد (متروبوليس)

مونيكا فيتي... الحميمية المستحيلة مع العالم

كان أنطونيوني يعرف أين يضع الكاميرا وكيف يُوزّع الأجساد والأشياء أمامها. لكنه مع فيتي كان يترك مجالاً لِما لا يمكن إخضاعه لحسابات الإخراج...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق تُخفي الموجة في زرقتها سيرةَ احتراق (الشرق الأوسط)

جان بوغوصيان يرسم بالنار ما يبقى بعد الاحتراق

الخشب الذي احتاج إلى سنوات طويلة لينمو، يستطيع الفنان تغيير مظهره خلال وقت قصير...

فاطمة عبد الله (بيروت)
ثقافة وفنون الروائي المغربي أحمد المديني يوقع روايته الأنشوطة الباريسية في موسم أصيلة (الشرق الأوسط)

«الأنشوطة الباريسية» لأحمد المديني... مراجعة أدبية لأحلام النضال والاغتراب

من أحلام التغيير إلى مرارة المنفى، ومن جاذبية باريس إلى ثقل الحنين إلى الوطن، يعود الروائي المغربي المديني في روايته «الأنشوطة الباريسية»

ميرزا الخويلدي (أصيلة - المغرب)
يوميات الشرق اعتمد التحقيق الجديد للكتاب على نسخة أحفاد ابن بشر مع مقابلة عدة نسخ أخرى (الشرق الأوسط)

معالجة علمية جديدة لأبرز مراجع التاريخ السعودي

دشنت دارة الملك عبد العزيز في الرياض نسخة محققة جديدة من كتاب «عنوان المجد في تاريخ نجد» للمؤرخ عثمان بن بشر، بعد أن حظي الكتاب بمعالجة علمية اعتمدت نسخة نادرة.

عمر البدوي (الرياض)

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.