صالحة عبيد: استقلالية المرأة جسرها نحو الإبداع وحرية التعبير

الروائية الإماراتية تقول إن الشارقة «منحتها الذاكرة»

الروائية الإماراتية صالحة عبيد
الروائية الإماراتية صالحة عبيد
TT

صالحة عبيد: استقلالية المرأة جسرها نحو الإبداع وحرية التعبير

الروائية الإماراتية صالحة عبيد
الروائية الإماراتية صالحة عبيد

نشرت الكاتبة الإماراتية صالحة عبيد (مواليد 1988) لحد الآن ثلاث مجموعات قصصية قصيرة وروايتين، أول مجموعة قصصية لها حملت عنوان: «زهايمر» (2010) وترجمت إلى الألمانية، تلتها مجموعتها القصصية: «ساعي السعادة» (2012) و«خصلة بيضاء بشكل ضمني» (2015) التي فازت بجائزة العويس للإبداع (2016) وأصدرت رواية «آيباد... الحياة على طريقة زوربا» (2014). كما فازت عن مجمل أعمالها بجائزة الإمارات للشباب في فئة الكتابة الإبداعية عام 2017، وفي عام 2018 نشرت روايتها الثانية: «لعلها مزحة».

هنا حوار معها:

* ماذا منحتكِ الشارقة؟

- بادئ ذي بدء، فإن أول ما منحته لي إمارة الشارقة هو الذاكرة، التي منها يبدأ كل شيء ويتماهى من كل تفاصيل الحياة، ورغم التطور العمراني السريع في سنوات الطفرة في الخليج عموماً والإمارات بشكل خاص، فإن هناك أجزاءً كثيرة من إمارة الشارقة التي تحركت فيها في طفولتي، ولا زلت أتحرك فيها اليوم على امتداد العمر والتجربة، متصلة بخيط واضح بذاكرة والدي وجدتي، أتذكر كيف أن والدي كان يخبرنا عن تحركاته بمحاذاة الميناء وبحر الشارقة، الذي لا زال موجوداً كما هو تقريباً، ثم وصفه للشارقة القديمة التي حافظت على أجزاء مهمة من بعدها الجغرافي والعمراني بفضل الانتباه لضرورة الترميم للهدم عبوراً إلى النهضة الحضارية، بأساس راسخ هو هوية المكان، هي مدينتي الآمنة على الذاكرة كما أحب أن أسميها في بعدها ذاك، وأتمنى أن تستمر بذلك دون أن تنساق للتمدن الفج فجأة، بل أن تحافظ على نسقها الرصين الهادئ، الذي يحيل بدوره إلى مشروع الشارقة الثقافي التراكمي والهادئ الذي بدأ منذ ثمانينيات القرن الماضي، الذي بدوره منحني وإن بشكل غير مباشر، تلك الرغبة التأملية الهادئة في الملاحظة والرصد، باعتبار أن السارد هو ملاحظ هادئ بالدرجة الأولى وخلف الكواليس للتفاصيل، يراكمها بعداً بعد آخر لكي يصنع الحكاية التي تحاول أن تشرح الواقع وتبني عليه المخيلة إلى آخر ما تقتضيه العملية الإبداعية السردية.

* كتبتِ مقالاً بعنوان: «غرفة فيرجينيا وبرقع سلمى»، تتحدثين عن إبداع المرأة في الخليج والإمارات تحديداً، كيف ترين هذا الإبداع؟

- لا أعرف إن كنتُ شخصاً مؤهلاً للتقييم في حقيقة الأمر، لكن كل ما أعبّر عنه هو مجموعة من التأملات الخاصة من قراءات وملاحظات بين المحلي القريب والآخر البعيد، وكما ذكرت في المقالة التأملية، فإنه في الوقت الذي كانت «فيرجينيا وولف» تنادي لاستقلالية المرأة بالمعنى الحرفي سكناً ومادة، الأمر الذي سيكون جسراً معنوياً لاحقاً لاستقلاليتها الإبداعية وحريتها في التعبير، فإن الأمر شكّل مفارقة مختلفة نسبياً في الخليج وفي الإمارات بشكل خاص، فمع التطور النهضوي وحضور المرأة في الفضاء العام، وجدت الكثير من الأسماء التي اتجهت للتعبير الإبداعي بأسماء مستعارة، عبرت بجرأة في بعض الجوانب عما تبتغيه المرأة كإنسانة بالدرجة الأولى في هذه المجتمعات المتسارعة في نموها في مرحلة ما بعد الطفرة، والتزمت بعض النماذج منها بشكل خلاب بين الفكرة وقوتها، وبين الالتزام بالشروط السردية للنص الحديث، واللغة الجديدة.

* هل كان التواري خلف أسماء مستعارة سببه مطالبات معينة، أو الهروب من الرقابة مثلاً؟

- لم تكن الحكاية هي مجرد حكاية موجهة للمناداة بحق ما... لاحقاً، زاد عدد السيدات الكاتبات، وهناك أصوات جميلة اليوم وفارقة يكتبن بأسمائهن الصريحة وأنجزن إبداعياً على مستوى الشعر والسرد والتشكيل، لكن هذا التزايد العددي مقابل الندرة والتواري خلف الأسماء المستعارة سابقاً، رافقه شيءٌ من المهادنة في الطرح والتعبير، وهو أمر لا أستطيع أن أستثني نفسي منه في بعض الجوانب، لعلها التركيبة الاجتماعية والرقابة الاجتماعية فيها، التي تمارس رغم الاستقلالية والحضور في الفضاء العام شكلاً من أشكال الرقابة المستمرة والمضمنة في اللاوعي الأنثوي للمرأة الخليجية والإماراتية.

* روايتك «لعلها مزحة» بدت وكأنه نسج حوار بين جيلين في الإمارات... رغم حداثة التجربة في الدولة فإنها تمرُّ بسرعة مما يضاعف المسافة بين الأجيال... كيف تعمل الرواية على تجسير هذه المسافة؟

- أظنها ستبقى موجودة دائماً بسبب الوضع الخاص الذي مرَّ به الخليج وشبه الجزيرة العربية عموماً، قفزات سريعة بعد الطفرة، هذه القفزات خلقت فجوات كبيرة على المستوى الاجتماعي بين الأجيال، أسئلة كثيرة ومتشعبّة بلا إجابات ولعل الإجابات لم تكن لتوجد يوماً، ومن هنا لعلها خصوصية هذا المجتمع اليوم ولربما يبقى الأدب كغيره من الفنون مجرد محاولات لتجسير تلك الفجوة ما أمكن، من خلال ما تعرضه من أنسنّة لتلك الأسئلة وتبعاتها وتلك المراحل بين الأجيال من خلال أسماء شخوص وحكايات تحاكي المراحل وتبتكر إجابات محتملة، وحواراً من الممكن أن ينتقل من عالم المخيلة إلى أرض الواقع.

* في مقال لك بعنوان «ينتابنا هلع جلجامش»، تقولين إن «جلجامش في هلعه القديم كان خائفاً من عدم قدرته على السيطرة على مصيره»، و«نحن نرفض نهاية جلجامش (...) فالخوف هو الدافع الأكبر لكل ما نفعل»... أليس الخوف هو قيد المبدع وسجن الإبداع؟

- الخوف هو شعور، والمشاعر الإنسانية هي أكثر الأشياء هشاشة، ما يأتي بعد هذا الشعور هو الفارق وهو رد الفعل، الإنسان كائن عاقل يتميز بقدرة الوعي والتفكير والتحليل، ومن هنا أظن أن الشعور بالخوف في المكون الإنساني، هو الذي أتى بردة الفعل الأولى لصنع الحضارة، الحضارة الحديثة اليوم، التي هي محاولتنا للوصول للخلود في رحلة جلجامش التي لم نقتنع بأنها انتهت، وكيف كان الأمر ليكون لو أن جلجامش قد شعر بالخوف من موت إنكيدوا ومن مصير يشبهه فذهب في تلك الرحلة العظيمة، التي نحن بشكلٍ أو بآخر نتاجها اليوم، الخوف هو محفز، ما يأتي بعده هو نتاج الوعي الخاص إما أن يكون خوفك سجنك أو أن يكون جسرك نحو محاولات النجاة، المحاولات التي يأتي الإبداع ليشكل طريقها الإنساني الخاص والأكثر جسارة منذ أن أدرك الإنسان قدرته الخاصة على الخلق بدوره.

* مجموعتك القصصية «زهايمر» التي صدرت عام 2010 وترجمت للألمانية، كثيرون وجدوها تجربة مختلفة لأنها تحكي صعوبة موت الذاكرة وضياعها... ما الرسالة التي تضمنتها هذه المجموعة؟

- لا أؤمن بفكرة أن تكون لكل عمل ما رسالة واضحة وظاهرة، وإلا فما قيمة الشراكة الإبداعية بين السارد والمتلقي التي يكون أحد أهم شروطها ترك بوابات التأويل مشرعة، وبالعودة لـ«زهايمر»، فإنها تقنياً كانت المحاولات الأولى لفتاة العشرينات لمحاولة بناء عالم قصصي وشخوص يحاكي ما قرأته في عالم السرد الذي تحبه، من الذاكرة وعنها، ولعله الأمر الذي جعل كثيراً من القصص تشترك بشكل ضمني في ثيمة الذاكرة، وفاءً للذاكرة الإنسانية.

* روايتك «دائرة التوابل» ثمة ارتباط بين بطلة الرواية (شيريهان)، المهمومة بالروائح البشرية وبطل رواية (العطر) جان باتيست غرونوي، الذي يقوده نفوره من الروائح البشرية لتصنيع عطر للسيطرة على البشر، لأن «من يسيطر على الروائح يسيطر على قلوب الناس» هل ترين ترابطاً بين الروايتين؟

- عدا الرائحة، لا يوجد هناك تقاطع، وإلا لاكتفينا برواية واحدة فقط عن الكراهية ورواية واحدة عن الحب وقصة منفردة عن البحر وغيرها، ولعل زوسيكد في العطر، جعل الرائحة أقوى حضوراً وأبرز ثيمتها بشكل أكبر، في حين أن الرائحة في عوالم «شما» و«شيريهان» كانت أكثر مواربة، في عالم كان الوقع الأكبر فيه حاضراً وموجهاً نحو ثيمتي الغضب والموت والدائرة التي لا تكسر بينهما... وهو مجرد تأويل واحد من مجموعة مخرجات قد يجدها المتلقي بعد أن يقرأ العمل.

* ما رمزية حضور الخليفة العباسي عبد الله بن المعتز في هذه الرواية، وهو شاعر تسلم السلطة ليوم وليلة فقط؟

- كنتُ مأخوذة لفترة بحكاية ابن المعتز على المستوى الشخصي، فتنتني المفارقة الكامنة في أنه في اللحظة التي تخلى فيها عن الشعر واختار السلطة، فإنه كان يختار موته، وأنه رغم كل الدم الذي أحيط به ورغم كل محاولات التخلص منه بقي ناجياً في حضرة الشعر والفتنة وعوالم الغواية، حتى أتت السلطة فقتلته، وعلى المستوى الروائي، حضوره كان مهماً لتأصيل فكرة الغضب التاريخي المستعر والمقيم في تراثنا العربي، الذي لم يبتر، حتى في أزمنة اليوم الحديثة، لعله سر غضبنا المتواري، الذي لا نجد له تفسيراً في مجتمعاتنا اليوم، المتصارعة والمشتعلة والمقتتلة، والصارخة على الدوام.



3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».