أدب الجريمة يهيمن على عالم الرواية كماً ومبيعاً

كُتابه يرون أن هدفهم توسيع مساحة الوعي بالعدالة

نهى داود
نهى داود
TT

أدب الجريمة يهيمن على عالم الرواية كماً ومبيعاً

نهى داود
نهى داود

إذا كانت الرواية تلقى حالة من الرواج في الثقافة العربية منذ سنوات، حتى أن الناقد الراحل الدكتور جابر عصفور سمَّاها، كما هو معروف: «ديوان العرب»، فإنه يبدو أن «أدب الجريمة» تحديداً تظل له الهيمنة داخل عالم الرواية من ناحية الكم والمبيعات.

تُقبل الأجيال الجديدة على تلك النوعية من الإبداع بحثاً عن أجواء التشويق والإثارة النفسية المعتمدة على جريمة قتل غامضة، ثم عمليات البحث عن القاتل؛ لكن السؤال الذي يفرض نفسه، خصوصاً في ظل «إدمان» بعض المراهقين هذا النوع من الكتابة: هل يمكن أن يتحول القارئ إلى مجرم تأثراً بأجوائها؟ وما سر اكتساح هذا اللون من الإبداع مبيعات الأدب حول العالم، وليس عربياً فقط؟

في هذا التحقيق، استطلعت «الشرق الأوسط» آراء كتاب ونقاد وناشرين حول «أدب الجريمة» وما قد ينطوي عليه من مخاطر تؤثر نفسياً في قارئه.

ميرنا المهدي (كاتبة شابة، ومن مؤلفاتها سلسلة أعمال «تحقيقات نوح الألفي»، و«صديقي السيكوباتي»، و«دليل جدتي لقتل الأوغاد») تقول: «لطالما راودتني قصة أن الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان تعرض لمحاولة اغتيال بسبب تأثر أحد مشاهدي فيلم Taxi Driver (سائق التاكسي) بمعاناة البطل، وقرر أن ينفِّذ محاولة اغتيال كبيرة مثله، حتى يصير بطلاً في عين المجتمع، وعين الفتاة المعجب بها. أيعني هذا أن أعمال الجريمة هي سبب رئيس في إلهام القارئ المختل بتنفيذها؟ لا أعتقد؛ فارتكاب جريمة يتطلب كثيراً من العوامل النفسية والاجتماعية حتى يُقبل عليها أي شخص مختل. ما من شخص سوي سيقرأ رواية أو يشاهد فيلماً ويقرر فجأة أن ينفذ الجريمة نفسها. قد يصير هذا العمل هو القشة التي قصمت ظهر البعير لا أكثر. إلا أن العكس صحيح، فقد تعرض رواية جريمة أو قضية تؤثر على عقلية القارئ بالإيجاب، أو يرى فيها موعظة ما تجعله يعيد التفكير قبل إيذاء أحد. هناك كثير من المسلسلات البوليسية والوثائقية ساهمت في فضح مخططات المجرمين والقتلة المتسلسلين، مما جعل المشاهدين أكثر تيقظاً وحذراً، وعليه تمكنوا من تجنب الوقوع في فخاخ المحتالين والسفاحين بفضل تلك الأعمال المفصلة، هذا إلى جانب فضل كثير من الأعمال التي ساهمت في رفع وعي المجتمع بالعوامل القادرة على خلق مجرم، مثال ذلك أعمال مثل (سايكو) و(صمت الحملان) التي حمَّست علماء النفس والجريمة لتوسيع أفق البحث وعرضها على المجتمع ليحمي أفراده».

نهى داود (متخصصة في أدب الجريمة)، تقول: «إن تأثير النص الروائي يتسع ويتمدد بمرونة كأي عملية إبداعية يشترك فيها الطرفان، الكاتب والقارئ، ليحققا أكبر قدر من التماهي، فليس كافياً أن يكون النص مكتوباً بشكل إبداعي ويحتوي على أفكار ورؤى قيِّمة وذات تأثير ممتد، إن لم يكن القارئ على قدر الإبداع الفكري والمرونة والانفتاح لتقبل النص والتفاعل معه والتماهي فيه. وفي رأيي: تأثير النص يتحقق من خلال طيف واسع يبدأ بتحقيق المتعة دون تقديم أية رسالة. فالمتعة في حد ذاتها رسالة كافية في كثير من الأحيان، والرواية هي فن ترفيهي في المقام الأول، إن انتفى عنه ركن المتعة تهاوى مهما كان علوه. ثم ترتقي مستويات التأثير لتتخطى المتعة، وتمتد إلى الفكرة والرسالة، وقد تصل إلى التحدي وقلب الموازين وبلبلة الأفكار، وهي تمارين عقلية فيها من المتعة والثقافة والتغيير ما يتوق له القراء ويبحثون عنه في طيات الروايات وشخوصها، من خلال التفاعل معهم والتماهي مع تحدياتهم وصراعاتهم مع أنفسهم ومع الآخر ومع المجتمع، فيجد القارئ مرآته، ويرى نقاط ضعفه وقوته، فيحاسب نفسه ويضع لها المحددات من أجل تجربة ثرية وغد أفضل».

وتضيف: «لا أعتقد أن أدب الجريمة يمكن أن يدفع القارئ لارتكابها. الأمر عكس ذلك تماماً. أدب الجريمة دوره هو نصرة العدالة وتعظيم الضحية والقصاص من المجرم مهما كانت دوافعه تبدو مقنعة أو مستحقة للتعاطف. هذا هو دورنا بوصفنا كتاب أدب جريمة، أن نقدمها في ثوب واقعي يدرأ عن المجتمع وقوعها من خلال تقديم المجرم للعدالة ومحاسبته. وإلا فكان أولى بصفحات الحوادث أن تكون هي الدافع للقراء لارتكاب الجرائم على اختلاف صنوفها ودوافعها وأدوات ارتكابها. ولكن الهدف من إيرادها يكون العظة والحكمة، وتعلُّم إدارة الغضب والتحكم فيه، لمنع النفس عن الوقوع في براثن الجريمة».

أدب الجريمة قد يؤثر إيجابياً

ميسرة الدندراوي (كاتب ومترجم) يقول: «للنص الروائي تأثير كبير على القارئ؛ حيث يمكن أن يؤثر في مختلف جوانب حياته وتفكيره عاطفياً، مما قد يولد لديه أحياناً ردود فعل غير محسوبة، أو أن يمنحه أفكاراً أكثر جموحاً وخيالاً مما قد يصل إليه عقله، لكنه نادراً ما تكون نتيجته أن يرتكب القارئ جريمته متأثراً بالنص الروائي. ولا أعتقد أن أدب الجريمة يمكن أن يؤثر بصورة سلبية على قارئ هذا النوع من الأدب، إلا إذا تهيأت له الظروف الشخصية والنفسية والاجتماعية التي قد تدفعه لارتكاب جريمة. على الجانب الآخر، أعتقد أن أدب الجريمة قد يؤثر إيجابياً على متلقيه، مثل زيادة الوعي المجتمعي بخطورة الجرائم، وتوسيع ثقافة القراء بالتحقيقات الجنائية، واستفزاز عقولهم في أغلب الأحيان للتفكير الخلاق؛ خصوصاً لو كان النص الروائي يحترم عقلية القارئ، ويراعي دائماً إنشاء حبكة متقنة ومشوقة بلغة سلسة، ويعطي كل تفصيل أهميته الشديدة، وأن تكون الشخصيات واقعية ومتعددة الأبعاد».

علاج نفسي

الدكتورة أسماء علاء الدين (استشارية العلاج النفسي، وكاتبة)، تقول: «إن سر الجاذبية الشديدة التي ينطوي عليها أدب الجريمة وتأثيره نفسياً على القراء، يعود إلى أنه يغوص في المناطق الداكنة من النفس البشرية في إطار أحداث ممكنة الحدوث وأقرب لواقعنا، فنفكر ونستنتج ونشك في شخصية المجرم، ونضع أكثر السيناريوهات درامية بأنفسنا، كل ذلك في إطار من التشويق و(كوكتيل) من المشاعر الصارخة، من المفاجأة والتوتر والرعب والفضول والتناقض والخوف والنشوة حين نصل للحل الصحيح، فنضمن بذلك إفراز المخ للدوبامين والسيروتونين والإندورفين، وبالتالي ننال الشعور بالسعادة دون إدمان ودون مخالفة لضمائرنا».

وتضيف: «من المشاعر التي نختبرها في أدب الجريمة أيضاً: تحقق الانتقام، وهو ما يرضي تلك الغريزة لدينا أحياناً، حينما نملك أعداء حقيقيين أو أشباحاً من الماضي نتمثلها في تلك الحالة، فيمن عانوا مرارة الانتقام! ويبقى استكشاف ومشاهدة أسوأ ما في النفس البشرية في قصص الجريمة دون أن نضطر لمواجهته على أرض الواقع، الدافع الأهم والأكثر تأثيراً في تفضيل القراء عبر العصور، وفي كافة أنحاء العالم لأدب الجريمة».

وعلى عكس الشائع من تأثر القارئ بالجريمة وتقليدها، تكشف عن مفاجأة تتمثل في استخدام هذا اللون من الأدب في علاج المرضى النفسيين. وتشير إلى بعض الأبحاث التي أجريت في جامعتي تورينو الإيطالية وجرونيجن الهولندية، بين عامي 2013 و2017، في إطار ما يسمى العلاج بالقراءة، أو «Bibliotherapy»؛ إذ أظهر المشاركون في 6 دراسات تحسناً كبيراً في درجات الاكتئاب، بعد خضوعهم على مدار 3 سنوات لدورات العلاج بالكتابة. ولعبت دراما الجريمة هنا دوراً لافتاً في تحسن حالة المرضى.

مسابقات لكُتاب الجريمة الشباب

محمود عبد النبي (مدير النشر بدار «إبييدي»)، يقول: «ربما لا يعلم كثيرون أن عالمنا العربي عرف رواية أدب الجريمة منذ حكايات (ألف ليلة وليلة)؛ حيث كانت حكاية (التفاحات الثلاث) من أوائل القصص في هذا السياق، عندما حكت شهرزاد أن هناك صندوقاً وجده صياد في نهر دجلة وبه فتاة مقتولة بداخله. وعندما علم هارون الرشيد بالأمر أمر وزيره أن يكشف ملابسات الحادث ويفض غموضه في غضون 3 أيام أو يُقطع رأسه. وكان يهدف بذلك إلى ممارسة أكبر قدر من الضغط عليه حتى لا يخفق في تنفيذ المهمة».

ويضيف: «رغم الانتقادات التي يتعرض لها أدب الجريمة عربياً، مثل التأثر بالنماذج الغربية، ونقل حبكات من أفلام عالمية، فإنه يظل في صدارة المبيعات، وهذا ما دعا دار (إبييدي) إلى تنظيم مسابقة بين الأدباء الشبان في هذا السياق، لاكتشاف المواهب وإتاحة الفرص للنشر. وهناك عدة معايير تضمن نجاح رواية الجريمة، ففضلاً عن الحبكة المشوقة والأسلوب المتماسك لا بد من أن تكون القصة بأكملها تتوافق والتقاليد العربية، وأن تكون أحداثها واقعية نابعة من البيئة العربية حتى تكتسب مصداقيتها».

قراؤه ليسوا شباباً ومراهقين فقط

شريف بكر (مدير عام النشر بدار «العربي»)، يقول: «لي تجربة خاصة مع أدب الجريمة، فقد شاركت في ورشة تدريب بالتعاون مع معهد (جوته) الألماني بالقاهرة عام 2009، ولاحظت ضعف تيار أدب الجريمة عربياً في ذلك التوقيت. ومن هنا جاءت فكرة إطلاق سلسلة لرواية الجريمة المترجمة عالمياً، تطرح لقارئ العربية أهم إصدارات هذا اللون في كل بلد على حدة؛ لا سيما في أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية. نجحت السلسلة وتنوعت كماً وكيفاً حتى أصبح في جعبة دار (العربي) منذ ذلك الحين عشرات الأعمال المتخصصة في هذا الأدب».

ويضيف: «من المفاهيم الخاطئة حول أدب الجريمة أن قراءه يقتصرون على الشباب والمراهقين، والحق أن فئات ونماذج عمرية أخرى تُقبل على هذا اللون بكثافة؛ لكنها لا تفصح عن ذلك خوفاً من الانطباع السائد المتعلق بأن هذا الأدب يفتقر للعمق ويتسم بالسذاجة ولا يناسب المثقفين، وهو بالطبع انطباع خاطئ، ولو صدق في بعض الأعمال لا يصدق في البعض الآخر بالضرورة».



الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري
TT

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م) بناء النص، ويؤدّي الحارث بن همّام وظيفة الراوي الشاهد، في حين يشغل أبو زيد السروجي موقع الشخصية المحورية التي تنتظم حولها المقامات.

صاغ الحريري 50 مقامة، أي 50 حكاية عن أبي زيد السروجي، ورسم لنا شخصية ساحرة ببلاغتها وتصرّفها في فنون الكلام، وساخرة من النخب والعوام، ومتهكّمة على المهن والمؤسسات، وهامزة هازئة بالتسلسل الهرمي الاجتماعي من مختلف الفئات.

شخصية متعدِّدة الأدوار والأطوار؛ متسلّقة اجتماعياً، ومخادعة مراوغة دهيّة ظريفة. تتفوّق على القاضي، وتقلّد الواعظ، وتتوسل المرأة العجوز لاستدرار شفقة الناس وعطفهم ورِفْدِهم.

لقد ركّزت الدراسات النقدية التي تناولت مقامات الحريري على المؤلف، بل ورأى بعض الدارسين أن شخصية المقامة هي شخصية المؤلف لا شخصية بطلها، في حين ركّزت دراسات أخرى على أبي زيد، فألّفت حوله الكتب والمقالات، بينما لم تحظ شخصية الحارث بن همام بعناية مماثلة، ولم يُلتفت إليها بدراسة مستقلة على الرغم من كونها تدخل في صلب الوقائع الحكائية المبثوثة في المقامات بحيث تمثّل نقطة التوازن بين السرد والتأمل، وبين الإعجاب والنقد، وبين الأخلاق والجمال.

وأول مظاهر الفروق في الاهتمام المنصبّ على أبي زيد دون الحارث بن همام، البحث في حقيقة أبي زيد هل هو شخصية حقيقية أم شخصية خيالية، حيث مالت نصوص النقد الأدبي القديم إلى الحديث عن الأصل الحقيقي لهذه الشخصية في حين أن النقد الأدبي المعاصر أنكر ذلك. أما الحارث بن همام فلم يبحث أحد عن حقيقته، بل تسالم الجميع على كونه ناطقاً باسم الحريري، مع العلم أنّ أبا زيد لا يعدو هذه المرتبة أيضاً.

لقد انصبّ الاهتمام فقط على سبب اختيار اسم الحارث، وفسّره ياقوت الحموي بأنّ الحريري عنى نفسه بهذا الاسم أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم حارث وكلكم همّام»، فالحارث الكاسب، والهمّام كثير الاهتمام بأموره، وكان بإمكان النقد الأدبي أن يستغل هذه الإشارة ليوضّح لنا كيف غدا الراوي حارثاً وهمّاماً في هذه المقامات؟ غير أنّه غفل عن طبيعة تكوين الحارث الذي لا يقلّ ثراءً وتعقيداً وبلاغةً عن أبي زيد، إذ لم يلحظ النّقاد أنّه ليس مجرد ناقل للأحداث، بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي والأخلاقي في آن واحد.

إنّه جوّاب آفاق، وهي صفة يشترك فيها مع أبي زيد، غير أنه يختلف معه في أسبابها، فأبو زيد له سبب واحد هو الكدية والحصول على المال، أما الحارث فهو يرحل سعياً للرزق مرة، وابتغاءً للمتعة واللهو مرة أخرى، وطلباً للعلم والمعرفة مرة ثالثة، وهو في كلّ رحلة من هذه الرحلات التي يطوّف فيها من بلد لآخر يلتقي بأبي زيد في مظهر مختلف، ويكتشف حيلة جديدة، فيسردها علينا ويقدمها لنا، وتتجاوز مهمته مجرد السرد، فيمهّد للمشهد، ويخلق الإطار الحكائي، لبطل يبدّل صوره وشخصياته، كما يبدّل المحموم وسائده.

تبدأ علاقة الحارث بأبي زيد في أول مقامة من لقاءٍ عابرٍ في صنعاء حين يرى واعظاً «يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه»، فيتتبّعه بعد انفضاض المجلس، ويراه يأوي إلى مغارة يأكل مع تلميذٍ فيها الحنيذ، ويشرب النبيذ، فيكتشف زيف هذا الواعظ، ويسأل التلميذ عن اسم شيخه فيجيبه: «هذا أبو زيد السروجي: سراج الغرباء وتاج الأدباء». من هنا تبدأ هذه العلاقة، ثم تتطور وتمرّ في عدة مراحل متداخلة: مرحلة الدهشة والانخداع في البدايات، إذ ينجذب الحارث إلى بلاغة أبي زيد بسهولة، ويقع في خداعه دون مقاومة، وتبدأ مرحلة الاكتشاف عندما يدرك نمط أبي زيد المتكرّر، ومرحلة التواطؤ، فقد بات يعرف حقيقته، لكنّه يستمر في المتابعة بدافع الإعجاب بل الافتتان، ومرحلة التوتّر الأخلاقي عندما يحاول التوفيق بين رفضه الأخلاقي ومتعة السرد، وأخيراً مرحلة النضج، إذ يصبح واعياً ببنية المقامة نفسها، ويدرك أنّه داخل لعبة أدبية، غير أنّ هذه المراحل لا تسير في خطٍّ تصاعدي واضح، فالمقامات في بنيتها تقوم على إعادة إنتاج موقف الخداع البلاغي في صور متعدِّدة، فتتكرّر الحيلة وتتنوّع الصيغ، دون أن يُبنى ذلك وفق نموٍّ تدريجيٍّ ثابت، فأبو زيد لا يظهر إلا في صورة جديدة، ولا يتكلم إلا بلسان مختلف، ولا يتحرك إلا داخل لعبة تمويهٍ واسعة. هنا يتحول الحارث من ضحيةٍ إلى شاهدٍ واعٍ، وإن ظلّ متورطاً عاطفياً وجمالياً، وبذلك يتّضح أنَّ وظيفة الحارث ليست محايدة. فهو يشارك في تشكيل المعنى ويعيش حالةً دائمةً من التذبذب بين الإعجاب والرفض. حين يسمع خطب أبي زيد المؤثرة، ينجذب إليه جماليّاً، لكنّه حين يكتشف الخديعة ينفر منه أخلاقيّاً. هذا التناقض هو جوهر شخصيته: مبدأ يرفض الكذب، وذائقة جمالية تنجذب إلى براعة الكذب، لذلك نراه أحياناً يوبّخ ضمنياً، وأحياناً يسوّغ، وأحياناً يكتفي بالمشاهدة. وإذا كان أبو زيد متلوّناً، متحوّلاً، مراوغاً، فإن الحارث ثابت نسبياً، ويمثّل نوعاً من «المرجع الأخلاقي»، وهذا التضاد مقصود فنياً: فأبو زيد يعبّر عن الحركة والخداع والتحوّل، والحارث يرمز إلى الثبات والملاحظة والتأمّل.

تتعمّق هذه العلاقة فتغدو نوعاً من الصحبة الفكرية. ينتقل الحارث من موقع المشاهدة إلى تتبّع أبي زيد عبر المدن، ويتحوّل هذا الترحال تدريجياً إلى مدخل لفهم الخداع نفسه: كيف يُبنى؟ كيف يُصدَّق؟ ولماذا ينجذب الناس إليه رغم إدراكهم أنه زيف؟

في بعض المقامات، يتحوّل الحارث من مجرد شاهد على ما يجري إلى دائرة الفعل، فيطلب أحياناً من أبي زيد أداءً بلاغيّاً معيّناً، أو يختبر قدرته على الإقناع، أو يغضّ الطرف عن بعض خداعه. ومع ذلك، لا يمكن وصفه بالمشارك الكامل، إذ يبدو كأنّه يقف في منطقة رمادية بين الحياد والتورّط، يستمتع بالمشهد على الرغم من إدراكه أنّه قائم على الخداع.

ومع تتابع التجربة، يبدأ الحارث في اكتساب وعي أعمق بطبيعة ما يراه؛ ويتحول من ضحيَّةٍ إلى مشارك ضمنيٍّ في إنتاج المتعة السردية. يتعلم كيف يتأرجح بين التصديق والتأويل، وبين الانخداع باللغة والوعي بآلياتها. وهكذا لا يصل إلى يقين نهائيّ، بل إلى وعيٍّ متوتّر يزداد تعقيداً مع كل مقامة، حتى يصبح جزءاً من إنتاج المتعة السردية نفسها، لا مجرد شاهد عليها.

في المقامة الأخيرة، يحدث التحول الأهم: يقرّر أبو زيد التوبة وترك الحيل، ويتجه إلى العبادة والوعظ. هنا ينقلب موقف الحارث بشكل مفاجئ. بدلاً من الفرح، يشعر بخيبة أمل. فالتوبة، رغم قيمتها الأخلاقية، تعني نهاية اللعبة التي كانت تغذي فضوله ومتعة المراقبة لديه، ويبدو أنّ الحارث كان يظن أنه يبحث عن الحقيقة الأخلاقية، لكنّه يكتشف أنّه كان يستمتع بالبنية الجمالية للخداع أكثر من اهتمامه بالحقيقة نفسها.

في المشهد الأخير يحدثنا الحارث عن آخر ما دار بينهما من حوار، إذ يدنو منه «كما يدنو المصافح، وقلت: أوصني أيها الناصح. فقال: اجعل الموت نصب عينك، وهذا فراق بيني وبينك، فودّعته وعبراتي يتحدّرن من المآقي، وزفراتي يتصعّدن من التراقي، وكانت هذه خاتمة التلاقي». 

 

 


«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية
TT

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة بين طرفين، بدأ كل شيء بينهما بالنفور قبل أن يتحول إلى مشاعر مشتعلة في سردية تميزت باستبطان الانفعالات الداخلية للمرأة على نحو لافت.

صدرت الرواية أخيراً عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة نهى مصطفى، وفيها تجد الشخصية الرئيسية «نورا يانسون» نفسها مضطرة لاتخاذ خطوة يائسة لإنقاذ مخبز والديها من الإفلاس فتضطر لقبول المشاركة في برنامج تلفزيوني واقعي، الذي من خلاله يدخل إلى حياتها الشيف الشهير «هنريك إكلوند» ببروده المهني وانتقاداته القاسية.

وبين رائحة الخبز الدافئ وأمسيات الشتاء الطويلة تبدأ المسافة بينهما في التلاشي ويتحول الصدام إلى انجذاب غير متوقع، لكن مع تزايد الضغوط بين ما تفرضه الكاميرا وما يمليه القلب تدرك «نورا» أن المعركة الحقيقية ليست من أجل إنقاذ المخبز فقط، بل من أجل استعادة ثقتها بنفسها وفتح قلبها من جديد، عبر نص ينبض بالدفء، ويحتفي بحرارة البدايات ويبرز قوة الشغف الذي قد يولد في أكثر اللحظات غير المتوقعة.

وُلدت هيلين هولمستروم عام 1984 في السويد وتخرجت في كلية الحقوق وعملت محامية لبعض الوقت لكن شغفها بالكتابة دفعها لترك مهنة المحاماة والتفرغ لكتابة الروايات، حيث صدر أول أعمالها عام 2018 تحت عنوان «العمل بعد الساعات الرسمية»، كما اشتُهرت بكتابة نصوص عاطفية ذات حبكات مشوقة وشخصيات نسائية مثيرة للاهتمام.

ومن أجواء الرواية نقرأ: «وصل هنريك بالقطار في المساء نفسه، كان الثلج يتساقط وبدا المكان أشبه بعالم من الخيال، حاول الاتصال بـ(نورا) ليخبرها أنه في طريقه إليها، لكنها لم تجب بالتأكيد. توجه مباشرة من المحطة إلى شقتها، حيث كان مخبز الحلويات قد أغلق أبوابه في وقت مبكر جداً والباب المؤدي إلى شقتها مغلقاً. حاول الاتصال برقمها مرة أخرى لكنه تحول مباشرة إلى البريد الصوتي.

تنهد وقرر أن يتنزه قليلاً ثم يحاول مرة أخرى، عندما عاد رأي أن نوافذ الشقة مظلمة، نظر حوله وقرر أنه لا خيار أمامه. انحنى وجمع بعض الثلج وشكّل كرة ثلج كبيرة... تراجع بضع خطوات إلى الوراء وصوّب نحو النافذة، أصاب الهدف بلا رد فعل. رمى كرة ثلج أخرى ثم أخرى ثم اثنتين أخريين. فجأة أضيئت الأنوار اقتربت نورا من النافذة ونظرت إليه هزت رأسها واختفت. رن تليفونه برسالة نصية: أنا نائمة لا أريد التحدث الآن ربما غداً. هاتان الكلمتان الأخيرتان جعلتا قلبه ينبض بقوة (ربما غداً)، كانتا الموعد. استيقظت نورا على صوت المنبه. لم تنم نوماً هانئاً بسبب مكالمات هنريك المتكررة ثم ارتطام كرات الثلج بنافذتها، الآن باتت مدينة له بقلب مكسور وإهانة علنية وليلة نوم مضطربة، لكن هناك شيئاً ما في تلك الكرات الثلجية كما لو أنهما بطلا فيلم رومانسي والأفلام الرومانسية لها دائماً نهاية سعيدة.

فكرت أنه ما كان ينبغي أن يكون الأمر هكذا، لم يكن عليها أن تشعر بالغضب أو الألم أو الخذلان، ربما يستحق هنريك فرصة لتبرير موقفه. نهضت من سريرها، شغلت آلة القهوة. كان الأمر معقداً لكليهما والآن ها هو قد جاء إلى هنا يرمى كرات الثلج على نافذتها ومن الواضح أنه مستعد للقتال من أجلها».


احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
TT

احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)

أعلنت وزارة الثقافة أن المركز الثقافي في مدينة منبج بريف حلب سيشهد انطلاق فعاليات «مهرجان البحتري 2026» في 20 و21 مايو (أيار) الحالي، بمشاركة نخبة من الشعراء والباحثين والمثقفين السوريين.

ويتضمن المهرجان برنامجاً ثقافياً متنوعاً يضم أمسيات شعرية ومحاضرات فكرية وفقرات إنشادية، في إطار احتفاء يجمع بين الأصالة الأدبية والحضور الثقافي المعاصر، حسب ما أوردته وزارة الثقافة عبر معرفاتها.

وتسعى الفعاليات إلى إحياء الموروث الشعري وتعزيز الحراك الثقافي، عبر تقديم أعمال أدبية وفكرية تبرز مكانة الشعر العربي ودوره في بناء الوعي الثقافي والجمالي.

ويشهد المهرجان مشاركة عدد من الشعراء والباحثين الذين يقدمون قراءات نقدية وأدبية، إلى جانب فقرات إنشادية تستحضر جماليات اللغة وروح التراث العربي.

ويأتي تنظيم «مهرجان البحتري» ضمن سلسلة الفعاليات الثقافية التي تعمل وزارة الثقافة على إطلاقها؛ بهدف تنشيط المشهد الأدبي والفني في مختلف المحافظات.

وكانت الوزارة قد أطلقت أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مهرجان «أيام البُردة الدولي» في دار الأوبرا بدمشق، بمشاركة واسعة من شعراء ومثقفين عرب وسوريين.

وهدف مهرجان «أيام البُردة الدولي» إلى تعزيز التواصل الثقافي والاحتفاء بالتراث الأدبي، عبر برنامج جمع الشعر والفكر والفن في فضاء ثقافي متنوع.

وشارك في المهرجان شعراء من فلسطين، والعراق، والأردن، والبحرين، والسعودية، والكويت، وتونس، وليبيا وسلطنة عمان، إلى جانب نخبة من الشعراء السوريين.

وتوزعت فعاليات «أيام البُردة الدولي» بين دمشق، وحمص، واللاذقية وحلب، في ظاهرة ثقافية احتفت بالشعر العربي ومديح الرسول الكريم ضمن أجواء فكرية وفنية متنوعة.