هل ينتقد الناس ذواتهم حقّاً أم يتظاهرون بذلك؟

لا يُعقل أن تكون أحوالُ الناس كلُّها على ما يُرام

سقراط
سقراط
TT

هل ينتقد الناس ذواتهم حقّاً أم يتظاهرون بذلك؟

سقراط
سقراط

على قدر ما يَسهل على الإنسان أن ينتقد الآخرين، يَصعب عليه أن ينتقد ذاتَه. انتقادُ الآخرين بضاعةٌ شائعةٌ في جميع البيئات والأوساط. ذلك بأنّ مثل هذا الانتقاد يمنحنا بعض التعزيات الوهميّة، فيجعلنا نشعر ببعضٍ من التفوّق على الناس الذين نخالطهم، ويضعنا في مأمنٍ من التعرّض والانكشاف، ويُنسينا مطالبَ الارتداد النفسيّ والتوبة الجوّانيّة والإصلاح الذاتيّ. لذلك؛ يجب علينا أن نفكّر في مسألة النقد الذاتيّ، فنسأل أنفسَنا عن حقيقة المسعى الذي ندّعي إنجازَه حين نُوهم أنفسَنا والآخرين بأنّنا نُعيد النظر في بنيتنا الذهنيّة، ومسلّماتنا الفكريّة، وتصوّراتنا الاعتناقيّة، وثوابتنا العقائديّة، ومُثلنا ومبادئنا وقيَمنا وأحكامنا.

لا بدّ في البداية من التذكير بأبرز أنواع النقد الذي يمارسه الفكرُ الفلسفيُّ على وجه العموم. أقدمُ أصناف النقد المراجعةُ الاستفساريّةُ التي مارسها الفيلسوف الإغريقيّ سقراط (تُوفّي العامَ 399 ق.م.) حين حرّض الناسَ على انتقاد مدّعي المعرفة السوفسطائيّين الذين كانوا يزيّنون لهم الحقيقة بحسب مصالحهم الشخصيّة. من أبرز عمليّات النقد السقراطيّ التهكّمُ الذي يجرّد الإنسان من كلّ أصناف المعرفة، ويجعله صاحبَ السؤال المزعج. وحده الإنسان الذي يتخلّى عن كلّ المعارف ويعود إلى ذاته المنعتقة من كلّ الأحكام، يستطيع أن يطرح السؤال الوجوديّ الأخطر. أمّا أهلُ المعرفة الشاملة القطعيّة المطلقة فيُضطرّون إلى الإجابة؛ إذ لا يليق بمن يدّعي امتلاك المعرفة أن يَسأل عن موضوع معرفته. غير أنّ النهج الاستفساريّ هذا لم ينقذ سقراط من قسوة أهل المدينة الذين لم يستحسنوا استفزازه الوجدانيّ الحادّ، فألصقوا به تهمة الإلحاد، وفي اعتقادهم أنّ أقبح ضروب الإلحاد أن يَعمد الإنسانُ إلى التشهير باقتناعاته الشخصيّة الراسخة.

لم يُفلح الناقد الإغريقيّ الأوّل هذا في نشر ثقافة النقد الذاتيّ. بيد أنّ البذرة زُرعت في تربة الحضارة الإنسانيّة، فتعاقبت الاجتهاداتُ الفلسفيّةُ وتنوّعت مظاهرُ الدعوة إلى التدقيق في العمارات الفكريّة والاعتقاديّة التي يبنيها الناسُ من أجل تعيين موقعهم في الوجود وتسيير أمورهم الحياتيّة. يَعلم الجميع أنّ النقد هذا اتّخذ شكلَ الشكّ عند الفلاسفة الارتيابيّين الإغريق الأوائل، وعند القدّيس أوغسطينُس (354-430)، وعند الغزالي (1058-1111)، وعند ديكارت (1596-1650). لا ريب في أنّ ما يجمع هؤلاء الفلاسفة، على تباين تناولاتهم، رغبتُهم الصادقة في تحرير النفس الإنسانيّة من أوهام المعرفة الخاطئة. وهذا ضربٌ حميدٌ من ضروب النقد الذاتيّ.

 

 

 

كانط

 

 

الأسئلة الفلسفية الثلاثة

أمّا النقد الفلسفيّ الأخطر فأتى به الفيلسوف الألمانيّ كانط (1724-1804) حين أكبّ يتحرّى الشروطَ النظريّة الأساسيّة التي تنتظم بها عمليّةُ المعرفة برمّتها. يَذكر الجميعُ الأسئلة النقديّة الأربعة التي طرحها كانط: ماذا يمكنني أن أعرف؟ ماذا يجب عليّ أن أفعل؟ ماذا يجوز لي أن آمل؟ ما الإنسان؟ من الواضح أنّ كلّ سؤال من هذه الأسئلة ينطوي على طاقةٍ نقديّةٍ جبّارةٍ؛ إذ إنّه يتقصّى الخلفيّات المعرفيّة والأخلاقيّة والاعتقاديّة والأنثروبولوجيّة الناظمة. في المعرفة ينتقد كانط كلَّ المعارف التي لا تدخل في قرائن الزمان والمكان، ولا تخضع لبنية الفاهمة ومقولاتها الحاكمة، ولا تراعي نظام الربط الذي يعتمده العقل المجرّد. في الأخلاق ينتقد كانط كلَّ القيَم التي لا تصون مبدأ الواجب المحض، ويرفض الأفعال الإنسانيّة التي تنبثق من خلفيّات المنفعة المستترة. في الدِّين ينبذ كلَّ البراهين العقليّة التي تدّعي الاستدلال على الوجود الإلهيّ، ويكتفي بافتراض الضرورة الإيمانيّة المستندة إلى مسلّمات الحرّيّة الشخصيّة وخلود النفس. ذلك بأنّ سقوط هاتَين الحقيقتَين يُبطل معنى الحياة الأخلاقيّة والإنسانيّة على الإطلاق. ومن ثمّ، يصبح الله، بحسب النقد الكانطيّ، ضرورةً أخلاقيّةً عمليّةً، لا حقيقةً نظريّةً تؤيّدها الأدلّة العقليّة. في الأنثروبولوجيا يرسم لنا كانط الإنسانَ في طور القابليّة الاكتماليّة التي تسمو بالتهذيب الأخلاقيّ والرقيّ المسلكيّ.

تحوَّل النقد الكانطيّ هذا مثالاً ناصعاً يحتذي به الناسُ في إنجاز عمليّات النقد التي تصيب حقول الوجود. بما أنّ كانط نظر في البنى الأساسيّة الناظمة، أي في الشروط النظريّة الأصليّة، فإنّ النقد الأصدق ينبغي أن ينظر في الخلفيّات المستترة التي منها تنبثق كلُّ المعارف والأحكام. على هذا النحو سار النقدُ الماركسيُّ الذي اكتفى بإعمال النظر في شروط الإنتاج المادّيّة وفضح ظلمَ اقتسام ثمار القوى العاملة. وعلى النحو عينه قام النقدُ الفرويديّ الذي دخل في أعماق النفس الإنسانيّة يستجلي طبقات اللاوعي المنحجبة فيها ويفضح التواءات الرغبة المكتومة. والمثال عينُه اعتمدته الفلسفات البنيويّة التفكيكيّة التي أعادت النظر في طريقة التفكير المألوفة بين الناس، وشكّكت في صحّة الحقائق المستخرجة وسلامة اليقينيّات المعتمدة.

أذكر هذا كلَّه لأبيّن للقارئ أنّ النقد الذاتيّ من أخطر الصناعات الوجوديّة قاطبةً. ليس كلُّ إنسان مُعَدّاً ومستعدّاً للخوض في مثل العمليّة الانقلابيّة هذه. ولكنّ النضج الإنسانيّ في المجتمعات لا يستقيم إلّا حين يرضى كلُّ إنسانٍ بإعادة النظر في المسلّمات التي بنى عليها حياتَه كلَّها. لستُ بغافلٍ عن الاختلاف الواضح بين الشكّ الذي يعطّل المعارف، والنقد الذي يتقصّى صحّتها وصوابها وصلاحيتها وراهنيّتها. غير أنّ الشكّ شرطٌ أساسيٌّ في تمهيد عمليّة النقد؛ إذ إنّ الإنسان الذي لا يشكّ في حقائق الأنظومة التي استنّها لنفسه لا يملك أن ينتقد عيوبها، ويفضح نقائصها، ويندّد بانسداداتها. فهل نستطيع فعلاً أن ننتقد ذواتنا حتّى نخرج بخلاصات أُخَر ونُفضي إلى تصوّراتٍ حياتيّةٍ جديدةٍ؟

الحقيقة الذاتية والحقيقة المطلقة

لكي يستطيع الإنسان أن ينتقد ذاته، لا بدّ له من أن يميّز الحقيقة الذاتيّة من الحقيقة المطلقة، ويفصل بين الاقتناع الشخصيّ الثابت والفكر المغاير المتطوّر. بعبارةٍ أوضح، لا بدّ للإنسان المقتنع بفائدة النقد الذاتيّ من أن يفصل بين متطلّبات النضج الذاتيّ المبنيّ على تطوير المسعى الاقتناعيّ، وضرورات التمسّك ببعض الحقائق التي ترتّب له بنيانَ شخصيّته وتضبط في أفكاره وأقواله وأفعاله موازينَ الاتّساق المنطقيّ والتماسك الصائب. واقعُ الأمر أنّ النقد الذاتيّ يضع الإنسان في منزلةٍ بين منزلتَين: الاعتصام الضروريّ بمكتسبات الخبرة الحياتيّة التي تتيح له أن يصون وحدة كيانه، والانفتاح الخلاصيّ على الغيريّات المستنهِضة، والاختلافات المستفزّة، والمستحدثات الطارئة، والممكنات الجديدة الواعدة المرتسمة في أفق الوجود الإنسانيّ المتجدّد.

الخوف من النقد الذاتي

أعرف أنّ معظم الناس لا يرغبون في ممارسة النقد التغييريّ الجذريّ هذا. بعضهم يكتفي بالنقد النظريّ الافتراضيّ الترَفيّ الذي لا يستتلي أيَّ ضربٍ من ضروب التغيير الفكريّ أو المسلكيّ. بعضهم الآخر يجرؤ فيستطلع إمكانات التغيير الضروريّ في حياته، ولكنّه لا يقوى على إنجازها. من الممكن، والحال هذه، أن تستمرّ الحياة الإنسانيّة على الكوكب المأهول هذا من غير تبدّلٍ جسيمٍ في التصوّرات والمبادئ والقيَم والاقتناعات. ولكنّ تطوّر المعارف بلغ اليوم حدّاً من الاستفزاز المربك جعل الوعي الإنسانيّ يفقد الثوابت الأساسيّة التي بنى عليها رؤيته الفكريّة الشاملة. زدْ على ذلك أنّ الاختلاط الكثيف بين الشعوب في المدينة الإنسانيّة المعاصرة الواحدة أضحى يستحثّ الناس على التفكير في معنى الاختلافات الجليلة التي يعاينون آثارَها في جميع حقول الحياة اليوميّة المشتركة.

ومن ثمّ، ينبغي لنا أن نستنبط سبيلاً جديداً من المعايشة يعتمد في المقام الأوّل على مسار النقد الذاتيّ الذي يحرّر الإنسان من أوهام امتلاك الحقيقة. ذلك بأنّ الذين يضطلعون بمسؤوليّة النقد هذا يدركون أنّ ما استقرّ في وعيهم الجوّانيّ من حقائق راسخة لم يعد صالحاً، في جوانب شتّى، لتدبّر تحدّيات الحياة الطارئة، وقد تجلّت في وجهَين اثنَين: التطوّر المذهل في المعارف العلميّة والتكنولوجيّة والطبّيّة، والاختلاط المتعاظم بين الجماعات العرقيّة والقوميّة والثقافيّة الشديدة التباين في تصوّراتها الوجوديّة الناظمة. لا شكّ في أنّ المتغيّرَين الثقافيَّين الجليلَين هذَين يحرّضان الجميع على إعادة النظر في أسُس العمارة الفكريّة التي يركنون إليها في حلّهم وترحالهم. بيد أنّ إعادة النظر لا تستقيم إلّا إذا استندت إلى عمليّة النقد الذاتيّ الصادق. جميع العمليّات التجميليّة الأُخَر لا تستطيع أن تنقذ الوعي الإنسانيّ المعاصر من أزمة التعدّديّة الكونيّة المستفحلة.

إذا أردنا أن ننزع عن وعينا غشاءَ العمى الذي أصابه من شدّة الامتداح الذاتيّ والرضوان التخديريّ، وَجب علينا أن نتجاوز مراتب التأزّم التي اختبرتها الإنسانيّة على تعاقب العصور. فنعالج أسباب الوعي الزائف، والوعي الملتبس، والوعي المتغرّب عن ذاته، والوعي الشقيّ، والوعي الاستعلائيّ، حتّى نبلغ عمق الاضطراب في وعينا المتصلّب المصفّح الممانع الذي يقاوم جميع ضروب النقد الإصلاحيّ.

أمّا إذا سألني أحدُهم: لماذا أصرّ هذا الإصرار على ضرورة النقد الذاتيّ؟ فجوابي واضحٌ وضوحَ نور الشمس! ذلك بأنّي لم أسمع عن حروبٍ نشبت ودماءٍ سالت بسببٍ من حاكم مستنيرٍ انتقد ذاتَه وعزم على إصلاح مُلكه بقوّة توبته الفكريّة وارتداده الروحيّ الصادق. خلافاً لهذا كلّه، اندلعت معظمُ حروب الأرض من جرّاء الانتقاد الذي أصابنا من الآخرين. ومن ثمّ، لا يستقيم حوار الحضارات إلّا حين ترضى كلُّ أنظومةٍ ثقافيّةٍ بانتقاد ذاتها من داخل بنيانها الفكريّ العقائديّ. كلُّ انتقادٍ يأتينا من الغير يصيبنا بالتشنّج المرَضيّ، شئنا ذلك أم أبينا. أمّا الانتقاد النابع من رغبتنا الصادقة في التقويم والإصلاح والتجويد، فيعزّز لنا وللآخرين فرَصَ التسالم والتحاور والتعاون والتضامن.

رأس الكلام في هذا كلّه أنّ النقد الذاتيّ شرطُ المعيّة الإنسانيّة الناضجة المتضامنة المتقابسة في قرائن المدينة المعاصرة المتعدّدة الأجناس والأفكار والأذواق والأفعال. لا يستطيع الناسُ المختلفون أن يحيوا معاً حياةً صادقةً منتجةً إلّا إذا عمدوا إلى انتقاد التصوّرات الأصليّة التي بُنيت عليها اعتقاداتهُم. من دون ذلك تتحوّل معيّتُهم إلى مكاذبةٍ فاضحةٍ تشلّ طاقات الإبداع في مجتمعهم المتنوّع. النقد الذاتيّ شرطُ تقدّم الأمَم. لا غرابة، والحال هذه، من أن تَسقط مجتمعاتُ الاستبداد في محنة التخلّف الفكريّ الذي يرهب النقدَ في جميع وجوهه. لا يمكنني أن أتصوّر مجتمعاً قائماً على الرضا الوجدانيّ المطّرد والمدح الذاتيّ الدائم. لا يُعقل أن تكون أحوالُ الناس كلُّها على ما يُرام، وأن يحظى الجميع بأرفع شهادات السلوك. الخوف من النقد الذاتيّ علامةٌ على رهبةٍ كيانيّةٍ تجعل الإنسانَ مريضَ أوهامه يعجز عن استقبال الجِدّة الآتية من عبقريّة العقول المستنيرة ووعود الأجيال الصاعدة. ذلك بأنّ النقد ضمانةُ الاستقامة المسلكيّة الرائدة، وعربونُ الإبداع الفكريّ البنّاء، ودليلُ التألّق الحضاريّ المغني.



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended