زهران القاسمي لـ«الشرق الأوسط»: في عُمان حُمى كتابة الرواية... لكننا نفتقر للتسويق

الفائز بـ«بوكر» العربية يقول إنه يستلهم في رواياته البيئة العمانية

زهران القاسمي لـ«الشرق الأوسط»: في عُمان حُمى كتابة الرواية... لكننا نفتقر للتسويق
TT

زهران القاسمي لـ«الشرق الأوسط»: في عُمان حُمى كتابة الرواية... لكننا نفتقر للتسويق

زهران القاسمي لـ«الشرق الأوسط»: في عُمان حُمى كتابة الرواية... لكننا نفتقر للتسويق

زهران القاسمي، روائي عُماني شاب جاء من الشعر إلى الرواية، حاملاً تراث بلده بكل ما فيه من أساطير وحكم ومغامرات ليضعها في روايته الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) «تغريبة القافر»... بعد عشرة دواوين شعرية كتب رواياته «جبل الشوع» (2013)، و«القنّاص» (2014)، و«جوع العسل»، و«سيرة الحجر 1» (قصص قصيرة، 2009)، و«سيرة الحجر 2» (نصوص، 2011)، وهو أول روائي عُماني يفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية.

تدور أحداث الرواية في إحدى القرى العُمانية، وتحكي قصة سالم بن عبد الله، أحد مقتفي أثر الماء، تستعين به القرى في بحثها عن منابع المياه الجوفية. تقع أحداث الرواية في عالم الأفلاج؛ النظام الفلاحي لريّ البساتين، المرتبط بالحياة القروية في عُمان ارتباطاً وثيقاً، والذي دارت حوله الحكايات والأساطير. ويطرح الكاتب سؤالاً مهماً على القارئ: ماذا لو أن هذه المادة التي تمنح الحياة للكائنات هي مصدر لموتها أيضاً من خلال ندرتها أو فيضانها؟

ارتبطت حياة «القافر» منذ ولادته بالماء، فأمّه ماتت غرقاً، ووالده طُمر تحت قناة أحد الأفلاج حيث انهار عليه السقف، وينتهي «القافر» سجيناً في قناة أحد الأفلاج ليبقى هناك يقاوم للبقاء حياً.

قال عنها رئيس لجنة التحكيم، محمد الأشعري: «اختارت لجنة التحكيم رواية (تغريبة القافر) لزهران القاسمي؛ لكونها اهتمت بموضوع جديد في الكتابة الروائية الحديثة، وهو موضوع الماء في علاقته بالبيئة الطبيعية وبحياة الإنسان في المناطق الصعبة. وقد قدّم الكاتب لنا هذا الموضوع من خلال تآلف مستمر بين الواقع والأسطورة، ويفعل ذلك من خلال بناء روائي محكم ولغة شعرية شفافة، ومن خلال نحت شخصيات مثيرة تحتل دوراً أساسياً في حياة الناس، وفي الوقت نفسخ تثير نفورهم وتخوّفَهم. وقد استطاع الكاتب أن يقرّبنا من مسرح غير مألوف للرواية المتداولة في الوطن العربي، هو مسرح الوديان والأفلاج في عُمان وتأثير العناصر الطبيعية في علاقة الإنسان بمحيطه وبثقافته».

التقينا الشاعر والروائي زهران القاسمي في فندق «باب البحر» بأبوظبي وأجرينا معه هذا الحوار الذي بدأناه بسؤال عن:

* الرواية، كيف جئت من الشعر على كتابة الرواية؟ وهل ثمة مقارنة واختلاف بينهما في عملية الكتابة؟

ـــ قبل كل شيء، لكل من الشعر والرواية عوالمها وتقنياتهما في الكتابة، لا يمكن مقارنتهما. ما زلت أكتب الشعر، ولن أتخلى عن الرواية.

والمسألة الجوهرية هي الحفاظ على العمل السردي، لكنني في الوقت ذاته، استفدت من الشعر وجمالياته، لكنني كما قلت حافظت على اللغة السردية، العمود الفقري في الرواية؛ لأن الرواية كما تعلم تستوعب كل الفنون، ومنها الشعر، خذ على سبيل المثال: إبراهيم نصر الله وعلي المقري ومحمد الأشعري، وغيرهم، ينحدرون من كتابة الشعر، ويمتلكون لغته، لكنهم في الوقت ذاته ساردون كبار. فائدة الشعر السيطرة على اللغة وبعث جمالياته في الرواية.

* هل لعبت البيئة العمانية دوراً في كتابة روايتك؟

ــــ إنها تجربة خضتها من استيحاء ما أعايشه في عُمان، وقد سبق هذه الرواية وروايات أخرى كتابة مجموعة من القصص المأخوذة من البيئة العُمانية الزاخرة. وقبلها كانت رواية «جبل الشوع»، وهي شجرة جبلية تاريخية يعرفها العُمانيون. وهذه هي مهمة الروائي أن يغوص في أعماق تراث بلده، ويستخرج ما هو خافٍ.

* هل اختيار الفلج أو الأفلاج جاء صدفة أو من خلال ارتباطاتها بالحياة الفلاحية العمانية؟

ـــ إنها مفردات عُمانية تشكل جزءاً من حياة البشر عندنا، وهو موضوع غني ومتفرد، لكنني أعالج هذه الموضوعات عادة كما روايتي التي تدور حول تربية النحل والعسل «جوع العسل»، لها خصوصية والناس الذين يعملون في هذا المجال، كانوا يخزنون العسل في جذوع النخيل ويبحثون في الجبال عنه؛ لذلك فهي مهنة مرتبطة بالمغامرة كما في رواية «القنّاص» حيث تعيش الوعول في الجبال؛ لذلك ارتبطت الأفلاج بالناس المكافحين في القرى الصغيرة. وهي موجودة في عُمان والإمارات فقط.

* عنوان روايتك «تغريبة القافر» تدور حول فرد، في حين أن التغريبة جماعية، أليس كذلك؟

ــــ بلى. أنت على حق تماماً. إنني في الواقع كنت محتاراً في تسمية الرواية أو وضع عنوانها، فدارت في رأسي عناوين وغيرها. هذه الشخصية عاشت هذه التجربة، وقاست كثيراً، لذلك ربطتها بالتغريبة؛ لأن فئة كبيرة تعمل في مجال الأفلاج. وكان في ذهني «تغريبة بني هلال» و«التغريبة الفلسطينية» كما كتبها إبراهيم. يمكن للفرد أن يخوض عالماً ملحمياً بمفرده، لمَ لا، ما دام يعبّر عن وجدان الجماعة؟! إضافة إلى ذلك أن كل شخص في الرواية، وليس البطل فقط، في داخله تغريبته ومعاناته.

* نلاحظ المصير التراجيدي لعائلة كاملة لقيت حتفها في الأفلاج غرقاً.

ــــ نعم هذا صحيح. كان المصير التراجيدي ينتظرهم فرداً فرداً.

الأم تموت غرقاً ويخرج ابنها من بطنها حيّاً لم يغرق وهو يخرج من بطن أمه، وأبوه دُفن في أحد الأفلاج بعد انهياره، وظل هذا «القافر» مرتبطاً بالأرض والماء إلى أن يلاقي المصير ذاته. فالمغامرة في البحث عن الماء تشبه البحث عن كنوز الذهب. وهكذا.

* هل قرأت رواية «موبي ديك» لميلفيل التي تدور حول الجانب المائي من العالم ومغامرة صيد الحيتان؟

ـــ هذه الرواية العظيمة من أمهات الكتب، إنها زاخرة بالخيال. واستعنت كثيراً بقراءة الكتب والمراجع والمخطوطات عن هندسة الأفلاج وعلاقتها بالمجتمع، كما أجريت لقاءات حيوية مع كبار السن ممن خبروا هذا الميدان في شبابهم وشيخوختهم، وما حملوه عن الأفلاج من قصص وحكايات وأساطير. ومن هذه الأساطير كان هناك شخصية تدعى العفريت، وهو الأفلاج ويتحدى جبروتها، بل وصل به الأمر إلى رجل ينزل إلى الاستهزاء بها، لكنه ذات يوم يدخل إليها وينهار به السقف، فيبدأ بالصراخ وظل ساعات طويلة على قيد الحياة إلى أن يستسلم إلى الموت. هذه الأساطير تختلف من مكان إلى آخر، ما بين البيئات المختلفة من قرية أو معبد أو مسجد.

* هل كان البطل صوفياً؟

ــــ تمتاز الشخصية العُمانية بحياة الزهد والتقشف، ولكن ليس ذلك ظاهراً من خلال اتباع طريقة صوفية معينة. علاقة كل أبناء القرى تتميز بالزهد والحياة الصوفية كطريقة روحية للعيش لا أكثر. والصوفية لا تعني في عُمان ارتداء ملابس خاصة أو مظاهر معينة بارزة. إن طبيعة الحياة اليومية تجعل من الإنسان العُماني زاهداً، ولا تهمه الصورة البراقة.

* كيف يتنبأ البطل بهذه البصيرة في الرواية؟

ـــ «القافر» مصطلح عربي قديم؛ أي الشخص الذي يقتفي الأثر. الرحّالة البريطاني ويلفريد ثيسيجر قطع الربع الخالي، وتحدث عن البدو الذين يعرفون من آثار القدم الأشخاص الذين مروا من هناك ليلاً أو نهاراً، أو مرور هذه الدابة، أو مرور هذه القبيلة أو تلك. كانوا يعرفون المكان من الأشجار التي تمتد جذورها عميقاً في الأرض. هذه الأشجار لا تنبت إلا في هذا المكان وعندما يحفرون يجدون الماء. بعض مقتفي الآثار يعرفون ذلك ويقتفون الأثر من خلال التربة، وشكلها ولونها.

* هل للرواية علاقة وطيدة بالتراث العماني المتوارث؟

ـــ تماماً، رغم العوالم المتخيلة في الرواية، لكنها تستند على الواقع أيضاً؛ لأنه لا يمكن أن تكون الرواية بأكملها خيالية أو متخيلة. إن فكرة الرواية تتحدث عن شخصية «القافر» الذي يستطيع أن يسمع خرير الماء وهو نائم، سواء في المناطق الصحراوية أو الساحلية، بإمكانه أن يستدل على وجود الماء من الأشجار الصحراوية التي تمتد جذورها عميقاً في المكان. فيعرفون هؤلاء المهرة أن في هذا المكان مخازن أو منابع للماء تحت الأرض. وهذه الشخصية لديها حاسة قوية تستطيع أن تتنبأ وتكتشف وتسترشد بحواسها. من هنا جاءت فكرة الرواية.

* لقد استخدمت بعض التقنيات الذهنية في الرواية...

ـــ حاولت استخدام أكثر من تقنية، لكنني جعلت شخصية السارد العليم جزءاً من شخصيات القرية حتى تكون قريبة منها ومن همومها. وهذه الشخصية قامت بنسج حكايات القروي الذي عندما يتكلم يدخل الكثير من الخرافات والأساطير في كلامه.

* كم استغرقت كتابة هذه الرواية؟ وما هي العوائق التي واجهتك؟

ــــ استغرقت كتابتها عامين، وكان العائق الأساسي عندما تطغى شخصية من الشخصيات على الحدث، لذلك كنتُ أتوقف لأيام من دون كتابة، حتى إنني تأثرت ببعض الشخصيات لدرجة كنتُ أقوم بتقليدها، أو بالأحرى كانت تتلبسني، كأن أكون غاضباً أو عصبياً؛ أي أقلد شخصيات روايتي. على سبيل المثال، كانت شخصية «الوعري» في الرواية منعزلة وانطوائية، فأصبحت مثله بعض الوقت.

* هناك من يتهم الرواية بأنها تحتوي على الإنشائية...

ــــ أعتقد أنه لا توجد رواية في العالم تخلو من الإنشائية، حتى إن بعض الروايات تحتوي على تقارير إخبارية أو قصاصات جرائد، المهم كيف نتعامل معها وندخلها في سياق الرواية.

* هل كانت نهاية الرواية تلقائية أو خططت لها؟

ـــ لم أكن أتوقع أن أنتهي من كتابتها، لكنني عندما كتبتُ عبارة «وجرف معه كل شيء»، أدركتُ أن الرواية انتهت.

* ما هو رأيك بتطور الرواية العمانية التي حاز بعضها جوائز رفيعة؟

ـــ عندنا روائيون جادون ومبدعون، خذ على سبيل المثال رواية رائعة مثل «سر الموريسكي» لمحمد العجمي، لكن ما تعاني منه الرواية العمانية هو حاجتها إلى التسويق. هناك كتّاب رواية مبدعون أمثال: هدى حمد، وأحمد الرحبي، ومحمود الرحبي، وعبد العزيز الفارسي، وغيرهم. أحياناً في ذلك جانب سلبي؛ لأنه لا توجد لدينا وسيلة للترويج، في حين أن النقد غائب والمؤتمرات وكذلك الندوات وحماسة جمهور القراء. إن سر تقدم الأدب العماني أنهم بدأوا الكتابة منذ زمن طويل، والأدب واحد من المكونات الأساسية في البيوت العمانية؛ لأن الشعب العماني مرتبط بالثقافة، ولديه كتب يحتفظ بها منذ مئات السنين. وعندما بدأ الجيل الجديد في كتابة الرواية، لم يكن العمانيون بمنأى عن التأثيرات الخارجية شأنهم شأن أقرانهم من الروائيين في العالم العربي.

* هل كنت تتوقع الفوز بالجائزة وسط روايات قوية عديدة؟

ــــ قرأت معظم هذه الأعمال التي اقتنيتها في معرض مسقط للكتابة، إنها تحتوي على عوالم رائعة ومختلفة، مثل روايات نجوى وأزهر وميرال. عندما نشارك في الجوائز يجب أن نتقبل قواعد اللعبة. المهم أنني مؤمن بروايتي وفكرتها والشخصيات التي توحدت معها.



من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
TT

من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)

لم يحدث لأحد من الفلاسفة والباحثين، وربما من الشعراء، أن احتفى بالبيوت، في دلالاتها الأكثر عمقاً وقابلية للتأويل، كما فعل غاستون باشلار. ذلك أن الفيلسوف الفرنسي الظاهراتي لم ير إلى البيوت بوصفها هندسة جمالية «موضوعية»، أو وجوداً مادياً لامبالياً بسكانه، بل اعتبرها حاضنة الحياة الأمومية، والحارس الأوفى لخزائن الذكريات، والينبوع المتجدد للألفة الدافئة.

على أن أهل الجنوب اللبناني، الذين اضطرتهم الحروب المتلاحقة والعنف الدموي الإسرائيلي، إلى النزوح المتكرر عن بيوتهم وأماكن سكناهم بحثاً عن ملاذ آمن، لم يكن عليهم قراءة باشلار، لكي يدركوا أهمية تلك الأماكن، التي تركوا في عهدتها مهج قلوبهم، وضوء عيونهم، وأعذب ما ادّخروه لشتاء أعمارهم من الذكريات. ولعل هذا التشبث المرَضي بالبيوت قد وجد ترجمته في إصرار الكثيرين منهم على ملازمة قراهم في أشد الظروف حلكةً، سواء تعلق الأمر بخراب الزراعة وكساد مصادر الرزق، أو بتعاقب الاجتياحات وأهوال الحروب.

اللافت أن أولئك الذين اضطروا لمغادرة بلداتهم باتجاه بيروت والمهاجر البعيدة، بحثاً عن فرص أفضل للعيش، كانوا يضعون في رأس أولوياتهم بناء بيوت لائقة بما كابدوه من مشقات، يحولونها عندما يعودون إلى فسحة هانئة لضغضغة الأيام واستقبال الزائرين، وتزجية المساحة الفاصلة بين الشيخوخة والموت. وإذا كان الشريط الطويل من الفيلات والدور الباذخة، الذي يمتد من الناقورة إلى العرقوب، قد بدا من بعض نواحيه ثمرة اليسر المادي لمغتربي المناطق الحدودية، فإن مبالغة «جنوبيي الجنوب» في الاعتناء المفرط بالبيوت، التي أحاطوها بالحدائق والأسوار، لم يكن سببها التنافس فيما بينهم فحسب، بل لأنهم رأوا فيها المجسمات الرمزية لتشبثهم بالبقاء، وعلامات التحدي المرفوعة بثقة بالغة في وجه الاحتلال.

إلا أن كل ما تحمله الجنوبيون من متاعب، وكل ما فعلوه لتضليل اليأس، وكل احتفائهم الكرنفالي بالنجاة، سرعان ما حولته أسلحة الفتك الإسرائيلي إلى ركام. وحيث حسبوا واهمين أن ما عبر ستة عقود متعاقبة من فظاعات وأهوال كان كافياً لتسديد ما توجب عليهم دفعه من أثمان، فقد بدت الحروب المتعاقبة التي كُتبت عليهم مواجهتها من قبل، مجرد «بروفات» تمهيدية مصغرة للحرب الأخيرة، التي تكفلت خلالها الآلة العسكرية الزاحفة للعدو، بمحو القرى من جذورها، والإجهاز على ما يفصح عنه رمادها المتبقي من مظاهر الحياة.

أما شعار «حرب الحضارة على البربرية»، الذي رُفع قبل سنوات لتسويغ ما لحق بغزة وفلسطين من دمار كارثي، فقد تم رفعه على نحو معدّل، لا بهدف إلحاق الأذى المماثل ببيوت البشر الآمنين ومحاصيلهم ومصادر عيشهم فحسب، بل لكي تسوّى بالأرض، شواهد شديدة التنوع والثراء من تاريخهم القريب والبعيد. والأدلّ على ذلك هو تركيز قادة الاحتلال على أن تحظى المدن والبلدات الأكثر ازدحاماً بالرموز الأثرية، وبيوتات العلم والأدب، كالخيام والنبطية وبنت جبيل وعيترون وصور وعيناثا وغيرها، بالنصيب الأوفر من الاستهداف والقصف التدميري.

وإذا كان التصميم الملح على إسقاط قلعة الشقيف، التي تشرف من مكانها الشاهق على مساحات واسعة من لبنان وسوريا وفلسطين، يمكن أن يجد له مسوغات أمنية وعسكرية، فأي حجة مقنعة يمكن لها تبرير ذلك القدر من العنف الهمجي، الذي يراد منه اقتلاع شعب بأسره من جذوره، وتسليمه للعراء الكوني.

ففي مدينة الخيام، التي يربو عدد سكانها على ثلاثين ألفاً، لم تكن البيوت المغضية بخوف على حيوات سكانها، هي التي تعرضت للقصف، بل إن الوابل المتلاحق لنيران الاحتلال راح يطول في الآن ذاته معتقل المدينة الشهير، ومؤسساتها التعليمية، ودور عبادتها، ومراكزها الفكرية التنويرية، إضافة إلى ما خلّفه أهلها من الذكريات، ورساموها من الألوان، وشعراؤها من نثار الاستعارات ومسوّدات القصائد.

أما مدينتا النبطية وبنت جبيل، وهما الحاضنتان الأكثر عراقة لتاريخ جبل عامل وثقافته وذاكرة بنيه، فقد تعرضتا بدورهما لقدر غير مسبوق من التدمير الاستئصالي، حيث لم تكتف القوات الزاحفة شمالاً، بتحويل الأسواق الشعبية القديمة في كلتا المدينتين إلى ركام، بل راحت تستهدف في الوقت نفسه المراكز الثقافية والمؤسسات الصحية، والأبنية التراثية ذات التصاميم الجمالية اللافتة، التي حوّلها أصحابها إلى مزارات.

ولم يكن حظ مدينة صور الساحلية من القصف والتدمير أفضل من حظ شقيقاتها الأخريات. وحيث لم يشفع لها أن يكون ملكها الفينيقي حيرام، قد أسهم قبل ثلاثة آلاف عام في بناء هيكل سليمان، ولا شفع لها وضعها من قبل اليونيسكو على لائحة الأماكن التراثية والثقافية العالمية، فإن من نصّبوا أنفسهم حماةً للحضارة، لم يجدوا أي حرج يُذكر في قصف أحيائها ومدارسها، وأبنيتها المملوكية، وصولاً إلى آثارها العريقة التي يعود تاريخها إلى العصرين الفينيقي والروماني.

كما أن حرص الإسرائيليين على هدم الفواصل الطبقية والاجتماعية بين ضحاياهم، هو الذي دفعهم على الأرجح إلى جعل الجميع سواسية، في الميزان العادل لحديد المجنزرات وقنابل الطائرات المغيرة، حيث لا فرق في منسوب التدمير ومعدلاته، بين غني وفقير، «متورط» وبريء، مغترب ومقيم، مثقف وأمي. لا بل إن اللافتات المختلفة التي خيضت باسمها الحرب، عادت لتجد في استهداف بيوت المثقفين الجنوبيين ومكتباتهم ومساقط إبداعهم براهينها المثلى ودلالاتها الساطعة.

وإذا كان المجال لا يتسع لتعداد ضحايا الشغف الإسرائيلي بالثقافة وأهلها، من المبدعين الجنوبيين، فيكفي أن أذكر في هذه العجالة المنزل المتميز في هندسته وجماله المعماري لسعد الزين، والمنازل المشابهة لآل الزين في النبطية، التي أزالها المحتلون مع مقتنياتها الثمينة من الوجود. وأن أذكر الدارة الأنيقة التي بناها الفنان عبد الحميد بعلبكي في بلدة عديسة الحدودية، وأرادها أن تكون منزلاً لسكناه ومتحفاً للوحاته، قبل أن تحولها الطائرات إلى كومة من الأنقاض. وأن أذكر كتّاباً ومفكرين كثيرين، خسروا منازلهم ومكتبات بيوتهم على نحو مشابه، كما حدث لعبد الكريم قبلان في عيترون، ولعون جابر وأحمد بيضون ومنذر جابر في بنت جبيل.

ومع أن الوقت لا يزال مبكراً قليلاً على تتبُّع انعكاس ذلك الهول الأبوكاليبسي، في لوحات الرسامين وأعمال الروائيين وقصائد الشعراء الجنوبيين، فإن وسط سيل الكتابات التي تم ارتجالها على عجل، ثمة نصوصاً ولقىً وشذرات، استطاعت أن تعكس بما تختزنه من قوة العصب وسداد الرؤية، الكثير من الملامح التراجيدية الملحمية لواقع الجنوب الراهن، وبينها قصيدة «البيوت»، التي أهداها عباس بيضون إلى صديقه المؤرخ منذر جابر، وجاء فيها:

البيوت لا تموت مرة واحدة

إنها تعيش بالساعة

ذاكرة هائلة لكنْ أيضاً عجلةٌ للنسيان

تحفظ بالدقائق وتنسى بالأيام

نصل إليها أرواحاً

وسرعان ما نذوب في الهواء

ولعل أفضل ما أختم به هذه المقالة هو مقطع معبّر من قصيدة «بيت الريح» للشاعر الفرنسي لوي غوليم، الذي بدا لقوة بصيرته، ورهافة إصغائه إلى المستقبل، وكأنه يحدس بالمآلات المأساوية لبيوت أهل الجنوب، التي حوّلها فولاذ الضغائن الوحشي إلى أثر بعد عين، فهتف بلسان كل واحد من أهلها النازحين:

«طويلاً بنيتك أيها البيت. مع كل ذكرى أحمل الحجارة من الأرض، حتى أعالي جدرانك. لقد رأيت سطحك يصقله الزمن، متغيراً كالبحر، يرقص على خلفية من الغيوم. يا بيت الريح، أيها المأوى الذي أزالته نفخة واحدة»!


جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
TT

جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن

يحتلّ قصير عمرة موقعاً استثنائياً في خريطة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في صحاري بلاد الشام، وتتمثّل أهميّته بالدرجة الأولى في لوحاته الجدارية التي تمتدّ على جدرانه وسقوفه، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف في العالم المتوسّطي القديم. يجمع هذا القصير بين مجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، وحمّام تقليدي كبير مؤلَّف من ثلاث غرف، تمثل تباعاً قاعة المدخل، والقاعة الرطبة، والقاعة الحارة. تزيّن سقف القاعة الأولى جدارية تأخذ شكل شبكة تشكيلية عريضة تحتلّ وسطها ثلاثة وجوه آدمية تظهر في وضعيّة المواجهة، كأنّها تحدّق بعيونها الشاخصة في الناظر إليها.

تجمع هذه الشبكة بين الإطار الهندسي والعناصر التصويرية المتعدّدة، وتمتد على مساحة السقف المقبّب، بحيث تشكّل مساحتين مقوّستين.

يعتمد هذا التأليف وحدة هندسية ثابتة تُعرف في قاموس الهندسة الرياضية باسم «مُعَيَّن»، وهي وحدة بسيطة لها أربعة أضلاع متساوية الطول، قطراها متعامدان ومتناصفان. تحضر في وسط هذا الشبكة ثلاث قامات نصفية، تحتل كلّ منها خانة مستقلة. تحلّ هذه الوجوه في ترتيب عمودي متين، ويظهر في الأسفل وجه شيخ بلحية بيضاء، يعلوه وجه امرأة نضرة، ثمّ وجه شاب أمرد. حافظت هذه القامات على ملامحها بشكل شبه كامل، واستعادت بريقها الأول إثر عملية التنقية والترميم التي قام بها فريق إيطالي في الموقع خلال عام 2010.

يغلب على هذه الوجوه الطابع الكلاسيكي، كما يشهد أسلوبها الذي يحاكي المثال الحي، ويجمع بين التجسيم والتظليل في تحديد ملامح كل منها. يظهر الشيخ الجليل بلحية بيضاء طويلة تبلغ أسفل الرقبة. وتبدو جبهته عريضة، وأعلى رأسه أصلع، مع كتلة صغيرة من الشعر، تحيط بها خصل عريضة تلتف حول الوجه. العينان واسعتان، ويعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان، صيغتا باللون الأسود. بؤبؤ العين محدد بدقة، كذلك الحدقة والجفن والأهداب. الأنف هرمي، وعناصر تكوينه محدّدة بدقة بالغة. الأذنان ظاهرتان، ومكوّناتهما واضحة كذلك. صدرُ هذا الشيخ عارٍ جزئياً، ويعلوه معطف ينسدل على الكتف اليسرى. الجزء الأسفل ممحوّ، ويوحي ما تبقّى منه بحضور يد تقبض على رمح طويل، ظهر طرفه الأعلى كاملاً في الجانب الأيسر من الصورة. تحتل هذه القامة خانة بيضاء مجرّدة، يزيّنها غصنان مورقان متواجهان يحيطان بذراعَي الشيخ.

تحضر فوق قامة هذا الشيخ قامة أنثوية تقف في وضعيّة مشابهة. الأسلوب واحد في تجسيم الملامح، مع بقعتين باللون الأحمر الخمري تستقران على الوجنتين المكتنزتين. تكلّل الرأس كتلة من الشعر الكثيف تنسدل خصله على الكتفين، مع فارق نصفي في الوسط. ترتدي هذه المرأة ثوباً عسلياً تعلوه بطانة حمراء عريضة تنعقد حول الكتفين، وتزيّن هذه البطانة شبكة زخرفية، تجمع بين أزهار محوّرة تتألف كل منها من أربع بتلات متساوية. تظهر اليد اليمنى في أسفل الخانة، وتقبض شتلة تعلوها كوكبة من البراعم البيضاء. تزيّن هذه الخانة كرمة تتألف من غصنين مورقين يستقران فوق هامة هذه القامة الأنثوية، ويتدلّى من كلٍّ من هذين الغصنين عنقود من العنب الأحمر حُدّدت حبّاته المرصوفة بدقّة.

تعلو هاتين القامتين قامةٌ ثالثة تمثّل شاباً في مقتبل العمر، تُكلّل وجهه خصل من الشعر تنسدل على طرفي الخدين. يرتدي هذا الفتى الأمرد لباساً أرجوانياً تعلوه بطانة على شكل مربّع تحيط بصدره، ويرفع بيده اليمنى عصا نحيلة طويلة تمتدّ في الأفق. يُزيّن هذه الخانة غصنان متقابلان ومتواجهان، كما نرى في خانة الشيخ الجليل. تحتلّ هذه الوجوه الثلاثة وسط السقف المقبّب، وتحدّ خاناتها الثلاث سلسلة من الخانات المتشابكة، تزيّنها عناصر تصويرية متعدّدة الأشكال، تحضر وسط أغصان مورقة تلتف في الأفق المجرّد.

يظهر من جهة غزالان، كل منهما في خانة مستقلّة، ويظهر في الجهة المقابلة كذلك غزالان، يتبعان تقسيماً تعادلياً مشابهاً. لا تتماثل هذه الغزلان إطلاقاً، إذ يحضر كل منها في وضعية خاصة به. يظهر من جهةٍ غزال في وضعية جانبية، يحني رأسه في مواجهة غزالٍ يدير برأسه نحو الخلف. في الطرف المعاكس، يظهر غزال يحني رأسه نحو الأرض كأنه يقتات من العشب، ويقابله غزال يعلو رأسه قرنان طويلان، يحدّق في وضعيّة المواجهة.

تتشابك هذه الخانات الأربع بست خانات تحوي صوراً مغايرة. يَظهر من جهةٍ دبٌّ على طاولة صغيرة، حاضناً عوداً يعزف عليه بأنامل قائمتيه الأماميتين. في مواجهة هذا العازف، يَظهر قردٌ منتصباً، رافعاً قائمتيه الأماميتين نحو الأعلى، كأنه يُصغي إلى عزفه. من خلف هذا القرد، يقف فتى يرفع يده اليمنى نحو رأسه، ويده اليسرى نحو صدره، كأنه يشارك في هذه الوصلة. في الجهة المعاكسة، تحضر ثلاث خانات تختزل كما يبدو وصلة عزف أخرى، وفيها يحضر فتى يقف منتصباً وهو يعزف بمزمار يحمله بين يديه المرفوعتين، وتحضر في مواجهته صبية تتمايل في وضعية راقصة، ويحضر في الخانة الأخيرة فتى يرافقها في هذه الوصلة.

تكتمل هذه الشبكة مع أربع خانات تسكن كلا منها بهيمة حيّة. يظهر من جهة ابن آوى يحدّق في اتجاه غزال يحني رأسه أرضاً، ويظهر في الطرف المعاكس غزال ينظر إلى الخلف، وغزال يقفز نحو الأمام. تحد هذه الشبكة الكبيرة سلسلة من المثلثات، تسكنها طائفة من الطيور والحيوانات المتنوّعة، ضاع أثر بعض منها. يظهر في الطرف العمودي نمس وأفعى وسنجاب، وتقابلها في الطرف المعاكس ثلاثة كائنات انمحت أشكالها كلّياً. في الطرف الأفقي، تظهر أربعة طيور مائية، منها البجع والإوز، وتقابها في الطرف المقابل مجموعة مشابهة من الطيور.

تجمع هذه الشبكة الأموية بين عناصر متعدّدة مستمدّة من قاموس الفن المتوسّطي، وتشكّل في هذا السياق امتداداً حيّاً لهذا الفن الذي ازدهر في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى. ورث الفن الأموي المدني تقاليد هذا القاموس الراسخة، وأعاد قولبتها في مكوّنات مبتكرة، تشهد لاستمراريتها طوال القرن الثامن. تتجلّى هذه الاستمرارية في جداريات قصير عمرة، كما تتجلّى في أعمال فنية أخرى خرجت من قصور أموية أخرى، كشفت عنها حملات التنقيب في صحاري بلاد الشام الواسعة خلال العقود التي تلت اكتشاف القصير الأردني.


«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز
TT

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

ينتقل الكاتب والمؤلف المسرحي ماجد الخطيب، في عمله المسرحي الجديد «الطرف الثالث - في قطار الشرق السريع» (دار السرد)، هو الثاني عشر له، من نمطه المفضل في الكوميديا السوداء إلى كوميديا التقليد الساخر (Parody). وهو يستقطب انتباهنا عن طريق المفردات والتعابير ثنائية المعاني، وأحياناً المتعددة، على صعيد العنوان والشخصيات والأحداث.

العنوان الرئيسي «الطرف الثالث» له دلالته ومغزاه في المخزون الثقافي العراقي، حين ألقت السلطات العراقية مسؤولية قتل مئات المتظاهرين، وجرح الآلاف في انتفاضة تشرين 2019، على «طرف ثالث».

أما العنوان الفرعي، فهو يشير إلى رواية «جريمة في قطار الشرق السريع» لأغاثا كريستي، التي استوحى منها الخطيب مسرحيته الجديدة، كما هو مثبت على الغلاف الداخلي: هي «مسرحية بوليسية ساخرة من وحي أغاثا كريستي». كأن المؤلف يخاطب من جديد مخزوننا الثقافي «البوليسي» القديم تاركاً لمخيلتنا حرية التفاعل المتبادل بين جريمتي القطارين.

يحافظ الخطيب على هذه الثنائية طوال أحداث وسطور نصه الدرامي في اختياره لإطار العمل وطبيعة شخصيات المسرحية، حيث يبقي على الأحداث جغرافياً في قطار الغرب، وتجري وتتنقل الأحداث، كما في عمل أغاثا كريستي، بين مختلف غرف وقاعات القطار.

كما أنه، رغم المحتوى الضاحك، يستخدم التصاعد التدريجي للحدث وتراكم الإشارات والمعلومات إلى لحظة الكشف النهائية عن ملابسات الجريمة، كما هي الحال في أعمال كريستي البوليسية. وإلى أن يبلغ الكاتب هذه الذروة يفاجئ القارئ والشخصيات على حد سواء بنتائج التحقيق.

أما الجانب الآخر للثنائية في العمل، فنجده في اختياره للشخصيات. فهو يستعير من كوميديا بلاك إدواردز وبيتر سيلرز في سلسلة أفلام «النمر الوردي» شخصية «المفتش كلوزو»، كما جسدها سيلرز. ونجدها ثانية في طريقة كتابته للمشاهد مستخدماً «كوميديا الموقف» ومضيفاً لها، على طريقة «سيلرز»، الهفوات أو «الإفيه»، كما تسمى في المسرح المصري.

تدور أحداث مسرحية «الطرف الثالث» حول رئيس الوزراء «لوستيت»، وبعض وزرائه، وهم يرافقون المدعو «رايتهاند»، المتهم بالإرهاب، إلى محكمة لاهاي الدولية في هولندا. وتجري هذه الأحداث في عربة الدرجة الأولى في قطار الغرب السريع (يوروستار) الذي يربط بين لندن وباريس في نفق يمر تحت بحر المانش. يتعرض رايتهاند للقتل في عربة الدرجة الأولى والقطار تحت المياه الإقليمية الفرنسية. يؤكد الوزراء براءتهم من الجريمة ويدّعون بوجود «طرف ثالث» نفذ الجريمة. لكن المفتش الشهير «كلوزو»، الذي يستدعى للتحقيق في الجريمة، يثبت خطل نظرية «الطرف الثالث».

لم يركز الخطيب هنا على تطوير شخصيات العمل درامياً إلا بما يسمح بتطوير الأحداث رغم اهتمامه بتوصيفاتهم و«وظائفهم» الدرامية من خلال تحديد مواقعهم الشخصية. واختار البناء الدرامي الكلاسيكي الذي يعنى بالحبكة وتفاعلها بشكل تصاعدي، بحيث تتراكم الأحداث بتتابع يؤدي إلى نقطة الذروة وانكشاف الحدث النهائي. ويطرح حل لغز الجريمة - في إطار معروف ومتداول في روايات وقصص الجريمة والغموض «البوليسية» مثل أعمال أغاثا كريستي والأعمال الدرامية أو أفلام أو مسلسلات الجريمة والغموض مثل أعمال بلاك إدواردز الكوميدية أو سدني لوميت الجادة وغيرهما.

صدرت المسرحية عن دار «السرد»، قطع متوسط، في 87 صفحة. وكانت لوحة الغلاف للفنان العراقي طه سبع.