المواجهة الكولونيالية في الأدب العربي الحديث

كثير من الأعمال تفاعل مع الواقع الاستعماري بصور مختلفة

توفيق الحكيم
توفيق الحكيم
TT

المواجهة الكولونيالية في الأدب العربي الحديث

توفيق الحكيم
توفيق الحكيم

حين تطرح الوطنية والتمسك بالهوية والأرض فليس من أدب عربي يعلو على الأدب الفلسطيني

أحد الأسئلة المهمة التي استدعتها المقالة التي نشرت حول نقد الاستعمار في الوطن العربي هو: هل يوجد أدب استعمار عربي أساساً ليوجد نقد له؟ طرح السؤال أ. حمزة عليوي على هذه الصفحات، وأنا أشكره لطرحه لأنه ذكرني بأن ما نظرت إليه على أنه أمر مفروغ منه ليس كذلك بالضرورة.

غالي شكري

وكنت بالفعل قد انطلقت من تلك الفرضية التي بدت لي بدهية، لكن بما أنها طرحت للبحث فسأشير فيما يلي إلى بعض النماذج من الأدب العربي الحديث التي تؤكد وجود بل أهمية ذلك الأدب ومشروعية التساؤل من ثم عن غياب نقد ما بعد استعماري يتناول ذلك الأدب، أي نقد ينطلق على أسس نظرية تتناول الأعمال الأدبية من منظور ما بعد كولونيالي يوازي أو يشابه ما تطور في مناطق أخرى من العالم الذي تأثر بالاستعمار. فالمقصود ليس أن شيئاً لم يكتب عن ذلك الأدب، وإنما أنه، حسب علمي، لم يكتب شيء من المنظور النقدي الذي تطور تحت مسمى «النقد ما بعد الكولونيالي» أو «ما بعد الاستعماري»، بحيث تتطور نظرية أو حتى معالجة ما بعد كولونيالية في النقد العربي الحديث.

في تقديري أن غياب أي شكل من أشكال التفاعل الأدبي مع الواقع الاستعماري الذي عاشته بعض المناطق العربية (مصر، العراق، فلسطين، بلاد المغرب العربي، الخليج العربي، السودان) سيكون غريباً، بل حالة شاذة لو حدث، لأن الاحتلال البريطاني والفرنسي أو الانتداب، كما سمى نفسه، ترك أثراً يقل ويكثر حسب المناطق لكنه مهم في كل الحالات، ومن الصعب تصور غياب أي تفاعل معه. وواقع الأمر يقول غير ذلك، يقول إن التفاعل موجود، وإن الأدب كثير ومهم، لكن اللافت أن أوائل الدراسات المهمة التي تناولت ذلك الأدب من زاوية ما بعد كولونيالية كانت دراسات غير عربية، بريطانية وأميركية وربما أوروبية أخرى.

قبل الوقوف على بعض تلك الدراسات أشير إلى بعض الأعمال الشهيرة.

أبو القاسم الشابي

كيف يمكن قراءة أشهر شعراء تونس، أبي القاسم الشابي، مثلاً، دون وعي بالاحتلال الفرنسي لذلك البلد العربي؟ إنه الشابي الذي نظم «إذا الشعب يوماً أراد الحياة» في أوائل الثلاثينات، قبيل وفاته، وكان مهموماً بالاستعمار وبمقاومته مستعيراً رموزاً يعتز بها المستعمر لكي يقاومه (أسطورة بروميثيوس). وللشابي بالطبع غير ذلك من قصائد تعبر عن موقفه من الاحتلال.

وفي فترة سبقت الشابي كان أحمد شوقي في إسبانيا منفياً من قبل المستعمر الإنجليزي يلهمه حنينه إلى الوطن للتعبير عن ضيقه بما آلت إليه حاله في معارضاته الشهيرة مثل نونيته «يا نائح الطلح» وسينيته العظيمة التي يخاطب فيها وطنه محاكياً البحتري ومحتجاً على حرمانه من الوطن في البيت الشهير: «أحرام على بلابله الدوح/ حلال للطير من كل جنس؟»، ولكن رفض شوقي لم يتوقف عند احتلال الإنجليز لبلاده، وإنما امتد إلى الهم القومي حين هاجم احتلال الفرنسيين لسوريا واعتداءهم على دمشق كما تعلن بقوة قصيدتاه الشهيرتان حول العاصمة السورية «قم ناج جلق» والأخرى التي مطلعها: «سلام من صبا بردى أرق». في القصيدة الأخيرة يرد بيته الشهير: دم الثوار تعرفه فرنسا/ وتعلم أنه نور وحق. وهو بيت مقاومة بامتياز، كما هو بيته الآخر من القصيدة نفسها: وللمستعمرين وإن ألانوا/ قلوب كالحجارة لا ترق. يذكر شوقي الفرنسيين بأن ادعاءهم بأنهم بلاد الأنوار يتراجع أمام نور الحق المنبلج في دمشق بتاريخها الحضاري العريق، مثلما يتهاوى أمام بربريتهم التي يكشفها الاحتلال الغاشم.

وإلى جانب أولئك الشعراء العرب يقف شاعر الخليج خالد الفرج، في النصف الأول من القرن الماضي مهاجماً الاستعمار الإنجليزي ومستنهضاً همم الحكام العرب، لا سيما في الخليج العربي الواقع في مجمله آنذاك تحت السيطرة البريطانية. خالد الفرج صوت نهضوي مقاوم للاستعمار لا يقل قيمة وأهمية عن رصفائه من الشعراء العرب، وإن لم يعرفه الكثير من النقاد والقراء. ومن شعره قوله مخاطباً الجامعة العربية وكان أعضاؤها سبع دول:

عقدت اجتماعك يا جامعة

فهل أنت مبصرة سامعة

سئمنا الكلام فهل من فعال

فإن الأعادي بنا طامعة

أسبع عجائب هذا الزمان

نزلنا إلى درك السابعة

...

فيا رب رحماك أنقذ حماك

وخذ بيدي أمة ضائعة!

هذه النصوص الشعرية، سواء أكانت لشوقي أو للشابي أو للفرج أو للجواهري أو لغيرهم، مثل شاعر القطرين خليل مطران الذي عرف بمقاومته الشرسة للحكم العثماني، وكذلك في شعر للمهجريين، مثل إيليا أبو ماضي في قصائد عن احتلال فلسطين، أو الجواهري في نقده للمتواطئين مع المستعمر من حكام العراق:

بين اثنتين: فساسة قد أوثقوا بالأجنبي وساسة جبناء

كل تلك وغيرها لا أعرف أنها قرئت عربياً من زاوية ما بعد كولونيالية، فترددها في المنابر وفي مناهج الدراسة وفي الدراسات المختلفة لم يسلط عليها ضوءاً يربطها بغيرها من قصائد الشعراء الآخرين، ويخرج من ذلك برؤية نقدية شمولية لشعر مقاومة للمستعمر تتضمن مفاهيم أو نظريات.

ومثل النصوص الشعرية تقف الأعمال السردية والمسرحية بحاجة للاستكشاف من الزاوية النظرية نفسها، ولست هنا في مقام الحصر أو الاستقصاء لكل ما كتب من أعمال كان يمكن أن تكون مادة لتلك التحليلات، وإنما أحاول الإجابة عن سؤال ما إذا كان في الأدب العربي الحديث أدب مقاوم للاستعمار أو معني به. في سياق السرد تجب الإشارة إلى أعمال نجيب محفوظ والثلاثية بصفة خاصة، حيث نرى المقاومة المصرية المتصلة للاحتلال الإنجليزي ابتداء بثورة 1919، الثورة الحاضرة في رواية توفيق الحكيم «عودة الروح» (1933).

خليل مطران

يقول غالي شكري: «وفي تاريخ الأدب المصري الحديث تعد (عودة الروح) طليعة الأدب القومي المناضل ضد الاستعمار»، مشيراً إلى رواية أخرى لمحمود طاهر حقي بعنوان «عذراء دنشواي» التي سبقت رواية الحكيم بربع قرن، وإن لم تسبقها حسب شكري من حيث القيمة الأدبية. في تلك الأعمال وغيرها إعلاء من قيم الوطنية والهوية في سياقات سياسية ونضالية تجعل من ذلك الإعلاء فعلاً مقاوماً ومهماً من ثم للدراسات ما بعد الكولونيالية.

وحين تطرح الوطنية والتمسك بالهوية والأرض فليس من أدب عربي يعلو على الأدب الفلسطيني في كثافة استحضار تلك القيم. لقد قال إدوارد سعيد عن الأدب الفلسطيني إنه يتفرد بأنه ما زال يكتب تحت الاحتلال، أي أنه أدب مقاوم باستمرار للاستعمار أو الكولونيالية. الأدب الفلسطيني بأكمله تقريباً أدب مقاومة للمحتل. أبرز ذلك باحثون كثر منهم غالي شكري في كتابه الرائد «أدب المقاومة» (1970)، الذي اقتبست منه قبل قليل، والذي كان يمكن أن يكون رائداً لدراسات ما بعد كولونيالية لو أن ذلك التوجه استمر وتطور.

الأدب الفلسطيني درس أيضاً في الغرب من زاوية المقاوم في كتاب مهم للباحثة الأمريكية باربرا هارلو عنوانه أيضاً «أدب المقاومة» (1987) وضعت فيه الأدب الفلسطيني ضمن عدد من الآداب العالمية التي تتسم بمقاومة المحتل، فكانت بذلك تسهم في تعزيز دراسة الأدب العربي من زاوية ما بعد كولونيالية.

وأختم بالإشارة إلى دراسة غربية أخرى للأدب العربي من الزاوية ذاتها، وهي أيضاً لباحثة أمريكية اسمها تيري دي يونغ، أستاذة الأدب العربي بجامعة واشنطن، التي تناولت شعر بدر شاكر السياب من حيث هو مقاومة للاستعمار. عنوان الكتاب: «موضعة الشاعر: بدر شاكر السياب والعراق ما بعد الكولونيالي» (Placing the Poet: Badr Shakir Al-Sayyab and Postcolonial Iraq) (1998). في الكتاب توضح الباحثة أهمية المكان في قصائد السياب بوصفه «أرضية بالمعنيين الحرفي والمجازي لمقاومة وحوش الاستعمار».

هذه الدراسات النقدية وغيرها تضعنا أمام حقيقة واضحة هي كثرة الأعمال التي تفاعلت مع الواقع الاستعماري بصور مختلفة، وكان يمكن أن تستدعي تطورات نقدية موازية على المستوى العربي. وكونها استدعت تلك التطورات على المستوى الغربي دليل على أن السياق النقدي بنظرياته ومفاهيمه في أوروبا وأميركا كان حاسماً في تبلور المقاربة المنشودة.



رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.