حداثة متأخرة

وصلتنا ممزوجة بما بعد الحداثة

حداثة متأخرة
TT

حداثة متأخرة

حداثة متأخرة

خلال نصف القرن الماضي، شكَّل الجدل حول الحداثة «modernity» موضوعاً للسجال في المشهد الثقافي الخليجي. غير أن اللافت للنظر كون معظم أطراف الصراع ذوي خلفية شرعية أو أدبية. نظر «المطاوعة» إلى الحداثة بوصفها التغريب والكفر، فيما نظر الأدباء لكونها التنوير، وبين هذا وذاك غاب عن الجميع استكناه أصل المصطلح ومقاربته المشهدين الثقافي والاجتماعي في بلادهم.

بعيداً عن النظرة المتطرفة لـ«بعض» المتدينين، والتي تنمُّ عن جهل بفكرة الحداثة جعلهم يدخلون في مواجهة دونكيشوتية مع الأكاديميين، الذين قدم عدد منهم للتوّ - وقتها - من الغرب، بعد حصولهم على شهادات أكاديمية في الدراسات الأدبية، فإن المدافعين عن الحداثة، وقتها، لم يبيّنوا مفهوم الحداثة بالشكل الذي يستطيع بسيطو الاطلاع أن يفهموه. لقد كانت معركة أنتجت مصطلحاً مستفزاً - أي الحداثة - ما كان يجب أن تصل إلى ما وصلت إليه.

لقد ظهر مصطلح الحداثة ليدل على التغيرات الاجتماعية والثقافية، التي واكبت الثورة الصناعية، التي اتخذت من الآلة البخارية - والكهربائية لاحقاً - وسيلة لزيادة الإنتاج والتخصصية المؤدية لرفع مستوى الجودة. ولكن لكي نستوعب مفهوم الحداثة المواكب للصناعية، علينا أن نتناول مفهوم ما قبل الحداثة، المصاحب لمفهوم ما قبل الصناعية.

ترتبط حقبة ما قبل الحداثة بما قبل الصناعية، والتي مرت بثلاث مراحل تُلخص أساليب العيش التي انتهجها البشر في تدخلهم في الطبيعة وتطور تطويعهم لها:

> مرحلة الجامع الصياد «hunter-gatherer»، حيث يتعامل الإنسان مع الطبيعة بشكل مباشر، عن طريق اصطياد الطرائد البرية، وجمع الموارد النباتية البرية. في هذه المرحلة، يبحث الإنسان عن حاجته فقط، حيث يعيش الصيادون في مجموعات صغيرة، ولديهم سياسات بسيطة لتنظيم أمورهم في تراتبية أبوية يقوم فيها الرجل بجلب الطعام، فيما تقوم المرأة على رعاية الصغار. والمنافسة على الموارد ليست شرسة؛ كون الهدف هو تأمين الطعام لمدة قصيرة، فلا داعي للمنافسة الشرسة.

> مرحلة الرعوية «pastoral» والبستنة «horticultural»، والتي انتقل الإنسان فيها إلى مرحلة الاستقرار ببناء البيوت، وبالتالي فقد قرر أن «يجلب» الموارد الطبيعية لبيته. هنا تقدم الإنسان خطوة في تدخله في الطبيعة عن طريق استئناس بعض الحيوانات، وزرع بعض النباتات التي تمدُّه بالمواد الأساسية للغذاء والملبس. في هذه المرحلة تطور مفهوم الأسرة، وشاركت المرأة في عملية الإنتاج، ولكن الهيمنة تظل لقائد الأسرة.

> مرحلة المجتمع الزراعي «agrarian society»، حيث زاد الإنسان من تدخُّله في الطبيعة، عن طريق تطوير أساليب جديدة في الزراعة، ورعاية الحيوانات، حيث بدأ بزيادة المحاصيل، وتجفيف الفواكه والخضر، من أجل حفظها للشتاء، إضافة لصناعة الأجبان. هذه الخطوة في تحدي الطبيعة زادت من قوة الإنسان في مواجهة قسوة الحياة. واكب هذه المرحلة أهمية إنتاج أكبر عدد من الأطفال؛ من أجل توفير اليد العاملة للمزرعة، سواء كانت مملوكة أم مستأجرة بنظام الإقطاع. واحتفظ الدين بدوره في جمع الناس، في يوم إجازتهم، من أجل الصلاة وشكر الرب، إضافة للدعم المجتمعي وتفقُّد أحوال أبناء المجتمع الصغير.

حقائق

انتقلت المجتمعات الخليجية من مرحلة ما قبل الحداثة، المرتبطة بما قبل الصناعية إلى مرحلة الصناعية وما بعد الصناعية، خلال فترة وجيزة جداً جعلت العناصر الفاعلة في المشهد تتنازع حول مفاهيم غير واضحة

في كل هذه المراحل يهدف عمل الإنسان إلى إنتاج ما يستهلك أولاً، ويبيع (أو يقايض) الفائض؛ من أجل أن يحصل على ما ينقصه، ولم يكن جمع الثروة المالية هدفاً في حد ذاته، وإنما استُخدم لشراء المزيد من الأراضي لزيادة الإنتاج، وظلّ جمع كميات كبيرة من الذهب حِكراً على النُّخب الإقطاعية.

شكّل اختراع الآلة البخارية طفرة في تدخُّل الإنسان في الطبيعة عن طريق زيادة الإنتاج بشكل مكثف، حيث أصبح الهدف الأساسي للإنتاج هو البيع لا الاستهلاك. ولأن المصانع تحتاج إلى أيد عاملة، فقد أصبحت المدن هي مراكز استقطاب مَن أراد أن ينجو من الفقر ونظام الإقطاع. هنا تغيَّر شكل المسكن وأهمية التعليم الذي يرفع من سقف طموحات العامل ليتدرج وظيفياً في المصنع. تقلصت سلطة الأسرة، وتراجع دور الدين؛ كون المدن تقوم على مجتمع متنوع لا يتدخل أفراده، بشكل كبير، في خصوصيات بعضهم البعض. وهنا ازدهرت الحداثة، التي أعادت التفكير في المسلَّمات السابقة حول دور المؤسسات الاجتماعية التقليدية (الأسرة، الدين، الاقتصاد، والدولة). أصبحت فكرة «جمع الثروة» متاحة للجميع، وإن ظلت النخبة مهيمنة على الثروات، فإن النماذج التي تمكنت من الخروج من طوق الفقر إلى الغنى، قد شجّعت الكثيرين على بذل الجهد والمنافسة بصفتهم أفراداً، وهذه روح الرأسمالية التي لعبت دوراً محورياً في تكريس الفكر المادي، الذي ناسب الحداثة بوصفها ردّة فعل على التقليدية القائمة على أمور غير عقلانية (بحسب ما يراه الحداثيون)، ومنها الاعتماد على الغيبيات الدينية، أو السرديات الشعبية. جاءت الحداثة بوصفها ردّة فعل عنيفة على التقليدية، فأرادت إعادة هيكلة الأسرة، ورفع مستوى الندّيّة بين الرجل والمرأة، وتقييد دور الدين في المجال العام، وزيادة المنافسة في سوق العمل، وتسخير الدولة لخدمة الاقتصاد وليس العكس.

غيَّرت الحداثة موازين القوى، حيث استغلّت دفع الاقتصاد الصناعي المجتمع نحو التعليم، بأن رفعت سقف طموحات الطبقة العاملة للانتقال من الفقر والاعتماد على طبقة المُلّاك، إلى الطبقة المتوسطة. قلّص هذا التوجه دور المؤسسات الدينية المتحالفة مع القيادات التقليدية، لتزدهر العلمانية بوجهيْها الليبرالي الفردي، والاشتراكي الثوري، على اختلافهما الذي قد يصل إلى حد التناقض، ولكنهما يتفقان في إعادة صياغة المجال العام. هنا ازدهر المنهج البنيوي، القائم على مقاربة البنى الاجتماعية، واللغوية، والاقتصادية، والثقافية، عن طريق استكشاف العلاقات الداخلية للعناصر الأساسية في تلك البنى، والتعرف على المعاني التي تقوم عليها تلك البنى؛ من أجل خلق ثقافة مادية يمكن قياسها بشكل عقلاني بعيداً عن عالم الماورائيات.

لم يتوقف التطور التقني عند الآلة البخارية والكهربائية، فقد تطورت التقنية لتشمل الحوسبة، مُلغية بذلك كثيراً من الوظائف التي يقوم بها البشر، وأصبح لزاماً على الأفراد أن يبحثوا عن أعمال تتجاوز مسألة الإنتاج الذي هيمنت عليه الآلة. هذا ما يُعرَف بمرحلة ما بعد الصناعية «post-industrialism»، حيث تحوَّل سوق العمل إلى «الخِدمية»، بدلاً من «الإنتاجية». وبنظرة سريعة على سوق العمل في هذه المرحلة، سنجد معظم الوظائف، التي يقوم بها الإنسان، تُصنَّف في دائرة الخدمة وليس الإنتاج (طبابة، رعاية، تعليم، خدمة عملاء...). لقد تطورت التقنية بشكل مطّرد مع الذكاء الاصطناعي (بدءاً بالتطور الهائل للكمبيوترات في الستينات) لدرجة تجاوزت القدرة الاستيعابية للبشر لأن يواكبوا التطور التكنولوجي. هنا ينتقل الإنسان ثقافياً واجتماعياً إلى مرحلة ما بعد الحداثة «post-modernity»، والتي توجَّه فيها الفلاسفة إلى طرح التساؤلات على المسلَّمات المهيمنة.

تميزت مرحلة ما بعد الحداثة بالشكوكية العالية، والنسبية، والذاتية في الطرح. تحولت الحقائق الفكرية إلى مجرد وجهات نظر، ثم لحقتها الحقائق المادية، لتكون هي الأخرى وجهات نظر، وحصل فلاسفة ما بعد الحداثة على دعم مطّرد من بعض العلماء التجريبيين الذين رفدوا التشكيك المعرفي بجدل يقوم على الاستدلال المخبري (الكيميائي والحيوي). لنأخذ، على سبيل المثال، مسائل الهويات الجندرية والجنسية، والتي تحولت من مسلَّمات قطعية، كون المثلية مرضاً نفسياً يجب إخضاعه للعلاج إلى تطبيعه وتشخيص مَن يرفض «شرعيته» بأن عليه أن يتعالج من رهاب المثلية. لم يكن بوسع الفلاسفة، المناصرين لهذا التوجه، أن يتمكنوا من الدفاع عن هذا التوجه لو لم يتوفر لديهم دعم من باحثين في مجالات الأحياء والطب. يهدف هذا التوجه الجديد في المجال الإكلينيكي لأن يصوّر التقسيم التقليدي ذكر/ رجل، وأنثى/ امرأة، بأنه قد أضحى أمراً من الماضي الذي يجب تجاوزه. وهنا تتجلى لعبة ما بعد الحداثة فلسفياً في المجال التطبيقي، فلقد لعبت «التشكيكية» دور المُسائل عن شرعية التقسيم التقليدي، لترفدها «النسبية» بطرح فكرة كون الموضوع غير واضح، كما قد يعتقد البعض، لتأتي «الذاتية/ الفردية» معطية الحق للأفراد بأن يقرروا هوياتهم، بناء على شعورهم الذاتي، الذي يستند إلى نسبية الحقيقة التي تم التشكيك فيها. هذا المثال نستطيع طرحه على أمثلة أخرى حول الهويات الجديدة، التي يتم التسويق لها في أوروبا وشمال أمريكا بوصفها تحريراً للعقل من الموروث يتجاوز الفلسفة ليستشهد بالمختبر.

مما سبق نطرح تساؤلاً حول أصل فكرة الحداثة، التي شغلت المشهد الثقافي في الخليج، خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي، وكيف أن أطراف النزاع قد أغفلت السؤال الأهم؛ وهو: كيف لنا أن نفكر في الحداثة وقد وصلتنا ممزوجة بما بعد الحداثة؟ فلقد انتقلت المجتمعات الخليجية من مرحلة ما قبل الحداثة، المرتبطة بما قبل الصناعية، إلى مرحلة الصناعية وما بعد الصناعية، خلال فترة وجيزة جداً جعلت العناصر الفاعلة في المشهد تتنازع حول مفاهيم غير واضحة.

* أستاذ علم الاجتماع بجامعة غراند فالي، وباحث غير مقيم في معهد الشرق الأوسط ـ واشنطن



في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
TT

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)

تتبع مجلة «القافلة» السعودية، التي تصدرها شركة أرامكو، في عددها الجديد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)، مسيرة الفكر الإنساني وتطوره من تاريخ «السُّلم»، العنصر المعماري ذي الدلالات والرموز الثقافية، وصولاً إلى تساؤلات العصر الحديث عن التنوع الثقافي وضمان عدالتها.

العدالة الثقافية

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مفهوم «العدالة الثقافية» بوصفها أساساً لتطور المجتمع ولضمان وصول الثقافة إلى الجميع، بتتبع نشأة هذا المفهوم وتوسّعه عالميّاً مشمولاً بالتنوع والتمثيل الرقمي، وحقوق الثقافات المختلفة.

يرى الدكتور محمود الضبع أن القوة الناعمة ترتبط بالعدالة الثقافية، مؤكداً أن الثقافة موردٌ إنتاجي واستراتيجي يستلزم سياسات داعمة، في حين يتناول الدكتور عبد الواحد الحميد التحديات المرتبطة بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي في المملكة، مبرزاً الحاجة إلى دعم موجّه يضمن شمول الثقافة للجميع.

الخوف من الكتب

في قسم «أدب وفنون»، تتتبّع ندى حطيط تاريخ الخوف من الكتب من حيث إنها «سمٌّ وترياق»، مُسلّطةً الضوء على قدرتها على تغيير الوعي، انطلاقاً من الفلسفة القديمة إلى الرقابة الحديثة. ويقرأ الدكتور سعيد يقطين تحولات مفهوم «الالتزام الأدبي» منتقداً استنساخ المفاهيم الغربية. كما يبرز الدكتور مسفر القحطاني أهمية تأسيس المعهد الملكي للإنثروبولوجيا الذي سيشكل نقلةً معرفية لدراسة الإنسان السعودي وفهم الهوية الثقافية بعمق، في حين يرصد الكاتب عبد الرحمن السليمان سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي، ويقدم الدكتور سعيد بنكراد رؤيته للثقافة، التي هي ترويض للطبيعة وبناء رمزي للإنسان؛ مُشكِّلةً بذلك الهوية والسلوك والمعنى.

يتناول العدد الجديد من «القافلة» سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي

الثقوب السوداء

في قسم «علوم»، يتناول الدكتور نضال قسوم تطوّر فهمنا للثقوب السوداء ابتداءً من مجرد طرحها فرضيةً فيزيائية إلى تصويرها المباشر منذ عام 2019م. ويناقش الدكتور عبد الهادي الهباد اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، الحالة الناتجة عن تفاعل عوامل بيولوجية وبيئية متعددة، مؤكداً تأثير أنماط الحياة الرقمية الحديثة في تشكيل الانتباه. وفي زاوية «مجهر»، تتناول الدكتورة ندى الأحمدي ظاهرة انخفاض سن البلوغ لدى الفتيات عالميّاً.

أسرار الحدس

في قسم «آفاق»، تناقش الدكتورة سماهر الضامن «الحدس» بوصفه معرفةً لاواعية متجسدة، وتستعرض تحوّله في عصر التقنيات العصبية وما بعد الإنسانية. وتشرح آلاء الحاجي دور الفن في العلاج لتنظيم المشاعر حين تعجز اللغة عن التعبير عن الصدمات. كما يتناول ناصر الرباط الحديقة الإسلامية التي شكّلت استجابة بيئية للندرة، بينما يأخذنا أشرف فقيه في زاوية «عين وعدسة» إلى آيسلندا، الجزيرة البركانية التي تجمع بين الجليد والنار.

السُّلم... ارتقاء معماري

يختتم العدد بملف خاص عن «السُّلم»، يستعرض تاريخه بوصفه عنصراً معماريّاً تطور من أشكال طبيعية بدائية إلى رموز دينية واجتماعية وجمالية عبر العصور. كما يناقش دلالاته الثقافية والرمزية في اللغة، والفنون، والسينما، حيث تمثل الصعود والهبوط والتحولات النفسية والوجودية، مبرزاً دوره الحضري بوصفه فضاءً للتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وفي قراءةٍ للمشهد الثقافي، يسلّط العدد 716 الضوء على إشكالية التلقي الفني وتحوّل العمل الفني إلى صناعةٍ خاضعة لذائقة الجمهور وفق تحليل الدكتور علي زعلة. كما يحتفي العدد بجماليات اللحظات العابرة، من خلال استعراض تجربة الفنان كميل حوّا في زاوية «ضوء»، ويتطرق كذلك لبرنامج «العلم + أدب» الرامي لإعادة صياغة المفاهيم العلمية ضمن قوالب إنسانية مؤثرة، ليضع بين يدي القارئ مزيجاً فريداً يوازن بين التأمل الفكري العميق ومتعة استكشاف الحياة وتنوعها.


نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.