د. سعيد الصقلاوي: المبدعون العُمانيون سجّلوا حضورهم عربياً في الشعر والرواية

يرى أن الشعر والعمارة يستخدمان معايير جمالية مشتركة

د. سعيد الصقلاوي
د. سعيد الصقلاوي
TT

د. سعيد الصقلاوي: المبدعون العُمانيون سجّلوا حضورهم عربياً في الشعر والرواية

د. سعيد الصقلاوي
د. سعيد الصقلاوي

يجمع الدكتور سعيد الصقلاوي، عضو مجلس الدولة، ورئيس الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، بين الشعر والنقد والهندسية المعمارية. إلى جانب دوره عضواً في مجلس الدولة، ورئيساً لجمعية الكتاب والأدباء في عُمان، فهو حاصل على بكالوريوس في تخطيط المدن والأقاليم (القاهرة)، والماجستير في التصميم الهندسي الحضري من جامعة ليفربول ببريطانيا (1992)، وفاز أحد مشاريعه للإسكان الاجتماعي بجائزة مجلس وزراء الإسكان العرب، كما حاز على كثير من الجوائز، وهو عضو في الجمعية الأميركية للتخطيط.

أصْدَر كثيراً من الدواوين الشعرية؛ منها: «ترنيمة الأمل» و«أنت لي قدر»، و«صحوة القمر» و«أجنحة النهار» و«نشيد الماء» و«وصايا قيد الأرض» (2015)، وغيرها.

وصدر له في مجال الدراسات الأدبية والتاريخية «شعراء عمانيون»، و«الشيخ عبد الله الخليلي كلاسيكية متجدّدة»، و«موسوعة التحصينات العمانية... سيرة تاريخية ومكانية ومعمارية» (7 أجزاء).

هنا لنا حوار معه:

(*) كونك مهندساً معمارياً؛ هل ترى ثمة علاقة بين الشعر والعمارة؟ نعرف أنك تحمل الماجستير في التصميم الهندسي الحضري من جامعة ليفربول ببريطانيا، وفاز أحد مشاريعك للإسكان الاجتماعي بجائزة مجلس وزراء الإسكان العرب، وعلى عدة جوائز أخرى.

- تتحقق العلاقات بين الشعر والعمارة على صعد شتى منها. إن محور التعاطي والاستهداف هو الإنسان؛ من الناحية الثقافية والاجتماعية. فالعمارة تسعى إلى تحقيق الرضا الإنساني من خلال المنجز المعماري الذي يستفيد منه الإنسان ويتعاطى معه مكانياً وروحانياً واجتماعياً واقتصادياً وزمانياً، وكذلك الشعر فهو يبدع للإنسان وعن الإنسان. ومن الناحية الجمالية فإن كليهما يسعى إلى تقديم الجمال للإنسان والحرص على رقيه الروحاني والإنساني، والانحياز إلى جماليات مشاهد التصوير الفني البصري والنفسي.

والمشترك بين الشعر والعمارة أن كليهما عضو في منظومة الفنون الجميلة. فلسفياً يستخدمان معايير جمالية مشتركة؛ منها الإيقاع والتكرار والابتكار والتماثل والانسجام والاتساق والوزن الكتلي والتوازن الحجمي والرضا النفسي والخيال والمقياس الإنساني والحركة والعلامة والسيماء والتشكيل البصري والبلاغة التعبيرية وغيرها.

(*) لديك أعمال شعرية تتنوع فيها القصائد بين الشعر العمودي والشعر الحر، مثل مجموعتك «وصايا قيد الأرض»، وديوانك «ما تبقى من صحف الوجد»... كيف ترى انتقالك من العمودي إلى التفعيلي؟

- ظاهرة مراوحة انتقالي بين الشكلين: الشعر العمودي والشعر الحر (التفعيلة)، ليست جديدة. بل إن ديواني الأول «ترنيمة الأمل» الصادر في عام 1975 يُعد من الإصدارات العمانية السباقة في تقديم نموذج الشعر الحر (شعر التفعيلة) إلى ساحة الشعر العماني. بل وحمل الديوان عنوان قصيدة من الشعر الحر التفعيلي وهي قصيدة «ترنيمة الأمل». واستمرت الإصدارات جميعها متضمنة قصائد للشعر الحر التفعيلي بجانب قصائد الشعر العمودي. أما في ديوان «وصايا قيد الأرض» فقد قدمت نماذج للشعر تلتزم الشعرية والموسيقى وتتحرر من سلطة الإيقاع. وهناك فرق بين الإيقاع باعتباره سلطة منتظمة والموسيقى باعتبارها تآلفات تركيبية منسجمة.

(*) وماذا عن قصيدة النثر؟

- ما يدعى بقصيدة النثر أنا أسميها «النثيرة»، هذا النوع من الكتابة إضافة إبداعية لها مبدعوها المتميزون فيها. وقد كثفوا جهودهم لتحقيق وجودها في سيرة الشعر العربي من عمان والخليج العربي إلى المغرب والمحيط الأطلسي.

(*) بالرغم من أن التجربة الشعرية في عمان عرفت قصيدة النثر منذ الثمانينات والتسعينات، فإنها بقيت محدودة ولم تتمدد في الفضاء الشعري... لماذا بقيت قصيدة النثر غريبة في عُمان؟

- قصيدة النثر (النثيرة) شهدت تصاعداً منذ بواكيرها إلى مدى زمني نتيجة لعوامل كثيرة. أهمها الكتابة والإنجاز فيها والتكريس الإعلامي والنشر الصحافي في المجلات والجرائد وطباعة ونشر الدواوين ومحاولة التنظير لها، ولكنها لم تكتمل بمشروع نقدي معياري واضح. لقد تصدّر ترويجها في الساحة الثقافية العربية، ولكنها بالرغم من ذلك اصطدمت أولاً بالجانب الأكاديمي ومؤسساته، ومنها من رفض إدراجها في برامج مؤسساته ثقافياً وإبداعاً أدبياً، وبالتالي رفض تناولها بالدرس وطرحها مجالاً للدراسات والأطروحات البحثية على مستوى الماجستير والدكتوراه. وثانياً، اصطدمت بالموروث الشعري والذائقة السمعية والرضا النفسي وبالتواصل الوجداني والمفاهيمي ثالثاً.

(*) مجموعتك «وصايا قيد الأرض»، تتناول ثيمات إنسانية تعلي من قيم الحرية والعدالة والإخاء... في هذا الديوان؛ هل حقاً أن «الملّاح العُماني يستردّ صورته»، كما وصفك الناقد والأكاديمي د. محمد حسن عبد الله في تقديمه؟

- ديوان «وصايا قيد الأرض» يتضمن الثيمات الإنسانية المتصلة بكل ما أشرت إليه أنت، وأشكرك على هذه القراءة النافذة بصيرة إلى عمق المحتوى، وهي قراءة كاشفة في هذا الديوان. كما أقدم الشكر وافره والامتنان لأستاذنا الناقد الكبير أ. د. محمد حسن عبد الله الذي جعل أيقونة دراسته لتجربتي الشعرية، هذا العنوان اللافت والمعبر عن مكامن صورة الملاح العماني التي كانت شاخصة في التاريخ بزهو سيرتها وصيرورتها الحضارية ومحبة عطاءاتها الإنسانية وامتداد تواصلها الثقافي وأصالة منظومة قيمها النبيلة. وفي منظور ذلك فإن الملاح العماني باعتباره مبدعاً؛ ينتمي إلى أصالته، ويسعى حثيثاً إلى التمسك بإشراق صورته الحضارية ويعمل على استدامتها فكراً مستنيراً وعطاءً متسعاً وقلوباً متآخية وأكفاً متساندة وتوجهات مدودة بسلام للإنسان في كل مكان.

(*) تُرجم لك عدد من القصائد إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية، كيف تسهم ترجمة الشعر في خلق فضاءات مشتركة مع الآخر؟

- مما لا شك فيه، فإن الترجمة هي الجسور التي تعبر عليها الثقافات والعلوم وتستقر في محطات حضارية تنشر فيها الضياء المعرفي وتمحو ظلام الجهل بالآخر وتبستن فيها حقول الفكر فتزهر تجديدات الأفكار والابتكار. وما من أمة نمت وتطورت إلا وكان للترجمة نصيب وافر من ذلك المحصول السخي. وتحرص الأمم الحاضرة جميعها على ترجمة ما تنتجه الشعوب الأخرى. وتفتح الترجمة بوابات التواصل الحضاري. فالعرب ترجموا العلوم فعرفوا بذلك غيرهم واستفادوا منها في نهوضهم، وهذا ما تفعله الأمم الأخرى. بالترجمة عرفنا الفلاسفة والشعراء والأدباء والمؤرخين والعلماء والأطباء من غير العرب. وهنا تكمن مساهمة الترجمة في خلق فضاءات شعرية ومناخات أدبية وشبكات علمية وغيرها من ضروب الاتصال والتواصل.

(*) لماذا لا يزال التفاعل بين المثقف العماني ومحيطه والعالم الخارجي محدوداً؟

- هناك تفاعل لافت للعيان بين المثقف العماني والمحيط داخلياً وخارجياً. يظهر ذلك بجلاء في الحضور العماني المشهود في الفعاليات الثقافية ومعارض الكتب والفنون الدولية والندوات العلمية والمهرجانات الثقافية والمؤتمرات الأدبية عربياً وعالمياً. تلك التي تسهم فيها مشاركات المثقف العماني بحضوره الفاعل والكاتب العماني ببحوثه ودراساته والأديب العماني بإبداعاته المتنوعة.

(*) كيف تصف التجارب الشابة في عُمان... في مختلف مسارات العمل الثقافي والإبداعي؟

- التجارب الشابة العمانية في مختلف المسارات تدرك أهمية أن تكون متقنةً فنون إبداعها، وهي في هذا الخصوص تتابع كل جديد وتنهل من تراثها، والتراث العالمي، مستفيدة من تثاقفها محلياً وخارجياً، وموظفةً هذا التثاقف في إبداع أعمال أدبية شديدة الجودة مما مكنها من الفوز على شتى الصعد. وإن الجوائز التي حصدها الشباب المبدع العماني في المسابقات الثقافية في الشارقة والفجيرة وقطر رغم شدة التنافس وعنفوانه تعبر بوضوح عن نضج التجربة وعمق الثقافة وإتقان فن الكتابة في المسارات المختلفة.

(*) لماذا تتقدم حركة الشعر في عُمان على الرواية... بالرغم من بروز بعض التجارب الروائية وصل بعضها إلى العالمية مثل أعمال جوخة الحارثي... حتى القصة تبدو أكثر انتعاشاً من الرواية؟

- كما تعلم فإن فن الرواية له سماته وأساليبه واشتراطاته. ولقد فازت هدى وبدرية البدري، وشريفة التوبي، ومحمود الرحبي، وغيرهم عديدون بجائزة الرواية. كذلك فاز الشعر العماني ممثلاً في بدرية البدري، وجمال الملا، بجائزة شاعر الرسول. وعائشة السيفي التي أخذت إمارة الشعر كأول امرأة عربية، وحسن المطروشي الذي فاز في إيطاليا. وغيرهم عديدون. ولعلنا نلاحظ مسايرة الرواية وتزامنها مع الشعر في السير المتوازي في مجالين أدبيين يحاول اللحاق بهما أدب الطفل والدراسات النقدية التي فازت مرات عديدة في جائزة الجمعية للإبداع الأدبي وكذلك جائزة الشارقة، وكذلك في الجائزة التي ترعاها إمارة الفجيرة، وفازت د. وفاء الشامسي عربياً بجائزة القصة للطفل.

(*) ألا ترون أن المركزية التي يحتلها التراث العماني في الأعمال الأدبية أسهمت في تأخير التفاعل مع التجربة الحداثية؟

- التراث العماني زاخر بالنفائس وعلينا سبره والتفاعل معه وإعادة بثه في صور وأنماط معاصرة. ويتأتى ذلك من خلال فهمه وقراءته وفق الأسس والملامح والمناهج المعاصرة، وتوظيفه فيما يخدم الثقافة المعاصرة ويزودها بما يفيد رؤاها وتطلعاتها. وهو بذلك كنز لا ينبغي إهماله والجنوح عنه وإغفاله. وتتعالق الصلات بين الحداثة والتراث في مكامن القواسم المشتركة التي يطل بها التراث العماني على الحداثة الثقافية مفاهيمياً واستيعاباً وتداولاً ومن ثم إبداعاً حديثاً متواصلاً.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.