سارة ضاهر: العربية الفصحى ما زالت تعتمد على المضامين والأساليب الجامدة

رئيسة المجمع اللغوي اللبناني ترد على تهمة التخلف أمام متغيرات العصر

د.سارة ظاهر
د.سارة ظاهر
TT

سارة ضاهر: العربية الفصحى ما زالت تعتمد على المضامين والأساليب الجامدة

د.سارة ظاهر
د.سارة ظاهر

يؤخذ على المجامع اللغوية، بينها المجمع اللغوي اللبناني، جمودها وعدم مواكبتها للعصر لغوياً، لكن رئيسة المجمع اللغوي اللبناني سارة ضاهر، الحائزة على دكتوراه في اللغة العربية، والكاتبة في النقد الأدبي، ترد على تهمة تخلف المجامع اللغوية وفقدانها دورها التفاعلي مع العصر الذي نعيش، بقولها إنّ «اللغة التي لا نبتكر بها تبقى جامدة، ولا مفر من التجديد والاكتشاف».

هنا حوار معها:

> أي دور للمجمع اللغوي اللبناني في مواكبة متغيّرات عصرنا؟

- تطلّب الانفتاح على العالم العربي ضرورة تأسيس مجمع للغة العربية في لبنان يكون خاصاً غير حكومي، بغياب مجمع علمي رسمي يعمل كسائر المجامع العربية. في عام 1928، تأسّس مجمع رسمي لم تؤازره السلطات، فلم يمارس نشاطه؛ ومنذ ذلك الوقت لم يتأسس مجمع آخر، فأخذنا المبادرة لإنشاء هذا المجمع الخاص.

أما بالنسبة إلى الدور الذي نمارسه، فنحن نرى أنّ اللغة العربية الفصحى هي أساساً لغة أكاديمية حاضرة في المدارس والجامعات، وهي لغة مهنيّة يتم التواصل من خلالها واستخدامها في بعض المهن كالإعلام والإدارات، لكنها ليست لغة تواصل اجتماعي؛ إذ تحل محلها في هذا المجال اللغة العامية التي نتحدث بها، لذلك أخذنا المبادرة لنشر اللغة العربية الفصحى في المجتمع، ومحاكاة مختلف فئاته. وجّهنا نشاطاتنا نحو هذا الهدف الجوهري، فتعاملنا مثلاً مع السيدات عبر برامج محو الأمية وتعليمهن الخط العربي في التطريز لدعمهن اقتصادياً، وفي الوقت عينه لتعليمهن اللغة العربية. وعبر جائزة «بالعربية»، توجّهنا إلى المساجين والمسنين ودور الأيتام... مما دفعنا إلى مشروع آخر قوامه تنمية نوع جديد من أنواع الأدب تمت تسميته «أدب السجون». كما نظّمنا زيارات تثقيفية إلى هذه الفئات الاجتماعية الخاصة لتنمية مواهب مَن يهوون الغناء بالفصحى ومَن لديهم شغف التمثيل أو الكتابة، لمساعدتهم على التطوّر وتمكينهم من استعمال العربية الفصحى بشكل عفوي.

> لكن اللغة العربية في حال يرثى لها في لبنان كدول عربية أخرى... هل يكتمل دور المجمع اللغوي دون مساهمة فعّالة في تدارك هذه الحالة البائسة؟

- هذه الحالة لا ترتبط باللغة العربية الفصحى، فنحن من المقتنعين أنها بألف خير؛ لكننا نحن الذين لم نجدّد، لم نبتكر، لم نكتشف، لم نخترع، بل اتكأنا في كل ما نحتاج إليه، سواء أكان تكنولوجياً، أم طبياً، أم ثقافياً، أم معرفياً، على الغرب. اللغة التي لا نفكر ولا نبتكر بها تبقى جامدة. هي مسؤوليتنا ولن تتجدد من تلقائها، بل علينا إطلاق المبادرات. مردُّ هذا البؤس إلى أسباب اقتصادية اجتماعية ثقافية سياسية، ليست متأتية عن اللغة العربية ذاتها، بل عن الوضع المأساوي العربي على صعيدي الإبداع والإنتاج.

> لنتناول إشكالية القواميس العربية، هل يولي المجمع اللبناني أهمية لضرورة مواكبة العالم المعاصر الغني بمفردات جديدة، والمختلف كلياً عما أصبح بائداً؟

- يساهم المجمع في إعداد «المعجم التاريخي للغة العربية»، وهو إنجاز مهم لمجمع اللغة العربية في الشارقة، بالتعاون مع اتحاد مجامع اللغة العربية. ويجري أيضاً العمل على إطلاق مشروعين خاصّين في هذا الإطار؛ يرصد الأول استعمال اللغة العربية الفصحى في الميادين كافة، وإحصاء أكثر المفردات تواتراً في النتاج العربي الحديث، ويساهم الثاني في الورشة الاصطلاحية العربية العامة الهادفة إلى مقاربة إدخال المفردات والمصطلحات الحديثة إلى اللغة العربية، ومجابهة الفوضى الحاصلة جراء الترجمة الحرفية وانتشار المصطلحات عشوائياً. نحاول الاجتماع بمختلف الجهات التي تُعنى بإدخال المصطلحات بالطرق العلمية ووفق المعايير الدولية المعتمدة إلى اللغة العربية، لتوحيد الجهود ورسم قواعد علمية موحّدة يلتزم بها الجميع، من الخليج إلى المحيط.

> المجامع العربية مُتهمة بالعجز عن التطوّر... فلنعترف أنها تهمة عادلة!

- المسألة ليست قضية عجز. نستطيع القول إنّ عملية خلق الكلمات الجديدة تقتصر فقط على الترجمة؛ لأنها لا تنبع أصلاً من العالم العربي، بل يتم استيرادها. هذه التهمة، إذا جاز التعبير، هي عادلة وغير عادلة: فالمجامع عاجزة عن خلق مفردات جديدة جراء الافتقار لمبادرات في مختلف المجالات؛ الطبية أو العلمية أو التكنولوجية، ولكن في الوقت عينه هذه المسؤولية في خلق المبادرات لا تقع عليها، وجلّ ما يمكنها فعله هو ألا تقتصر أعمالها على الأبحاث النظرية التقليدية، والمؤتمرات اللغوية والتربوية المحصورة بالمدارس وبعض المتخصّصين.

> أين يكمن جوهر المشكلة؟ ما أسباب هذا الانصراف عن العربية؟

- المشكلة الحقيقية هي في الجيل الناشئ، أطفالاً وشباباً. فعندما تنتهي دراستهم، يبتعدون عن اللغة العربية ولا يلتفتون إليها؛ لكونهم يتواصلون في حياتهم اليومية باللهجة العامية، ولا حاجة لهم إلى الفصحى. كذلك في أعمالهم؛ إذ تتم المراسلات والمعاملات غالباً بالإنجليزية، ليسري ذلك على أبحاثهم واجتماعاتهم.

على المؤسسات الرسمية والمجامع، العمل على جذب أفراد المجتمع من خلال الاهتمام بتفعيل اللغة الفصحى وتنشيطها، وتشجيعهم على إطلاق مبادرات إبداعية وتعبيرية في مجالاتهم بالفصحى.

نتيجة أبحاث ودراسات مقارنة أجريناها من الصف الأول الأساسي إلى الثاني عشر الثانوي، بين مقررات اللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، تبين لنا أنّ المواضيع والمقاربات التي تعتمدها اللغتان الإنجليزية والفرنسية تنطلق من الأجواء المعاصرة، في حين لا تزال العربية الفصحى تعتمد على المضامين والأساليب التقليدية الجامدة، وهذا عامل يؤثر كثيراً في جذب المتعلّم وترغيبه باللغة الفصحى.

> هل من خطط إنقاذ؟

- بالطبع ثمة خطط حيال إدخال مفردات جديدة إلى اللغة العربية، والعمل على إعداد مرجع عربي للغة العربية كالمرجع الأوروبي، وعلى إدخال اللغة الفصحى في اهتمامات أبناء المجتمع اليومية من خلال برامج متنوعة، وكذلك العمل على المصطلحات ورصد اللغة العربية الأساسية اليوم، لننطلق من هذا الأساس لإعداد قواميس جديدة.

> أي مستقبل للمجامع اللغوية في لبنان والعالم العربي؟

- مستقبل هذه المجامع مرهون بمدى قابليتها على التطوّر ودمج المجتمع باللغة العربية الفصحى من خلال مبادرات، منها التشجيع على إصدار قوانين خاصة باستخدام اللغة العربية وبوضع القوانين المتعلقة باقتراح المصطلحات الجديدة وتوحيدها.

> وإلا فسنشهد موت هذه المجامع، وفي أقل تقدير إحالتها على التقاعد...

- تموت هذه المجامع عندما تموت الهوية العربية؛ لأنّ اللغة هي جزء أساسي من كيان الإنسان وتفرّده وهويته، وإذا لم تتطوّر بمقارباتها ومضامينها وأساليبها مراعاة لتطوّر العصر ومستجداته، تذهب مع الهوية العربيّة التي تحملها، وتتبعها المجامع.

نحتاج إلى عوامل مساعدة للحفاظ على هويتنا ولغتنا. لنذكر ما يحدث مع اللغة الفرنسية، وكيف غلبتها الإنجليزية فأصبحت لغة التواصل عالمياً. ذلك دليل على أنّ اللغة تتأثر بالأحداث الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ولكن في الوقت عينه، تختلف مشكلة اللغة العربية عن مشاكل اللغات الأخرى؛ لأنها مزدوجة؛ فمعاناتها متأتية من وضع محيطها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وتأرجحها بين الفصحى والعامية. من هنا أهمية العمل على تطوير وضع محيطها وتحديثه، والتوازن بين وجهيها المتلازمين؛ الفصحى والعامية.



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».