في البدء كان النص ما بعد الاستعماري ثم كان التنظير والنقد

المُسْتَعْمِر الأوروبي ترك مقابره وسجونه في كل مستعمراته ولغاته وآدابه في بعضها

بيل آشكروفت وبن أوكري
بيل آشكروفت وبن أوكري
TT

في البدء كان النص ما بعد الاستعماري ثم كان التنظير والنقد

بيل آشكروفت وبن أوكري
بيل آشكروفت وبن أوكري

لا يمكن أن يوجد نقد أو نظرية من دون نصوص سابقة على وجودهما. فقبل «بوطيقيا أرسطو» (نظريته عن المسرح) على سبيل المثال، والأمثلة كثيرة، كانت مسرحيات أسخيلوس وسوفوكليس وأرستوفين ويوربيديس سبب وجود النظرية الأرسطية، مثلما كان الشعر العربي سبب وجود بحور وأوزان الخليل بن أحمد الفراهيدي، فالفراهيدي لم يبتكر أو يستنبط بحوره وأوزانه من الهواء، لم ينشئها من اللاشيء. وينطبق الكلام نفسه على آداب ونظرية ما بعد الاستعمار. ففي البدء، كان النص ما بعد الاستعماري، ثم كان التنظير والنقد. على خلفية كهذه من الفهم للعلاقة بين النص والنقد أو النظرية، جاء تساؤل د. حمزة عليوي: «هل لدينا أدب ما بعد الاستعمار ليكون لدينا نقد له؟» على رأس مقالة كتبها تعقيباً على مقالة د. سعد البازعي: «النقد ما بعد الاستعماري... لِمَ لم يتطور في العالم العربي؟».

قد كفاني د. عليوي مؤونة طرح الأسئلة التي أرى أنه ينبغي طرحها عن وجود أدب عربي ما بعد استعماري، أو عن عدم وجوده، ومن ثم السعي إلى الإجابة عنها قبل الإسراع إلى التساؤل عن عدم تطور النقد ما بعد الاستعماري في العالم العربي، وقبل طرح ما قد يراه البعض اتهاماً للنقاد العرب بالتقصير والعجز، وعدم الالتفات، على نحو جاد، حسب د. البازعي، «إلى أثر الاستعمار في الرواية أو الشعر أو المسرح إلا من باب التأثر بالآخر، وهذا ما ليس يعنى به النقد ما بعد الاستعماري».

جاء تجاوبي مع مقالة د. البازعي، المعبر عن اختلافي معه حول ما طرحه، على شكل سلسلة قصيرة من الـ«رُبَّمات» (جمع ربما) لأنني بصراحة لا أملك المعرفة التي تؤهلني للتحدث عن الموضوع حديث العارف المتيقن. فكانت أول ربما، ربما لا توجد نصوص أدبية عربية ما بعد استعمارية؛ ثم ربما تكون موجودة ولكن غير متوفرة بسهولة في متناول الناقد، وربما موجودة ولكن لم يجد فيها النقد ما يدفعه إلى التطور، وربما قليلة جداً لدرجة أنها لم تشكل ما يَعُدُّه إيان آدم وهيلين تفن أرشيف ما بعد الاستعمار الأول، ويذكرانه في مقدمة الكتاب الذي جمعا وحررا مادته بالعنوان «بعد البَعْد الأخيرة... تنظير لما بعد الاستعمار وما بعد الحداثة» الذي صدر في 1990، أي بعد عام من صدور «الإمبراطورية ترد بالكتابة... النظرية والتطبيق في آداب ما بعد الاستعمار، 1989» الذي شاركت هيلين تفن في تأليفه مع بيل آشكروفت وغاريث غريفيثس.

يُعرِّف آدم وتِفن ما بعد الاستعمار / الكولونيالية بتوضيح أنها تتألف من أرشيفين؛ يؤسسها الأرشيف الأول ككتابة متجذرة في «المجتمعات التي شكلت ذواتها جزئياً القوةُ المُخْضِعة للاستعمار الأوروبي، أي الكتابة الصادرة من البلدان أو الأقاليم التي كانت مستعمرات لأوروبا في السابق». أما الأرشيف الثاني لما بعد الاستعمار فيتمثل في منظومة الممارسات الخطابية، التي من أبرزها مقاومة الاستعمار والآيديولوجيات الاستعمارية وأشكالهما المعاصرة. والعلاقة بين الأرشيفين قوية، وفي غاية الوضوح، فالأرشيف الأول، أدب ما بعد الاستعمار، يشكل خطاباً له دوره الهام والفاعل في مقاومة الاستعمار بكل أشكاله وتمظهراته.

إن مقاومة الاستعمار بكل بأساليبه وممارساته المعاصرة أيضاً، في صميم تنظير وتعريف إِلِكَه بومر لأدب ما بعد الاستعمار في كتابها الموسوم «أدب الاستعمار وما بعد الاستعمار، 1995». تُعَرِّفُ بومر ما بعد الاستعمار بأنه «الوضع الذي يسعى فيه المُسْتَعْمَرُون إلى أخذ مكانهم كذوات تاريخية سواء بالقوة أم بغيرها». وتقترح أنه بدلاً من تعريف أدب ما بعد الاستعمار، على نحو ضيق، بأنه الكتابة التي جاءت في أعقاب الإمبراطورية، ينبغي أن تُرى أنها الكتابة التي تقاوم وتعارض وجهات النظر الإمبريالية، وأنها جزء لا يتجزأ من عملية التحرر من الاستعمار. وتضيف أن أدب ما بعد الاستعمار يسهم في مشروع «الترميم الرمزي» الذي يتطلبه إنهاء الاستعمار من خلال «التقويض الشكلي والثيمي للخطابات التي دعمت الاستعمار؛ أساطير القوة، تصنيفات الأعراق وصور التبعية» .

إن الأرشيف الأول ذاته هو موضوع التنظير والتطبيق في «الإمبراطورية ترد بالكتابة» كما في كتاب إلكه بومر، وهو في الحقيقة أدب أو آداب المستعمرات البريطانية السابقة، أدب دول الكومنولث كما كان يسمى سابقاً، فـ«ما بعد الاستعماري» اسم جديد لأدب قديم، أو «أدب الروح الصاعدة حديثاً» كما تنقل بومر عن الروائي والشاعر والسيناريست النيجيري - البريطاني بن أوكري. إنه أدب المستعمرات التي تركت فيها الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس لغتها وشكسبير والكريكيت مثلما تركت مقابرها وسجونها ومعتقلاتها. فالإمبراطورية حين ترد بالكتابة على المركز البريطاني الاستعماري في أوروبا إنما ترد بالإنجليزية، أو بالإنجليزية التي تبدأ بحرف «e» أو بالإنجليزيات، إذ لكل مستعمرة «إنجليزيتها» التي تختلف عن الإنجليزية في أي مستعمرة أخرى حسب آشكروفت وزميليه. وهذا ما لم يحدث في العراق ومصر والسودان وغيرها من أجزاء الوطن العربي التي تعرضت لشكل من أشكال السيطرة والهيمنة البريطانية. وهذا ما يجعل الاستعمار هنا مختلفاً عن الاستعمار هناك مع وجود قواسم مشتركة بينهما؛ المقابر، مثل المقبرة الملكية البريطانية في العراق التي ذكرها د. عليوي في مقالته، والسجون كالسجن الذي تصدّر اسمه أخبار الحرب الدائرة حالياً بين الجيش وقوات الدعم السريع في السودان، سجن «كوبر».

أسس الإنجليز في الخرطوم بحري في 1903 السجن الذي أصبح يعرف باسم «كوبر»، أول مسؤول إنجليزي تولى إدارته. وبعد تحرر السودان من الاحتلال، تولى إدارته الحكمدار مصطفى سعيد، الذي لا أعتقد أن يمر اسمه دون أن يستدعي إلى الذاكرة مصطفى سعيد الشخصية المركزية في رواية الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال».

لم يكن سجن «كوبر» سوى حلقة واحدة في سلسلة السجون والمعتقلات التي بنتها الإمبراطوريات الاستعمارية البريطانية والفرنسية والإيطالية في أفريقيا وآسيا ومنطقة المحيط الهادي، يُزَّجُ فيها بالمتهمين بالانشقاق السياسي والمناضلين الوطنيين والأسرى في الحروب الاستعمارية. وعلى خريطة السجون الشاسعة هذه، تبرز جنوب أفريقيا بكونها المكان الذي شهد بناء أول السجون في أفريقيا، ولا يفوتني هنا أن أشير إلى قصة أشهر سجين ومعتقل سياسي، ليس في أفريقيا فحسب، بل في العالم كله؛ نيلسون مانديلا. قضى مانديلا 18 سنة في سجن جزيرة روبن آيلاند، الذي يعد من أشهر السجون في العالم، إن لم يكن أشهرها على الإطلاق لارتباطه بمانديلا.

أما عربياً، فربما يكفي أن أمر مروراً سريعاً ببحث عبد القادر فكاير «الجزائريون في السجون والمعتقلات والمحتشدات ومراكز التعذيب أثناء الثورة الجزائرية»، الذي يروي فيه تاريخ السجون والمعتقلات التي أقامتها الإدارة الاستعمارية الفرنسية في طول وعرض بلد المليون شهيد. لقد «تفنن» المستعمر الفرنسي في بناء أنواع مختلفة من السجون والمعتقلات، فلكل سجن وظيفته الخاصة؛ المحتشدات التي تجاوز عددها 2500 محتشداً، و«قُذِفَ» فيها بحوالي 3 ملايين جزائري، أقامت الإدارة الاستعمارية الفرنسية المحتشدات بعد أن ضاقت السجون بالسجناء؛ والمعتقلات، وكان الغرض من إنشائها تخفيف العبء على السجون، هذا بالإضافة إلى مراكز التعذيب والسجون. يقول فكاير: «لقد كان في كل مدينة سجن، بل أصبحت الجزائر كلها سجن».

لقد كانت سجون ومعتقلات المستعمر في الجزائر وغيرها من المستعمرات فضاءات للتعذيب والتنكيل بالمُسْتَعْمَرِين، وممارسة التمييز العنصري في المعاملة بين السجناء من السكان الأصليين والسجناء الغربيين في حال وجودهم كما يذكر فرانك فيكتور في ورقته المعنونة بـ«فردوس للأوغاد... الاستعمار والعقاب والسجن في هونغ كونغ 1841 - 1898». كان المُسْتَعْمِرُ يمارس في هذه السجون كل ما كان ممنوعاً، ولا يسمح به القانون في السجون في المراكز الاستعمارية، من أنواع التعذيب والاستنطاق.

يقول د. عليوي في مقالته آنفة الذكر «بعد حين سأفكر بمشهد الدبابات الأميركية وهي تغادر العراق، فلا تخلِّف وراءها سوى الغبار ومدن مدمَّرة!». وأضيف أن شيئاً آخر سيبقى في ذاكرة العراقيين وفي ذاكرة العالم كله أو بعضه بعد مغادرة القوات الأمريكية؛ صور أجساد السجناء العراقيين العارية في سجن أبو غريب.

ما رواه عبد القادر فكاير جزء من الأرشيف غير الكامل والمطمور لتاريخ السجون الاستعمارية في العالم العربي. ويبقى السؤال؛ ألا يوجد أرشيف للأدب ما بعد الاستعمار العربي؟!

* كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)

«مهرجان الكُتّاب والقُرّاء 2026» ينطلق في الطائف بتجارب ثقافية وترفيهية

انطلقت، الجمعة، فعاليات «مهرجان الكُتّاب والقُرّاء» في نسخته الثالثة، وذلك في متنزه الردف بمحافظة الطائف (غرب السعودية)، تحت شعار «حضورك مكسب».

«الشرق الأوسط» (الطائف)
كتب هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا.

لطفية الدليمي

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.