لوريل وهاردي... ثنائي «الفوضى الجميلة»

لعبا على وتر الضحك والطفولة لإسعاد الشخص البسيط

لوريل وهاردي... ثنائي «الفوضى الجميلة»
TT

لوريل وهاردي... ثنائي «الفوضى الجميلة»

لوريل وهاردي... ثنائي «الفوضى الجميلة»

في طبعة جديدة من كتاب «لوريل وهاردي» صادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «آفاق السينما»، يؤكد الناقد والباحث الفني أحمد الجهيني أن ستان لوريل «1890- 1965»، وأوليفر هاردي «1892 - 1957» لم يتحولا إلى أشهر ثنائي في الأفلام الكوميدية العالمية، بعصريها الصامت والناطق، من فراغ. استطاع الممثلان أن يعيدا صناعة الأفلام إلى فلسفة الرجل البسيط ومواقف الحياة اليومية، فضلاً عن براعتهما في العزف على وتر الطفولة المفقودة والبراءة المختبئة داخل كل متفرج والذي يتوق إلى عمل مشحون بكثير من العفوية وقليل من السذاجة حتى يتحرر هذا الطفل بداخله.

يصنف النقاد أعمال الثنائي المرح بوصفها نوعاً من «كوميديا التهريج»، وهو أسلوب من الفكاهة يتضمن نشاطاً بدنياً مبالغاً فيه قد يتضمن عنفاً متعمداً أو يستلهم الحوادث المؤثرة التي تَنتج غالباً عن الاستخدام غير الحكيم لأدوات تتطلب حذراً مثل المناشير والسلالم. وقد يضرب الممثلون بعضهم بعضاً بشكل متكرر مع تأثير كبير دون التسبب في أي ضرر أو مع ألم بسيط للغاية.

ويكمن السر هنا فيما يمكن تسميتها «الفوضى الجميلة»، فهما يحاولان دائماً حل مشكلة بسيطة، لكن بسبب حماقتهما أو قلة خبرتهما أو ادعاء أحدهما أو كليهما القوة أو الذكاء، تتحول المشكلة أو الشيء البسيط إلى «كارثة». من هنا قيل إنهما كانا في الأساس طفلين صغيرين في جسدي رجلين كبيرين وإنهما يذكِّراننا بالأوقات التي كنا فيها أكثر براءةً وطفولةً بقيم أكثر بساطة. كما قامت فلسفة الضحك لديهما على إسعاد روح الشخص البسيط أو الإنسان الذي ليس لديه مال ولم يحظَ بقدر عالٍ من التعليم ولا يمتلك أفقاً على ما يبدو، ورغم ذلك يسعى إلى الأمام ويتعامل مع سخافات الحياة بطريقة أكثر سخافة.

إن الفضول الطفولي الذي يدفع لوريل للضغط على زر مكتوب عليه «لا تضغط» هو الفضول الذي وُلدنا به جميعاً ولكنَّ المجتمع يرفضه، أما غطرسة هاردي فهي نفس الغطرسة التي نطوِّرها جميعاً بدرجات متفاوتة للرد على ضغط المجتمع. وهكذا في أفلامهما يظهر لوريل دائماً كطفل فضولي، ويظهر هاردي كرجل متغطرس ويستمر الصدام بينهما، لكنَّ الجانب الأكثر جاذبية هو استمرار علاقتهما على الشاشة بغضِّ النظر عن المصائب الكوميدية والصراعات التي تخرج عن مسارها.

وعلى عكس أعمال تشارلي شابلن التي تضمنت أفكاراً سياسية واجتماعية، فإن أفلام لوريل وهاردي كانت مهتمة فقط بالكوميديا، وأن تجعل الجمهور يضحك من خلال مواقف الحياة اليومية البسيطة. هو ليس ضحكاً لمجرد الضحك، ولكنه أيضاً لا يحاول الإيحاء بأنه يحمل هماً آيديولوجياً شديد الإلحاح.

ويكفي الاثنين وجود فكرة عامة، ثم ينطلقان خلال العمل في بناء عديد من المواقف و«الإفيهات» الارتجالية دون اتباع سرد محدَّد أو سيناريو مسبق. ومن أكثر العبارات التي استخدمها الثنائي المرح في الأفلام وأصبحت مأثورات شعبية عبارة «حسناً هذه فوضى لطيفة أخرى أدخلتني فيها»، و«لماذا لا تفعل شيئاً لمساعدتي؟».

جذور لوريل

في يوم 16 يونيو (حزيران) 1890 وُلد آرثر ستانلي جيفرسون في منزل أجداده بشارع «أرجيل» بمدينة أولفيرستون بمقاطعة لانكشاير الإنجليزية. كان والداه من عشاق المسرح، فوالده آرثر جيفرسون كان مديراً لمسرح بمدينة «بيشوب أوكلاند»، ووالدته مارغريت ميتكالف ممثلة، وكان آرثر الذي عُرف فيما بعد باسم «ستان لوريل» واحداً من خمسة أطفال لهذين الزوجين.

رسم ستان ملامحه الكوميدية النموذجية من خلال عروض «قاعة الموسيقى» بما في ذلك القبعة التي اشتُهر بها وعُرفت باسم «قبعة الرامي»، وهي مستديرة صلبة من اللباد على هيئة بيضة أو خوذة لها إفريز إلى أعلى، كما نحت ملمحاً آخر من ملامح شخصيته الفنية، وهو الملمح الخاص بشخصية الغبي الأحمق التي ظهر بها في كل أفلامه.

في عام 1910 انضم لوريل إلى فرقة «فريد كارنو» المسرحية فغيَّر اسمه إلى جيفرسون بدلاً من آرثر ستانلي جيفرسون، وكانت الفرقة تضم شاباً يدعى تشارلي شابلن، وقام لوريل بدور البديل لشابلن لبعض الوقت. وصل شابلن ولوريل إلى الولايات المتحدة على نفس السفينة القادمة من بريطانيا مع فرقة «كارنو» التي قامت بجولة في أمريكا واستمرت عروضها حتى ربيع 1914 حتى تم حلها قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى بأشهر قليلة، حيث قرر كارنو السفر والقتال في فرنسا.

رغم أن أغلب محبي لوريل وهاردي يميلون إلى لوريل أكثر من هاردي فإنه لا يمكن تخيل لوريل من دون شريكه الأميركي الضخم الذي ظهر دائماً بوصفه الرفيق سريع الانفعال الغضوب الواثق من نفسه تماماً، بل المتغطرس الذي يظن أنه المسيطر على الأمور رغم أن الأحداث تثبت عكس ذلك.

بدايات هاردي

وُلد أوليفر هاردي في 18 يناير 1892 في مدينة هارلم بولاية جورجيا الأميركية، ويقال إنه كان يزن 14 رطلاً عند الولادة، وسيكون وزنه مصدر إحراج حاد له معظم حياته، لكنه في النهاية سيصبح أيضاً مصدراً للعمل المربح.

كان طفلاً صعب المراس، لذلك تم إرساله إلى كلية «يونغ هاريس» في شمال جورجيا 1905 وكان وقتها في الثالثة عشرة لكنه لم يكن لديه الاهتمام الكافي بالتعليم الرسمي. سرعان ما انضم إلى فرقة مسرحية وهرب من مدرسته الداخلية الواقعة قرب مدينة أتلانتا للغناء مع فرقة موسيقية، ومن هنا أدركت الوالدة إميلي ميل ابنها للغناء فأرسلته إلى أتلانتا لدراسة الموسيقى والصوت مع مدرس الغناء أدولف بيترسن.

اقترح عليه أحد الأصدقاء أن ينتقل إلى مدينة جاكسونفيل بولاية فلوريدا حيث يتم إنتاج بعض الأفلام، وهو ما فعله هاردي عام 1913، حيث كان يعمل في شركة «لوبين» للإنتاج السينمائي مقابل خمسة دولارات في اليوم مع ضمان ثلاثة أيام عمل في الأسبوع. وفي المساء كان يعمل مغنياً ومشاركاً في عروض الكودكيل، «وهى عروض مسرحية أقرب إلى عروض السيرك انتشرت في الولايات المتحدة وكندا منذ 1880 حتى 1930».

في العام التالي قدم هاردي أول فيلم له، وبحلول عام 1915 كان قد شارك في خمسين فيلماً قصيراً مع استوديو «لوبين» من فئة «البكرة الواحدة» قبل أن ينتقل إلى لوس أنجليس، حيث عمل بشكل مستقل لعديد من استوديوهات هوليوود. وبحلول عام 1921 تم اللقاء الفني الأول بين ستان لوريل وأوليفر هاردي في فيلم «الكلب المحظوظ».

ظهر هاردي قبلها في أكثر من مائتين وثلاثين فيلماً قصيراً، في بعض الأحيان أُسند إليه دور البطولة ولكن في أغلب المرات قام بدور الشرير وهو دور مساعد أو دور «ثقيل الظل» وكان كما وصفه النقاد «محترفاً محنكاً ومحترماً في مجال صناعة الأفلام».

في الوقت نفسه لم يكن لدى لوريل سوى 12 فيلماً فقط، حيث كان يركز على سلسلة أفلامه الكوميدية القصيرة، محاولاً أن يصبح نجماً رائداً كما حدث مع مثله الأعلى وزميله في قاعة الموسيقى وزميل رحلته إلى أميركا تشارلي تشابلن الذي أصبح بحلول هذا الوقت أكبر نجم سينمائي في العالم.

بعد «الكلب المحظوظ» مرّت خمس سنوات قبل ظهور لوريل وهاردي معاً كثنائي كوميدي في فيلم «حساء البط» 1927 واستند إلى قصة اسكتشات بعنوان «المنزل في شهر العسل» كتبها 1905 آرثر جيفرسون، والد ستان. كان استقبال الفيلم إيجابياً إلى حد ما، وقال النقاد إنها «كوميديا مسلية مع كثير من المواقف المضحكة، والعديد منها من النوع المألوف، ولكن تم التعامل معها بذكاء».

يصنف النقاد أعمال الثنائي المرح بوصفها نوعاً من «كوميديا التهريج»

مفارقات «الكساد الكبير»

بدأ ما يعرف بـ«الكساد العظيم» مع انهيار سوق الأسهم الأميركية في 29 أكتوبر (تشرين الأول) 1929 حتى عام 1940، وخلاله وصلت نسب البطالة إلى معدلات غير مسبوقة. وخلال تلك الفترة قدم لوريل وهاردي أكثر من 53 فيلماً ما بين قصير وطويل، والمدهش في الأمر أن العام الأول للكساد هو العام نفسه الذي تعرف فيه العالم بشكل حقيقي على الثنائي المرح. كما أسهم تصدير الأفلام الأميركية في التقليل من الآثار الاقتصادية للكساد، بخاصة مع دخول السينما الأميركية المراحل الأولى لعصر السينما الناطقة.

ذات مرة سأل أحدهم ستان لوريل عن هواياته هو وشريكه أوليفر هاردي، فردّ الكوميديان النحيف: «كانت لدينا هوايات مختلفة، كان هاردي يحب الخيول والغولف، أما هواياتي فمعروفة وتزوجتها جميعاً». ما يقصده لوريل أن الحب والزواج كانا هوايته المفضلة، ورغم ما في العبارة من فكاهة ومبالغة فإن حياة ستان لوريل العاطفية والعائلية كانت فوضوية مثل حبكات أفلامه.

وصف الكاتب الآيرلندي جون كونولي، لوريل بأنه «كان رومانسياً يتوق إلى الاستقرار، وأن عروضه الكوميدية غالباً ما أظهرت افتقاره إلى الثقة على الشاشة، لكن الأفلام أحادية اللون (الأبيض والأسود) لم تنقل زرقة عينيه التي أوقعت النساء في حبه بقوة».

كان ستان كذلك كاتب خطابات بارعاً، حيث احتوى أرشيف مراسلاته على أكثر من 1500 خطاب تؤكد أنه رجل أدب متخصص في أدبيات المراسلة، وغالباً ما كان يكتب الخطابات لمجرد المتعة ولأنها كانت الوسيلة الوحيدة لملء فترة تقاعده الطويلة، والتواصل مع الأصدقاء والمعجبين عن طريق البريد، ساعده على ذلك أنه كان لديه حب فضولي للأوراق والأقلام. وخلال إحدى المقابلات التي أجراها مع جون مكابي، كاتب سيرته الذاتية، كشف لوريل عن رغبته في امتلاك متجر أدوات مكتبية، واعترف بأنه راضٍ تماماً عن قضاء فترات ما بعد الظهر بأكملها في فحص أنواع الورق.


مقالات ذات صلة

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون «عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).