شانتال ديلسول تهاجم فلسفة ما بعد الحداثة

ضربت عرض الحائط بكل القيم والموازين والمعايير

شانتال ديلسول
شانتال ديلسول
TT

شانتال ديلسول تهاجم فلسفة ما بعد الحداثة

شانتال ديلسول
شانتال ديلسول

أعترف بأني كنت أبحث منذ زمن طويل عن الوجه الآخر لفرنسا، عن الوجه الآخر المشرق والمحترم للفكر الفرنسي دون أن أجده حتى وقعت مؤخراً على مؤلفات الفيلسوفة شانتال ديلسول. وكم كانت فرحتي عارمة بالتعرف على إنجازاتها وتوجهاتها. وتأسفت كثيراً لأني تأخرت في اكتشافها إلى اليوم. كان ينبغي أن أطلع عليها وعلى أفكارها منذ زمن طويل. ولكن كما يقول المثل الفرنسي: «أن تصل متأخراً خيرٌ من ألا تصل أبداً». ولكن هناك سبب آخر لهذا التأخر أو التقصير. في الواقع كنت مبهوراً بفلاسفة ما بعد الحداثة من أمثال ميشيل فوكو وجاك دريدا وجيل ديلوز، وحتى تلامذتهم من أمثال لوك فيري وأندريه كونت سبنوفيل، وهذا الشيطان الرجيم ميشيل أونفري... إلخ. هذا لا يعني أني أنكرهم كلياً أو أني لم أستفد من أفكارهم وإضاءاتهم العديدة. أبداً لا. لكني أخطأت إذ اعتبرتهم الوجه الوحيد للفكر الفرنسي المعاصر أو التيار الوحيد. لا ريب في أنهم يسيطرون على الساحة الباريسية لأن الموضة الدارجة هي هكذا. الريح تمشي في اتجاههم. ودائماً الموضة أو الصرعات الدارجة تخفي عن أنظارنا بقية الصورة.

أولاً دعونا نطرح هذا السؤال: من هي شانتال ديلسول التي لم يسمع بها أحدٌ في العالم العربي على ما أعتقد؟ إنها أستاذة جامعية سوربونية ومشرفة على «مركز الدراسات الأوروبية» في فرنسا. كما أنها عضوة في أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية منذ عام 2007، بل وأصبحت رئيستها عام 2015. وهي أكاديمية عليا تضم كبار الشخصيات الفرنسية والأجنبية. وقد أصدرت كتاباً مهماً بعنوان «نهاية الحضارة المسيحية». وهي تفرق منذ البداية بين المسيحية ديناً والمسيحية حضارةً. فالمسيحية كدين لم تمت ولا يمكن أن تموت ولكنها كحضارة تنظم شؤون المجتمع وتصوغ تقاليده وقيمه وأخلاقه العامة انتهت مؤخراً في فرنسا.

ثم تقول لنا المؤلفة إن الحضارة المسيحية هيمنت على الغرب طيلة 16 قرناً من الزمن بعد اعتناق الإمبراطور الروماني قسطنطين لها واعتبارها دين الدولة. وبعدئذ راحت تصوغ شخصية الغرب وكل قيمه الأخلاقية ومعاييره. لكنها الآن انحسرت للأسف الشديد وحلت محلها فلسفة ما بعد الحداثة المادية الإلحادية الإباحية بشكل مطلق. وهذا الانحسار حديث العهد جداً ولا يعود إلا إلى عشر سنوات أو حتى عشرين سنة خلت على أكثر تقدير (أي منذ مطلع القرن - 2000 أو 2010). قبلها كانت فلسفة ما بعد الحداثة مجرد تيار صاعد من جملة تيارات أخرى. ثم تقول لنا المؤلفة إن فلسفة ما بعد الحداثة قلبت جميع القيم الأخلاقية عاليها سافلها. كيف حصل ذلك؟ على النحو التالي: كانت المسيحية عندما هيمنت على الغرب قبل 1600 سنة قد ألغت معظم القيم الرومانية السابقة عليها. بهذا المعنى كانت المسيحية انقلاباً كاملاً على الحضارة الوثنية للرومان. ينبغي ألا ننسى ذلك. والدليل على ذلك أن الحضارة الوثنية الرومانية كانت تقر بحق الطلاق، وحق الإجهاض، وحق الانتحار. والأخطر من كل ذلك أنها كانت تقر بحق الشذوذ الجنسي أو ما يدعونه الآن بالمثلية. كانت تعتبره شيئاً طبيعياً وعادياً تماماً. ثم جاءت المسيحية وألغت كل ذلك وشطبت عليه بجرة قلم وحرمته شرعاً. لقد قلبت كل القيم الموروثة عن الحضارة الرومانية التي كانت سائدة قبلها. والآن تجيء فلسفة ما بعد الحداثة لكي تقوم بالانقلاب على الانقلاب. بمعنى أنها ألغت القيم الأخلاقية المسيحية وعادت إلى القيم الرومانية. بمعنى آخر فإن أوروبا الغربية لم تعد مسيحية إنما أصبحت وثنية.

ثم تردف المؤلفة قائلة ما معناه: في الماضي وطيلة هيمنة الحضارة المسيحية على الغرب كان الشذوذ الجنسي ممنوعاً منعاً باتاً ومحرماً دينياً. لكنه أصبح الآن في عصر الحداثة (أو ما بعد الحداثة بالأحرى) ليس فقط محللاً ومشروعاً، وإنما محبذ وممجد. لقد أصبح يمثل أعلى درجات الحضارة وأرقاها. صدقوا أو لا تصدقوا أنتم أحرار. أعجبنا هذا الكلام أم لم يعجبنا سيان. اضرب رأسك أيها الكاتب الجاهل في الجدار إذا شئت. أنت مجرد شخص قديم متخلف عن ركب الحضارة والعصر. أنت عاجز عن مسايرة التقدم والتطور... إلى الجحيم أيها المثقف الرجعي المنقرض أو المرشح للانقراض.

والسؤال المطروح الآن هو التالي: كيف حصل ذلك؟ كيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من تدهور حضاري مريع في أرقى مجتمعات العالم وأكثرها تقدماً؟ كيف أصبح زواج الرجال بالرجال مفخرة المفاخر في أوروبا؟ شيء مذهل. شيء يدوخ العقول. هذا إذا بقيت عقول. (بين قوسين في أوروبا الغربية فقط لا الوسطى ولا الشرقية التي ظلت لحسن الحظ مسيحية تحترم القيم الإنجيلية الأخلاقية والمثالية العليا). ولكن هذا الانحطاط المريع لا ينتهك القيم الدينية فقط إنما ينتهك أيضاً القيم العلمانية الكانطية التي تحترم الفطرة السليمة والحس الصائب. ومعلوم أن كانط (أكبر فيلسوف في الغرب) كان قد أدان الشذوذ إدانة قاطعة مانعة واعتبره فضيحة كبرى أو «عاراً وشناراً»، حسب تعبيره الحرفي. ثم نشرت الفيلسوفة شانتال ديلسول مقالاً صاعقاً في جريدة «ألفيغارو» بعنوان: «لا للزواج المثلي الشذوذي». لا وألف لا لأنه يهدد العائلة الفرنسية بل والمجتمع الفرنسي كله في الصميم. وكان ذلك يمثل شجاعة خارقة لأن كل التيار الجارف في فرنسا كان مع هذا الزواج الذي صوّت عليه البرلمان شرعاً. بالتالي فمن يقف ضده كان يخاطر بنفسه. أقصد تيار النخب الإعلامية والأضواء التلفزيونية وليس الشعب الفرنسي العميق الذي نزل بالملايين احتجاجاً على هذا القانون الجنوني. هل تعلمون أن كبار فلاسفة فرنسا كانوا يزايدون على بعضهم بعضاً بخصوص هذه المسألة. كل واحد كان يريد أن يثبت أنه مؤيد للزواج المثلي الشذوذي أكثر من سواه حتى ولو لم يكن هو ذاته مثلياً شذوذياً... هذا ما فعله للأسف لوك فيري وأندريه كونت سبونفيل وبالطبع ميشيل أونفري. وهذا الأخير ألف كتاباً ضخماً عن «الانحطاط» الفرنسي دون أن يقول كلمة واحدة عن الشذوذ الجنسي الذي لا يعتبره علامة على الانحطاط أبداً. بل يعتبره قمة القمم الأخلاقية والحضارية. لكنه بالمقابل شن حملة شعواء على المسيحية وفككها تفكيكاً ودمرها تدميراً حتى لكأن فرنسا تعاني من الأصولية القروسطية الظلامية، حتى لكأن فرنسا هي أفغانستان الطالبانية... نقول ذلك ونحن نعلم أن المسيحية لم يعد لها أي وجود قمعي أو إكراهي في فرنسا. بل ولم تعد موجودة تقريباً. وهي خائفة حتى من ظلها. وفي كل يوم يستهزئون بها وبشخصياتها وعقائدها على شاشات التلفزيون. لم يعد للأصولية المسيحية التكفيرية أي وجود بعد انتصار التنوير في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ومع ذلك فإن هذا العبقري ميشيل أونفري لا يجد عدواً له إلا المسيحية دين آبائه وأجداده. لماذا تثقب أبواباً مفتوحة يا رجل؟ لماذا تتعب نفسك بمشكلة حلها فولتير قبلك منذ 250 سنة على الأقل؟

أخيراً تقول لنا السيدة شانتال ديلسول ما فحواه: نعم للحداثة التنويرية التي أنقذتنا من براثن الأصولية التكفيرية والإكراه في الدين ومحاكم التفتيش. لكن لا وألف لا لفلسفة ما بعد الحداثة المتطرفة الهوجاء التي ضربت عرض الحائط بكل القيم والموازين والمعايير. وهي فلسفة عدمية تساوي كل شيء بكل شيء: الأبيض والأسود سيان، الجنس الطبيعي والجنس الشذوذي المثلي سيان... إلخ. بل وحتى العائلة الطبيعية المؤلفة من أب وأم وأطفال وحنان أصبحت معتبرة رجعية متخلفة في عصر ما بعد الحداثة. ما هي العائلة التقدمية إذًا؟ إنها العائلة المشكلة من رجلين متعاشرين أو متباضعين وبينهما مجموعة أطفال مشترين بالفلوس عن طريق استئجار بطون النساء الحوامل مقابل 60 ألف دولار لكل طفل (وهذا هو معنى: الحَبَل من أجل الآخرين). ثم يسحبونه من تحتها ما إن ينزل من بطنها لكيلا تتعلق به. جريمة حقيقية. احتقار رأسمالي متغطرس وقح لأجمل عاطفة وأنبل عاطفة وأقدس عاطفة على وجه الأرض: عاطفة الأمومة. هذه هي العائلة الشذوذية الرائعة (عائلة ما بعد الحداثة) التي حلت محل العائلة الرجعية التقليدية السابقة التي عفا عليها الزمن. لاحظوا ما أجمل هذه العائلة. لاحظوا ما أرقاها. لاحظوا ما أحلاها. هذا آخر ما توصلت إليه عبقرية هذه الفلسفة الشوهاء المشوهة المدعوة بفلسفة ما بعد الحداثة.


مقالات ذات صلة

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

ثقافة وفنون الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

أثارت الكتب الثلاثة التي ألفها المؤرخ البريطاني فيليب وود عن سوريا والعراق في نفسي، ذلك السؤال الذي ظل غائباً عن الذهن طويلاً: ماذا جرى للعراق بعد سقوط بابل…

لؤي عبد الإله
ثقافة وفنون «مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير

«مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير

لا تؤسِس رواية «في مدينة الذباب» (دار الشروق - القاهرة) للكاتب والروائي المصري أحمد عبد المنعم رمضان عالمها على الديستوبيا وحدها،

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري

ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري

يقدم عامر درويش الخطيب، في كتابه «البطل الدرامي عند ميخائيل رومان»، دراسة عن تطور شخصية البطل الدرامي في كتابات رومان المسرحية، عبر نموجين من أعماله.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون فيليب وود

وود: الحكم الإسلامي في مناطق الرومان كان فترة تطور ثقافي

قد يفاجأ من يلتقي بالباحث في الكتابات التاريخية، فيليب وود، بصغر سنه، خصوصاً إذا كان اطّلع على قائمة ما أنجزه من كتب، وأوراق بحثية، وقيادته لعدد من مشاريع البحث

لؤي عبد الإله
ثقافة وفنون جانب من لقاء ثقافي في الرياض

المرجعية الجغرافية والتاريخية للأدب الخليجي

يُعد الأدب أحد أهم العوامل الثقافية التي تحفظ ذاكرة المجتمعات وتوثق تحولات الإنسان في المكان والزمان

د. فهد توفيق الهندال

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟
TT

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

في كل قراءة لخرائط المشرق العربي، تتبدى سوريا رقماً صعباً في معادلات التوازن والاستقرار؛ جغرافيتها الممتدة بين الداخل الآسيوي وشواطئ المتوسط، وهويتها الحاضنة لتنوع سكاني وثقافي معقد، جعلتا منها دائماً محوراً فاعلاً ومنفعلاً بالتحولات. فالجغرافيا تمنح هذا المشرق موقعه الاستراتيجي كعقدة مواصلات وممر دولي للتجارة ولخطوط الطاقة، والتاريخ يُضفي عليه وزنه الحضاري المتراكم عبر ألوف السنين من تقاطع الممالك والإمبراطوريات، بينما تسعى السياسة باستمرار إلى توظيف هذين العنصرين في صراعات النفوذ والقوة. وبسبب هذا التقاطع الفريد، عاشت البلاد في قلب الاضطرابات والتوترات، إذ يعكس استقرارها هدوءاً إقليمياً شاملاً، ويمتد اضطرابها ليتجاوز حدودها بمسافات بعيدة.

طوال تاريخ ممتد لـ54 عاماً، اختُزلت جغرافية البلاد وتاريخها وسياساتها في حدود أسرة الأسد، وفرض عليها «القائد الخالد» ووريثه كيقين ثابت مستمر «إلى الأبد».

إلى أن كانت لحظة سقوط «الأبد» السوري ذات ديسمبر (2024)، التي يكتب عنها الصحافي اللبناني منير الربيع شهادة جيل كامل تربى على يقين «أن ما يأتي من دمشق قدر لا مفر منه في بيروت». «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» الصادر حديثاً (عن دار رياض الريس للنشر) وثيقة سياسية وسردية مهمة تمزج بين الرصد التوثيقي والتحليل البنيوي، لتخرج من عباءة التقرير إلى فضاء التأمل في ماهية الطغيان وسقوطه، ثم في إمكانية ولادة دولة جديدة على أنقاض خمسة عقود من القمع والفساد.

ليس منير الربيع مراقباً بعيداً. مساره الصحافي، وإقامته في بلد عانى طويلاً من الوصاية السورية، وعلاقاته المتشعبة مع مختلف الأطياف السورية، كلها منحته مقعداً في الصف الأول لرصد الزلزال الجيوسياسي الذي ضرب المشرق العربي عام 2024 في نص يتوزع على محورين متكاملين: تشريح بنيوي لانهيار نظام آل الأسد، ورصد لرؤية أحمد الشرع في بناء سوريا الجديدة وإعادة تموضعها في قلب التحولات الإقليمية والدولية.

خواء النظام السابق

يقدم الربيع قراءة مفادها أن السقوط السريع للنظام السابق في 11 يوماً كان ثمرة اهتراء طويل وتآكل أصاب مفاصل «دولة المخابرات» من الداخل. الجيش العربي السوري بغياب مظلة الحلفاء - الروس بطائراتهم، الإيرانيون ومستشاروهم، «حزب الله»، وألوية «فاطميون» و«زينبيون» - انتهوا كمنظومة هرِمة متصدعة، «أذلت الجندي في معيشته» فتلاشت الرغبة في الموت من أجل نظام غير قادر على أن يكافئ جنوده إلا بالتجاهل والإهمال. السقوط إذاً لم يكن فشلاً عسكرياً تقليدياً بقدر ما كان خواءً وجودياً لمنظومة بنيت أركانها على القمع والولاء، لا على الكفاءة والمهنية. النظام، في وصف الربيع، أشبه بـ«احتلال داخلي» دمّر البلاد وجعلها «ديار قتل وخراب»، ونظريته أن بقاء النظام بعد 2015 لم يكن دليلاً على عافيته، بل على حجم اعتماده على الخارج للبقاء، وهكذا عندما بدأت تلك المظلة تتآكل، انهار كل شيء كما أحجار الدومينو.

يرسم محور الكتاب الأول صورة شاملة - بالقدر الذي تسمح به راهنية الحدث - للمشهد السوري عشية السقوط. : «كيف يمكن لسلطة بدت أبدية أن تختفي بين عشية وضحاها؟» بلهجة حاسمة: إنه الخواء الذي كان ممتداً تحت القشرة طوال الوقت، وأن قناعة السوريين بأن «الظلم أبدي والموت أبدي» كانت الوهم الأخير الذي تحطم مع أول خيوط فجر الثامن من ديسمبر.

تحولات الإقليم

يرصد الربيع خروج «حزب الله» كلاعب أساسي من الأراضي السورية قبل انطلاق ما سُمي بعملية «ردع العدوان». الضربات الإسرائيلية المكثفة طالت كبار قادة الحرس الثوري الإيراني والحزب، تحديداً «فرقة الرضوان»، ثم كانت تفجيرات أجهزة الاتصال واغتيال الأمين العام حسن نصر الله، وكلها أحدثت تخلخلاً في البنية القيادية للمحور الداعم للنظام. هذا الإنهاك أجبر «حزب الله» على بدء إعادة انتشار تدريجي، انتهى بانسحاب شبه كامل من سوريا، تاركاً حلب ومحيطها في حالة فراغ شامل قبيل انطلاق العملية. توازى ذلك مع ضغوط أميركية وإسرائيلية برية وجوية صارمة، قيدت قدرة طهران على إيصال التعزيزات العسكرية والإمدادات.

عن الجانب الروسي، يلتقط الربيع نفساً براغماتياً بامتياز. انشغال موسكو بحربها المفتوحة في أوكرانيا قلص غطاء النظام الجوي والبري إلى حدوده الدنيا. لكن الأهم أن اتصالات خلفية جرت بوساطة تركية بين فريق أحمد الشرع والروس، قُدم فيها عرض واضح: تحييد القوات الروسية وقواعدها (لا سيما حميميم) والحفاظ على عقودها الاستثمارية الاقتصادية، مقابل تجنب التصادم الميداني. هذا العرض قُبل من جانب موسكو، وتُرجم فعلياً بتوقف الطيران الروسي عن استهداف قوات المعارضة في الثالث من ديسمبر.

«ردع العدوان»... انتظار اللحظة المناسبة

في مقابل اهتراء النظام، يضيء الكتاب صعود قوات شابة ذات هدف واضح وإعداد دؤوب استمر سنوات. «ردع العدوان» كانت ثمرة ثلاث سنوات من إعادة التنظيم، وتصحيح الأخطاء، وانتظار اللحظة المواتية. الشرع كان يردد في دائرته المقربة عبارة اختصرت فلسفته: «المعركة دوماً استعداد وفرصة». أي أن الاستعداد يمكن التحكم به، أما الفرصة المواتية فهي لحظة نادرة لا تتكرر، وعلى المرء أن يترصد متى وكيف يلتقطها. وفي الحروب، أحياناً لا ينتصر الأسرع، بل الأقدر على الانتظار.

يكشف الربيع النقاب عن عمل استخباراتي دؤوب سبق الهجوم العسكري بأشهر طويلة. فريق تقني داخل «هيئة تحرير الشام» صمم تطبيقاً إلكترونياً بدا للوهلة الأولى خيرياً، يزعم أنه تابع لإحدى المؤسسات المرتبطة بأسماء الأسد، ويهدف إلى تقديم مساعدات مالية وغذائية لعائلات الضباط والعناصر «تقديراً لتضحياتهم»، في بلد تراجعت فيه الرواتب إلى حدود لا تكفي لشراء الخبز، كان عرض 25 دولاراً إضافياً ومعونات غذائية وطبية مغرياً. كل ما كان مطلوباً تحميل التطبيق وتسجيل الاسم الكامل والرتبة العسكرية ومكان الخدمة. هكذا جُمعت قاعدة بيانات دقيقة كشفت أماكن توزع الوحدات العسكرية وعديدها وعتادها وسلاسل الأوامر.

لكن الذروة في هذا العمل الاستخباراتي كانت الاتصالات الليلية المباشرة. عنصر في غرفة عمليات السابع من نيسان أو ضابط في الفرقة الرابعة يتلقى اتصالاً من رقم دولي، يظهر على الشاشة بمقدمة أميركية. صوت المتصل هادئ ومباشر: يبلغه أن غرفة العمليات التابع لها، أو التي يقع موقعه قربها ستستهدف خلال دقائق، وعليه إخلاء المكان فوراً. لا يمنحه وقتاً طويلاً للتفكير، ينهي المكالمة، وبعد دقائق يهز انفجار محيط الموقع. هنا يبدأ العامل النفسي: يقتنع الضابط أن ما يجري ليس مجرد هجوم بري تقليدي، بل عملية عسكرية واسعة ربما بغطاء دولي. الرسالة بنيت على معرفة دقيقة، وهذا ما جعلها قابلة للتصديق. خلال دقائق تفرغ الغرفة أو يتقلص عدد الموجودين فيها إلى الحد الأدنى، عندها تفقد القوة تماسكها، وتتقدم قوات «ردع العدوان». وهكذا لم يكن السلاح الحقيقي القذائف وحدها، وإنما المعلومات التي أحسن استخدامها فكانت أقوى وأكثر تأثيراً من الأسلحة النارية.

يرسم المؤلف ملامح القيادة السورية الجديدة من خلال رحلاته المتكررة إلى دمشق ولقاءاته المطولة مع الرئيس أحمد الشرع

من آيديولوجيا الخنادق إلى براغماتية الدولة

ينتقل الربيع إلى رسم ملامح القيادة السورية الجديدة من خلال رحلاته المتكررة إلى دمشق ولقاءاته المطولة مع الرئيس أحمد الشرع داخل القصر الجمهوري.

لكن التحدي الأكبر لرؤية طموحة كهذه يبقى داخلياً: كيف تطمئن الأكثرية السنية دون إثارة قلق الأقليات؟ الربيع يرى أن الشرع أدرك في دمشق أن نموذج إدلب لا يمكن نسخه استنساخاً على سوريا كلها. العاصمة بتنوعها الديني والطائفي والاجتماعي والثقافي تشكل صورة مكثفة لتعقيدات البلاد. معادلة الأكثرية والأقليات اهتزت بعنف مع أحداث الساحل والسويداء، ما وضع الشرع أمام امتحان أخلاقي وتاريخي. كان جوابه أن «الدولة تنظم الاختلاف وتمنع إدارة التوحش»، حيث عقلية الدولة تعني الاعتراف بالتعقيد لا تبسيطه، والفصل بين حق الضحايا في العدالة وبين خطر تحويل العدالة إلى انتقام جماعي. وعنده أن بناء الدولة لا يقوم على الانتصار العسكري وحده، بل على صوغ جديد للعلاقة بين السلطة والمجتمع، تقوم على المؤسسات والقانون والمساءلة، لا على عاطفة اللحظة أو منطق الثأر.

العلاقة مع لبنان

يفرد الربيع فصلاً كاملاً تحت عنوان «الخروج من إرث العلاقات اللبنانية - السورية» يحمل نبرة شخصية عميقة. كصحافي لبناني عاش طويلاً تحت وطأة وصاية دمشق على بلده، يكتب بدهشة عن تحول الخطاب في دمشق الجديدة. فالشرع يعلن تطلع سوريا إلى علاقة ندية طبيعية بين دولتين جارتين، تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة الكاملة، مع رفضه أن تستخدم الجماعات والأحزاب اللبنانية سوريا للاستقواء بها في صراعاتها الداخلية.

في هذا المشترك، يجد البلدان مصلحة وجودية في التعاون، لا في الصراع. ويخلص الربيع إلى أن القضايا العالقة بين بيروت ودمشق لم تعد شأناً ثنائياً فحسب، بل عقدة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والسياسة والتوازنات الإقليمية. لبنان الذي كان مُلهمَ المعارضات العربية وملجأَ المعارضين السوريين لعقود، يمكن أن يتحول اليوم إلى منصة فعلية في عملية إعادة إعمار سوريا، وأن يبني معها شراكات استراتيجية في الاقتصاد والتجارة والخدمات. والعبرة أن تجربة لبنان، بما فيها من أزمات وصدامات طائفية، تحمل دروساً يمكن لسوريا أن تستفيد منها: احترام التعددية، والسعي إلى حياة سياسية ديمقراطية، وترسيخ منطق التسوية بين الجماعات بدلاً من منطق الغلبة وفق معادلة «لا غالب ولا مغلوب».


محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني
TT

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

عن دار «أركاديا للنشر والتوزيع»، في تونس، صدر مؤخراً كتاب: «الزّمن الميدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الدكتور عبد الله الزين الحيدري، ويقع في 226 صفحة. ويمثّل الكتاب رحلة فلسفية وعلمية تبحث في كيفية تحول الفضاء الرقمي من مجرد وسيلة اتصال إلى بيئة فيزيائية موازية، لها زمنها الخاص، وجاذبيتها، وقوانينها التي تعيد تشكيل الوعي الإنساني. كما ينطلق الكتاب من أطروحة مركزية مفادها بأن «الزمن» لم يعد مجرد وعاء للأحداث، بل أصبح متغيراً فيزيائياً واتصالياً يتشكل عبر الشاشات والخوارزميات.

يتكون الكتاب من ثلاثة فصول رئيسية، تتناول التحولات العميقة لمفهوم الزمن وتأثيرات الفضاء الرقمي على الوعي الإنساني؛ حيث يتناول الفصل الأول، بحثين، الأول بعنوان: «موضوع الزمن في بحوث الإعلام والاتصال»، حيث يفكك مشكلة الزمن في أدبيات الاتصال، ومعضلة «الزمن الحاضر»، وموضوع «الزّمن في بحوث الإعلام».

أما البحث الثاني في هذا الفصل، فيحمل عنوان: «من الزّمن الأدبي إلى الزّمن الميدياتيكي»، وفيه يتتبع تطور مفهوم الزمن وانتقاله من الزمن الشعري إلى الزمن الميدياتيكي ثمّ الزمن السيبراني اللحظي.

بينما يركز الفصل الثاني على: «الزمن اللولبي والاستقطاب السيبراني»، ويسلط الضوء على الظواهر السلوكية والسياسية الناتجة عن إدمان الإنترنت، وزمن «القبيلة السيبرانية»، وزمن «الذباب الإلكتروني»، وظاهرة «ما بعد الحقيقة»، بالإضافة إلى دراسة المكونات الأنطولوجية للشبكات الرقمية الفاعلة.

الفصل الثالث، يحمل بحثين هما: «الوعي المنغمس والثقوب السوداء الرّقميّة»، ويتناول موضوعات مثل: الوعي المنغمس، والثقوب السّوداء الرّقميّة، والزّمن المشوّه. أما البحث الثاني فيحمل عنوان: «الزّمن الغائر: نحو بناء فيزياء رقميّة»، ويقدّم هذا الفصل مقاربة مبتكرة تسعى لبناء «فيزياء رقمية» لتفسير الفضاء السيبراني؛ عبر إسقاط مفاهيم فيزيائية كونية كـ«الزمن الغائر»، و«القوّة والجاذبيّة: أنطولوجيا الفضاء السيبراني»، و«القوّة الخامسة»، و«شياطين الأنتروبيا السيبرانية» على آليات عمل الشبكة واستهلاكها لوعي المستخدم ووقتِه.

ما الذي يصنع الزّمن؟

في مقدمة الكتاب، يتساءل المؤلف: ما الذي يصنع الزّمن حين لا تعود الساعة وحدها ما يقيسه؟ وفي إجابته يلاحظ أن هذا الكتاب «ليس كتاباً عن الزّمن، وإنْ لاح الزّمن العنصر الأبرز في عبورنا من فصل إلى فصل، ولا هو كتاب عن الميديا، على الرّغم مما قد يوحي به عنوان الكتاب». ويوضح أن محور البحث في هذا الكتاب هو «الزّمن الميدياتيكي».

وفي مكان آخر يقول المؤلف: «إذا كان سؤال (الوجود) قد ارتبط في تاريخه الفلسفي الطويل بمقولات الحضور والثبات والتعيّن في المكان، فإنّ هذا السّؤال يواجه اليوم شروطاً مغايرة لإثارته، ذلك لأنّ (الوجود) لم يعد يُختبر فيما هو قائم ومتحقّق، إنّما فيما هو جارٍ، متدفّق ويتكوّن باستمرار داخل مجرّات ميدياتيكيّة تُعيد تنظيم العلاقة بين الزّمن والتجربة والمعنى. والميديا كما ورَد توصيفها في عَملنا، ليست مجرّد منظومة تقنيّة من الوسائط، بقدر ما نراها بُنى زمنيّة - إدراكيّة تدير إيقاع الظهور والاختفاء، والحضور والغياب، والقرب والبعد».

ويقول: «لقد سَلَكنا هذا المسار لنبيّن أنّ الزّمن الذي نعالجه، ليس زمناً فيزيائيّاً ولا سيكولوجيّاً فحسب، إنّه، في المقام الأوّل، زمن سيبرني تتشكّل أليافه داخل شروط ميدياتيكيّة تصنع طرائق الوجود. إنّه باختصار شديد صيغة وجود».

ويضيف: «يصبح تفكير الفضاء السيبراني ممكناً في اتجاه الكفّ عن اعتباره تمدّداً تكنولوجيّاً فاحشاً؛ لأنّ جوهر التقنية في بنيته العميقة، كما يصرّح بذلك هايدجير، ليس تقنيّاً. من هنا، تنكشف حقيقة جديدة لحقل فيزيائي - سيبرني، يستدعي مفهوميّة مغايرة، ويؤسّس لإمكانية فيزياء لا تكتفي بوصف المادّة، بل تُصغي إلى ما يَصنع الوعي حين يَسقط في مدار الجذب الرّقمي».

ويكمل قائلاً: «لا يعني أنّنا سنتجاوز القوانين الفيزيائيّة، أو أنْ نُجبر الفيزياء على الانسجام مع طبيعة الفضاء السيبراني. إنّ همّ هذا الكتاب، على العكس من ذلك، يتمثّلّ في استخدام لغة الفيزياء لفكّ معضلة الفضاء السيبراني. ومن ثمّ، يُصبح ممكناً التفكير في بناء فيزياء رقميّة تكون جسراً مفاهيميّاً وعلميّاً يُدمج المبادئ الفيزيائيّة مع عالم التكنولوجيا والمعلومات ككيان أصبح جزءاً لا يتجزّأ من تجربتنا اليوميّة ومعرفتنا. غير أنّ هذا المشروع لا يمكن أن يتحقّق إلا من بوّابة الفلسفة».

والمؤلف، د. عبد الله الزين الحيدري، هو باحث تونسي في علوم الإعلام والاتصال، يعمل في قسم الإعلام بكلية الآداب والعلوم، بجامعة قطر. وله عدد من الدراسات المنشورة، بينها: «الإعلام الجديد النظام والفوضى»، و«مصفوفة المفاهيم والمصطلحات في مقدّمة ابن خلدون»، و«الصورة والتلفزيون، بناء المعنى وصناعة المضمون»، و«الزّمن: مقاربات وشهادات» (تأليف جماعي)، وغيرها.


«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية
TT

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

صدر حديثاً عن «دار المحرر» في القاهرة رواية «دون أثر يُذكر» للروائية والصحافية المصرية نسرين البخشونجي، التي صدر لها من قبل المجموعات القصصية: «بعد إجباري» و«تفاصيل» و«باليرينا»، وروايات: «غرف حنين» و«اتجاه عكسي» و«عطرشاه».

تدور الرواية حول «ليلى»، الشخصية المركزية التي تعاني اغتراباً وجودياً، وأزمات نفسية، وتشعر أنها غير مرئية من كل المحيطين بها، سواء في أسرتها أو حياتها أو مسارها المهني الذي لم يتحقق كما كانت تطمح، وقد تذوقت مرارات الفقد أكثر من مرة، بدءاً من طفولتها حين فقدت والدتها، مروراً بفقد حبيبها الأول في أثناء دراستها الجامعية، وصولاً إلى فقد ذاتها، وتحول حياتها إلى متاهة، لا استقرار فيها ولا ثوابت، وتعيش بإحساس مُمضّ أنها تمضي في الحياة دون أثر يُذكر.

ورغم زواجها من رجل يحبها، وسفرها إلى مدينة أوروبية، فإن إحساس التيه انتقل معها إلى أسرتها الجديدة ومكانها المغاير، فأساس أزمتها يكمن في مدينتها الساحلية الهادئة، التي عاشت فيها مرحلة طفولتها ومراهقتها، فاضطرت بعد سنوات في أوروبا للعودة إلى مكانها الأول بحثاً عن مصالحة ذلك العالم القديم، ومصالحة ذاتها بشكل أكبر، وبحثاً عن غفران للماضي؛ أن تغفر لمن خذلوها، وأن تغفر لنفسها أيضاً ما ارتكبته من أخطاء.

الرواية قصيرة، أقرب إلى نوفيلا، وتتكون من ثلاثة فصول رئيسة، كل منها يتكون من عدة وحدات سردية. يأتي السرد في الفصل الأول باستخدام ضمير الراوي العليم، الذي يحكي عن «ليلى» من الخارج، ومن زمن وجودها في أوروبا، ثم قرارها المفاجئ العودة إلى الماضي. ويستعيد الراوي عبر كثير من الاسترجاعات ماضي الشخصية وما ينطوي عليه من توترات. في الفصل الثاني يتحول السرد إلى ضمير الأنا، وتتولى «ليلى» عبر التداعي الحر حكي تاريخها ومشاعرها ووعيها وأزماتها. وينفتح الفصل الثالث على تعدد الرواة، وتأتي كل وحدة سردية منه بصوت من مروا في حياة البطلة: الأب، والجدة، والصديقة، والزوج، وغيرهم. ويكشف كل منهم عن ضعفه وأزماته، لتبدو في الأخير كل الشخصيات مأزومة وتائهة، فكل منهم كانت تحركه مخاوفه وهواجسه الخاصة، خصوصاً الخوف من ألا يكون كل منهم مرئياً.

من أجواء الرواية نقرأ:

«آدم، رافقني في كل مراحل المتاهة، دون أن أستدعيه، هو يعرف تماماً متى يجب أن يكون إلى جواري، وكأني متأصلة داخله مثل علامة ولادة خفية لا يراها أحد سواي. ورغم ذلك، أنا الذي خذلته. أول مرة حين تصورت أن الطموح أهم، وأن الحب لا يطعم القلب، ولا يعترف بالمستقبل، ولا يبني حياة. وثانية حين قررت أن أختبئ في حضنه، عندما أدركت فداحة ما فعلته. كان حينها عقلي مشوشاً، وروحي محبوسة في جسد لم يعد نقياً. لكنه، وللعجب، لم يعطني ظهره، بل استقبلني فاتحاً ذراعَيه. لم يتجنبني، لم يحاكمني، لم يسألني لماذا غبت، لماذا عدت وبداخلي جثة امرأة كنتها. هادئ، وديع، طيب، يحب بصمت، يغفر بغير مقابل...».