شانتال ديلسول تهاجم فلسفة ما بعد الحداثة

ضربت عرض الحائط بكل القيم والموازين والمعايير

شانتال ديلسول
شانتال ديلسول
TT

شانتال ديلسول تهاجم فلسفة ما بعد الحداثة

شانتال ديلسول
شانتال ديلسول

أعترف بأني كنت أبحث منذ زمن طويل عن الوجه الآخر لفرنسا، عن الوجه الآخر المشرق والمحترم للفكر الفرنسي دون أن أجده حتى وقعت مؤخراً على مؤلفات الفيلسوفة شانتال ديلسول. وكم كانت فرحتي عارمة بالتعرف على إنجازاتها وتوجهاتها. وتأسفت كثيراً لأني تأخرت في اكتشافها إلى اليوم. كان ينبغي أن أطلع عليها وعلى أفكارها منذ زمن طويل. ولكن كما يقول المثل الفرنسي: «أن تصل متأخراً خيرٌ من ألا تصل أبداً». ولكن هناك سبب آخر لهذا التأخر أو التقصير. في الواقع كنت مبهوراً بفلاسفة ما بعد الحداثة من أمثال ميشيل فوكو وجاك دريدا وجيل ديلوز، وحتى تلامذتهم من أمثال لوك فيري وأندريه كونت سبنوفيل، وهذا الشيطان الرجيم ميشيل أونفري... إلخ. هذا لا يعني أني أنكرهم كلياً أو أني لم أستفد من أفكارهم وإضاءاتهم العديدة. أبداً لا. لكني أخطأت إذ اعتبرتهم الوجه الوحيد للفكر الفرنسي المعاصر أو التيار الوحيد. لا ريب في أنهم يسيطرون على الساحة الباريسية لأن الموضة الدارجة هي هكذا. الريح تمشي في اتجاههم. ودائماً الموضة أو الصرعات الدارجة تخفي عن أنظارنا بقية الصورة.

أولاً دعونا نطرح هذا السؤال: من هي شانتال ديلسول التي لم يسمع بها أحدٌ في العالم العربي على ما أعتقد؟ إنها أستاذة جامعية سوربونية ومشرفة على «مركز الدراسات الأوروبية» في فرنسا. كما أنها عضوة في أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية منذ عام 2007، بل وأصبحت رئيستها عام 2015. وهي أكاديمية عليا تضم كبار الشخصيات الفرنسية والأجنبية. وقد أصدرت كتاباً مهماً بعنوان «نهاية الحضارة المسيحية». وهي تفرق منذ البداية بين المسيحية ديناً والمسيحية حضارةً. فالمسيحية كدين لم تمت ولا يمكن أن تموت ولكنها كحضارة تنظم شؤون المجتمع وتصوغ تقاليده وقيمه وأخلاقه العامة انتهت مؤخراً في فرنسا.

ثم تقول لنا المؤلفة إن الحضارة المسيحية هيمنت على الغرب طيلة 16 قرناً من الزمن بعد اعتناق الإمبراطور الروماني قسطنطين لها واعتبارها دين الدولة. وبعدئذ راحت تصوغ شخصية الغرب وكل قيمه الأخلاقية ومعاييره. لكنها الآن انحسرت للأسف الشديد وحلت محلها فلسفة ما بعد الحداثة المادية الإلحادية الإباحية بشكل مطلق. وهذا الانحسار حديث العهد جداً ولا يعود إلا إلى عشر سنوات أو حتى عشرين سنة خلت على أكثر تقدير (أي منذ مطلع القرن - 2000 أو 2010). قبلها كانت فلسفة ما بعد الحداثة مجرد تيار صاعد من جملة تيارات أخرى. ثم تقول لنا المؤلفة إن فلسفة ما بعد الحداثة قلبت جميع القيم الأخلاقية عاليها سافلها. كيف حصل ذلك؟ على النحو التالي: كانت المسيحية عندما هيمنت على الغرب قبل 1600 سنة قد ألغت معظم القيم الرومانية السابقة عليها. بهذا المعنى كانت المسيحية انقلاباً كاملاً على الحضارة الوثنية للرومان. ينبغي ألا ننسى ذلك. والدليل على ذلك أن الحضارة الوثنية الرومانية كانت تقر بحق الطلاق، وحق الإجهاض، وحق الانتحار. والأخطر من كل ذلك أنها كانت تقر بحق الشذوذ الجنسي أو ما يدعونه الآن بالمثلية. كانت تعتبره شيئاً طبيعياً وعادياً تماماً. ثم جاءت المسيحية وألغت كل ذلك وشطبت عليه بجرة قلم وحرمته شرعاً. لقد قلبت كل القيم الموروثة عن الحضارة الرومانية التي كانت سائدة قبلها. والآن تجيء فلسفة ما بعد الحداثة لكي تقوم بالانقلاب على الانقلاب. بمعنى أنها ألغت القيم الأخلاقية المسيحية وعادت إلى القيم الرومانية. بمعنى آخر فإن أوروبا الغربية لم تعد مسيحية إنما أصبحت وثنية.

ثم تردف المؤلفة قائلة ما معناه: في الماضي وطيلة هيمنة الحضارة المسيحية على الغرب كان الشذوذ الجنسي ممنوعاً منعاً باتاً ومحرماً دينياً. لكنه أصبح الآن في عصر الحداثة (أو ما بعد الحداثة بالأحرى) ليس فقط محللاً ومشروعاً، وإنما محبذ وممجد. لقد أصبح يمثل أعلى درجات الحضارة وأرقاها. صدقوا أو لا تصدقوا أنتم أحرار. أعجبنا هذا الكلام أم لم يعجبنا سيان. اضرب رأسك أيها الكاتب الجاهل في الجدار إذا شئت. أنت مجرد شخص قديم متخلف عن ركب الحضارة والعصر. أنت عاجز عن مسايرة التقدم والتطور... إلى الجحيم أيها المثقف الرجعي المنقرض أو المرشح للانقراض.

والسؤال المطروح الآن هو التالي: كيف حصل ذلك؟ كيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من تدهور حضاري مريع في أرقى مجتمعات العالم وأكثرها تقدماً؟ كيف أصبح زواج الرجال بالرجال مفخرة المفاخر في أوروبا؟ شيء مذهل. شيء يدوخ العقول. هذا إذا بقيت عقول. (بين قوسين في أوروبا الغربية فقط لا الوسطى ولا الشرقية التي ظلت لحسن الحظ مسيحية تحترم القيم الإنجيلية الأخلاقية والمثالية العليا). ولكن هذا الانحطاط المريع لا ينتهك القيم الدينية فقط إنما ينتهك أيضاً القيم العلمانية الكانطية التي تحترم الفطرة السليمة والحس الصائب. ومعلوم أن كانط (أكبر فيلسوف في الغرب) كان قد أدان الشذوذ إدانة قاطعة مانعة واعتبره فضيحة كبرى أو «عاراً وشناراً»، حسب تعبيره الحرفي. ثم نشرت الفيلسوفة شانتال ديلسول مقالاً صاعقاً في جريدة «ألفيغارو» بعنوان: «لا للزواج المثلي الشذوذي». لا وألف لا لأنه يهدد العائلة الفرنسية بل والمجتمع الفرنسي كله في الصميم. وكان ذلك يمثل شجاعة خارقة لأن كل التيار الجارف في فرنسا كان مع هذا الزواج الذي صوّت عليه البرلمان شرعاً. بالتالي فمن يقف ضده كان يخاطر بنفسه. أقصد تيار النخب الإعلامية والأضواء التلفزيونية وليس الشعب الفرنسي العميق الذي نزل بالملايين احتجاجاً على هذا القانون الجنوني. هل تعلمون أن كبار فلاسفة فرنسا كانوا يزايدون على بعضهم بعضاً بخصوص هذه المسألة. كل واحد كان يريد أن يثبت أنه مؤيد للزواج المثلي الشذوذي أكثر من سواه حتى ولو لم يكن هو ذاته مثلياً شذوذياً... هذا ما فعله للأسف لوك فيري وأندريه كونت سبونفيل وبالطبع ميشيل أونفري. وهذا الأخير ألف كتاباً ضخماً عن «الانحطاط» الفرنسي دون أن يقول كلمة واحدة عن الشذوذ الجنسي الذي لا يعتبره علامة على الانحطاط أبداً. بل يعتبره قمة القمم الأخلاقية والحضارية. لكنه بالمقابل شن حملة شعواء على المسيحية وفككها تفكيكاً ودمرها تدميراً حتى لكأن فرنسا تعاني من الأصولية القروسطية الظلامية، حتى لكأن فرنسا هي أفغانستان الطالبانية... نقول ذلك ونحن نعلم أن المسيحية لم يعد لها أي وجود قمعي أو إكراهي في فرنسا. بل ولم تعد موجودة تقريباً. وهي خائفة حتى من ظلها. وفي كل يوم يستهزئون بها وبشخصياتها وعقائدها على شاشات التلفزيون. لم يعد للأصولية المسيحية التكفيرية أي وجود بعد انتصار التنوير في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ومع ذلك فإن هذا العبقري ميشيل أونفري لا يجد عدواً له إلا المسيحية دين آبائه وأجداده. لماذا تثقب أبواباً مفتوحة يا رجل؟ لماذا تتعب نفسك بمشكلة حلها فولتير قبلك منذ 250 سنة على الأقل؟

أخيراً تقول لنا السيدة شانتال ديلسول ما فحواه: نعم للحداثة التنويرية التي أنقذتنا من براثن الأصولية التكفيرية والإكراه في الدين ومحاكم التفتيش. لكن لا وألف لا لفلسفة ما بعد الحداثة المتطرفة الهوجاء التي ضربت عرض الحائط بكل القيم والموازين والمعايير. وهي فلسفة عدمية تساوي كل شيء بكل شيء: الأبيض والأسود سيان، الجنس الطبيعي والجنس الشذوذي المثلي سيان... إلخ. بل وحتى العائلة الطبيعية المؤلفة من أب وأم وأطفال وحنان أصبحت معتبرة رجعية متخلفة في عصر ما بعد الحداثة. ما هي العائلة التقدمية إذًا؟ إنها العائلة المشكلة من رجلين متعاشرين أو متباضعين وبينهما مجموعة أطفال مشترين بالفلوس عن طريق استئجار بطون النساء الحوامل مقابل 60 ألف دولار لكل طفل (وهذا هو معنى: الحَبَل من أجل الآخرين). ثم يسحبونه من تحتها ما إن ينزل من بطنها لكيلا تتعلق به. جريمة حقيقية. احتقار رأسمالي متغطرس وقح لأجمل عاطفة وأنبل عاطفة وأقدس عاطفة على وجه الأرض: عاطفة الأمومة. هذه هي العائلة الشذوذية الرائعة (عائلة ما بعد الحداثة) التي حلت محل العائلة الرجعية التقليدية السابقة التي عفا عليها الزمن. لاحظوا ما أجمل هذه العائلة. لاحظوا ما أرقاها. لاحظوا ما أحلاها. هذا آخر ما توصلت إليه عبقرية هذه الفلسفة الشوهاء المشوهة المدعوة بفلسفة ما بعد الحداثة.


مقالات ذات صلة

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

ثقافة وفنون رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

على الرغم من أن الأكاديمية الملكية بلندن سعت إلى استعادة الفنان ريتشارد داد (1817 ــ 1886) من غير الخوض موسعاً في حياته الشخصية بكل ما انطوت عليه من امتزاج...

فاروق يوسف
كتب «تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

صدر حديثاً، عن دار «الرافدين» العراقية، ترجمة كتاب «تاريخ أثرياء العالم»، تأليف المؤرخ والأكاديمي الفرنسي فابريس دالميدا، ويتناول فيه تاريخ الثروة والنفوذ،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى.

شوقي بزيع

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم
TT

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير. وظل هذا بما امتلأ به من صراعات وتحوّلات سياسية مادةً ثرية للكتب والروايات، غير أن صورته الأشهر بقيت متمركزةً حول الرجال، بينما تراجعت النساء إلى أطراف الحكاية، حتى حين كن شريكاتٍ في صنع أحداثها.

من هذه الفجوة تنطلق الكاتبة الدكتورة عائشة خليل عبد الكريم في كتابها «نساء آل تيودور»، الصادر عن دار «ديوان للنشر» بالقاهرة، معتبرةً أنه من المؤسف أن تبقى أصوات نساء آل تيودور غائبةً في سرديات هذا العصر، وهو ما دفعها لطرح ما تصفه بأنه «سرد تاريخ شعبي عن نساء البلاط الإنجليزي في القرن السادس عشر».

غير أن البحث عن النساء في تاريخ كُتب من مواقع الرجال والسلطة يتجاوز مجرد استعادة أسمائهن؛ فالأصوات الغائبة لا تظهر في الوثائق الرسمية بالصورة نفسها التي تظهر بها قرارات الملوك وحروبهم، لذلك لا تعزل المؤلفة نساءها عن الرجال الذين ظلّوا في بؤرة العرش، وإنما تعيد قراءة السياق بوصفهن أمهات الملوك وزوجاتهم وبناتهم ووريثات تاجهم.

ومن فصل إلى آخر يتغير موقع النظر، حتى تتكون صورة لنساء شاركن في صناعة الشرعية وحفظ السلالة، ودفعن كذلك أثماناً قاسيةً لشروط السلطة، وهكذا يغيّر الكتاب موضع الضوء داخل المشهد؛ ليكشف أن التاريخ الذي حمل أسماء الملوك لم يصنعه الملوك وحدهم.

حرب الوردتين

تبدأ عائشة خليل كتابها بمدخل ذاتي يربطها بـ«آل تيودور»، الذين بدأ تعرفها عليهم من خلال الدراسة والكتب، ثم تابعت حضورهم عبر السنوات في السرديات السينمائية وغيرها، إلى أن قررت اقتراح سردية مغايرة لذلك العصر بالابتعاد عن «سرد الأفعال البطولية للرجال»، والتركيز على نساء «آل تيودور» بوصفهن فاعلاتٍ في الأحداث التاريخية الصاخبة لهذا العصر.

للوصول إلى ما تسميه «وجه التاريخ الغائب»، تستعين عبد الكريم بسجلات البرلمان والبيوت الملكية ووثائق المحاكم ومراسلات السفراء، إلى جانب الكتيبات التي انتشرت مع دخول الطباعة إنجلترا. كما تُوسّع مفهوم الوثيقة ليشمل الموسيقى والبورتريهات وما تكشفه من ملابس وحلي وتفاصيل للحياة اليومية.

تحضر في بنية الكتاب مفارقة لافتة؛ فقد بدأ حكم «آل تيودور» بتدبير امرأة، هي مارغريت بوفورت، وانتهى عصرهم بامرأة أخرى هي حفيدتها إليزابيث الأولى، آخر حكام الأسرة.

لم يكن هنري تيودور، الذي أصبح لقبه «هنري السابع» صاحب حق قوي في التاج؛ إذ جاءت صلته بالدم الملكي من ناحية أمه وعبر نسب غير شرعي لم يكن كافياً لضمان العرش، غير أن والدته مارغريت دعمت تنصيبه، مستفيدةً من الاستنزاف الذي خلّفته «حرب الوردتين» على مدار سنوات طويلة بين عائلتي يورك ولانكستر، لتحوّل احتمال تنصيبه الضعيف إلى مشروع سياسي طموح.

سعت «بوفرت» إلى تزويج ابنها من «إليزابيث» وريثة بيت «يورك» ليجمع الزواج بين بيتَي «لانكستر» و«يورك» المتنازعين، وهكذا تضع مؤلفة الكتاب المرأة التي أدارت مشروع صعود «هنري السابع» في بؤرة الضوء، خاصةً أنها هيأت التحالف الذي منح حكمه شرعيةً لم يكن نسبه كافياً لتوفيرها له.

أما «إليزابيث» من بيت «يورك»، فقد جسدت في شخصها اتحاد البيتَين، ثم أصبحت أمّاً للورثة، وتنتقل المؤلفة من دورها السياسي إلى علاقتها بأبنائها وزوجها، مستعينةً بتفاصيل إنسانية مثل تشابه خط ابنها «هنري الثامن» مع خطها، ما دفع بعض المؤرخين إلى ترجيح أنها دربته بنفسها على الكتابة.

الولادة والسلالة

يتوقف الكتاب عند الصلة القاسية بين الولادة والموت واستمرار السلالة؛ فلم يكن جسد الملكة شأناً خاصاً، إنما تعلقت به شرعية العرش ومستقبل المملكة، فكانت الملكة مطالبةً بإنجاب عدد كبير من الأطفال، لأن نسبةً مرتفعةً منهم لم تكن تنجو، بينما تخاطر بحياتها مع كل مخاض.

وتشير المؤلفة إلى أن نحو خُمس الأطفال في ذلك العصر كانوا يموتون قبل بلوغ الخامسة، وأن امرأةً من كل أربعين كانت تفقد حياتها أثناء الولادة، لذلك كانت النساء يستعددن للمخاض بكتابة الوصايا والاعتراف والتوبة والتناول؛ فالمرأة تدخل غرفة الولادة وهي تستعد لاستقبال طفلها واحتمال موتها معاً.

عاش من أبناء إليزابيث أربعة فقط، وبعد وفاة ابنها الأمير «آرثر» حملت مجدداً، لكنها توفيت عقب ولادة طفلتها الأخيرة. وهكذا تصبح الولادة جزءاً من هندسة السلطة؛ إذ يمكن لموت طفل أو تعثر حمل أن يطلق أزمةً تتجاوز القصر إلى المجالين السياسي والديني.

تتجسد هذه العلاقة بصورة أكبر في حكاية «كاثرين الأرجونية»، ابنة الملكين إيزابيلا وفرديناند، اللذين وحّدا إسبانيا وأنهيا الحكم العربي للأندلس. وقد تلقت كاثرين تعليماً يليق بابنة أسرة ملكية نافذة، وكانت أمها إيزابيلا نموذجاً لملكة حكمت إلى جانب زوجها ورافقت جيوشها.

خُطبت «كاثرين» في طفولتها إلى ولي عهد إنجلترا الأمير «آرثر»، وكان ارتباطها بآل تيودور ضماناً لمنح الأسرة الحديثة في الحكم شرعيةً إضافيةً واتصالاً ببيت ملكي عريق، وبعد وفاة «آرثر» تزوجت شقيقه «هنري الثامن»، وعاشت معه نحو عشرين عاماً قبل أن يتحوّل زواجهما إلى إحدى أشهر أزمات العصر التي تخص السلالة كلها؛ إذ أراد هنري وريثاً ذكراً، وصار فقد زوجته كاثرين للأبناء تباعاً حجةً لفحص صحة الزواج، ثم ذريعة لإنهائه، ومع رفض البابا إبطال الزواج وقع الصدام مع روما، وانفصلت الكنيسة الإنجليزية عن سلطة البابوية.

تكشف حكاية كاثرين كيف تجاوزت دراما الأسرة حدود القصر؛ فتحوّل تعثّر الملكة في إنجاب وريث ذكر إلى أزمة في شرعية الزواج، ثم إلى انقسام ديني غيّر تاريخ إنجلترا، كاشفاً أن أجساد النساء وعلاقاتهن الخاصة لم تكن منفصلة عن السياسة، بل وقعت في قلب تحوّلات الحكم والدين والسلالة.

وإذا كانت مارجريت بوفورت قد مهّدت بدهائها لتأسيس الأسرة «التيودورية»، وساعدت ابنها هنري السابع على اعتلاء العرش، فقد انتهى عصرها مع سليلتها إليزابيث الأولى، حفيدتها الكبرى، التي تصفها المؤلفة بأنها «درة آل تيودور». كانت إليزابيث ابنة هنري الثامن وآن بولين، التي تزوجها الملك في خضم أزمته مع الكنيسة وسعيه إلى إبطال زواجه من كاثرين أراغون، وتلقّت إليزابيث تعليماً رفيعاً، فأجادت اللاتينية والإيطالية والفرنسية إلى جانب الإنجليزية.


«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام
TT

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

صدر حديثاً، عن دار «الرافدين» العراقية، ترجمة كتاب «تاريخ أثرياء العالم»، تأليف المؤرخ والأكاديمي الفرنسي فابريس دالميدا، ويتناول فيه تاريخ الثروة والنفوذ، وكيف تحول المال عبر العصور إلى سلطة تؤثر في السياسة والإعلام، وترجمه إلى العربية لطفي السيد منصور.

الكتاب دراسة معمقة لواقع الأثرياء، ويسعى إلى الكشف عن مكانتهم الحقيقية في تاريخنا، واستكشاف مدى تأثيرهم في تطورنا، وفي تحولات مجتمعاتنا، وطبيعة حياتهم الحقيقية، وإسهاماتهم، والأخطاء التي ربما ارتكبوها، وكيفية تعاملهم مع الإخفاقات، ويوضح أن مشكلة الأثرياء أصبحت أكثر حدةً مع انزلاق الخيالات نحو المبالغة والخلط ونظريات المؤامرة؛ إذ يتصور الناس أن جميع الأثرياء يتصرفون بالطريقة نفسها، مدفوعين بالأنانية والطموح الجامح. إلا أن وراء كل صاحب ثروة طائلة مغامرةً شخصية؛ فبغضّ النظر عن المال لا يوجد اثنان متشابهان.

يهدف الكتاب، حسب مقدمة المترجم، إلى «تقديم تأملٍ حول ماهية الأثرياء حقّاً؛ ففي مواجهة تحدي الشعبوية تُعَدُّ طريقة تعامل أصحاب السلطة معهم أمراً بالغ الأهمية. غالباً ما كانت السياسات المتعلقة بالفقراء هي التي توجه النقاش العام، لكن منذ بضعة عقود أصبح الجميع يتفقون على تعريف (خط الفقر)، وعلى ضرورة توفير الإعانات الاجتماعية لمساعدتهم. في المقابل، لا يوجد إجماعٌ بشأن الثروات الضخمة، إلا أن إدارة هذه الثروات الهائلة وأصحابها لها آثارٌ إيجابيةٌ أو سلبية على الاقتصاد. ولا يمكن التعامل معهم ككتلةٍ واحدةٍ دون مخاطر، فقد أصبحوا فاعلين أساسيين في النظام الاقتصادي؛ لذا علينا التفكير مليّاً في استراتيجيات الضرائب والاستثمار العام، ويجب على الحكومات أن تدرس، على أساس كل حالةٍ على حدة، أفضل الخيارات المتاحة، وفقاً لمجالات العمل وأهميتها للمجتمع، وإلا فإن التوترات بين الشعب ونخبه المختلفة لن تزداد إلا حدَّة».

يُذكر أن المؤلف فابريس دالميدا من أبرز المتخصصين المعاصرين في تاريخ وسائل الإعلام، والدعاية السياسية، والتلاعب بالصور، إلى جانب أبحاثه المعمقة في تاريخ النازية والثقافة السياسية الأوروبية. يعمل أستاذاً للتاريخ المعاصر في جامعة باريس بانتيون آسا (باريس 2). نال عدة أوسمة رفيعة من الدولة الفرنسية تقديراً لإسهاماته العلمية، منها وسام الفنون والآداب (برتبة فارس) عام 2022، ووسام الاستحقاق الوطني الفرنسي عام 2023.

ولطفي السيد منصور، مترجم مصري، من أهم ترجماته: «تقرير بروديك» و«الغسق» للروائي فيليب كلوديل، و«نوتردام النيل» للروائية سكولاستيك موكاسونجا، و«النشوة المادية» لجوستاف ماري لوكليزيو، و«سيكولوجية الحماقة» و«تاريخ عالمي للهراء» من إشراف وتحرير جان فرانسوا مارميون. يعد من أبرز الناشطين في مجال الترجمة عن الفرنسية، حيث ينشر اختياراته المترجمة من الأدب والفلسفة والفكر الفرنسي بانتظام في عدد من الدوريات والمجلات المصرية والعربية.


حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.