دليلك إلى النظرية الأدبية

تتخذ مساراً مستحدثاً منذ أواخر سبعينات القرن الماضي

غلاف" النظرية الأدبية: مقدمة" لتيري إيغلتون
غلاف" النظرية الأدبية: مقدمة" لتيري إيغلتون
TT

دليلك إلى النظرية الأدبية

غلاف" النظرية الأدبية: مقدمة" لتيري إيغلتون
غلاف" النظرية الأدبية: مقدمة" لتيري إيغلتون

منذ وقت مبكّر من بدء اهتمامي الجارف بالأدب والحرفة الأدبية أدركتُ أهمية الإحاطة بمفردات وموضوعات النظرية الأدبية. العمل من غير موجّهات دليلية نظرية في أيّ حقل معرفي إنّما هي خطأ جوهري ينبغي التثقيف على ضرورة تجاوزه. النظرية الأدبية تفترض بالضرورة الإطلالة على شيء من التاريخ الأدبي والنقد الأدبي.

حصل الأمر في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي. كانت قراءاتي في النظرية الأدبية قبلها غير ممنهجة، قرأت حينها كتباً لمؤلفين مختلفي المشارب والتوجّهات: سارتر ومؤلفه «ما الأدب؟»، تي. إس. إليوت وتنظيراته التي أوردها في كتابيه «ملاحظات نحو تعريف الثقافة» و«التراث والموهبة الفردية»، إف. آر. ليفز وكتبه الإشكالية «التراث العظيم» و«اتجاهات حديثة في الشعر الإنجليزي». تباينت المقاربات فيما بين هؤلاء الكُتّاب (والكُتّاب الآخرين بعامة) من غرق في بركة الآيديولوجيا الماركسية أو السايكولوجيا الفرويدية أو التراث الفكتوري أو استنطاق النص الأدبي في حدوده النصوصية. كان الأدب يبدو حينها وكأنّه قلعة حصينة معزولة ومسوّرة بكهنة متعصّبين ودستور عنوانه المُعْتَمَد الأدبي (Literary Canon).

غلاف" النظرية الأدبية...الأساسيات" لهانز بيرتنس

حصلت الانعطافة الكبرى معي بعدما قرأت كتاب «نظرية الأدب» (Theory of Literature) للمُنظّر والناقد التشيكي - الأميركي رينيه ويليك (Rene Wellek) (بمعاونة أوستن وارين). برغم أنّ الكتاب كان على شيء من البرودة الأكاديمية لكنّه كان رائعاً ومثيراً ويحفّز القراءة. كانت قناعتي حينها أنّ المشتغل في حقل الأدب لو قرن قراءته لكتاب نظرية الأدب بالأجزاء العديدة لكتاب ويليك الآخر عن تاريخ النقد الأدبي الحديث فستكون عدّته الأدبية مقبولة وتمكّنه من العمل ببصيرة بدلاً من الدوران في متاهة لانهائية. كان النقد الأدبي حينها ذا سطوة لا يمكن مخاتلتها، ولم يكن بدّ أمام الكاتب من معرفة شيء رصين من أفانين النقد الأدبي مقترناً بالنظرية الأدبية والتاريخ الأدبي.

شرعت النظرية الأدبية تتخذ مساراً مستحدثاً منذ أواخر سبعينات القرن الماضي عندما بدأ التطعيم الجاد للنظرية الثقافية بالنظرية الأدبية؛ أي بمعنى صار هناك توجّه عام لمثاقفة (Acculturation) النظرية الأدبية، ثمّ مع السنوات والعقود اللاحقة صار هناك توجّه أكثر وضوحاً وفاعلية لجعل النظرية الأدبية تياراً في مجرى النظرية الثقافية، والاثنان يصبّان في محيط الدراسات الثقافية (Cultural Studies). خفت النقد الأدبي كثيراً، ولم يعد متوقّعاً أن نشهد ولادة ناقد من طراز ليفز أو ويليك. عندما أراجع كتابات ويليك اليوم وأضعها قبالة المؤلفات المعاصرة أرى البون شاسعاً، ولا أشعر بحنين نوستالجي لتلك السنوات. لا ضيْرَ من توسعة حدود الجغرافية الأدبية وتعشيقها بمناشط إنسانية جديدة. هكذا يقتضي الحراك الدينامي التطوري للحياة والفكر البشري.

*****

كل فاعلية معرفية جديدة تتطلب كتباً تأسيسية لها. أعتقد أنّ كتاب «الثقافة والمجتمع» (Culture and Society (1958)) لمؤلفه الأشهر رايموند وليامز (Raymond Williams) هو واحد من أهمّ النصوص التأسيسية لمبحث الدراسات الثقافية. يناقش وليامز في كتابه هذا كيف تطوّر مفهوم الثقافة في الفكر البريطاني، ويجعل الأدب جزءاً من نسيج البنية الثقافية. أيضاً يمكن الإشارة إلى كتاب تيري إيغلتون (Terry Eagleton) «النظرية الأدبية: مقدّمة» (Literary Theory: An Introduction) (1983) الذي أظهر فيه المؤلف كيف أن كل نظرية أدبية (من الشكلانية إلى ما بعد البنيوية) هي أيضاً موقف ثقافي وآيديولوجي. كتاب مهم آخر هو ذاك الذي ألّفه جوناثان كولر (Jonathan Culler) بعنوان «النظرية الأدبية: مقدّمة وجيزة» (Literary Theory: A Very Short Introduction) ونشرته جامعة أكسفورد في طبعته الأولى عام 1997. يمزج هذا الكتاب بين النظريات الأدبية والنقاشات الثقافية التي باتت جزءاً مؤصّلاً في المثاقفة المجتمعية والدراسات الثقافية (اللغة، النص، القارئ، الهوية...). لا يمكن تغافل جهود المنظّر البريطاني ستوارت هول (Stuart Hall) أستاذ علم الاجتماع في الجامعة المفتوحة في بريطانيا، ومساهمته المفصلية في ترسيخ الدراسات الثقافية على المستوى الجامعي والثقافي العالمي.

في فضاء الأدب العربي والثقافة العربية يمكن الإشارة إلى جهود الباحثيْن د. عبد الله إبراهيم في كتابه «النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية» (1996)، وسعيد يقطين في كتابه «انفتاح النص الروائي: النص والسياق» (1989).

*****

لو أتيح لي الخيارُ في تسمية كتاب أقترحه ليكون دليلاً مرجعياً لتمثيل التعشيق التفاعلي بين النظرية الثقافية والنظرية الأدبية (أي زيادة جرعة المثاقفة في النظرية الأدبية) فسأختارُ كتاب «النظرية الأدبية: الأساسيات» (Literary theory: The Basics) لمؤلّفه هانز بيرتنس (Hans Bertens). نشرت دار نشر «راوتليدج» (Routledge) طبعة رابعة جديدة من هذا الكتاب أواخر عام 2024 في سياق سلسلتها الرائعة التي تتناول أساسيات الموضوعات المتناولة.

مؤلف الكتاب، هانز بيرتنس، يعمل أستاذاً فخرياً Emeritus للأدب المقارن في جامعة أوترخت الهولندية. يتناول نشاطه البحثي موضوعات ما بعد الحداثة، الأدب الأميركي، والنظرية الأدبية.

يعدّ كتاب بيرتنس مدخلاً تمهيدياً للطلبة أو القرّاء المهتمّين بفهم التيارات والنظريات الأدبية المعاصرة، وقد اتخذه العديد من الأقسام الجامعية مرجعاً لدراسة النظرية الأدبية. ما يميّز الكتاب هو لغة واضحة، مع تجنّب الإفراط في الاحترافية النظرية، إلى جانب ترتيب تاريخي للأفكار، بدءاً من النقد العملي (Practical Criticism) والنقد الجديد، مروراً بالبِنيوية، ما بعد البنيوية، النقد الثقافي، ما بعد الكولونيالية، نظرية النوع (Gender)، وما بعد الإنسان (Posthumanism). يُظهِر الكتاب كذلك كيف ترتبط النظرية الأدبية بالممارسة؛ أي كيف يمكن للنظرية أن تؤثر في قراءة النص، وكيف أنّ القراءات النظرية تعكس تحولاتٍ ثقافية وفكرية مشخّصة.

يمكن معرفة حجم المثاقفة في هذا الكتاب من تفحّص موضوعات فصوله. بعد مقدّمة موجزة تناول المؤلف في الفصلين الأول والثاني طبيعة قراءة النص الأدبي فجعلها في مقاربتين: قراءة من أجل المعنى، وقراءة من أجل الشكل. بالطبع قادت هاتان المقاربتان لتناول موضوعات النقد الجديد والنقد العملي، والشكلانية وبدايات البنيوية، ثم اتبعها المؤلف في الفصل الثالث بالبنيوية الفرنسية. بدأت المثاقفة الحقيقية في الكتاب بالفصل الرابع الذي تناول فيه المؤلف القراءة السياسية للأدب من بوّابة الطبقة، والنوع الجندري، والعِرْق في سبعينات وثمانينات القرن العشرين. بعدها تناول المؤلف الثورة ما بعد البنيوية (دريدا، التفكيك، ما بعد الحداثة)، ثم واصل في الفصل اللاحق معالم هذه الثورة (فوكو، لاكان، النسوية الفرنسية). خصّص المؤلف فصلاً لتناول الأدب والثقافة (التاريخانية الجديدة The New Historicism والمادية الثقافية). أما ما تبقى من فصول الكتاب فتناول فيها المؤلف موضوعة مابعد الكولونيالية في جانب النظرية والنقد، ثم أفرد فصلاً للنقد البيئي (Ecocriticism). الفصل الأخير من الكتاب اختصّه المؤلف لتناول الاتجاهات الجديدة في المثاقفة الأدبية.

تشدّد الطبعة الرابعة على موضوعات مثل «الدراسات الرقمية» (Digital Humanities)، مع التوسّع في موضوعة «ما بعد الإنسان»، و«ما بعد المادية» (Post-Materialism)، «دراسات الحيوان» (Animal Studies) بدلاً من الاقتصار على المثاقفة الكلاسيكية حول البيئة والنقد البيئي.

لو شئنا مقارنة الطبعة الرابعة بالثالثة فيمكن حصر الاختلافات النوعية في التالي. في الطبعة الثالثة هناك تركيز أقوى على التيارات «الكلاسيكية» للنظرية الأدبية؛ في حين أنّ الطبعة الرابعة تُعيد توجيه الاهتمام نحو التحديات المعاصرة للنظرية: كيف أنّ النظرية تتغير في ظلّ التطوّرات التقنية الثورية وصعود فكرة ما بعد الإنسان (Post-Human)، التغيرات البيئية، التقنيات، دراسات الحيوان، وما بعد النظرية الأدبية الكلاسيكية. كذلك تميل الطبعة الرابعة أكثر نحو دمج الفروع النظرية ذات الصلة بدلاً من إبقاء كل نظرية في فصل منفصل وذلك بغية منح القارئ فهماً متكاملاً للتداخل بين هذه الاتجاهات.

*****

ليس بمستطاعنا سوى الاعتراف بفيض الكتب التي تتوالى علينا في شتى الحقول المعرفية. واحدة من الميزات الفضلى للكتب المعاصرة الرصينة أنّها تمدّنا بجرعة معرفية تكفي في الأقلّ لشدّ عضد القارئ ودفعه للاستزادة من المعرفة بدلاً من الوقوع تحت رحمة فيضان العناوين التي لا يعرف في لجّة متاهتها أين يبدأ، وأي المسارات يتخذ، وكيف يتطوّر. أظنّ أنّ كتاب بيرتنس يخدم - كنقطة شروع - القارئ المتطلّع للمثاقفة الأدبية الحقيقية في عالم بات فيه الأدب اشتغالاً عاماً لمختصين بالذكاء الاصطناعي والرياضيات والفيزياء، ولم يعُدْ احتكاراً خالصاً تحكمه تقاليد «ليفز» المُطوّبة، مثلما لم يعُدْ «غابة مقدّسة» أقفل إليوت أبوابها ورمى مفاتيحها في الظلام.


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون التفلسف على الماء

التفلسف على الماء

نشرت جريدة «الشرق الأوسط» في صفحة «ثقافة وفنون» مادة عن كتاب «النيل، نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت

خالد الغنامي
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

بعد أن انغمستُ في قراءة مجلدات «أفضل قصائد الشعر الأميركي» في وقت سابق من العام الجاري، تعهدت بألا أبدأ أبداً أياً من مقالاتي بالتساؤل عن معنى كلمة «الأفضل»،…

إليسا غابرت
كتب اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

كتب تولستوي في «اعتراف» أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً