اشتباك الفلسفة مع السياسة والآيديولوجيا

خدمت أغراضاً مشخّصة في حقبة الحرب الباردة بخاصة

 كريستوف شورينغا
كريستوف شورينغا
TT

اشتباك الفلسفة مع السياسة والآيديولوجيا

 كريستوف شورينغا
كريستوف شورينغا

يمرُّ بي في قراءاتي اليومية المنتظمة حشدٌ من الأسماء في شتى الألوان المعرفية، ولو أردتُ الاستزادة في حقل من تلك الحقول المعرفية فلا بدّ من القراءة المعمّقة فيها. أوّلُ ما أفعله عند القراءة هو البحث في السيرة الخاصة بالكاتب. لو قرأتُ موضوعاً من غير معرفة مقبولة بكاتبه لما استساغت نفسي القراءة ولحسبتُها منقوصة وغير منتجة. المثيرُ أنني وجدتُ أنّ معظم من قرأت لهم -من علماء أو اقتصاديين أو سياسيين، إلخ- حازوا تدريباً فلسفياً -أو على الأقلّ ذائقة فلسفية رصينة- أعرف أنّها لن تكون مطواعة للمرء بغير كثير دراسة وقراءات متمرّسة. وكثيراً ما تساءلت: كيف للفلسفة التي يراها معظمنا حبّاً مجرّداً للحكمة أن تكون مطمحاً لكثيرين؟ ما سرُّها المكنون؟ كيف لهذا المنشط البشري المفترض فيه أن يتعالى عن الانشغالات العادية لمعظم البشر أن يكون جاذباً للدراسات الجامعية في عصر صارت الجامعات فيه تشكو قلّة تخصيصاتها المالية في حقل الإنسانيات عامةً وصارت منساقة لمتطلبات التقدم التقني الصارمة؟ بدا لي منذ زمن بعيد أن ثمّة قصوراً معرفياً مخفياً في فهمنا لكيفية تشغيل الماكينة الفلسفية في عصرنا. بعض أسباب هذا القصور قصديٌّ لا يُراد الكشف عنه لأنّه جزء من ألاعيب السياسة. نعم، الفلسفة ليست بنية فكرية معزولة عن السياسة والآيديولوجيا، وكثيراً ما خدمت أغراضاً مشخّصة في حقبة الحرب الباردة بخاصة.

لو استثنيْنا الجغرافيا الأميركية -بسبب خصوصية موضوعاتها ومقارباتها الفلسفية- من الخريطة الفلسفية العالمية فستكون الفلسفة متوزّعة بين اثنتيْن: الفلسفة القارية Continental Philosophy، والفلسفة التحليلية Analytic Philosophy. الفروقات بين الفلسفتيْن جليّة واضحة: الفلسفة القارية لها تقاليدها المطبوعة بمواريث الفلسفتين الألمانية والفرنسية، حيث يُسمعُ صدى الإبستمولوجيا (نظرية المعرفة) والميتافيزيقا والتمثلات الرمزية للمعرفة واضحاً؛ في حين أنّ الفلسفة التحليلية ادّعت -أو أراد لها آباؤها المؤسّسون- أن تكون الفلسفة الحقيقية، وكلّ ما سواها زيف ووهمٌ كبير. شاعت تقاليد الفلسفة التحليلية في فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وما زالت مواريثها فاعلة في المشهد الفلسفي العالمي حتى اليوم.

سعى الآباء المؤسسون للفلسفة التحليلية لتكون الفلسفةَ الطاغيةَ في جامعات العالم الأنغلوساكسوني كما في فضاء الثقافة العامة تحت مسمّيات شتى: الفلسفة الوضعية المنطقية - فلسفة التحليل اللغوي... إلى جانب تأكيد هؤلاء الآباء أنّ الفلسفة التحليلية هي الفلسفة الوحيدة التي تستحقُّ أن تكون فلسفة علمية (أو داعمة للعلم ومحفّزة للتفكير العلمي)؛ فقد ادّعوا أنّ تقاليد الفلسفة التحليلية متعالية على الواقع ومجاوزة له، وذات صبغة حيادية تجاه المتغيرات السياسية والاجتماعية؛ وبالتالي فهي خالدة وأبدية على العكس من الفلسفات الأخرى التي تنشأ من النزوعات الفردية أو التأمّلات الشخصانية أو الدوافع المصطبغة بلون آيديولوجي محدّد المعالم والتوجّهات. الفلسفة فوق السياسة والآيديولوجيا ومحايدة في التعامل معهما: هكذا ادّعت الفلسفة التحليلية على لسان مؤسسيها.

كريستوف شورينغا Christoph Schuringa، بروفسور الفلسفة في جامعة نورث إيسترن في لندن، والمختصّ بالفلسفة الألمانية والدراسات الهيغلية، لا يتّفق مع رؤية الآباء المؤسسين للفلسفة التحليلية، وسعى لتفنيد رؤيتهم في كتاب حديث له نشرته دار نشر Verso عام 2025 بعنوان تاريخ اجتماعي للفلسفة التحليلية: A Social History of Analytic Philosophy.

يعلن شورينغا في مقدّمة كتابه أنّ هدفه ينطوي على فحص الكيفية التي تطوّرت بها الفلسفة التحليلية لا من الزاوية الفكرية فحسب بل من سياقاتها الاجتماعية والسياسية. بكلمات أكثر تأكيداً ووضوحاً: سعى شورينغا لبيان كيف أنّ الفلسفة -التي كثيراً ما تُقدّمُ على أنها محايدة أو «خارج التاريخ» أو «خارج السياسة» لا يمكن فهمها إلا في علاقاتها بالمؤسسات، وبالهجرة، وبالسلطة، وبالآيديولوجيا -أي في سياق الحراك الاجتماعي والفعالية السياسية، وليست تمثلاً لنزوعات فكرية خالصة.

***

كثيرةٌ هي الأفكار الجوهرية التي يسعى شورينغا لتأكيدها في كتابه هذا. منها أنّ الفلسفة التحليلية ليست غير سياسية Apolitical؛ إذ يؤكّد شورينغا أنّ الفلسفة التحليلية كانت دوماً متأثرة بالقوى الاجتماعية والسياسية حتى لو حاولت الفلسفة التحليلية أن تظهر بمظهر الاكتفاء الذاتي. مثلاً، بعد الحرب العالمية الثانية، ومع فترة صعود المكارثية في الولايات المتحدة، تراجعت الأشكال السياسية والحركات اليسارية داخل الفلسفة التحليلية بسبب الخوف من الملاحقة أو الانتقام السياسي. الفكرة التالية هي أنّ أصول الفلسفة التحليلية مختلطة ومتعددة المصادر، ونتاج حركات مختلفة، ومؤثّرات متعددة -أوربية بالتحديد- قبل أن تتوحّد في شكل تقريبي لتشكّل ما تُعرف اليوم بـ«الفلسفة التحليلية» كتيار مهيمن. هذه الحركة نحو التوحيد حصلت بعد الحرب العالمية الثانية.

الفكرة الثالثة التي يؤكّدها شورينغا هي دَوْرُ المؤسسات التعليمية والمؤسسات البحثية والدور الأكاديمي للجامعات في تعزيز وإشاعة سطوة الفلسفة التحليلية، حيث أصبح هذا التيار الفلسفي جزءاً من النخبة الأكاديمية في البلدان الناطقة بالإنجليزية (العالم الأنغلوساكسوني). هكذا صار التيار الفلسفي التحليلي لا يُطرح فقط على أنه موقف فكري بل بوصفه تشكيلاً مؤسساتياً راسخاً للقوة المعرفية. ثمّ يوردُ شورينغا فكرة أخرى هي خصيصة ملازمة للفلسفة التحليلية، وتكمن في قوة الاستمرارية والتجديد الفلسفي؛ ممّا جعل هذه الفلسفة قوية وقادرة على (إعادة اختراع نفسها). ليس بالضرورة أن يحصل هذا الأمر بإطلاق تيارات جديدة شامخة؛ بل بإعادة تأطير المشكلات، وبإدخال مناهج جديدة، أو بالانفتاح على التيارات الأخرى مع المحافظة على البنية المعرفية التأسيسية الأولى. بعد هذه الأفكار يشير شورينغا إلى فكرة أساسية مفادُها أنّ الفلسفة التحليلية خدمت كآيديولوجيا الوضع الراهن Status Quo Ideology؛ بمعنى أنّ التيار الفلسفي التحليلي يخدم -إلى حد كبير- النظام السياسي القائم من خلال طريقة تفكيره، وتركيب مؤسساته، وسلطته المعرفية؛ إذ إنه غالباً ما يميل إلى دعم الواقعيات السياسية والفكرية الليبرالية بوصفها (الافتراض الطبيعي المقبول والمفيد). هذا يعني بالضرورة استبعاد -أو على الأقلّ تهميش- التيارات السياسية النقدية أو الراديكالية كالماركسية مثلاً. تحصل المقاربة التهميشية عبر المبضع التحليلي من خلال إعادة دراسة هذه التيارات السياسية لتصبح أقلّ راديكاليةً لدى الجمهور العام. الفكرة الأخرى التي يؤكّدها شورينغا في كتابه (وقد تبدو غريبة بعض الشيء) تكمنُ في أنّ الفلسفة التحليلية، بفضل هيمنتها، تمارس دور استعمارٍ معرفي؛ أي عندما تدخلُ المناهج النقدية مثل: الغزو الاستعماري، والعدالة الاجتماعية، ونظرية العرق، والتأريخ الاستعماري، فإنها تتعرض لتأطير أو إعادة تكييف بحيث لا تهدّد الأسس الفكرية للنظام السياسي القائم.

***

بعد مقدمة مكتنزة بالمعرفة وممهّدة للكتاب، يقدّم شورينغا في الفصل الأوّل مسحاً تاريخياً لبدايات وأصول الفلسفة التحليلية؛ فيؤكّد أنّ هذه الفلسفة لم تولَد كتيار متجانس بل من جذور أوروبية متفرقة (فريغه، وراسل، وفيتغنشتاين، وتيّار الوضعية المنطقية). ثمّ حصل مع الحرب العالمية الثانية أن هاجر الكثير من الفلاسفة (وبخاصة من فيينا وألمانيا) إلى بريطانيا وأميركا؛ الأمر الذي ساعد على انتشار هذا النمط من التفكير الفلسفي. النقطة الأساسية في هذا الفصل هي أنّ الهجرة السياسية غيّرت الخريطة الفلسفية.

يتناول شورينغا في الفصل الثاني المعنون «الفلسفة والسلطة بعد الحرب» كيف أصبح التيار التحليلي عقب نهاية الحرب العالمية الثانية هو المسيطر في الجامعات الأنغلوساكسونية، كما حصل ترسيخٌ لفكرة أنّ الفلسفة التحليلية «محايدة» و«علمية»؛ لكن هذه الحيادية نفسها كانت خياراً سياسياً لتجنّب الصراع الآيديولوجي وتحييد الماركسية. اختار شورينغا للفصل الثالث عنوان «المؤسسات الأكاديمية»، وأوضح فيه أنّ هيمنة الفلسفة التحليلية لم تكن مجرد تفوق فكري بل نتيجة بنية جامعية. الأفكار (الفلسفة، لا فرق) لا تعيش بغير دعم مؤسساتي راسخ وبنية أكاديمية متقدّمة. ركّزت أقسام الفلسفة في بريطانيا وأميركا على التحليل اللغوي والمنطقي، وهذا بدوره عزّز سلطة النخب الأكاديمية، وأقصى التيارات الأخرى (مثل الفلسفة القارية، والماركسية، والفلسفة النقدية). بمعنى آخر: المؤسسات كرّست «الاحتكار» الفكري للفلسفة التحليلية.

الفلسفة التحليلية غالباً ما خدمت النظام الليبرالي القائم لأنها تتعامل مع مشكلات معرفية وتقنية أكثر من قضايا اجتماعية ــ سياسية

في الفصل الرابع المسمّى «الاستمرارية وإعادة الاختراع» يؤكّد شورينغا استمرارية التقاليد الفلسفية التحليلية الكلاسيكية؛ لكنّه يؤكّد في الفصل الخامس -الذي اختار له عنواناً كاشفاً (الآيديولوجيا المستترة)- أنّ الفلسفة التحليلية غالباً ما خدمت النظام الليبرالي القائم لأنها تتعامل مع مشكلات معرفية وتقنية أكثر من قضايا اجتماعية-سياسية مركّبة مثل العدالة أو السلطة، ولأنّها تعطي صورة أنّ «الموضوعية» هي الحل، مما يُضعف النقد الراديكالي للمنظومة السياسية.

أما الفصل السادس والأخير في الكتاب فقد خصّصه شورينغا لمعالجة موضوعات كثيرة تقع في نطاق الاستعمار المعرفي الذي كرّسته الفلسفة التحليلية.

***

كتاب شورينغا نمطٌ من المصنّفات الفلسفية التي أتمنّى أن تشيع بدلاً من الاكتفاء بالقراءات الكلاسيكية المعهودة التي تتناول تاريخ الفلسفة في ترتيب تحقيبي زمني أو موضوعاتي أو جغرافي. ذكّرني كتابُ شورينغا بالمقولة الشائعة بأنّ الفلسفة تحرّضُ على التفكير النقدي Critical Thinking. هذا صحيح في سياق الفكرة العامة؛ ولكن ماذا لو علّمك الفلسفة في المدرسة مدرسٌ غارق في الأصولية الآيديولوجية؟ الأمر رهنٌ بكل فرد منّا في نهاية المطاف، وهو وحده من يستطيعُ تحديد شكل القراءات التي تصنَّفُ أنّها «خارج صندوق» المشغل الفلسفي الكلاسيكي. هكذا تتضح الرؤية، وترتقي الذائقة الفلسفية ويصبح المرء جزءاً فاعلاً في الحراك الفلسفي العالمي.


مقالات ذات صلة

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب «بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ وقصصه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكتاب والقراء الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً

سعيد الأبيض (الطائف)
ثقافة وفنون باومان

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان.

محمود الزيباوي

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض
TT

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة، على نحو يعزز مكانته الإقليمية والعالمية منذ بدايته الأولى عام 1969. وتنطلق الدورة الـ57 في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 3 فبراير (شباط) المقبل تحت شعار شديد الدلالة مقتبس عن قول مأثور لنجيب محفوظ وهو «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً».

ووصف وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو النسخة الجديدة بأنها «الأضخم في تاريخ المعرض وستحطم أرقاماً قياسية غير مسبوقة» بمشاركة 1547 دار نشر من 83 دولة، بإجمالي 6637 عارضاً، كما يضم البرنامج الثقافي 400 فعالية أدبية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، بمشاركة 170 ضيفاً عربياً وأجنبياً، وحضور أكثر من 1500 مثقف ومبدع، عبر قاعات متعددة، من بينها قاعة المؤتمرات التي تستضيف 10 فعاليات في اليوم الواحد لأول مرة.

جدل التاريخ والهوية

وبعيداً عن لغة الأرقام، وعد الوزير في مؤتمر صحافي جمهور المعرض بـ«نسخة استثنائية ذات هوية متفردة ومختلفة، تستلهم روح الإبداع محلياً وإنسانياً، وتفتح آفاقاً أوسع للحوار والمعرفة، ليظل المعرض مساحة حية تلتقي فيها الكلمة بالفكر، والكتاب بالإنسان، لا سيما أنها تأتي عقب حدث عالمي تمثل في افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي أعاد توجيه أنظار العالم إلى مصر وحضارتها العريقة وتاريخها الممتد، وهو ما انعكس على توجه المعرض وبرنامجه الثقافي، حيث يحتفي هذا العام بالهوية المصرية ويعيد قراءة التاريخ بوصفهما مصدراً أصيلاً للإبداع والمعرفة».

ومن جانبه، أكد أحمد مجاهد، الرئيس التنفيذي للمعرض، أن الاحتفاء بالأديب الكبير نجيب محفوظ بعدّه «شخصية المعرض» يتجسد في برنامج متكامل يشمل ندوات فكرية، وعروضاً سينمائية، وأنشطة فنية، من بينها معرض «نجيب محفوظ بعيون العالم»، الذي يضم 40 لوحة فنية لفنانين من مختلف دول العالم، بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير.

كما أوضح أن «شخصية معرض كتاب الطفل» هذا العام هي الفنان الكبير محيي الدين اللباد، ويتم الاحتفاء بمسيرته عبر ندوات متخصصة، ومعرض لأعماله، وأنشطة تفاعلية للأطفال، وإعادة طباعة عدد من كتبه، إلى جانب إصدار كتاب تذكاري يوثق مسيرته الإبداعية.

مبادرات جديدة

ويشهد المعرض في نسخته المرتقبة، عدة مبادرات جديدة منها «مكتبة لكل بيت»، التي تهدف إلى إعادة الكتاب ليكون جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية داخل البيوت المصرية والعربية، حيث تضم المبادرة مجموعة مختارة من 20 مؤلفاً متنوعاً من أهم ما أصدرته قطاعات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة نجيب محفوظ» التي تشمل 15 إصداراً من أبرز أعماله، في إطار دعم القراءة وإتاحة المعرفة للجميع.

واحتفاءً بتراث مصر غير المادي، يشهد المعرض للمرة الأولى إقامة مخيم «أهلنا وناسنا» الذي يقدم التراث الثقافي غير المادي لمحافظات مصر، إلى جانب الصالون الثقافي وجناح الطفل والبرنامج الفني المتنوع، ليؤكد معرض القاهرة الدولي للكتاب أنه رسالة ثقافية متجددة إلى العالم، تعكس الإيمان بدور الثقافة في بناء الوعي، وترسيخ الهوية، وتعزيز الحوار الإنساني.

ومن بين المبادرات الجديدة كذلك إطلاق «جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية» التي تُمنح باسم وزارة الثقافة المصرية، وبرعاية أحد البنوك الوطنية، بقيمة 500 ألف جنيه، وميدالية ذهبية تذكارية. ومن المنتظر أن يتم تنظيم حفل افتتاح فني كبير لأول مرة على مسرح «المنارة» بحي «مدينة نصر» بعنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، احتفاءً بمئوية ميلاده، إلى جانب حفل ختام فني بعنوان «غنا القاهرة»، يتضمن تسليم جوائز المعرض، والإعلان عن الفائز بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى.

دعم رقمي للجمهور

وفي إطار جهود دعم جمهور المعرض وتوفير خدمات ميسرة تجعل من زيارتهم تجربة أكثر إمتاعاً، تم استحداث تطبيق موبايل ذكي يهدف إلى تنظيم الجهود الميدانية داخل المعرض، ضمن مبادرات برنامج «أنا متطوع» حيث يعد التطبيق منصة رقمية متكاملة توفّر للزوار مجموعة من الخدمات الذكية، من بينها خريطة تفاعلية لدور النشر، وإمكانية البحث عن عناوين الكتب ومعرفة أماكن الناشرين، إلى جانب عرض أجندة الفعاليات والأنشطة الثقافية اليومية.

كما يتيح التطبيق تحديد أماكن تمركز المتطوعين ومكاتب الاستعلامات، وتقديم تنبيهات لتجنّب مناطق الازدحام، خاصة عند بوابات الدخول. وعلى صعيد الدعم الميداني، يوفّر التطبيق آلية مباشرة لطلب مساعدة المتطوعين، والإبلاغ عن المشكلات أو حالات الطوارئ، وطلب الإسعاف، بما يضمن سرعة الاستجابة ورفع مستوى الأمان والتنظيم داخل المعرض. ويأتي إطلاق التطبيق استجابةً للزيادة المتواصلة في أعداد زوار المعرض خلال السنوات الأخيرة، وحرصاً على توظيف الحلول الرقمية الحديثة في دعم العمل التطوعي، وتعزيز كفاءة المتطوعين بعدّهم أحد الأعمدة الأساسية لنجاح المعرض.

حضور روماني

وتحل دولة رومانيا «ضيف شرف» الدورة الجديدة من المعرض في إطار الاستعداد للاحتفال بمرور 120 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين مصر ورومانيا عام 2026، حيث سيتم تنظيم 30 فعالية على مدار 13 يوماً، بمشاركة 60 ضيفاً من رومانيا، من بينهم 15 فناناً، و10 دور نشر رومانية، ورؤساء جامعات، إلى جانب مشاركة شخصيات رفيعة المستوى، من بينهم وزير الثقافة الروماني في حفل الافتتاح.


«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي
TT

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه - دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت، 2026 - هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل، ويتعامل معه كخطاب قابل للفهم، مشروط بالمعرفة والسياق وحال الرائي، ومحكوم بقواعد وآداب للسائل والمسؤول. والكتاب، كما تُبرز مقدّمته، يتحرّك بين ضبط الأصول والانشغال بالتفصيلات التي تُنزل الرؤيا إلى العالم المحسوس، فيبدو الحلم صدى لعلاقات الإنسان بما حوله.

و تُقدّم المقدّمة تمييزاً بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة، وتفريعاً للأولى إلى «رؤيا تدبير» و«رؤيا تبشير» و«رؤيا إلهام»، وللثانية إلى «رؤيا هِمّة» و«رؤيا حديث نفس». ويظهر الاهتمام بألا تكون العبارة استسهالاً، إذ تتكرَّر الإشارة إلى أنّ اختلاف الناس وأحوالهم ينعكس على التأويل، والرؤيا لا تُنتَزع من سياق الرائي انتزاعاً. كما يتوقَّف الكتاب عند فكرة تداول علم التعبير وترجماته، ويَذكر ترجمة حنين بن إسحاق (260/873) لكتاب أرطيميدروس الأفسسي (القرن الثاني للميلاد)، في إشارة إلى تاريخ أطول لحضور تفسير الأحلام وتحوّلاته.

أما متنه، فمبنيّ على أبواب واسعة تمتد من «أصول الرؤيا وفصولها ومعرفة صدقها من كذبها» (الباب الأول)، إلى «في المسائل المتفرّقة التي سقطت من أماكنها فأثبتناها في هذا الموضع ليتمّ الكتاب بها إن شاء الله تعالى» (الباب التاسع والخمسون). وبين هذين الحدّين يتوزَّع العالم كلّه تقريباً على شبكة من العناوين، منها أبواب في رؤية الله تعالى والجنة والنار والملائكة والصراط والميزان ويوم القيامة (الباب الثالث)، وفي الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرعد والبرق والمطر والثلج والبرد والرياح والغبار والغمامة وما أشبهها (الباب الرابع)، وفي البحار والأودية والأنهار والحَبّ واللؤلؤ والماء والسفينة (الباب الخامس)، وفي النور والظلمة والنار والسراج والشمع والجمرة (السادس)، وفي الجبال والتلال والرمال والمغاور والتراب والآجر والجص والحائط (السابع). ثم ينفتح المتن على تفاصيل العمران والدور والبساتين والحمّامات والطواحين والسلالم (التاسع)، وعلى العطر وأنواعه مثل المسك والعنبر والكافور والعود والصندل وماء الورد والأدهان الطيبة والزعفران (العاشر).

ويتقدَّم الفهرس إلى موضوعات تمسّ الجسد والعبادة والسلطة والمعرفة. فنقرأ باباً في الغسل والوضوء والتيمّم والأذان والإقامة والصلاة والركوع والسجود والحج والغزو والصدقة والزكاة ونحوها (الثاني عشر)، وباباً في رؤية القاضي والخليفة والفقيه والإمام والحاكم والخطيب والمؤذن والطبيب والمريض والمكيال والميزان والقبّان (الثالث عشر)، إلى باب في القلم والدواة واللوح والمحبرة والمنشور والصك والكرّاسة (الرابع عشر). وتتتابع الأبواب لتشمل «جماعة الناس وأعضاءهم وأيديهم وأرجلهم... وما يرى فيهم من زيادة أو نقصان» (الخامس عشر)، ثم «الأبواب والعُقَد والخروج من موضع ضيق... والمفاتيح... والفرش والبُسُط» (السادس عشر)، ثم ما يتصل بالنار والدخان والرماد والشرار والأتون والتنانير والكوانين والقدور (السابع عشر)، وصولاً إلى أبواب في الطعام والشراب والكواميخ والأدوية والألبان والسموم والقيء والإسهال (الرابع والعشرون)، وفي الجواهر والدراهم والدنانير والفلوس والصُّفر والنحاس (الخامس والعشرون)، وفي الثياب والخفّ والنعل والخواتيم (السادس والعشرون)، وفي الحبل والغزل والقيد والخيط والشبكة والإبرة والقطن (السابع والعشرون).

ولا يكتفي المتن بما هو مألوف من الموجودات، فيُخصّص مساحة واسعة للحيوانات والهوام، من السباع والطيور والأسماك والسرطان ودواب الماء (الأبواب 40–49) إلى الحيات والعقارب والهوام وسمومها ولسعتها (الخمسون)، ثم أبواب في رؤية الجنّ والأبالسة والشياطين والسحرة والكهنة والأصنام (الحادي والخمسون). ويقترب الكتاب أيضاً من المجال الاجتماعي والرمزي، فنقرأ باباً في «الرؤيا التي تدل على طول أعمار الملوك وحُسن حالهم ورؤية الرئيس والسلطان... والاستدلال بالأسماء على الخير والشر» (الثالث والخمسون)، وآخر في «التماثيل والأصباغ والاختتان والتزويج والعرس والضيافة والوليمة» (الرابع والخمسون)، ثم باب في «العبادة والشكر لله والاستغفار والحمد والتسبيح وقراءة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم» (الخامس والخمسون). ويُختم الفهرس بباب في الزلزلة والرجفة والخسف والمسخ والطليق والخلع والوقوع في الماء والنار والسيل وعباراتها (السادس والخمسون)، وباب في رؤية النصارى والمجوس واليهود والبيعة والكنيسة والمقبرة والنواقيس وبيوت النيران (السابع والخمسون)، وباب في «أسقاط البيت...»، بما فيه من مراوح وغرابيل وقوارير، وغيرها من الأوعية (الثامن والخمسون).

إلى جانب المتن، يقدّم التحقيق خريطةً دقيقة للمخطوطات التي نُقل عنها النصّ، ويذكر أنها محفوظة في مؤسّسات متعدّدة، منها مكتبة أسعد أفندي (يرمز إليها بـ«س»، وتُعدّ أقدم ما رجع إليه التحقيق، وتقع في 72 ورقة، نحو 20 سطراً في الصفحة)، ومخطوطة توب كابي (يرمز إليها بـ«ك» في 75 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع استعمال أربعة ألوان للمداد)، ومخطوطة جامعة إسطنبول (يرمز إليها بـ«ط» في 58 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع إبراز العناوين والرموز باللون الأحمر)، ومخطوطة جامعة برنستون (يرمز إليها بـ«ب» في 61 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، بالأسود والأحمر)، ومخطوطة تشستر بيتي (يرمز إليها بـ«ت» في 86 ورقة، 15 سطراً في الصفحة، مع حواشٍ)، إضافةً إلى «مخطوطة جوروم» (يرمز إليها بـ«ج» في 61 ورقة، بإطار ذهبي، و19 سطراً في الصفحة). وتكشف المقدّمة كذلك عن علاقات النسخ ببعضها عبر رسم توضيحي، وعن ملاحظات تتّصل بالجمع بين الأبواب في بعض النسخ، وبسقوط مواضع أو انتقال الناسخ مباشرة إلى باب تالٍ.

وتتجلَّى قيمة التحقيق في صرامة منهجه، إذ يتّخذ نصّ «س» أساساً، ولا يثبت اختلافات النسخ الأخرى في الهوامش إلا إذا كان هناك خطأ صريح أو تحريف أو تصحيف أو خشية التباس على القارئ. كما يشرح التحقيق أنه رجّح قراءة نسخة على أخرى عند السقط أو النقص أو فساد العبارة، مشيراً إلى ما لا يُغيّر المعنى فلا يُثقل به الهامش. ويضيف إلى ذلك عملاً مُساعداً يسهّل التعامل مع الكتاب، من شرح مفردات غريبة، وتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وإلحاق فهرس للرموز المؤولة، إلى جانب فهارس الآيات والأحاديث والأعلام وقائمة المصادر والمراجع. والأهم، أنّ هذا العمل يُبرز صوراً للمخطوطات، بما يمنح القارئ فرصة رؤية المادة التي عبرت القرون قبل أن تستقرّ في هذا الكتاب، مُظهراً صورةً للنص وهو في حالته الأولى، قبل أن يصير كتاباً بين يدي قارئ اليوم.


«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه
TT

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ (1942 - 2024) وقصصه. وجاء في افتتاحية المجلة التي كتبتها الشاعرة والأكاديمية جوسلين ميشيل ألمايدا: «يُعرف محمد الشارخ عالميّاً بإسهامه في (تعريب التكنولوجيا) من خلال تأسيسه شركة (صخر)، ويمثل دأبه على تطوير أنظمة الكتابة العربيّة والحروف الحاسوبيّة إسهاماً بارزاً في دراسة اللغة العربيّة ونشرها رقميًّا. وليس من المبالغة القول إنّ سعي الشارخ الحثيث فيما يتعلّق بلغته الأمّ يُشكّل إرثاً ثقافيًّا ولغويًّا سيُخلَّد في الذاكرة لقرون».

ومن خلال قراءتها للقصص المترجمة إلى الإسبانية، علقت دوسلين ميشيل ألمايدا قائلة: «تتأرجح تقنيّة الشارخ الأدبيّة بسلاسة بين السرد بضمير المتكلّم والسرد على لسان راوٍ عليم، وفقاً للقصّة، وبواقعيّة شعريّة، من دون أن تصل إلى حدّ الواقعيّة السحريّة، فيُحدث السرد أثراً عميقاً في القارئ من حيث تغيير الواقع من خلال الإدراك أو اكتشاف القارئ لحقيقة الأبطال. وعلى غرار ريموند كارفر أو إرنست همنغواي، يُنمّي الشارخ الطابع الشعريّ لصمت شخصيّاته. على هذا المنوال، تصبح قراءة قصص الشارخ فعلاً إبداعيًّا مشتركاً مع الكاتب، حيث يُسهم خيال القارئ في خلق المعنى الإنسانيّ للتجربة؛ ما يُضفي مزيداً من المتعة على السرد. وتُضفي عناصر مثل بناء الشخصيّات، والاستعارات، والسخرية، والحوار، إيقاعاً يُناسب تطوّر الأحداث في نثر الشارخ، وهو تناغم يمتدّ أيضاً إلى الإطار الجغرافيّ لقصصه».

تضمن ملف مجلة «بانيبال» الخاص عن محمد الشارخ، أجزاء من السيرة الذاتية التي كتبها الشارخ تحت عنوان «محطات من حياتي» (ترجمة ألبارو أبييا)، ومقالات وشهادات لكل من طالب الرفاعي، كاتيا الطويل، سعود السنعوسي، وحسونة المصباحي. بالإضافة إلى ترجمة أربع قصص طويلة وهي «المخاض»، «العزاء»، «الوديعة» و«جاسم الكوفي» قام بترجمتها كل من ماريا لويسا برييتو وإغناثيو غوتييريز دي تيران.

في شهادته التي كتبها تحت عنوان «محمد الشارخ... ماذا أعطته اللغة؟ وماذا أعطاها؟»، يقول الروائي الكويتي سعود السنعوسي: «هنا حكاية قصيرة عن حلمي القديم بأن يكون لدي كتابي الخاص، حينما كنتُ في الرابعة عشرة، وكان مشروع الشارخ (صخر) قد دُشِّن قبل ذلك الوقت بثلاثة عشر عاماً، أي أن كمبيوتر (صخر( في مثل سِني تقريباً... تخيَّل! ولأنه من المستحيل لأي دار نشر أن تطبع كتاباً رديئاً لطفل يجهل أصول الكتابة، ولأن والديَّ أجَّلا حلمي بالكتابةِ خشيةً على تحصيلي العلمي: تكبر وتكتب! فقد أخذت زمام المبادرة طفلاً، وبأصابع مرتعشة كتبت ما كنتُ أحسبه قصصاً عبر لوحة مفاتيح كمبيوتر صديق، وكانت تلك اللوحة تحمل في إحدى زواياها ذلك الشعار الرمادي الذي ارتبط في طفولتنا حول عالم الكمبيوتر السحري، وكان لقائي الأول بكمبيوتر (صخر) ولوحة مفاتيحه العربية. وطبعت قصصي الرديئة على أوراقٍ مرقمة وصنعت لها غلافاً يحمل اسمي وعنوان الكتاب... كتاب من نسخة واحدة، ومنذ ذلك الوقت المبكر في حياتي صار لي كتابي الخاص، كتابي الأول الذي لم يقرأه غيري، كتابي المطبوع عبر كمبيوتر (صخر)».

وكتبت الناقدة اللبنانية كاتيا الطويل عن رواية «العائلة»، وهي الرواية الوحيدة التي كتبها محمد الشارخ قائلة: «يقدّم الشارخ فيما يناهز المائتين وستّين صفحة تفاصيل عائلة سعد بن كعب الناصر ويوميّاتها وتاريخها. عشرة أولاد وتسع بنات يرافقهم السرد، يرافق مراحل نشأتهم ومراحل نضجهم وقصص زواجهم. بين متمرّد ومحافظ، بين مهادن للسلطة وحانق عليها، بين مائل للثقافة الغربيّة ومتمسّك بالعادات العربيّة، تسعة عشر ابناً وبنتاً يرافقهم السرد ويعرّف القارئ بهم في محاولة محمودة من الكاتب لتقديم مختلف الآراء ووجهات النظر في العائلة الكويتيّة والمجتمع الكويتيّ ككلّ».

وتحت عنوان «محمد الشارخ النجم الباقي» كتب طالب الرفاعي: «عُرف الشارخ عربياً وعالمياً بأنه رجل أعمال، لكن ما كان يقبع خلف رجل الأعمال ذاك، كان إنساناً مرهف الحس عاشقاً للقراءة والكتابة وعاشقاً للفن التشكيلي وعاشقاً للسينما، ولقد ترك الرجل خلفه مجاميع قصصية دالة على فكره من جهة ودالة على البيئة المكانية والاجتماعية التي نشأ وترعرع فيها. محمد الشارخ وللطف خلقه لم يكن يزاحم أحداً في كتاباته ولا قدّم نفسه بوصفه كاتباً، لكن هذا لم يكن أكثر من تواضع الأدباء الحقيقي، ولم يكن أكثر من مسلك حياتي طبع حياة الشارخ بأن يكون في الظل أكثر ما يكون في العلن، لكن قدره أن يبقى في العلن ما بقيت اللغة العربية. شخص نذر عمره لها، فأعطته بقاءً أدبياً لم تعطه للكثيرين غيره».ونشرت المجلة مقالة للكاتب التونسي الراحل حسونة المصباحي كان قد كتبها حول قصص محمد الشارخ، قال فيها: «ما إن انتهيت من قراءة قصص محمد الشارخ حتى وجدتني مفتوناً من جديد بفن القصة القصيرة التي كنت أظن أنها دُفنت نهائياً في عالمنا العربي بعد أن أصبح العرب مصابين بـ(هوس الرواية). كما وجدتني راغباً في قراءة المزيد من قصص الشارخ لطرافتها، وانسيابها السريع، وسخريتها المرة، ولغتها الخالية من البلاغة الجوفاء، ومن اللغو، ومن ذلك التصنع البغيض، الذي هو عدو كل الفنون».ومن المواد الأخرى التي نشرتها المجلة في عددها الأخير، نقرأ نصوصاً شعرية وسردية لثلاثة أدباء من سوريا. أجزاء من رواية «الذئاب لا تنسى» للكاتبة لينا هويان الحسن (ترجمة أنخلينا غوتييريز ألمنارا)، وفصول من رواية بشير البكر «بلاد لا تشبه الأحلام» ترجمة أنطونيو مارتينيز كاسترو)، مقاطع طويلة من ديوان الشاعر نوري الجراح «الأفعوان الحجري: مرثية برعتا التدمري لمحبوبته ريجينا» (ترجمة ماريا لويسا برييتو).وكانت لوحة الغلاف، بورتريه لمحمد الشارخ، بريشة الفنان التشيلي توماس بينيفينته.