«عالم جديد شجاع» في القرن الـ21

جهود سلمان خان وضعت أساساً جديداً للتعليم

«عالم جديد شجاع» في القرن الـ21
TT

«عالم جديد شجاع» في القرن الـ21

«عالم جديد شجاع» في القرن الـ21

عندما نشر الروائي ألدوس هكسلي روايته التاريخية «عالم جديد شجاع Brave New World» عام 1932، كان منقاداً برؤية مستقبلية لتطوّر العلم تنبئ بالحذر والتحسّب ممّا قد تؤول إليه مفاعيل التطوّر العلمي والتقني ومنعكساتهما على الاقتصاد والسياسة. يبدو أنّ مهندس البرمجيات ومبتكر النمط الثوري الجديد في التعليم الرقمي سلمان خان استأنس أفكار هكسلي ففكّر في كتابة كتاب جديد، أراد من عنوانه أن يتصادى في الإيقاع مع كتاب هكسلي. اختار خان لكتابه الجديد عنوان «كلمات جديدة شجاعة Brave New Words» مع عنوان ثانوي يكشف عن طبيعة موضوعه «كيف سيعمل الذكاء الاصطناعي على تثوير التعليم، ولماذا يعدُّ هذا أمراً طيّباً؟». يمكنُ في السياق العام ملاحظة اختلافيّن جوهريين بين الكتابيْن: كان هكسلي يتحرّك بدفعٍ من رؤية ديستوبية شديدة التحسّب؛ أمّا خان فنراه يحلّقُ بجناحين من أجنحة بروميثيوس المحمّلة بوهج الثمار المتخيّلة للثورة القادمة. أما التمايز الثاني فيكمنُ في أنّ هكسلي رسم ملامح صورة عامة متخيّلة (أقرب إلى روايات الخيال العلمي) عن مستقبل بشري؛ في حين أنّ خان يحكي عن ثورة علمية تقنية كان هو المبادر للبدء في إذكاء جذوتها المتقدة، وأعني بها ثورة التعليم الرقمي والمنصّات التعليمية المجانية.

كان المستقبل المهني لخان (المولود عام 1977) بولاية لويزيانا الأميركية لأبوين هنديين مهاجرين يبشر بجوائز ثمينة تنتظره؛ فقد التحق بعد إكمال دراسته الثانوية بتفوّق بمعهد ماساتشوستس التقني MIT لدراسة مشتركة بين الرياضيات والهندسة الكهربائية وعلم الحاسوب، وبعدما أكمل الدراستيْن بتفوّق ملحوظ أكمل دراسته العليا (الماجستير) في الهندسة الكهربائية، وبعدما أتمّ هذه الدراسة حصل على شهادة ماجستير أخرى في إدارة الأعمال من جامعة هارفارد.

في عام 2006 أسّس أكاديمية خان Khan Academy لمشاركة محتوى الدروس الخصوصية الذي أنشأه لأفراد العائلة الأصغر سناً مع جمهور أوسع. منذ ذلك الحين ساعدت منصّته التعليمية عبر الشبكة العالمية (الإنترنت) في تعليم أكثر من 150 مليون شخص حول العالم.

فصلاً تلو الآخر، يُطلِعُ خان القرّاء على تنبؤاته - التي تحقق بعضها منذ تأليف الكتاب أواسط عام 2024 - حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي العديدة في التعليم. رؤية خان بشأن التعليم هي التالية: سيُحسّن الذكاء الاصطناعي بشكل جذري كلاً من نتائج الطلّاب وتجارب المعلمين، وسيُسهم في بناء مستقبل يُتاحُ فيه للجميع الوصول لتعليم عالي المستوى وعلى نطاق عالمي.

قد يميل كثيرون منّا لتفضيل مُقاربة تشكيكية في رؤية خان، بخاصّة إذا كان ممّن يتابعون حركة التقنية التعليمية من غير انقطاع. أظنّ أنّ السبب واضح: لعقود عديدة تصدّرت التقنيات والابتكارات المُثيرة عناوين الصحف، مصحوبة بوعود جريئة مماثلة لإحداث ثورة في التعلّم والتعليم كما نعرفهما؛ ولكن دون أن تُحدث تأثيراً يُذكر في الفصول الدراسية الحقيقية. لكنّ الأمر مع خان يختلف تماماً لو درسنا بدقّة أراءه وتطبيقاته التي تتأسّس على خبرة حقيقية ولا تكتفي بالوعود التبشيرية يوتوبية الطابع. أنشأ خان - بالاعتماد على خبرته التقنية الشخصية - تطبيقاً تعليمياً أسماه خانميغو Khanmigo، وهو مُعلّم مُدعم بالذكاء الاصطناعي. يُقدّم خان حجة مُقنعة، مفادُها أن التقنيات المُدعمة بالذكاء الاصطناعي ستكون مُختلفة؛ ذلك بعد أن صار بمستطاعنا أخيراً بلوغُ طريقة لتزويد كلّ طالب بالتعليم والدعم والتوجيه المُخصّص والمصمّم للإيفاء بمتطلباته الشخصية، وهو ما يوصفُ بالتعليم المشخصن Personalised Education، وهو النمط الذي كان سابقاً بعيداً عن متناول معظم الأطفال في معظم الفصول الدراسية. يصف خان هذا الأمر في كتابه بكلمات بسيطة شديدة الوضوح: «إن توفير مُعلّم بشري مُخصّص للإيفاء باحتياجات كل طالب عند الطلب أمرٌ مُكلف للغاية وعسير على التنفيذ؛ أما مُعلّمو الذكاء الاصطناعي فليسوا كذلك».

الأمثلة على التعليم المشخصن وقدراته الهائلة كثيرة للغاية. يقدّمُ خان أمثلة من بيئة التعليم الأميركي. تخيلْ مثلاً: أنت طالب في الصف السابع (وهو ما يعادل الأوّل ثانوي في مدارسنا العربية)، وتجد صعوبة في مواكبة الرياضيات. لكن الآن لديك مُعلّم ذكاء اصطناعي بجانبك مثل الذي يصفه خان. أثناء حلّك لمجموعة من مسائل الكسور الصعبة لن يُقدّم لك الحل فحسب؛ بل سيُقسّم كل مسألة إلى خطوات سهلة الفهم. عندما تواجه صعوبة في كلّ خطوة سيُقدّم لك تفسيرات سهلة الفهم، ودفعة لطيفة نحو الطريق الصحيح. عندما تحصل أخيراً على الإجابة الصحيحة سيُولّد برنامج التعليم المدعم بالذكاء الاصطناعي تقديم أسئلة تدريبية مُحدّدة تُساعدك على بناء فهمك وثقتك بنفسك.

ليس الأمر مقتصراً على الرياضيات وحدها. بمساعدة مُعلّم الذكاء الاصطناعي يمكنُ أن يُصبح الماضي حياً بطرق رائعة. أثناء تعلّمك عن قيادة أبراهام لينكولن خلال الحرب الأهلية، يُمكنك إجراء «حوار» مع الرئيس السادس عشر نفسه. يمكن أن يحصل الأمر، كما يوضّح خان في كتابه، مع أية شخصية أدبية تحبها وتفضّلها.

الأمر ليس قصراً على الرياضيات والأدب والتاريخ والبيولوجيا والفيزياء والكيمياء. حتى كتابة المقالة ستكون واحدة من الموضوعات التي يهتمّ بها التعليم المدعم بالذكاء الاصطناعي. عندما يحين وقت كتابة مقال فليس على الطالب أن يقلق بشأن الصفحة الفارغة المُزعجة التي لا يعرف كيف السبيل للبدء في نقل أفكاره إليها. بدلاً من القلق غير المنتج سيطلب مُعلّم الذكاء الاصطناعي من الطالب مُحفّزات ذهنية لمساعدته على العصف الذهني. سيحصل الطالب على ملاحظات حول مخطط مقترح للمقالة في ثوانٍ، مع نصائح لتحسين المنطق أو الجوانب التي تحتاج إلى مزيد من البحث. أثناء صياغة مسودة ابتدائية للمقالة سيُقيّم معلّم الذكاء الاصطناعي كتابة الطالب بطريقة فورية - وهو أمرٌ يقع في مرتبة الاستحالة من دون هذه التقنية - ويُبيّن له أين يُمكنه توضيح أفكاره، أو تقديم المزيد من الأدلة، أو مُعالجة حجة مُضادة. قبل تقديم المقالة في صيغتها النهائية سيُقدّم المُعلّم الاصطناعي اقتراحات مُفصّلة لتحسين اللغة وتوضيح مسائل إشكالية محدّدة.

الموضوع الأساسي الذي يتوجّب التأكيد عليه هو أنّ الذكاء الاصطناعي ليس محض ثورة تقنية جديدة، بل هو عصر تنوير جديد؛ لذا لن يكون إتقان الذكاء الاصطناعي مجرد أمرٍ مُحببٍ خلال بضع سنوات، بل سيكون أمراً ضرورياً للعديد من المهن. الموظفون الذين يستطيعون استخدام الذكاء الاصطناعي بفعالية سيكونون أكثر قيمةً بكثير من غيرهم. نحن عندما نعمل على دمج هذه التقنية في التعليم، فإنّنا إنّما نُحسّن تجارب الطلاب ونتائجهم، ونُعدّهم لوظائف المستقبل التي ستصبح أكثر متعةً وإشباعاً مع وجود الذكاء الاصطناعي. هذا يشمل وظيفة التدريس أيضاً؛ فمع كل ابتكارٍ تقني يمثلُ انعطافه كبرى في حياتنا تُثار مخاوف من استيلاء الآلات على الوظائف؛ ولكن عندما يتعلق الأمر بالتعليم فليس على المرء سوى أن يتفق مع رؤية خان التي أوردها في كتابه: أدوات الذكاء الاصطناعي والمعلمون لا يُمكنهم أبداً، ولا ينبغي لهم أبداً، أن يحلوا محل المعلمين. ما يُمكن للذكاء الاصطناعي فعلُهُ هو دعمهم وتمكينهم.

آمن سلمان خان بأن الذكاء الاصطناعي سيحسن بشكل جذري كلاً من نتائج الطلّاب وتجارب المعلمين، وسيُسهم في بناء مستقبل يُتاحُ فيه للجميع الوصول لتعليم عالي المستوى

مع الذكاء الاصطناعي يُمكن للمعلّمين الحصولُ على مُساعد تدريس خارق للتعامل مع المهام الروتينية مثل تخطيط الدروس وتصحيحها، والتي تستغرق ما يقرب نصف يوم المعلم العادي. في ثوانٍ يُمكن لمساعد الذكاء الاصطناعي تصحيح اختبارات الإملاء أو إنشاء خطة درس تربط الثورة الصناعية بالأحداث الجارية، ويمكنه أيضاً مراقبةُ تقدم كل طالب وإعطاء المعلمين ملاحظات فورية، ممّا يسمح بعصر جديد من التعلم الشخصي المقترن بالشغف ولذّة الاكتشاف. فضلاً عن ذلك، ومع وجود مساعدي الذكاء الاصطناعي الذين يتولون المهام اليومية، يمكن للمعلمين التركيزُ على ما يجيدونه: إلهام الطلاب، وبناء العلاقات، والتأكّد من أنّ جميع الطلّاب يشعرون بالاهتمام والدعم، وبخاصةً الأطفال الذين يحتاجون إلى القليل من المساعدة الإضافية.

بالطبع لكلّ تقنية جديدة محاذير وتحدّيات يتوجّبُ الانتباه لها، وهذا ما لا يغفل عنه خان في حومة تبشيره بالثورة التعليمية القادمة، مشيراً إلى أنّ هناك تحديات تواجه إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المدارس على نطاق واسع. نحن في مسيس الحاجة إلى أنظمة تحمي خصوصية الطلاب وتخفف من التحيزات، ثمّ لا يزال هناك الكثير مما يجب فعله حتى يتمكّن كل طفل من الوصول إلى الأجهزة والاتصال اللازمين لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المقام الأول. لا توجد تقنية تُعتبر حلاً سحرياً للتعليم؛ لكنّ الذكاء الاصطناعي يمكن أن يُحدث تغييراً جذرياً ويُحقق مساواة كبيرة بين المتعلّمين.

كتاب خان متخم بالوعود البروميثيوسية الجامحة، وهي وعود ليست بعيدة أو عسيرة التحقق. نحن نشهد تحقق بعضها في أيامنا هذه، وسنشهد تسارعاً حثيثاً في تحقيقها في السنوات القليلة المقبلة.


مقالات ذات صلة

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

ثقافة وفنون تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، صدر كتاب «في مرايا الشعر» للشاعر والناقد المصري جمال القصاص، الذي يقدم فيه قراءات ودراسات متعمقة،

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون «الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

يروي كتاب «الموزية»، وهي الترجمة الحرفية لـ«المُلهمة»، الصادر عن «دار المدى»، للكاتبة روث ميلينغتون، بترجمة عباس المفرجي، القصص الحقيقية للمُلهِمات الرائعات…

علاء المفرجي
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون التفلسف على الماء

التفلسف على الماء

نشرت جريدة «الشرق الأوسط» في صفحة «ثقافة وفنون» مادة عن كتاب «النيل، نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت

خالد الغنامي
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً