هل بات الكاتب مجرد «مفبرك بيانات»؟

معارك محتدمة بين المؤلفين وشركات الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي يقلب المقاييس
الذكاء الاصطناعي يقلب المقاييس
TT

هل بات الكاتب مجرد «مفبرك بيانات»؟

الذكاء الاصطناعي يقلب المقاييس
الذكاء الاصطناعي يقلب المقاييس

كتب بعشرات الآلاف، باتت في متناول القراء، هي كلياً من إنتاج الذكاء الاصطناعي. عدد كبير آخر هجين، كتب بتعاون بشري وآلي، وما تبقى لا يزال بشرياً. مؤلفو الصنف الأخير يحاربون لإثبات أن مؤلفاتهم، هي من بنات أفكارهم وحدهم، ولا علاقة للآلة فيها، ويحاولون الدفاع عن حقوقهم وسط غابة من الفوضى العارمة، التي لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، منذ عرفت الكتابة. وهو ما يثير في أميركا الكثير من الأخذ والرد، ويطرح أسئلة حول مستقبل الكاتب والكتابة بالشكل الذي نعرفه اليوم.

كتب الذكاء الاصطناعي مطروحة للقراء تحت أسماء مستعارة، وهي في الغالب رديئة. لكن القارئ قد لا يميز بين الغث والسمين، ثم إنه لا قانون يمنع أي أحد من أن يولّد كتاباً آلياً، ويكتب عليه الاسم الذي يختار وينشره. فعالم الكتب مليء بالأسماء المستعارة التي لم يوجد قانون يمنعها أو يجرّمها. والسرعة الهائلة التي يتم فيها توليد الكتب اصطناعياً، جعلت منصّات بيع الكتب في حالة ازدحام، والغلبة للعنوان الأكثر جذباً، والمؤلّف الأفضل ترويجاً. الأظرف أن ثمة كتباً كثيرة، تباع على أنها من صناعة آلية خالصة، ومع ذلك تجد رواجاً بين القراء، الذين لا يرون غضاضة في قراءتها. ولو سألت «غوغل» عن هذا الصنف من الكتب لاقترح عليك ما لا يحصى من العناوين المعروضة للبيع، وبمقدورك أن تكتشف أسماءها بكبسة زر.

غلاف كتاب من تأليف الذكاء الاصطاعي

كل 6 ساعات كتاب

الأسوأ هو استغلال كتب المؤلفين، والعمل على إعادة صياغة أفكارها بأسلوب مختلف، عبر الذكاء الاصطناعي، في عملية انتحال آلي، تصعّب على صاحب الكتاب ملاحقة اللصوص أو إثبات جريمتهم.

يباهي تيم بوشيه، الأميركي الذي لا نعرف إن كان يستحق صفة روائي أم لا، أنه ألف سبعة وتسعين كتاباً خلال تسعة أشهر، تحوي قصصاً كتبها متسلحاً بخياله (حسب قوله) وأدوات الذكاء الاصطناعي. وهي تجمع بين الخيال العلمي وعالم الديستوبيا. ويشرح في مقالة نشرها في «نيوزويك» تفاصيل تجربته الشخصية، قائلاً: «عادةً، ما يستغرق كل كتاب مني ما بين 6 إلى 8 ساعات تقريباً لإنشائه ونشره. في بعض الحالات، تمكنت من إنتاج مجلد كامل في ثلاث ساعات فقط، شاملةً كل شيء». كل ذلك يعيده بوشية إلى مهارته في الجمع بين التكنولوجيا وأفكاره الشخصية، التي يباهي بأنها جلبت له ربحاً بلغ آلاف الدولارات. هذا تحول كبير، كانت الاستعانة بالتأليف الآلي غايتها الربح، وتدريجياً قد يصبح الهدف تحقيق الشهرة والحصول على جوائز.

قراء يقبلون على الرداءة

هذه الكتب القصصية الصغيرة، شبه المتسلسلة ويجمعها عالم واحد، تمكن قراءتها منفصلة أو كأنها مترابطة، تغري القراء بالفعل. فقد اشترى كثيرون أكثر من اثني عشر عنواناً، وفي بعض الحالات ثمة من اشترى أكثر من ثلاثين عنواناً. وهو ما يصيب أي روائي مجتهد يكدّ ليكتب مقطعاً أو يرسم شخصية روائية، بكثير من الإحباط، حين يصبح جمهور القراء متقبلاً، لا بل ومقبلاً على كتب يفاخر صاحبها بأنه لم يفعل شيئاً تقريباً، وأنه يتفوق على الكتّاب الحقيقيين بقدرته على إدارة هذه الأداة الجديدة.

في خطوة أثارت الجدل في عالم النشر الأدبي الأميركي، تحدثت تقارير صحافية عن عرض تقدّمت به دار النشر الأميركية الكبرى «هاربر كولينز» لبعض مؤلفيها، يتضمّن السماح لإحدى شركات الذكاء الاصطناعي – مجهولة الاسم – باستخدام أعمالهم المنشورة لتغذية نماذجها اللغوية التوليدية، مقابل 2500 دولار لكل كتاب، على أن يستخدم لمدة ثلاث سنوات.

مؤلفون أمام الأمر الواقع

العرض، الذي أتى بالتنسيق مع شركة تكنولوجيا ناشئة، الغاية منه تدريب نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على توليد محتوى بأنماط وأساليب متنوعة. وقد أكدت «هاربر كولينز» إبرامها بالفعل عقداً يسمح بالاستخدام «المحدود» لمحتوى بعض الكتب، مع تأكيدها أنّ الاتفاق «ينظم بشكل واضح استخدام هذه الأعمال مع احترام حقوق النشر». وهذه الجملة الأخيرة، بات لها على ما يبدو معنى غير الذي كنا نعرفه.

لكنّ مؤلفين كثر عبّروا عن رفضهم القاطع، وفي مقدّمتهم الكاتب الأميركي دانييل كيبلسميث الذي كتب عبر منصة «بلوسكاي»: «ربما أوافق فقط مقابل مليار دولار، وهو مبلغ يتيح لي التوقف عن العمل نهائياً، لأن هذا هو الهدف الحقيقي من وراء هذه التكنولوجيا». وهو ما يعبر عن الإحساس بالخطر الذي يشعر به كتّاب في مواجهة هذه الهجمة.

دار نشر «هاربر كولينز» ليست الأولى التي تقترح على كتّابها هذا النوع من الاتفاقات، فقد سبقتها دار «ويلي» المتخصصة بالكتب العلمية، حين أتاحت لشركة تكنولوجية استخدام محتوى أكاديمي ومهني من كتبها كنماذج تدريبية، مقابل 23 مليون دولار، بحسب ما كشف عنه.

غلاف كتاب آخر من تأليف الذكاء الاصطناعي

هل صار الكاتب «بائع بيانات»؟

وسواء حصلت الشركات التكنولوجية على موافقة الكتاب ودور النشر، أم لم تحصل، فإنها في النهاية ستجد السبيل ولن تعدم الحيلة للالتفاف على القوانين، للحصول على تلك الكميات الهائلة من النصوص لتدرب نماذج الذكاء الاصطناعي التي تعدّها، وهو ما يجعل الكتّاب أمام خيارين كلاهما مرّ: إما بيع الجهد الذي بذلوه بأبخس الأثمان، أو المكابرة والرفض، وترك هذه الشركات تنهش في نصوصهم من دون إذن أو مقابل.

لكن الحقيقة أيضاً أن الشركات التي تعمل على تطوير الذكاء الاصطناعي استنفدت أو تكاد كل النصوص المتاحة لاستخدامها مجاناً مع ضمان عدم الملاحقة، وباتت تجد نفسها مضطرة للجوء إلى مصادر جديدة مدفوعة الثمن. في هذه الحالة، هل تحوّل الكاتب إلى مجرّد «بائع بيانات»؟

ثمة من يعدّ قيام بعض الشركات بمحاولة إرضاء المؤلفين، تقدماً ملحوظاً يفسح المجال أمام أصحاب المؤلفات البشرية، من حيث الإفادة المادية، ولو كانت غير مجزية. وليست كل الكتب سواء، ولا هي بمستوى واحد، كي تعامل بعدّها مجرد كلمات صالحة للالتهام الآلي.

الصحافة مستهدفة أيضاً

الصحافة أيضاً مستهدفة، بعد أن نضبت النصوص أو تكاد، ويبدو أن نصوصها تستغل أيضاً مما دفع صحيفة «نيويورك تايمز» إلى رفع دعوى ضد شركتي «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت» بتهمة انتهاك حقوق النشر، بينما اتجهت مؤسسات إعلامية أخرى نحو توقيع اتفاقات ترخيص مع شركات التكنولوجيا، شبيهة بتلك التي تعرض على دور النشر، كي تستفيد من تخزين موادها بمقابل، بدل أن تسرق.

سواء حصلت الشركات التكنولوجية على موافقة الكاتب ودور النشر، أم لم تحصل، فإنها في النهاية لن تعدم الحيلة للالتفاف على القوانين

حيرة أصحاب المكتبات

والحيرة كبيرة، عند بعض أصحاب المكتبات الذين بدأت تصلهم كتب غير مصرح عليها بأنها مكتوبة بواسطة الذكاء الاصطناعي، وثمة من قرر ألا يقبلها حين يكتشف أمرها، ويعيدها من حيث أتت، لكن هؤلاء أنفسهم يتساءلون كم من الوقت بمقدورهم أن يقاوموا الموجة، فهذه التقنيات تزداد مهارة، ثم إذا تحول أحد هذه الكتب إلى «بست سيلر»، وجاء الطلب عليه جارفاً، هل بنقدورهم الاستمرار في رفض بيعه؟ وهل الرفض في هذه الحالة يبقى ممكناً؟

كتّاب أميركيون يرفعون الصوت بعد أن خذلتهم المحاكم

وجّه أكثر من 70 كاتباً أميركياً بارزاً، بينهم دينيس ليهان وغريغوري ماغواير ولورين غروف، رسالة مفتوحة نُشرت على منصة «ليت هب»، دعوا فيها دور النشر الكبرى إلى التوقف عن نشر أي كتاب من تأليف الذكاء الاصطناعي، لأن «الإبداع الإنساني لا يُستبدل». وطالب الكتاب في بيانهم، بمنع استخدام الذكاء الاصطناعي وتطبيق القوانين التي تمنع النشر دون إذن، أو تعويض، واستبدال الآلات بالبشر في دور النشر كما في تسجيل الكتب الصوتية. ووجهت الرسالة والمطالب إلى دور نشر كبيرة، بدل اللجوء إلى المحاكم، نظراً للخذلان من الأحكام التي تصدر غالباً لصالح الشركات التكنولوجية. وهو أمر يصيب الكتاب والفنانين بإحباط كبير، وبإحساس بالغبن في مواجهة قوة تزداد نفوذاً.

«أتلانتيك» تتساءل بمرارة

ومؤخراً نشرت «أتلانتيك» مقالة عنوانها «القضاة لا يعرفون ماذا تعني قرصنة الذكاء الاصطناعي للكتب؟» وذلك بعد صدور حكمين جديدين في قضيتين رفعتا ضد شركات الذكاء الاصطناعي، إحداهما على «أنثروبيك» والثانية على «ميتا». وعدّ القاضيان في حكمهما أن استخدام الشركات للكتب كان «عادلاً»، لأنه جاء بطريقة «تحويلية» أدت إلى منتج مختلف تماماً عن الأصل. وهو بذلك (أي المنتج الجديد) لا ينافس الكتب التي أخذ عنها، ولا يشكل أذى لها، وشبه القاضيان ذلك باستخدام الاستشهادات في الأبحاث. وهو ما حدا بمجلة «أتلانتيك» لأن تعدّ القضاة غير مدركين بعد لما هو الذكاء الاصطناعي، فكيف لهم أن يصدروا أحكاماً بخصوصه.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد علي شمس الدين

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.


صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار
TT

صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل وفكرته الأساسية تقول: «صمتُ المظلوم ليس استسلاماً، بل شروعٌ في صياغة لغةٍ جديدة، أشدُّ فتكاً من الصراخ، إنه الصمتُ الصاخب».

تدور أحداث الرواية، الصادرة أخيراً عن «دار تشكيل» بالقاهرة، داخل أسوار أحد السجون، تحديداً بين عدد كبير من المثقفين والمفكرين وقادة الرأي العام على غرار ما كان يحدث في حقب زمنية سابقة من اعتقال سياسي بهدف تكميم الأفواه حين تختلف السلطة مع معارضيها وتقرر التنكيل بهم، فلا تجد أمامها سوى الزج بهم بشكل جماعي وراء الأسوار.

يركز النص على استبطان الحالة النفسية للشخصيات الرئيسية مثل الراوي و«الصول مسعود» ومأمور السجن وبعض النزلاء الجنائيين، وكيف أن الصمت المشحون بانفجار قادم يشكل لغزاً يستعصي على الفهم، فيما يسخر المأمور من الشعراء ويتهمهم بالتخاذل والعيش في عوالم وهمية بعيداً عن الواقع.

اتسمت اللغة السردية بالإيقاع السريع والمشاعر المتأججة بين السطور، دون استطراد يوقع العمل في شراك الرتابة، كما عمد المؤلف للدخول في بؤرة الصراع النفسي بين جميع الأطراف دون تمهيد، ما جعل الرواية تفيض بالتشويق والإثارة النفسية منذ الصفحة الأولى.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«بالأمس، وما إن غادرني الجميع متجهين إلى العمل بالورش، حتى انفتح باب العنبر ودخل الصول مسعود، كبير السجّانين وأقدمهم هنا. بيني وبينه علاقة بدأت عادية، ثم تحوّلت بمرور السنوات إلى ما يشبه الرفقة الحذرة التي تجمع رجلين يحترقان في فرنٍ واحد، اقترب مني بخطواته الثقيلة، ثم ألقى بجسده الضخم إلى جواري، برم شاربه الكثيف كعادته، وفرك فروة رأسه الكبيرة قبل أن يخرج صندوق سجائره، أشعل لنفسه سيجارة، ثم مدّ إليّ أخرى بصمت، بلا كلمة منه ولا مني، كأنما يدرك أن الكلام عندي أصبح شحيحاً، نادراً كقطرة ماء في صحراء قاحلة، نفث دخانه الأول، ثم بدأ يمطرني بأسئلة متلاحقة، كلها تدور حول ما بعد الصمت، ماذا نُخفي؟ وإلى أين سيقودنا هذا الهدوء المريب؟ أكمل سيجارته دون أن ينتزع مني جواباً واحداً، ورغم يقيني بإخلاصه، فالحيطة في أيام الحرب واجبة، فنحن نحارب قائده الجلّاد، ومن السهل أن تنزلق أسرارنا من فم مسعود تحت ضغط المأمور، مهما كان قلبه معنا، وحين أنهى سلسلة أسئلته، مال نحوى وقال بصوت خفيض:

ـ أريدك أن تأتي معي إلى مكتب المأمور.

رفعت يدي دون تفكير، وقاطعته بنظرة حادة كحدّ السكين:

ـ ماذا يريد مني المأمور؟

ابتسم ابتسامة باهتة، ثم عاد يلوّي شاربه كما لو أنه يبحث عن وقت إضافي قبل أن ينطق:

- من المؤكّد أنّه سيُعيد عليك أسئلته التي تؤرّقه حول أسباب صمتكم، وإلى أيّ مدى سيطول، فثمة ما ينهش يقينه بأنّ أمراً جللاً يوشك أن يقع داخل السجن عقب هذا الصمت المفاجئ».