كيف تشكلت الحركة القومية العربية في «رأس بيروت»؟

استرجاع العصر الذهبي بعد 10 سنوات على رحيل منح الصلح

كيف تشكلت الحركة القومية العربية في «رأس بيروت»؟
TT

كيف تشكلت الحركة القومية العربية في «رأس بيروت»؟

كيف تشكلت الحركة القومية العربية في «رأس بيروت»؟

تحية إلى الكاتب والمفكر منح الصلح (1927 - 2014) في الذكرى العاشرة لغيابه. والرجل يستحق أن يُستذكَر ليس فقط لأنه كان عروبياً حتى الثمالة، وسيرته هي دفاع عن الثقافة المشتركة والمصلحة الواحدة، بل لأنه قرر وبملء إرادته، أن يتعفف عن المناصب رغم أنه يتحدّر من عائلة سياسية، وكانت الغوايات حوله كبيرة، كما استغنى عن توقيع الكثير من مقالاته، وهذا نادر في عالم التأليف والفكر، لكن بقيت لنا كتبه ومقالاته التي ذيلها باسمه. لهذا لم يترك لنا سوى القليل من المؤلفات والمخطوطات، والكثير من الأفكار والمواقف والسجالات والذاكرة الشفهية والقفشات الذكية اللاذعة. من هذه الكتب: «المارونية السياسية»، و«الانعزالية الجديدة في لبنان»، «الإسلام وحركة التحرر العربي»، «مصر والعروبة» و«الثورة والكيان في العمل الفلسطيني».

وتكريماً، للرجل الذي قدّم الفكرة الوطنية على المصلحة الشخصية، وخدمة الوطن والعروبة على تلميع الاسم والشهرة، قامت «دار نلسن» بنشر كتاب حمل عنوان «منح الصلح، رأس بيروت، العصر الذهبي، الجامعة والحي» جمعت فيه نصّين لمنح الصلح، نُشرا في مناسبتين مختلفتين وفي موقعين وزمنين مختلفين. الأول هو بعنوان «فصول من ذكريات منح الصلح» وهي أجزاء من سيرة طويلة رواها لمحمد أبي سمرا ونشرت في مجلة «المسيرة» (1980).

والنص الآخر هو «رأس بيروت - العصر الذهبي الجامعة والحيّ» ونشر في مجلة «بيروت والعالم العربي» في عدد أبريل (نيسان) 2007.

هو ابن بيت سياسي، والدته تركية من عائلة حكمت أيام الدولة العثمانية. هذا الجانب التركي لم يحلُ له، هو الذي رأى العروبة هدفاً ونضالاً، فكان يخفيه ولا يتحدث عنه إلى أن تصالح معه.

«كانت والدتي تتدخل أحياناً في السياسة لتحد من غلواء والدي وغلوائي القومي، فتقول: تفتخرون بالعرب؟ أيام الدولة العثمانية كانت هذه الدنيا كلها، بنوابها ووزرائها ورؤسائها يديرها رجل برتبة قائمقام تعيّنه إسطنبول. هذه لم تكن أكثر من نقطة في بحر». وبدلاً من أن تحبطه والدته وتشعره بالدونية، حدث العكس لأن «مرض العروبة كان متمكناً مني إلى درجة أن قول والدتي هذا، ساهم في زرع حب الدنيا العربية الواسعة في قلبي، وفي تعلّقي بالدولة العربية، دولة الوحدة والحلم الواسع. وقد أكون بسبب أصل والدتي مهيئاً لفهم ما تعنيه العلاقة بين العروبة والإسلام».

قد لا يكون منح الصلح معروفاً لكثيرين من العرب، لكن ما جاء في الكتاب الجديد، له أهمية توثيقية تاريخية؛ لأن الرجل شاهد على ولادة الحركات القومية في بيروت، لا بل هو مؤسس لبعضها كونه كان طالباً في الجامعة الأميركية في ذلك الوقت، معقل العروبيين في رأس بيروت، والإنجيليين أيضاً، وهو المزيج الذي صنع روح المدينة. «لو سُئلت أيهما صنع الآخر رأس بيروت أو الجامعة الأميركية، فالبديهي أن الجامعة هي التي صنعت رأس بيروت كما هي الآن، أو كما كانت قبل حرب عام 1975».

رأس بيروت، أي محيط «الجامعة الأميركية»، هو «حي البدايات لأفكار كثيرة ونظريات وأحزاب وحركات ومشاريع من كل لون وجنس، وأنماط حياة ولباس وممارسات دخلت إلى القارتين الآسيوية والأفريقية من باب منطقة رأس بيروت».

تتلمذ الكاتب منذ الابتدائي وصولاً إلى الجامعة على يد معلمين ينتمون إلى المذهب الإنجيلي (البروتستانت) من لبنانيين وأميركان وفرنسيين وسويسريين، ميزتهم حب مهنة التعليم والانفتاح على المستوى العالمي الرفيع من الكتب المدرسية والمناهج وخلقية السلوك الشخصي والتعامل. الثنائي الإسلامي - الأرثوذكسي كان هو الأساس في نسيج رأس بيروت، مع حي صغير للسريان قرب الحمراء وعدد من العائلات المارونية العريقة، الغنية بالأملاك.

أما الإنجيليون كانوا مبشرين حقيقيين، امتاز سلوكهم بالاستقامة، وشكّلوا «صدمة حضارية تلقاها الشرقي من خلال اتصاله الأول بالغربي في مصر أو لبنان، وهي ليست ناتجة من العلم أو اللغة الجديدة، إنما من تفاجئه بدرجة الصدق والبساطة عند بعض الغربيين». لا بل إن «ملامح الحياة العصرية، كما يشرح الصلح، بأشكالها الخارجية وفضائها الحضاري وأزيائها الفكرية والعقائدية بدأت في تلك المنطقة ثم انتشرت كبقعة الزيت في المحيط العربي».

أما الأمر الثاني المهم في رأس بيروت في تلك الحقبة، فهو كثرة العرب الذين جاءوا من كل حدب إلى هذه المنطقة المختلطة. فمنذ عام 1936 بدأ الفلسطينيون يصبحون جزءاً من المجتمع الرأس بيروتي، ثم توافدت عائلات عربية، من كل الجنسيات. حضر هؤلاء بهموم بلادهم وقضاياهم، فأصبحت الجامعة مركزاً لأهم حركة طلابية في المنطقة، حركة لها طابع قومي عام ينصهر فيه الطلاب العرب. بل كانت الأميركية، جامعة عربية: سورية وعراقية وكويتية وسعودية وبحرانية ومصرية وسودانية قبل أن تتأسس لكل هذه البلدان جامعاتها.

ومن بين الأسباب المعزّزة لدور الجامعة الأميركية البيئة المدنية، وامتداد تأثيرها إلى محيطها الجغرافي، من خلال حياة اجتماعية وثقافية وقاعات محاضرات عامة، إلى مجلس الطلبة الذي هو برلمان الطلاب وإلى جمعية «العروة الوثقى» وهي جمعية قومية للطلبة العرب. فالمقاهي والمنتديات بل البيوت حولها، ليست عملياً إلا أجزاء من الجامعة لا تضمها أسوارها. فشملت ليبرالية أجوائها النوادي والمقاهي والمطاعم المحيطة بها لتتحول إلى مختبرات يجري فيها امتحان الأفكار والمعلومات عبر الحوار والتعليق على خبر والتدقيق في إشاعة والتفنيد لرأي أو التهيئة لتظاهرة.

وقد أصبح رأس بيروت منطقة المثقفين العرب ورواد الحركات السياسية. ولو أن بلدية بيروت أو وزارة السياحة فعلت في رأس بيروت ما تفعله مثيلاتها في الغرب فكتبت على هذا البيت، أو هذا المطعم أو ذاك المقهى «هنا كان يتمشّى السياسي أو العالم أو الأديب الفلاني لكان سكان رأس بيروت تعرّفوا على نصف صنّاع النهضة العربية على الأقل على مدى عشرات السنين، ولكانت بكل شوارعها وبيوتها شبه متحف لمشاهير العرب».

يقول الصلح: «عشت شاهداً في رأس بيروت على مراحل التأسيس لأكثر من حزب، كحزب عصبة العمل القومي الذي تأسس بين دمشق ورأس بيروت، والحزب السوري القومي الذي تأسس كلياً في رأس بيروت، وحزب البعث العربي الذي تأسس في دمشق، لكن بعض مؤسسيه تردّدوا من أول تأسيسه إلى رأس بيروت واختاروها في بعض مراحل حياتهم للسكن والعمل». وفي منزل الفتي حيث كان صغيراً ولد «حزب النداء القومي» وتميز منتسبوه بأنهم كانوا القادة الفعليّين لمعركة الشارع السياسي والتقدمي ضد الانتداب الفرنسي. وولدت حركة القوميين العرب من خلايا طلابية في الجامعة، وبدأت رأس بيروت وجو الجامعة الأميركية يتلبننان أي يهتمان بالسياسة في لبنان، منذ معركة الاستقلال اللبناني عام 1943.

لم يكن منح الصلح مناضلاً تنظيرياً على الإطلاق وهو ما جعل الكتابة لديه تأتي في الدرجة الثانية

بينما كان منح الصلح طالباً في الجامعة الأميركية، كانت حرب فلسطين مشتعلة. وبعد النكبة وُلِدَت بين الطلاب واحدة من أعمق ردات الفعل على الهزيمة. فالشباب في الجامعة عرب، وفلسطينيون، ومن القوميين العرب بنوع أخص. «لذا نشأ آنذاك بعدان جديدان لفكرة القومية العربية: البعد الأول هو أن فلسطين هي قلب الحركة العربية، والثاني هو فكرة الكفاح المسلح، أو العنف الثوري إذا صح التعبير».

كان منح الصلح من الطلاب الناشطين في «جمعية العروة الوثقى»، ومن المسؤولين عن مجلتها «العروة». في ذلك الجو التقى مناضلين كثيرين، منهم جورج حبش وهاني الهندي وكريم مروة وأحمد الخطيب وغيرهم. كم كانت الجزائر قريبة واليمن كذلك، أما فلسطين فكانت في قلب الجميع.

وتحوّل «النادي الثقافي العربي» الذي ينظم معرض الكتاب في بيروت اليوم، مركزاً لتسجيل أسماء المتطوعين للحرب في فلسطين، وأخذهم إلى التدريب، برئاسة الراحل معروف سعد والضابط الراحل محمد زغيب. وفي الليل كان النادي يتحول خلية ثورية، يخطط فيه ثوار وينامون، فتألفت «كتائب الفداء العربي» وأبرز أعضائها جورج حبش وهاني الهندي، وقامت بمحاولة تصفية عدد من الجواسيس وتدمير بعض المؤسسات اليهودية.

لم يكن منح الصلح مناضلاً تنظيرياً على الإطلاق؛ وهو ما جعل الكتابة لديه تأتي في الدرجة الثانية فهو كان من رواد مكاتب الصحف والمجلات وقاعات الندوات والمقاهي. وربما أيضاً هذا ما دفعه إلى الانحياز نحو فعل التأسيس الذي يسمح بتفاعل الحياة مع الواقع والأفكار والناس. فقد أسّس «دار الندوة» عام 1986 و«المنتدى القومي العربي» عام 1990 و«اللقاء الوحدوي» عام 1992 و«المنتدى القومي الإسلامي» عام 1994 وترأس «المركز الثقافي الإسلامي» القريب من بيته في رأس بيروت. ومع كل ذلك «بقي منح الصلح على مشارف كل شيء» - بحسب تعبير الكاتب الكبير سمير عطا الله - في الحياة والأدب والصحافة والسياسة والأحزاب والسلطة. لكن بوصلته بقيت دائماً مصوّبة نحو فلسطين والوحدة العربية وبيروت.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.


صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار
TT

صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل وفكرته الأساسية تقول: «صمتُ المظلوم ليس استسلاماً، بل شروعٌ في صياغة لغةٍ جديدة، أشدُّ فتكاً من الصراخ، إنه الصمتُ الصاخب».

تدور أحداث الرواية، الصادرة أخيراً عن «دار تشكيل» بالقاهرة، داخل أسوار أحد السجون، تحديداً بين عدد كبير من المثقفين والمفكرين وقادة الرأي العام على غرار ما كان يحدث في حقب زمنية سابقة من اعتقال سياسي بهدف تكميم الأفواه حين تختلف السلطة مع معارضيها وتقرر التنكيل بهم، فلا تجد أمامها سوى الزج بهم بشكل جماعي وراء الأسوار.

يركز النص على استبطان الحالة النفسية للشخصيات الرئيسية مثل الراوي و«الصول مسعود» ومأمور السجن وبعض النزلاء الجنائيين، وكيف أن الصمت المشحون بانفجار قادم يشكل لغزاً يستعصي على الفهم، فيما يسخر المأمور من الشعراء ويتهمهم بالتخاذل والعيش في عوالم وهمية بعيداً عن الواقع.

اتسمت اللغة السردية بالإيقاع السريع والمشاعر المتأججة بين السطور، دون استطراد يوقع العمل في شراك الرتابة، كما عمد المؤلف للدخول في بؤرة الصراع النفسي بين جميع الأطراف دون تمهيد، ما جعل الرواية تفيض بالتشويق والإثارة النفسية منذ الصفحة الأولى.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«بالأمس، وما إن غادرني الجميع متجهين إلى العمل بالورش، حتى انفتح باب العنبر ودخل الصول مسعود، كبير السجّانين وأقدمهم هنا. بيني وبينه علاقة بدأت عادية، ثم تحوّلت بمرور السنوات إلى ما يشبه الرفقة الحذرة التي تجمع رجلين يحترقان في فرنٍ واحد، اقترب مني بخطواته الثقيلة، ثم ألقى بجسده الضخم إلى جواري، برم شاربه الكثيف كعادته، وفرك فروة رأسه الكبيرة قبل أن يخرج صندوق سجائره، أشعل لنفسه سيجارة، ثم مدّ إليّ أخرى بصمت، بلا كلمة منه ولا مني، كأنما يدرك أن الكلام عندي أصبح شحيحاً، نادراً كقطرة ماء في صحراء قاحلة، نفث دخانه الأول، ثم بدأ يمطرني بأسئلة متلاحقة، كلها تدور حول ما بعد الصمت، ماذا نُخفي؟ وإلى أين سيقودنا هذا الهدوء المريب؟ أكمل سيجارته دون أن ينتزع مني جواباً واحداً، ورغم يقيني بإخلاصه، فالحيطة في أيام الحرب واجبة، فنحن نحارب قائده الجلّاد، ومن السهل أن تنزلق أسرارنا من فم مسعود تحت ضغط المأمور، مهما كان قلبه معنا، وحين أنهى سلسلة أسئلته، مال نحوى وقال بصوت خفيض:

ـ أريدك أن تأتي معي إلى مكتب المأمور.

رفعت يدي دون تفكير، وقاطعته بنظرة حادة كحدّ السكين:

ـ ماذا يريد مني المأمور؟

ابتسم ابتسامة باهتة، ثم عاد يلوّي شاربه كما لو أنه يبحث عن وقت إضافي قبل أن ينطق:

- من المؤكّد أنّه سيُعيد عليك أسئلته التي تؤرّقه حول أسباب صمتكم، وإلى أيّ مدى سيطول، فثمة ما ينهش يقينه بأنّ أمراً جللاً يوشك أن يقع داخل السجن عقب هذا الصمت المفاجئ».