يرصد كتاب «اعرف أهلك - دراسات أنثروبولوجية في الثقافات الأفريقية» الصادر حديثاً عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» للباحث د. محمد أمين عبد الصمد صفحات من التأثير العربي في الثقافة الأفريقية. ويركز المؤلف بشكل خاص على تأثير سلطنة عمان في الساحل الشرقي الأفريقي، تحديداً في سكان جزيرة زنجبار الذين يعودون في أصلهم التاريخي إلى ثلاث مجموعات أساسية هي: العرب والشيرازيون والبانتاو، يضاف إليهم بعض الهنود على قلة عددهم. ويمثل العرب العمانيون بالذات جزءاً مهماً من التركيبة السكانية هناك عبر هجرات عدة متعاقبة على مر القرون لأسباب أغلبها سياسة أو صراعات قبلية أو لأسباب اقتصادية لعملهم بالتجارة.
وبلغ هذا التأثير أشده عندما أسهم عرب عمان مع آخرين في إقامة قرابة 37 مركزاً أو مدينة تمتد من مقديشيو في الشمال إلى سفاله في الجنوب. ويشكل المسلمون قرابة 98 في المائة من السكان ويتحدثون السواحلية. وتجاوز تأثير الثقافة العمانية في الشرق الأفريقي الدين إلى مظاهر الحياة اليومية والأزياء حيث تعددت صور التعايش والاندماج بين ثقافتين لجماعتين مختلفتين. وأهمية الزي هنا تكمن في كونه علامة اجتماعية وثقافية بجانب الطابع الجمالي. وتتسم الملابس العمانية بالبساطة والتكيف مع البيئة المحيطة بالإنسان، فالدشداشة العمانية هي «الكنزو» وكان أمراء القبائل الأفريقية يربطون رؤوسهم بعصائب من حرير ويلفونها مع بقاء وسط الرأس مكشوفاً، أما القادة والجنود فقد كانت لهم عمائم من قطن. والزي الرجالي الذي استنسخه الأفارقة هو ثوب طويل يسمونه «دشداشة» وهو ذو عنق مستدير يحيط به شريط رفيع قد يختلف عن لون الدشداشة.
يذكر الكتاب أن الأفارقة في زنجبار والبلدان المجاورة تأثروا بمفردات عمانية أخرى مثل الخنجر الذي يعد إحدى سمات الشخصية العمانية، ولوناً من ألوان أناقة الرجال ويُصنع من الفضة الخالصة. وتنتشر الأطعمة العمانية على المائدة التقليدية في زنجبار مثل الحلوى والبيلاو والقهوة العربية. وارتبط تناول تلك الأطعمة بالمناسبات الاجتماعية والدينية والثقافية وأصبحت بالتالي سمة أساسية من الخصوصية الثقافية للجماعة، كما أن هناك تأثيراً معكوساً، حيث تأثر العمانيون ببعض العادات الأفريقية، لا سيما في الغناء والرقص العماني، وهو ما يتجلى في العديد من أنواع الطبول وقصب القيثارة الذي جاء من أفريقيا. وتعد «الرزحة» بجذورها الأفريقية الرقصة الأكثر شعبيةً في سلطنة عمان حيث يقف الرجال في صفين يتصارعان بسيوفهما أثناء أداء القصائد الشعرية الحماسية والمتفاخرة، وهي واحدة من أقدم رقصات الحرب العمانية التي تستخدم الطبول.
وينتقل المؤلف إلى قضية أخرى في هذا السياق تتعلق بالأدب العربي الأفريقي والمقصود به كل أدب يتوسل باللغة العربية ويعبر عن هموم بلد أفريقي ما ليست العربية لغته الأولى الأصلية. ويلفت إلى أنه من الأسئلة الملحة التي تواجه الدارس للآداب الأفريقية العربية: لماذا واجه الإبداع الأفريقي العربي هذا الكم من التجاهل والجهل به على عكس الاهتمام الشديد الذي لاقاه الأدب العربي المنتج في شبه جزيرة إيبيريا فيما يسمى بالأندلس رغم تشابه ظروف إنتاجهما؟ إنه سؤال معلق يحتاج إلى استقصاء وتعمق، ففي كلتا الحالتين نحن أمام لغة هي العربية وجدت وسط ثقافة البلد الأصلية بل وتوافرت صفة الاستمرارية في الأدب الأفريقي العربي مع تقلصه أو تلاشيه بمعنى أدق من شبه جزيرة إيبيريا.
ويقول المؤلف إن الشعر باللغة العربية كان هو الأسبق في الظهور بين أبناء السنغال حيث ارتبط انتشاره بوجود ممالك إسلامية ومدارس ومترجمين في بلاط تلك الممالك. وكان طلبة العلم يكتبون الشعر متمثلين الشعراء العرب ممن درسوا أشعارهم، وكانت المدن والحواضر الكبرى في حالة تفاعل ثقافي ونشاط أساسه اللغة العربية.
في هذا السياق كان الشعر التعليمي هو الوسيلة والأداة التي يلجأ إليها العلماء لصياغة علومهم الشرعية ومعارفهم العلمية واللغوية في شكل شعري يسهّل نقل علومهم ويكفل استمرارها بين طلاب العلم. ومن أشهر علماء السنغال الذين صاغوا معارفهم شعراً في هذا الغرض مور حاج كمبس جواب وأحمد بمبا أميكي الخديم. وحديثاً انتشر القصص السنغالي العربي على يد الشعراء المعاصرين الذين درسوا الآداب العربية في جامعات ومؤسسات علمية عربية. ويعد الشاعر محمد الأمين عاج هو الرائد في هذا المجال وتبعه الكثيرون من الشعراء السنغاليين الشباب.
وظل القسم الأكبر في الشعر العربي السنغالي ينتمي إلى ما يسمى الشعر الغنائي الوجداني وحاكوا الشعر العربي القديم في بنيته وأغراضه حيث كتبوا قصائدهم في المدح والفخر والهجاء والحماسة والغزل. ومن أهم الأسماء الشعرية في هذا المجال الحاج عمر تال الفوتي والقاضي المجختي كلت والحاج مالك سي أحمد.

