تحوّل مفاجئ في مسار التاريخ نحو الانحدار

حالة الغرب اليوم تذكر بسقوط روما عام 399

دمار روما عام 399
دمار روما عام 399
TT

تحوّل مفاجئ في مسار التاريخ نحو الانحدار

دمار روما عام 399
دمار روما عام 399

على مدى القرنين الأخيرين، نهض الغرب ليهيمن على الكوكب؛ إذ أصبح ينتج نحو ثمانين في المائة من مجمل الإنتاج العالمي، وارتفعت مداخيل مواطنيه بنحو خمسين ضعفاً بالمقارنة بمواطني بقيّة العالم. هذه السيطرة الاقتصاديّة أنتجت بالضرورة سيطرة سياسيّة وثقافيّة ولغويّة واجتماعيّة سمحت للغرب بتشكيل العالم على هواه، فانتشر مفهوم الدّولة القوميّة وأصبح الشكل السائد للأنظمة السياسيّة المنخرطة في النظام العالميّ، وأصبحت اللغة الإنجليزيّة لغة الأعمال والثقافة والعلوم والدبلوماسيّة، وأودعت الغالبيّة الساحقة من الدول فوائضها في البنوك الغربيّة، فيما تربعت الأكاديميا الغربيّة على عرش المعرفة، وأصبحت أفلام «هوليوود» وكرة القدم الإنجليزيّة تسلية عابرة للحدود، وتسربت الثقة إلى مثقفيه حتى زعموا أن العالم يشهد نهاية التاريخ، بحيث لن يكون بمقدور أي طرف على الإطلاق أن يغيّر من هيمنة الشكل السياسي الليبراليّ الذي ابتدعه الغرب.

لكن؛ ومع مطلع الألفيّة الثالثة، بدا أن ثمّة تحوّلاً مفاجئاً في مسار التاريخ نحو الانحدار... كانت البداية من الأزمة الماليّة العالميّة عام 2008 التي تسببت في حالة من الركود في معظم اقتصادات دول الغرب؛ ما لبثت أن تحولت، بسبب طبيعة استجابة الحكومات، إلى حالة من المراوحة الاقتصاديّة التي أدت إلى تراجع مساهمتها في الإنتاج العالميّ من ثمانين في المائة إلى ستين في المائة.

فشل النّخب الليبراليّة الأوروبية الحاكمة في إدارة الأزمة أدّى إلى حالة من الجمود الاقتصادي، تسببت في تراجع مستويات الأجور الحقيقيّة، وانتشار البطالة، وتفاقم الديّون العامة والخاصة، فنشأت استقطابات مجتمعيّة حادة، وفقدان غير مسبوق للثقة بالمؤسسات الليبراليّة ووسائل إعلامها، في وقت بدأت فيه الصين – ذات النّظام المغاير - تثبيت موقعها لاعباً أساسياً على مسرح الاقتصاد والسياسة العالميين.

لم تك تلك أولى المرّات التي يجد فيها الغرب نفسه في حال من الانحدار في مواجهة صعود قوى أخرى؛ إذ اتبعت الإمبراطوريّة الرّومانية قوساً مماثلاً من الصعود الدراماتيكيّ بداية من القرن الثاني قبل الميلاد؛ إلى الاستواء على عرش الهيمنة لنحو ستمائة عام، قبل انقلاب الأزمنة نحو السقوط في منتصف الألفيّة الأولى.

لقد حاول المؤرخون الغربيّون المعاصرون الاستعانة بحكاية صعود وسقوط إمبراطوريّة روما لاستخلاص العبر منها واستدعاء التفسيرات التي قد تعيننا في فهم توجه التاريخ إلى تكرار ذاته، ومرجعهم في ذلك دوماً النصّ الكلاسيكي ذائع الصيت لشيخ المؤرخين الغربيين؛ إدوارد جيبون (1737 - 1794): «انحطاط وسقوط الإمبراطوريّة الرومانيّة» – (6 مجلدات صدرت بين 1776 و1788)، والذي يزعم فيه أن روما عانت من تهتك داخليّ بطيء بعدما توقفت عن قهر البرابرة – على مختلف أنواعهم: مسيحيون وقوط وفاندال... وغيرهم – مما سمح لهؤلاء بقضم أطراف الإمبراطوريّة حتى انتهوا إلى قلبها. وجهة نظر جيبون، التي أصبحت مثل لازمة لتفكير أجيال من المؤرخين الغربيين من بعده، تذهب في ذلك إلى الادعاء بأن سقوط روما تُسأل عنه روما، وأنّ أولى إمبراطوريات الغرب العظيمة، التي امتدت أراضيها من صحراء العراق الحديث إلى جدار هادريان شمال بريطانيا، كانت بشكل أو آخر صانعة مصيرها؛ الأمر الذي ينتهي في تقولات المؤرخين المعاصرين إلى الاستنتاج أن الغرب اليوم يسلك المسار ذاته، وأن تهاونه في التعامل مع المهاجرين من دول العالمين الثاني والثالث سيقود في وقت منظور إلى تلف الهيمنة الغربيّة من الدّاخل.

بيتر هيذر؛ أستاذ تاريخ العصر الوسيط في «كينغز كوليدج (لندن)»، وجون رابلي؛ أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة كامبريدج، في كتابهما الوجيز: «لِمَ تسقط الإمبراطوريّات: روما، وأميركا، ومستقبل الغرب – 2023»* يطيحان أفكار جيبون ومن تبعه بإحسان، ويزعمان فساد المقاربة التي اتبعوها طوال عقود، ويطرحان، بالاستفادة من أحدث المكتشفات الأثريّة، منهجيّة مغايرة للاستفادة من معرفتنا بالتاريخ الرومانيّ الكلاسيكيّ في تقييم حالة الغرب المعاصر؛ وفي مركزه دائماً الولايات المتحدة؛ دولة العالم العظمى.

يقول المؤلفان إن التقدّم الهائل في دراسة اللقى الأثرية التي يعثر عليها في مناطق نفوذ الإمبراطوريّة من شمال سوريا إلى سهل الراين، سمح لنا بإعادة النظر في استنتاج جيبون حول حدوث تفسّخ داخليّ تدريجي أدى لسقوط روما في عام 399 ميلاديّة؛ إذ إن طبيعة المنتج الماديّ في مختلف أنحاء الامبراطوريّة بتلك اللحظة، سواء في صناعة الفخار، والأسلحة، والمعمار... تظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن النخب الرومانية، أو الملتحقة بها، كانت تعيش في مرحلة لا يمكن وصفها بأي حال بالتردي والانحطاط، وأن سقوطها كانت نتيجة عوامل خارجيّة أساساً؛ منها ما يتعلّق بشعوب الدائرة الثانية المجاورة مباشرة لأراضي الإمبراطوريّة والتي استفادت جدليّاً من هذا الجوار لتبني تحالفات قادرة على البقاء بوصفها منظومات سياسية فاعلة، ومنها ما يتعلّق بتحولات ديموغرافيّة ومناخيّة في مناطق شعوب الدائرة الثالثة، ضغطت بشكل أو آخر باتجاه دفع شعوب الدائرة الثانية إلى تحدي المركز الروماني، في وقت كان فيه جزء كبير من الطاقة القتاليّة لجيش روما قد استُنفد في الحروب مع الامبراطوريّة الفارسيّة في الشرق.

التخصص المعرفيّ المتكامل بين المؤلفين هيذر ورابلي، بين التاريخ والاقتصاد السياسيّ، سمح لهما بطرح نظريّة متماسكة تستكشف أوجه التشابه والاختلاف بين حالة الغرب في عام 399 وحالته في عام 1999. وهما يجادلان بأن الامبراطوريات لا تتهتك من الدّاخل بالضرورة، وإنما تزرع، بحكم دورة حياتها، بذور تدميرها، الذي إن لم تحسن النخب قراءة إرهاصاته الكثيرة، انتهوا بامبراطوريتهم إلى التّلف والزّوال.

يقسم المؤلفان كتابهما* إلى قسمين: أولهما يعيد قراءة تجربة «روما 399» لاستخلاص أدوات نظريّة تساعد في ثانيهما على تقييم عصر الهيمنة الغربية الحالي - «واشنطن 1999» إذا شئت - لتكون الخلاصة أن الغرب المعاصر قد تجاوز بالفعل نقطة الذروة، وأنّه لو استمرت الاتجاهات على منوالها الحاليّ، فإنه يمضي نحو نهاية محتمة شبيهة بمصير روما قد لا تكون بعيدة جداً؛ أقله في عمر الامبراطوريّات الذي يقاس بالعقود والقرون.

على أن هيذر ورابلي يصرّان على إبقاء بوابة أمل تمديد عمر الغرب عبر تبني النخب الحاكمة سلوكيّات عقلانيّة واعية تسمح؛ إن لم تُبقه في موضع الهيمنة على النظام العالمي، على الأقل بأن تمده بأسباب المنعة بما يكفي للتّعايش مع صعود الامبراطوريات الأخرى – لا سيّما الصين – في نظام عالميّ جديد (متعدد الأقطاب).

وتأخذنا تلك السّلوكيات المقترحة من قبل المؤلفين نحو إعادة نظر شاملة في أسس النظام الرأسمالي المعاصر، تتضمن تغيير نظرة المجتمعات الغربيّة إلى الهجرة – التي عند التّدقيق العلمي هي محفّز لنمو اقتصادات الدّول وعون على تدارك جوانب الضعف فيها، لا مصدر تهديد وتبذير كما ينذر السياسيون الديماغوجيّون - وبناء منظومة أكثر عدالة عبر فرض الضرائب على الثروات - لا الدّخول - وتوفير حد أدنى مشترك من الدّخل والتعليم والعناية الصحيّة لجميع المواطنين، مع إعادة نظر شاملة في الترتيبات العلنية والسريّة التي تسمح للنخب بنقل أصولها إلى الجنان الضريبيّة دون المساهمة في رفد الموازنات العامة للبلدان التي توفّر لهم المنصة لجني الأرباح الطائلة.

يدرك المؤلفان بالطبع أن تنازل النخّب الحاكمة في الغرب عن امتيازاتها ليس بالأمر السهل، ولا شكّ في أن بعضها - بحكم خبرتنا التاريخيّة - قد يكون مستعداً لإشعال حروب عالميّة في الدّفاع عنها، لكنّهما يقولان إن دروس تجربة الغرب في سقوط روما القديمة ينبغي لها أن تُقرأ بعناية من قبل النّخب المعاصرة، وترشّد خياراتها بشأن إدارة المستقبل، قبل أن تجد نفسها في دورة عصور مظلمة جديدة.



الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».