قراءات المثقفين في الخليج 2023... الرواية والتاريخ أولاً

حمد الرشيدي (السعودية)
حمد الرشيدي (السعودية)
TT

قراءات المثقفين في الخليج 2023... الرواية والتاريخ أولاً

حمد الرشيدي (السعودية)
حمد الرشيدي (السعودية)

كانت السمة عام 2023 بالنسبة لقراءات مجموعة من الأكاديميين والنقاد والروائيين في الخليج اهتمامهم بالقراءات التي تبحث في التاريخ السياسي والأدبي للمنطقة، مع اهتمام بارز في الاطلاع على كتب عالمية، وقراءة الأعمال الأدبية شعراً ورواية. الملاحظ أيضاً العودة للكتب القديمة، سواء فيما يتعلق بتاريخ الفنون قبل الإسلام، أو القراءات الفكرية والأدبية القديمة، ومعها القراءات التي يقصد منها إثراء البحوث، وكتابة الأعمال السردية.

قطر

د. أحمد عبد الملك: تاريخ وروايات

دأبتُ على قراءة الكتب المتنوعة، وإن كانت معظم قراءاتي من الروايات. ومن الأعمال التي قرأتها عام 2023، كتاب: «تاريخ أئمة البوسعيد في عُمان»، تأليف الدكتور الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، وهو بحث علمي رصين، منذ ولاية الشيخ أحمد بن سعيد البوسعيدي والي صحار عام 1734 وحتى وفاة الإمام سعيد بن سلطان عام 1856، بعد أن تمت تسوية النزاعات مع الحكومة البريطانية. وهذا متنٌ مهم كجزء من تاريخ عُمان.

تاريخ أئمة البوسعيد في عُمان

الكتاب الثاني: «قوة النونتشي» للباحثة إيوني هونج، وهو أحدث ما قرأته عن قوة تقييم الإنسان لغيره عبر العين! ويقتربُ النصُ من علم النفس. وتأتي الباحثة مؤلفة الكتاب؛ بنماذج من الحياة العادية لأثر وتأثير قراءة العين للطرف الآخر، وكيف يفشل البعضُ في تقييم الآخرين، كما تأتي الباحثة بمثال عن تدنّي قوة «النونتشي» لدى النرجسيين وافتقارهم إلى هذه القوة، مما يكشفهم لدى الآخرين.

الكتاب الثالث: «يوميات ساخرة لخائف كورونا» لكامل النصيرات. والكتابة الساخرة، كما هو معروف، نوع صعبُ من الكتابة، وتحتاجُ إلى دقة في الملاحظة، ومراعاة تأثير وتفسير هذا النوع من الكتابة. كما أن هذا النوع من الكتابة يداعب جانب المرح لدى القارئ.

الكتاب الرابع: رواية «الحرب» لمحمد اليحيائي، الرواية الفائزة بجائزة «كتارا» للرواية العربية عام 2023، وهي ترصد أحداثاً في عُمان، وتجربة حرب ما قبل الاستقلال، وحفلت الرواية بعدد غير قليل من المُساعدات السردية الجميلة، وتاريخ المنطقة، وملامح الصراع مع الإنجليز ومن والاهُم.

والكتاب الخامس، رواية «نادي السيارات» لعلاء الأسواني، وهي رواية تبدأ باستهلال عن لقاء (كارل بنز) بـ(بيرتا) عام 1872 في مدينة (مانهايم) الألمانية، وفي الكنيسية يقسم لها بأنه يريد الزواج منها. وما (كارل) إلا صاحب سيارات «مرسيدس بنز» الألمانية. في الفصل الثاني يدخل المؤلف حياةَ (رقية) وزوجها (عبد العزيز)، وحواراتها مع صديقتها (نوال) زوجة (عبد العال) كبير ناس البلم. كان نادي السيارات يشكل معقل الطبقة الراقية، ويعالج فيه الكاتب قضية الفروقات الاجتماعية، والتباين الطبقي. رسائل مهمة في الرواية، تنطبق على حياتنا هذه الأيام.

الكتاب السادس، رواية «الوعد»، للكاتب القطري الشاب ناصر يوسف، وتُعالج الروايةُ مفاهيمَ اجتماعية تتمثل في قضية (وعد) الأخ لأخيه بخطبة ابنته لابنه، حيث تدور حوادثُ مؤلمة حول عدم انسجام البنت مع ابن عمها، وكانت تحبُّ أخاه وليس هو. وتنتهي الرواية بمقتل العريس على يد أخيه، ويدخل السجن. الكاتب ناصر روائي واعد، ويحتاج إلى تشجيع دائم.

أما الكتابان السابع والثامن، فكان: «كيف تكتب رواية أو قصة قصيرة»، للكاتب: أحمد المنزلاوي، وكذلك كتاب: «مهارات الكتابة والتأليف» للكاتب نفسه، وهي من الكتب الثرية، التي تُعلّم القارئ كيفية الكتابة، خصوصاً في مجال الرواية والقصة القصيرة، ولقد استفدتُ كثيراً من هذين الكتابين، وأعتقد أنه لا بد لأي كاتب للقصة أو الرواية من الاطلاع عليهما، فهما يُعدّان خريطة طريق للكتابة الإبداعية.

«الصمت، لغة المعنى والوجود»

د. حسن الرشيد: روايات ودراسات... وموسيقى

خلال هذا العام تنوعت قراءاتي بين الدراسات الأدبية، والبحوث العلمية، والسيرة الذاتية وغيرها. كما قرأتُ أعمالاً قطرية، لعدد من الكتاب مثل الشاعرين علي عبد الله الأنصاري، والشاعر محمد على المرزوقي، والروائي خلف الخلف، والروائي محمد الجفيري، هذا عدا رواية الدكتورة كلثم جبر الكواري «فريج بن درهم»، بالإضافة إلى كتاب «الجواري والشعر في العصر العباسي»، تأليف الدكتور سهام عبد الوهاب الفريح، وكتاب «الزندقة في دار الإسلام في القرن الثاني للهجرة»، لمؤلف ملحم شكر، وكتاب «حركة بابك الخرمي الدينية والسياسية»، لعبد العزيز آل سعيد، وغيرها من الكتب والدراسات.

حسن الرشيد - (قطر)

كما أتوقف عند كتاب «تاريخ الموسيقى العربية قبل الإسلام» للدكتور عبد الحميد حمام وهو يطرح تساؤلاً مهماً: هل كان للعرب دور في فنّ الموسيقى؟، وما مدى معرفتهم بالموسيقي؟ وهو يجيب بأننا كانت لنا ثقافتنا الموسيقية المرتبطة بالحياة في الشدة والرخاء، في الحضر والبدو، في الحرب والسلم، كما قام بالمسح الجغرافي عبر الجزيرة العربية.

وكذلك كتاب: «الأعمال الصوفية»، لمحمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري، وهو واحد من المتصوفة جمع بين العلم والمعرفة و«الوقفة»، وهي المقولات الأساسية التي ينطوي عليها مذهب النفري، وتخضع لتراتب دقيق، حيث يأتي العلم أولاً، وهو المدخل للمعرفة، والمعرفة مدخلاً للوقفة. والوقفة، في النهاية، هي نور الله الذي لا تجاوره الظلم.

الحارس في حقل الشوفان

ولا بدّ من التوقف عن رواية «إهانة غير ضرورية» تأليف إياد عبد الرحمن، وهى رواية عن المسكوت عنه في الثقافة العربية، وهو موضوع العنصرية. فالكثير تناولوا واقع العبيد منذ عنترة بن شداد وسحيم عبد بني الحسحاس، وثورة الزنج، وتاريخ الرق والعبودية، ورائعة ألكسي هيلي «الجذور»، ورائعة الروائي القطري محمد علي عبد الله؛ «فرج»، وهذه الرواية تأخذ ثيمة العبودية نحو منحى آخر، وهي تصلح للترشح لعمل درامي.

وأختم بكتاب شيّق بعنوان: «الأغنية الشعبية.. مدخل إلى دراستها»، للدكتور أحمد علي مرسي، حيث ‏يمثل هذا الكتاب جولة متنوعة حول الإرث المصري عبر تراث غرف منه أبرز الملحنين على رأسهم العبقري بليغ حمدي.

سلطنة عُمان

د. هلال الحجري: تاريخ عمان وكتب تخصصية

قرأتُ هذا العام طائفة متنوعة من الكتب، أغلبها تخصصية تتعلق باهتماماتي البحثية المتمركزة حول علاقات الغرب بالشرق، وعمان خاصة. من بين هذه الكتب، كتاب صدر في 2013 باللغة الإنجليزية، وعنوانه: «أقلمةُ عُمان» استطاع فيه ستِفن ويبل، وهو أستاذ ألماني متخصص في الاقتصاد ومعنيٌّ بدراسات الأقلمة، خاصة في عُمان والمغرب، أن يجمع باحثين من تخصصات مختلفة من الإعلام، والأنثروبولوجيا الاجتماعية، والدراسات الإسلامية، والدراسات الحضرية، واللسانيات، والسياسة الدولية، والتاريخ، والجغرافيا الاقتصادية، والاقتصاد السياسي، لدراسة عُمان بمنهج جديد يأخذ بالدراسات البينية ويستكشف هذا البلد؛ لا بكونه طَرَفاً معزولاً في أقصى جنوب شبه الجزيرة العربية، وإنما بكونه مركزاً لدينامياتٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ وسياسيةٍ امتدت من شرق أفريقيا مروراً بالمحيط الهندي، وبحر العرب إلى آسيا وأوروبا.

د. هلال الحجري «عُمان»

إنه رؤية بانورامية واسعة تمتح من التاريخ والسياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع في دراسة الحركة الفاعلة والديناميات المعقدة للمجتمع والدولة في عُمان، عبر زمان يمتد من القرن السادس عشر إلى الآن، وعبر مكان يمتد من زنجبار إلى الخليج العربي والهند والولايات المتحدة الأميركية وغيرها من أصقاع العالم.

هكذا استطاع الكتاب أن يخرج من فخ الدراسات التي تنحو إلى تبسيط العالَم وفقَ أطرٍ مسلَّمٍ بها، أو ما يسميه ويبل بـ«الميتاجغرافيَّات الراسخة».

تكمن أهمية الكتاب في تجاوزه للمفاهيم الجغرافية الضيقة وفتحِ المجال لتعددية التخصصات (Multidisciplinarity) من أجل الوصول إلى فهم أوسع للديناميات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي ارتبطت بعُمان لا بصفتها إقليماً محدودَ المعالم «سلطنة عُمان»، وإنما بكونها «إمبراطورية» متعددةَ الأقاليم وعابرةً للقارات والثقافات. تشتغل على ترجمة الكتاب حالياً المترجمة العمانية المتميزة عهود بن خميس المخيني، ولعله يصدر مطلع العام المقبل 2024.

الكويت

بسام المسلم: تاريخ البلد... وروايات

الروائي الكويتي بسام المسلم، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «قراءتي الأخيرة كانت محكومة بالحقبة التي سيتناولها مشروع كتابي القادم، وهي أواخر القرن التاسع عشر إلى العقد الرابع من القرن العشرين، في الخليج وشبه الجزيرة.

بسام المسلم (الكويت)

لذا ضمت قائمة الإعداد للمشروع كتباً عن تاريخ المنطقة، أهمها «تاريخ الكويت» لمؤلفه عبد العزيز الرشيد، وسيرة حياته التي كتبها الدكتور يوسف الحجي، وكتاب «معركة الصريف»، الذي يدرس فيه مؤلفه فيصل السمحان المعركة على ضوء المصادر التاريخية والشفهية، وهو كتاب ممتاز فاز عنه السمحان بجائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي لأفضل مؤلف عن الكويت 2008. كما اطلعت على «الثقافة في الكويت» للدكتور خليفة الوقيان، وعلى كتاب «الكويت وتاريخها البحري» لأحمد المزيني، وعلى مجموعة من كتب الفنان أيوب حسين، وأخرى متعلقة بالعمل قيد الكتابة.

يضيف المسلم: أما عن قراءتي خارج الإعداد للمشروع، وكانت قليلة، فأذكر منها رواية الأميركي «سالنجر» بعنوان «الحارس في حقل الشوفان» التي ربما تعدّ من كلاسيكيات الأدب الأميركي رغم أني وجدتها قصة سطحية في «أدب البلوغ»، كانت من المبالغة في التقدير أن وصفت بـ «واحدة من أفضل روايات القرن!» حيث اتفق مع رأي الناقد الأميركي المخضرم في صحيفة واشنطن بوست جوناثان ياردلي، المولود في ثلاثينيات القرن، الذي تساءل بالإشارة إلى رواية سالنجر: لماذا يطلب معلمو اللغة الإنجليزية، الذين يتوجب عليهم تعليم الكتابة الجيدة، من الطلاب مراراً وتكراراً قراءة كتاب مكتوب بشكل سيء مثل هذا؟ وقد وجدته تساؤلاً مستحقّاً.

الإمارات

صالحة عبيد: فلسفة وعلم اجتماع

أحاول قدر الإمكان أن تكون قراءاتي منوعة وهي تتراوح بين «السرد»، وهو مجال اختصاصي وتركيزي، يليه «الشعر» لدوره الهام والحيوي في منح اللغة اتساعها، ثم «الفلسفة» و«علم الاجتماع» وأخيراً «السيرة» لما تضيفه من بُعد معرفي هام لكل مشتغل في مجال الكتابة الإبداعية.

صالحة عبيد (الامارات)

هنا أرشح كتاباً عن كل فئة، من خلال قراءاتي لهذا العام.. بداية بالسرد الذي سأختار منه التجربة السردية الفريدة للكاتب السيريلانكي شيهان كارتونتاكا «أقمار ملاي ألميدا السبعة» التي حازت على جائزة البوكر بنسختها البريطانية في عام 2022، وتحملنا هذه التجربة السردية إلى عالم سوريالي وتاريخي ساخر يحاول من خلاله ملاي ألميدا، وهو بطل العمل أن يفتش عن قاتله، وهو شبح في دوائر ما بعد الموت السبعة، وبُعداً بعد آخر تتورط أكثر في ذلك العالم الساخر والساحر والمربك متعرفاً على مرحلة مهمة من تاريخ وحياة الإنسان السيريلانكي.

أما فيما يرتبط بالشعر فأود أن أشير للسلسلة الشعرية الجميلة التي أطلقتها مؤخراً «دار التكوين» السورية تحت عنوان «هي أنت» والمخصصة للتجارب الشعرية النسوية الجديدة في العالم العربي، وشدني من هذه المجموعة «رأس الوعل» لراما وهبة، حيث لا نستطيع اختزال الشعر بملخص ما أو تعريف بقدر ما نصف تجربة هذه المجموعة بالفريدة من نوعها والتي تستحق الاهتمام.

وفي مجال الفلسفة سأذهب إلى فلسفة «آلان واتس» في كتابه «حكمة انعدام الأمن رسالة إلى عصر القلق»، وهو كتاب لافت عن ضرورة أن يحركنا القلق اليوم بدلاً من أن نتفاداه، وهو صادر عن «دار سدرة» الإماراتية للنشر.

وفي مجال الفلسفة هناك كتاب «فلسفة العنف» لإلزا دورلين، وهو تتناول الفلسفة التاريخية للعنف وتراكمها الذي أفضي لعنف العالم المتفجر اليوم، وهو صادر عن «دار الساقي» للنشر بنسخته العربية.

وفي علم الاجتماع والتأريخ الاجتماعي هناك كتاب مهم لديفيد لوبروتون يحمل عنوان: «الصمت، لغة المعنى والوجود»، عن «المركز الثقافي العربي»، وهو يحلل البعد الاجتماعي للصمت ودوره الحيوي في تطور البعد الفكري لإنسان اليوم.

أخيراً في مجال «السيرة الذاتية» سأختار كتاب «نوارة نجم»، وهي تمزج سيرتها بسيرة والدها الشاعر أحمد فؤاد نجم، وذلك في كتابها: «وأنت السبب يابا» لتتناول بشكل مؤثر تلك العلاقة الشائكة والمرتبكة والعاصفة والدافئة أيضاً مع والدها الشاعر الشهير، وهو كتاب صادق جداً ومؤثر لن تتمالك نفسك أمام الدموع فيه في مواضع كثيرة.

السعودية

حمد الرشيدي: روايات وشعر... وتاريخ

قرأتُ هذا العام عشرات الكتب واطلعت على كثير منها، لكن بعض الأعمال الأدبية من شعر ونثر التي اطلعت عليها هذا العام، أو تلك الكتب التي تهتم بالشأن الثقافي العام هي التي استأثرت بنصيب أوفر من اهتمامي وأعجبتني، ولا زالت عالقة في ذهني، وقد كتبتُ عن كثير منها ونشرت بعض ما كتبته عنها، وأذكر منها: رواية «قبل أن يوصد الباب»، لسعد الغريبي، وهي رواية اجتماعية انفردت بجمال لغتها وحبكتها المثيرة. و⁠«الأعمال الشعرية للشاعر جاسم الصحيّح» في ثلاثة مجلدات، والصحيّح يعدُّ واحداً من أبرز الشعراء العرب في الوقت الراهن كما هو معروف.

تاريخ الكويت

وكذلك ⁠كتاب «تاريخ الشعر في الكويت»، للدكتور سليمان الشطي، ويتناول هذا الكتاب الحراك الشعري بدولة الكويت، منذ ظهور بواكيره الأولى بدولة الكويت في القرن الثامن عشر حتى العصر الراهن.

و⁠كتاب «إبحار مع القلم» للدكتور خليفة الوقيان، وهي مجموعة كبيرة مختارة من مقالات سبق نشرها للكاتب في الصحف الكويتية حول الشأن الثقافي العام.

وكتاب «الحضارة العربية الإسلامية وعوامل تأخرها»، للدكتور أمين زين العابدين، وهو كاتب ومفكر سوداني، والكتاب يبحث في الحضارة العربية والإسلامية منذ ظهورها، وما مرت به من مراحل مختلفة، وأثر هذه الحضارة في الحضارات الأخرى.

ورواية «خان جليلة» للكاتب السعودي ماجد سليمان، وهي رواية تاريخية رائعة تدور أحداثها في «إقليم اليمامة» قديماً، وكذلك ⁠كتاب «غزوة خيبر»، وهو كتاب قيم، اشترك في تأليفه كاتبان سعوديان، هما: الدكتور تنيضب الفايدي، وصيفي الشلالي، وهو بحث تاريخي «ميداني» اعتمد مؤلفاه على التحقيق الحقلي الميداني لغزوة خيبر، حين فتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم عام 7 للهجرة، حيث يتناول هذا الكتاب خط سير جيش المسلمين من المدينة المنورة إلى خيبر، وتلك المواضع التي مر بها خط سير الجيش، من جبال وأودية ومعالم طبيعية للأرض. وقد دُعِّمَ هذا الكتاب بكثير من الصور والخرائط التي توضح هذه المواقع.

رجاء البوعلي: «القصة» سعودياً وعربياً

الكاتبة والروائية السعودية رجاء البوعلي، قالت: تتزامن عندي برامج القراءة مع برامج الكتابة، فقد اعتدت على إعداد خطة سنوية ثقافية، تتناسب مع أهدافي المعرفية والإبداعية الإنتاجية، فكما شهدنا في ديسمبر الحالي صدرت لي مجموعة قصصية بعنوان «عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي» وهي ثمرة قراءة 2023 لفن السرد القصصي، على مسارين متوازيين: قراءة السرد في أعمال أمير القصة العربية يوسف إدريس، وتجارب متفرقة من الأدب العربي والسعودي تحديداً.

رجاء البوعلي ( السعودي)

فاعتباراً ببحثي عن نموذج عربي يمثل القصة بمدلولاتها الثقافية كاملة، ولأني لم أكن بداية هذا العام راغبة في قراءة الأدب المترجم، جاءت البداية مع يوسف إدريس وأعماله الكاملة، الذي يظل يبهرك بسلاسة أسلوبه وملامسته معظم ملامح الحياة المصرية بقصص قصيرة لا تنتهي، تتغلغل في تفاصيل الإنسان بكل وجوهه، وتعكس أوجاعه الداخلية وصراعاته الخارجية.

ومن إدريس انتقلت إلى المكتبة العراقية لأقرأ إنعام كجه جي وعدنان الصائغ، وتعززت رغبتي لمواصلة قراءة التجارب الوطنية المعاصرة قراءة كاملة، لاستيعابها جملة واحدة، فوقفت على آخر إنتاج الروائية السعودية بدرية البشر، ومنه دخلت لتجارب روائية وطنية أخرى.

«أقمار ملاي ألميدا السبعة» للكاتب السيريلانكي شيهان كارتونتاكا

أما في القص؛ فقرأت متفرقات من القصة المصرية، ووقفت بتمعن على تجارب عبد الله السفر، فوزية العيوني، وعبد الله الوصالي ولا جدل أنني استرحت على شواطئ الشعر الرهيف لمحمد الثبيتي وفوزية أبو خالد وعبد الله السفر ومحمد الحرز وإبراهيم زولي وقاسم حداد من البحرين.

لا يخلو الطريق من القراءات الفكرية، التي تشعل الضوء كلما خفت وهج الحياة.


مقالات ذات صلة

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

كتب مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة...

«الشرق الأوسط» (الرباط)
ثقافة وفنون وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

بينما كانت أجراس فعاليات لندن الربيعية تعلن عن انطلاق أسبوع الفن في قلب مايفير، وفي ظل صخب شارع «نيو بوند ستريت» الذي لا يهدأ، هيأت دار «سوذبيز» العريقة...

فيء ناصر (لندن)
ثقافة وفنون نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي في بادية الشام

نصب ملكي لهشام بن عبد الملك من قصر الحير الغربي

يشكل النقش التصويري ركناً أساسياً من مكوّنات الفن الأموي المدني، وتشهد لذلك مجموعات من اللقى الأثرية، عُثر عليها بين أطلال منشآت عمرانية تتوزّع على صحاري...

محمود الزيباوي

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟
TT

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً وأكثرها حضوراً طوال القرن العشرين وما أعقبه. كان يريد، قبل كل شيء، أن يُثبِّت ما جرى، أن يُحصِّنه من النسيان الراضي ومن الإنكار القادم. لكن كتابه تجاوز وظيفة التوثيق، وطرح السؤال الذي لا يزال يُقلق الأدب والأخلاق معاً، ما الذي تستطيع الشهادة أن تفعله حين تعجز عنه الرواية؟ ومع صدور مذكرات الفرنسية جيزل بيليكو ضحية قضية «مازان» الشهيرة في فبراير (شباط) 2026، تحت العنوان الفرنسي «وبهجة العيش» (et la joie de vivre) وتجاوز مبيعاتها مائة ألف نسخة في أقل من ثلاثة أشهر مع ترجمتها إلى 22 لغة، وجد القراء أنفسهم مجدداً أمام هذا السؤال بكل حدته.

هذه المرأة التي صارت اسماً عالمياً بعد قضية «مازان» التي أدين فيها زوجها السابق مع 51 رجلاً بتهمة الاغتصاب الممنهج الذي امتد على مدى عقد كامل، لم تكتب لتُضيف ملحقاً إلى ملف قضائي مكتمل، بل لتُعيد طرح إشكال أعمق: كيف نكتب عن العنف دون أن نُحوِّله إلى فرجة، وكيف يمكن لشهادة الضحايا أن تصبح فعلاً سياسياً وأدبياً في آنٍ واحد.

وتُفصح مذكرات بيليكو، في صفحاتها الأولى، عن شيء أعمق من مجرد الرغبة في الكلام، إذ تكتب في بداية كتابها بالتعاون مع الإعلامية الكاتبة جوديت بيريغنون مايلي: «هذه الحكاية لم تعد ملكي وحدي. لقد أيقظت ألماً صامتاً عميقاً ضارباً في أعماق الزمن، وأثارت الذهول. كيف أفهم ما جرى لي؟ وما الذي أطلقته محنتي من بعدي؟ كان عليّ أن أمشي على حافة الهاوية، هاويتي أنا. كالمشاة على الحبل المشدود، لا بد لي من المضي قدماً. أريد بهذا الكتاب أن أضع كلمات على ما اجتزته. أن أقول إنني لم أعد أخشى الوحدة، وإنني استعدت بهجة العيش. أن أقول إنني ما زلت حية». ليس في هذه الكلمات مساحة للبكاء على الذات، ولا مطالبة بالشفقة. ثمة شيء آخر: إرادة استعادة حياة سُرقت، وإعلان رمزي في وجه من حاولوا طمس هذا الوجود. وهذه الإرادة تتجلى في الجملة التي صارت شعار الكتاب كله، التي رفعتها بيليكو في وجه أي قراءة تُختزلها في دور الضحية كاتبة: «لن يسرقوا حياتي مرة ثانية. أريد أن أنظر في عين الشمس دون أن أُطأطئ رأسي».

الكتاب لا يُخفي سرَّ قوته في الأحداث وحدها، بل في طريقة بنائها فجيزيل بيليكو لا تكتب مذكراتها بالترتيب الزمني، بل تُقيمها كما يُقيم المعمار جداره: طبقات من الصمت والتطبيع قبل أن يُسمَّى العنف، مما يجعل القارئ يسكن ببطء في ذلك الفضاء الخانق الذي عاشت فيه سنوات بدل أن يتلقاه جاهزاً من الخارج. إن ما يُميِّز أدب الشهادة عن السيرة الذاتية أو الرواية هو ما أسماه الناقد الفرنسي فيليب لوجون «الميثاق الرجعي» مع الواقع، أي ذلك العقد الضمني بين الكاتب والقارئ، الذي يقول ما معناه: ما تقرأه حدث، وأنا من عاشه... وأنت مسؤول الآن عما تعرف.

ولعل تاريخ الأدب حافل بشهادات غيَّرت مسارات الوعي الجمعي، فعلى الجانب الآخر من الأطلسي، أعادت مايا أنجيلو في «أعرف لماذا يُغنِّي الطائر في القفص» تعريف الهوية الأميركية من داخل الجرح، وفتحت أمام أجيال من الكاتبات أبواباً ظلَّت موصدة طويلاً. فقصيدتها السردية الصادرة عام 1969 لا تروي تجربة امرأة بمعزل عن سياقها، بل تنسج معاً جُرحَ التمييز العرقي والجنسي في أميركا إبان الخمسينات، لتُثبت أن الاعتداء الجنسي الذي تعرَّضت له في طفولتها لم يُبطِل صوتها بل أجَّله فقط.

وقد اكتسب الكتاب، بُعده الاستثنائي من حقيقة مؤلمة: أن أنجيلو فقدت النطق سنواتٍ كاملة في أعقاب الاعتداء ثم استردَّت لغتها عبر الأدب والكتابة فصارت مسيرتها استعارةً حيَّةً عن قدرة الكتابة الشهادية على ردِّ الصوت إلى من سُرق منهم. وفي الفضاء العربي، شكَّلت مذكرات نوال السعداوي نموذجاً فريداً لكاتبة تجرَّأت على رواية ما يُسكِت عنه الآخرون: جسد المرأة في مجتمع ذكوري.

أما في الفضاء الفرنسي تحديداً فقد أشعلت كاميل كوشنر بكتابها «لا فاميليا غراندي» (العائلة الكبيرة) عام 2021 حركة «ميتو لاغتصاب المحارم»، وفتحت نقاشاً تشريعياً حول إدراج الاعتداء الجنسي على الأطفال ضمن الجرائم غير القابلة للتقادم، وما يجعل هذا الكتاب استثنائياً أن صاحبته لا تروي عنفاً وقع عليها مباشرة، بل عنف شهدته وصمتت عنه سنوات طويلة، حتى تحوَّل الصمت نفسه إلى شكل من أشكال الاشتراك. لهذا فإن الكتاب يبدأ بإهداء قوي لأمها: «تذكَّري يا أمي: كنا أطفالك...» وجهتها إلى أمها التي رحلت وهي رافضة الاعتراف بجرائم زوجها، ولا تكتفي كوشنر بتوجيه خطابها إلى أمها وحدها، بل تُوجِّهه إلى كل دوائر السكوت المحيطة بها، تلك التي سمَّتها «العائلة الكبيرة» القائمة على التعقل الزائف والحرية المدَّعاة. وفي أكثر فقرات الكتاب توتراً وشفافية تكتب: «أين كنتم؟ وماذا كنتم تفعلون حين كنا نغرق أمام أعينكم؟ أنتم الذين أحببتهم كثيراً... ماذا فعلتم منذ أن علمتم؟».

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟

والسؤال الذي يطرحه هذا الجنس الأدبي على الكُتَّاب ليس فقط: ماذا أروي؟ بل: كيف أروي؟ وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى. فأدب الشهادة، حين يكون في أوجه، لا يتزيَّن أمام المأساة، بل يختار لغة مستقيمة، جافَّةً أحياناً، تنحاز إلى التحديد على حساب الإيحاء. وهذا ليس فقراً أسلوبياً، بل هو خيار أخلاقي صريح: أن تُوقف اللغة عن أداء نفسها لتُؤدِّي التجربة. وهو ما فعلته آني إيرنو في «السنوات» حين انتقلت من مذكرات الأنا إلى مذكرات جيل كامل رافضةً تحويل الألم الشخصي إلى زينة أدبية. وجيزيل بيليكو، في هذا السياق، تنتمي إلى الخط ذاته حين ترفض أن تطلب من قارئها الشفقة، مُؤثِرةً أن تُفرض عليه المسؤولية.

بيد أن ثمة توتراً مزمناً لا يمكن إغفاله، فحين تتحول الشاهدة (ضحية العنف) إلى رمز، حين يُحمِّلها الجمهور من الدلالات أكثر مما تحتمل يصبح الكتاب أسير التوقع الاجتماعي، فالمجتمع يريد امرأة قوية، كاملة الشجاعة وناجيةً لا تهتز، لكن هذا التوقع ذاته قد يصبح شكلاً جديداً من الضغط إذ يُحوِّل الضحية إلى نموذج مثالي ويُثقل كاهلها بآلام أوسع من حدودها الفردية. كما أن هذا الجنس الأدبي يفرض على وسائل الإعلام إعادة النظر في طريقة تناولها لقضايا العنف.

فحين يصبح الحدث مادةً استهلاكيةً تضيع التفاصيل الأهم: البنية الاجتماعية للعنف، وأثره الطويل على الجسد والذاكرة، والأسئلة القانونية والأخلاقية التي يثيرها. لكن مذكرات الضحايا بما تحمله من هدوء ومنظور ذاتي، تُعيد توجيه الانتباه من فضول المتلقي إلى مسؤولية المجتمع. وهذا ما فعلته شهادات إيفا توماس عن الاعتداء داخل الأسرة والتي صدرت تحت عنوان «كسر الصمت»، إضافة إلى مذكرات إيزابيل أوبري في «المرة الأولى كان عمري ست سنوات» التي نشرت في بداية حقبة الثمانينات ودفعت المشرِّعين الفرنسيين إلى التفكير في جرائم لم يكن القانون يرى وجودها أصلاً.

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة. فهو لا يُقدِّم عزاءً سهلاً ولا خاتمةً مطمئنة، بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ وهل الكلام، فعلاً، يُشفي كل شيء؟ منذ برونو ليفي حتى جيزيل بيليكو، يبقى الجواب مُوجِعاً ومُلزِماً في آنٍ واحد، فالشهادة لا تُغلق الجراح، لكنها تحول دون أن تُغلقها الذاكرةُ الانتهازية التي تميل دوماً إلى التسامح مع ما كان يجب ألا يكون.


فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة
TT

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية». في هذا الكتاب تختلط فتنة القراءة بفتنة الكتابة التي حرَّضت المؤلف على محاورة أعمال إبداعية وفكرية ونقدية وفلسفية أحبَّها، وأراد أن ينقل هذه المحبة إلى القارئ.

يضم الكتاب أكثر من أربعين فصلاً، تتفاوت طولاً وقصراً حسب ما تذهب إلى روح المحاورة، بين المؤلف والكتب موضع الحفاوة. وعلى غير العادة يبدأ الكتاب بمقدمتين، وإن شئنا الدقة بمقدمة في مديح الكتابة الجميلة، وتمهيد عن مهابة الكتابة، وأنها لو صدقت لكبحت هوس البعض بحمل لقب «روائي»، عبر ثرثرات تجد متحمسين لنشرها.

يعنى سعد القرش بالإشارة إلى ما تمتاز به الكتاب المختارة من نباهة تميز مؤلفيها. وعلى سبيل المثال يذهب فصل «حداثة ابن حزم» ـ وقد مرَّ ألف عام على كتابه الأشهر «طوق الحمامة» ـ إلى بصيرة ابن حزم وعبقريته، «وقدرة النص على التجدد، وعبور الأزمنة والجغرافيا والثقافات». لكنه لا يستعرض كتاباً حظي بدراسات غزيرة عبر أكثر من مائة عام، وإنما يتوقف أمام «الحداثة» المبكرة لهذا الإمام الأندلسي، وكان له فضل السبق إلى استعمال بعض الكلمات للمرة الأولى. كما ينبه إلى خلط المؤلفين والوعاظ، إلى اليوم، بين إبليس والشيطان. «الأول نسخة سماوية سبقت خلق آدم، والثاني نسخة صحبت آدم منذ الوسوسة الأرضية الأولى، إلى يوم يبعثون. وقلما يفرقون بين الاثنين... أما ابن حزم فقد وعى هذا الفرق، بقوله في (الطوق): إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين، فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد، وعذاب الخلد، وصيّر شيطاناً رجيماً، وأُبعد عن رفيع المكان».

يضيف سعد القرش: «سوف يمرُّ نحو ألف سنة، حتى يتوقف الباحث الأميركي ويتني س. بودمان أمام آيات قرآنية تفرق بين إبليس والشيطان، على خلاف ما استقر عليهم الفكر الإسلامي باعتبارهما شخصية واحدة. ففي كتاب (شعرية إبليس.. اللاهوت السردي في القرآن)، الذي ترجمه رفعت السيد علي، يرصد بودمان قصة إبليس الواردة في سبع سور قرآنية، وتبدأ بإبلاغ الله للملائكة بخلق بشر من طين. ثم يتوقف أمام ثنائية إبليس والشيطان، فالأول (شخصية شديدة التعقيد... لا يشير القرآن إلى إبليس على أنه ممثل للشر... على الإطلاق)، أما الشيطان فلم يكن (أبداً في القرآن مصدر قصة مثل قصة إبليس. لا يوجد مصدر يفكّ التباس العلاقة بين إبليس والشيطان). ويجد بودمان مخرجاً بالقول إن إبليس حينما طرد من الجنة، (أصبح بطريقة ما الشيطان). وفي القرآن اختفى أي ذكر لإبليس (في الحياة الدنيا للبشر)، ولكنه استمر في النصوص الإسلامية. أغلب الظن أن بودمان لم يقرأ (طوق الحمامة). كان ابن حزم سيجعله يتردد في استسهال إطلاق هذا التعميم».

ويلقي كتاب «فتنة القراءة» أضواء على أعمال منها: «تاريخ عِلم الأدب» للفلسطيني روحي الخالدي، «فكّاكون يهود وأسرى مسلمون في أوروبا في العصور الوسطى» للمستعرب الهولندي الراحل شورد فان كونينجسفيلد، و«الهولوكوست الليبي المنسي»، «مختارات من الشعر الإيراني» لمريم حيدري، «في مديح الشيخوخة» للخطيب الروماني شيشرون، سيرة جرَّاح القلب مجدي يعقوب. ومن الأعمال الإبداعية رواية «الشطرنج» لشتيفان تسفايج، «عاصفة الأوراق» الرواية الأولى لغارسيا ماركيز، «ثلاثية» النرويجي الفائز بجائزة نوبل يون فوسه. إضافة إلى قصص وروايات لمؤلفين منهم: الفلسطينية عدنية شبلي، الجزائريتان راضية تومي وإنعام بيوض، السوري الفارس الذهبي، العراقية إنعام كجه جي، الفرنسية آني إرنو، القطرية هدى النعيمي. ومن المصريين ألبير قصيري، أحمد الخميسي، اعتدال عثمان، سمير عبد الباقي، ميرال الطحاوي، محمد أبو قمر، بسمة عبد العزيز، أحمد المرسي.

في «فتنة القراءة» أيضاً فصول عن كتب نقدية وتاريخية وفلسفية لكل من: أحمد عبد الحليم عطية، خالد المطاوع، محمد الشحات، عفاف السيد زيدان، صلاح فضل، أحمد موسى بدوي، محسن عبد العزيز، ممدوح فرّاج النابي، فيروز كراوية، صلاح سالم، حنان عقيل، صدوق نور الدين، محمد عبلة، صفاء الليثي، نورا ناجي، عمرو دوارة، وزاهي حواس. ويقع الكتاب في 340 صفحة.

وكان المؤلف قد حاز «جائزة التميز» من اتحاد كتاب مصر عام 2025. وله سبع روايات: «حديث الجنود» (1996)، «باب السفينة»، «المايسترو»، «2067»، و«ثلاثية أوزير» (أول النهار، ليل أوزير، وشم وحيد). ونالت «أول النهار» المركز الأول لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي (الدورة الأولى 2011)، كما فازت «ليل أوزير» بجائزة اتحاد الكتاب (2009). وبلغت «2067» القائمة القصيرة لجائزة غسان كنفاني للرواية (2024).

ومن كتبه الأخرى: «مصر التي...»، «الثورة الآن»، «في مديح الكتابة»، «فتنة الأطياف»، «شاعر الدنيا الحديثة... نجيب محفوظ من الموهبة إلى العبقرية»، «سبع سماوات» الفائز بجائزة ابن بطوطة (2009).


نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19
TT

نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة التي تنتمي إلى القرن الـ19، وتكشف عن حضور مبكر لأسئلة الإصلاح ووحدة العالم الإسلامي في الفكر المغربي.

وجاء في تقديمه: «هذا الكتاب لا يكتسب قيمته من كونه مخطوطاً تراثياً فحسب، بل من كونه أيضاً وثيقة فكرية تعبّر عن وعي تاريخي وسياسي تشكّل في مرحلة دقيقة من تاريخ الأمة.

ويُنسب هذا النص إلى إبراهيم بن إدريس السنوسي، وهو من أبناء الأسرة السنوسية المعروفة في فاس، وقد تكوّن في بيئة علمية، ثم اتصل بالمشرق وأقام في تونس ومصر، بما أتاح له الاحتكاك بمحيط فكري وسياسي أوسع من المجال المحلي. وهذا الامتداد في التكوين والتجربة يفسّر الأفق الرحب الذي يتحرك فيه الكتاب؛ إذ لا يقتصر على معالجة شأن جزئي أو قضية وعظية محدودة، بل ينخرط في سؤال كبير يتعلق باجتماع المسلمين، وأسباب قوتهم، ومخاطر التفرق عليهم.

ومن هذه الزاوية، «يبدو (النور اللامع...) نصّاً يتجاوز طابعه المخطوط إلى كونه مساهمةً فكريةً في النقاش الإصلاحي الذي عرفه القرن التاسع عشر».

فالمؤلف يجعل من فكرة «الأصل الجامع» محوراً مركزياً في كتابه، «أي ذلك الأساس الذي ينبغي أن تلتئم حوله الأمة، وأن تُردّ إليه الفروع المتفرقة، حتى لا يتحول الاختلاف إلى سبب للضعف والانقسام. وهي فكرة تمنح النص بعداً وحدوياً واضحاً، وتجعله قريباً من الأفق الذي عُرف لاحقاً بفكرة (الجامعة الإسلامية)».

والكتاب وُجّه إلى السلطان الحسن الأول، «وهو لا يكتفي بالدعوة الأخلاقية العامة، بل يقدّم تصوراً مترابطاً يربط بين الإصلاح ووحدة الكلمة وانتظام الشأن العام.

فالوحدة هنا ليست شعاراً عاطفياً، وإنما أصل من الأصول التي تتوقف عليها مصالح الأمة الكبرى، في نظر المؤلف، وهو ما يمنح النص بعداً سياسياً وحضارياً يتجاوز حدود الوعظ والتذكير». جاء الكتاب في مقدمة وبابين وخاتمة، وهو ترتيب يكشف عن وعي منهجي واضح في العرض والتأليف؛ إذ يبدأ المؤلف بتأصيل الفكرة وبيان مشروعيتها، ثم ينتقل إلى عرض الأدلة والمعاني التي تسندها، قبل أن يختم بالنتائج العملية المترتبة على الاجتماع والوحدة، في مقابل ما يخلّفه التفرق من أضرار.

وهذا التماسك في البناء يدل على أن النص كُتب بوصفه رسالةً فكريةً مقصودة، لا خواطر متناثرة أو مواعظ متفرقة.