انطلاق معرض «نقطة لقاء» لدعم ممارسات النشر المستقلة

انطلاق معرض «نقطة لقاء» لدعم ممارسات النشر المستقلة
TT

انطلاق معرض «نقطة لقاء» لدعم ممارسات النشر المستقلة

انطلاق معرض «نقطة لقاء» لدعم ممارسات النشر المستقلة

تنطلق غداً فعاليات الدورة السادسة من معرض الكتاب الفني السنوي «نقطة لقاء»، الذي تنظمه مؤسسة الشارقة للفنون خلال الفترة من 24 إلى 26 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري في بيت عبيد الشامسي التراثي في ساحة الفنون.

يسعى «نقطة لقاء» لدعم ممارسات النشر المستقلة في المنطقة والعالم، وتقديم تجارب نوعية تشمل المطبوعات الفنية وإنتاجات الناشرين المستقلين والمشاريع الثقافية غير الربحية، إلى جانب أعمال الفنانين والمؤسسات، التي تُعرض ضمن ثلاثة أقسام: دولي، ومختارات، ومحلي.

ويستقطب قسم «دولي» دور نشر فنية ومستقلة من جميع أنحاء العالم لعرض وتوزيع كتبها خلال المعرض. أما قسم «مختارات» فيقدم مجموعة من الدوريات والمجلات والكتب الفنية والكوميك وكتب الاهتمامات الخاصة التي لا توزعها المكتبات المحلية. فيما يضمّ قسم «محلي» كتباً من إنتاج مجتمع الفنون المحلي من مؤسسات فنية وثقافية وغاليريهات ودور نشر وهيئات ثقافية حكومية غير ربحية، بالإضافة إلى مجموعة من المطبوعات والتصاوير والمجلات الفنية ومجلات الكوميك والصور الفوتوغرافية والقرطاسية ومطبوعات الشاشة التي أنتجها فنانون مستقلون.

ويتضمن برنامج هذه الدورة مجموعة واسعة من الورش التفاعلية المصمَّمة لجميع الأعمار التي تقدم مقاربات تجريبية في فن صناعة الكتب، وأساليب تجليدها، وتزيينها، وتصميم أغلفتها، وصناعة مفكرة مصورة شخصية وجلسات قراءة. بالإضافة إلى ذلك يحتضن البرنامج مصادر إبداعية متصلة بفلسطين ورمزية النضالات التحرّرية العالمية، إلى جانب محطة طباعة ريزو بالتعاون مع استوديو «فكرة» للتصميم، ومجموعة من روايات الغرافيك والمانغا من مكتبة «كينوكونيا».

كما يصدر خلال المعرض كتابان جديدان عن مؤسسة الشارقة للفنون، الأول بعنوان «بيت الحرمة» ويقدم قصصاً خيالية حول بيت الحرمة اعتماداً على سلسلة من ورش الكتابة المستوحاة من هذا البيت التراثي المشيّد بالشعاب المرجانية في حي المريجة بالشارقة. أما الآخَر فيحمل عنوان «كورنيش» وهو امتداد لسلسة من النسخ السابقة، ويتضمن سرديات وقصص كوميك لفنانين مقيمين في منطقة الخليج، يشاركون إبداعاتهم التي تتناول التراث والخيال العلمي والفانتازيا والميتافيزيقا والأحلام والأساطير.

يشار إلى أن مؤسسة الشارقة للفنون تستقطب طيفاً واسعاً من الفنون المعاصرة والبرامج الثقافية، لتفعيل الحراك الفني في المجتمع المحلي في الشارقة، والإمارات العربية المتحدة، والمنطقة. وتسعى إلى تحفيز الطاقات الإبداعية، وإنتاج الفنون البصرية المغايرة والمأخوذة بهاجس البحث والتجريب والتفرد، وفتح أبواب الحوار مع جميع الهويّات الثقافية والحضارية، بما يعكس ثراء البيئة المحلية وتعدديتها الثقافية. وتضم مؤسسة الشارقة للفنون مجموعة من المبادرات والبرامج الأساسية مثل «بينالي الشارقة» و«لقاء مارس»، وبرنامج «الفنان المقيم»، و«البرنامج التعليمي»، و«برنامج الإنتاج» والمعارض والبحوث والإصدارات، بالإضافة إلى مجموعة من المقتنيات المتنامية. كما تركّز البرامج العامة والتعليمية للمؤسسة على ترسيخ الدّور الأساسي الذي تلعبه الفنون في حياة المجتمع، وذلك من خلال تعزيز التعليم العام والنهج التفاعلي للفن.


مقالات ذات صلة

احتفاليات بمئوية «ملوك العرب» لأمين الريحاني

كتب أمين الريحاني

احتفاليات بمئوية «ملوك العرب» لأمين الريحاني

من المصادفات اللطيفة أن يُحتفل هذه الأيام بمئوية كتابين على قدر كبير من الأهمية، «النبي» لجبران خليل جبران، و«ملوك العرب» لأمين الريحاني.

سوسن الأبطح (بيروت )
كتب إمبراطورية تكاد تأكل نفسها

إمبراطورية تكاد تأكل نفسها

أنا من محبّي القراءة الثانية للكتب. ونادراً ما أشعر بأن القراءة الثانية هي «ثانية» بحقّ، فدائماً ما أكتشف أشياء في الكتاب أحسبها جديدة رغم أني مررت عليها من…

مصعب الحمادي
كتب كتب ومقالات صائب سلام (1954 - 1990)

كتب ومقالات صائب سلام (1954 - 1990)

صدر حديثًا كتاب «كلمات ومواقف 1954 - 1990» لرئيس الحكومة اللبنانية الراحل صائب سلام عن دار هاشيت أنطوان/ نوفل.

«الشرق الأوسط» (بيروت )
ثقافة وفنون خلال افتتاح «المهرجان اللبناني للكتاب» سنة 2020 بحضور وزير التربية اللبناني آنذاك طارق مجذوب (في الوسط إلى اليمين)... في بلدة أنطلياس بلبنان (الحركة الثقافية - أنطلياس)

«المهرجان اللبناني للكتاب» ينطلق الخميس متحدياً الأزمة المالية ومخاطر تمدّد الحرب

ينطلق «المهرجان اللبناني للكتاب»، في دورته اﻟ41، الخميس المقبل، 29 فبراير (شباط) 2024، في بلدة أنطلياس اللبنانية، متحدياً الأزمة المالية ومخاطر تمدّد الحرب.

شادي عبد الساتر (بيروت)
كتب معرض مسقط يختار الذكاء الاصطناعي ثيمة له... وفلسطين حاضرة

معرض مسقط يختار الذكاء الاصطناعي ثيمة له... وفلسطين حاضرة

انطلق يوم أمس الأربعاء فعاليات الدورة الـ28 لمعرض مسقط الدولي للكتاب

«الشرق الأوسط» (مسقط )

احتفاليات بمئوية «ملوك العرب» لأمين الريحاني

أمين الريحاني
أمين الريحاني
TT

احتفاليات بمئوية «ملوك العرب» لأمين الريحاني

أمين الريحاني
أمين الريحاني

من المصادفات اللطيفة أن يُحتفل هذه الأيام بمئوية كتابين على قدر كبير من الأهمية، «النبي» لجبران خليل جبران، و«ملوك العرب» لأمين الريحاني. الكتابان للبنانيين مهجريين أقاما في الولايات المتحدة الأميركية، لكن قلبيهما بقيا معلقين في الوطن. كل منهما سعى من جهته في اتجاه مختلف عن الآخر، وتعلم العربية متأخراً، وكتب فيها ونبغ، كما فعل بالإنجليزية. ولكل منهما بعد رحيله متحف في لبنان، ورصيد كبير في أميركا، ومحبون في العالم.

وإذا كان جبران قد نحا صوب الرومانسية والرسم والكتابة عن الإنسانية بمعناها المجرد، فإن أمين الريحاني كان رحّالة على طريقته، يبحث عن المعلومة في أرضها، ويسعى للقاء أصحاب الفكر والمعرفة والسلطة، علّه عبرهم يستطيع تحقيق حلمه الكبير بـ«الولايات العربية المتحدة». وإذا كانت احتفاليات جبران تتوالى منذ أشهر، وقد انطلقت من مبنى الأمم المتحدة في نيويورك، في أبريل (نيسان) الماضي، بمعرض يحوي 30 قطعة من محفوظات متحفه في بلدته بشري، ولا تزال الأنشطة حول «النبي» متواصلة، فإن «مؤسسة أمين الريحاني» في الولايات المتحدة بالتعاون مع «متحف أمين الريحاني» في لبنان، أعلنا بدورهما عن جملة من الفعاليات والإصدارات التي ستتوالى على مدار العام باللغتين العربية والإنجليزية تسلط الضوء من جديد على القيمة الأدبية والفكرية لصاحب «ملوك العرب». ومؤلفات «فيلسوف الفريكة» تستحق القراءة، وإعادة القراءة؛ لما تحمله من كنوز تاريخية، واجتماعية، سجلت بأسلوب أدبي سلسل وممتع. فالوفاءُ لصاحب «ملوك العرب» واجب، وهو الذي أهدى كتابه هذا «للناشئة العربية الناهضة في كل مكان»؛ أملاً في أن يكون معيناً في اليقظة والازدهار.

ملوك العرب في إحدى نسخه الجديدة

برنامج احتفالية لسنتين

على رأس الإصدارات المزمع نشرها للريحاني، احتفاءً بالمناسبة، طبعة تذكارية لـ«ملوك العرب»، تصدر الشهر المقبل، مارس (آذار) عن «مكتبة لبنان ناشرون». وتتضمن ما ذكرته الصحافة الغربية حول الكتاب مقارنة مع عدد من المستشرقين أمثال داوتي وفيلبي وغِب، إضافة إلى ما ذكرته «نيويورك تايمز» و«لندن تايمز» و«لو تان» في باريس وسواها من الصحافة العالميّة.

وسيتم نشر كتاب توثيقي ونقدي يُجيب عن الكثير من الأسئلة حول رحلة الرَيحاني إلى العالم العربي التي مهّدَت لتأليف كتابه «سفر الملوك». كما سيصدر كتاب حول «ملوك العرب»، وثائق ومستندات وأبحاث، عن «دار النهار»، مطلع شهر أبريل المقبل.

وبهذه المناسبة يصدر كتاب «فيلسوف الفريكة صاحب المدينة العُظمى»، The Philosopher of Freike, Author of the Greater City a biography. وهو سيرة ثقافيّة موسّعة بقلم أمين ألبرت الريحاني تُنقَل إلى الإنجليزيّة، ترجمة وتقديم الدكتور جورج نقولا الحاج، وتحرير الدكتورة ماري آن دِيلفتشيو. كما ستصدر العام المقبل رسائل مختارة للريحاني (1896 - 1940)، باللغة الإنجليزية من تحقيق الشاعرة مي الريحاني مع تمهيد المحققة، وتقديم البروفسور روجر ألِن. ومن أبرز الشخصيات التي راسلها الريحاني: الرئيس ثيودور روزفلت، وزوجته إلينور روزفلت، الكونت فون مولِنِن المستشرق الألماني من سويسرا، روبرت لانسينغ وزير الخارجيّة الأميركي، رنيه جيل الشاعر الفرنسي، رالف غريفز رئيس تحرير «نيويورك تايمز»، هاملتون غِب أستاذ الدراسات الشرق أوسطيّة في هارفارد، لويس ماسينيون المستشرق الفرنسي، آرنولد توينبي المؤرخ البريطاني، وآخرون.

وقريباً تصبح كتب أمين الريحاني كافة بصيغة PDF، وبتصرف الباحثين.

وصّاف بأسلوب سينمائي

بالعودة إلى «ملوك العرب»، فقد سجل فيه أمين الريحاني تفاصيل رحلته إلى جزيرة العرب ولقاءاته بشخصياتها. يتحدث عن لقائه بالشريف حسين بن علي، الإمام يحيى بن حميد الدين ملك اليمن، الإدريسي حاكم عسير، والشيخ خزعل الكعبي. وكذلك نجد تفاصيل زياراته إلى الملك عبد العزيز آل سعود، وأحمد الجابر الصباح أمير الكويت، وآل خليفة أمراء البحرين، والملك فيصل بن الحسين في العراق. خلاصة رحلة في ربوع الجزيرة العربية استمرت لعامين 1922 - 1924.

زودنا الريحاني بتفاصيل شيقة بأسلوب يكاد يكون سينمائياً لجمالية الوصف وحيويته. أنظر إليه يصف الملك عبد العزيز بن سعود بأنه «طويل القامة، مفتول الساعد، شديد العصب، متناسِق الأعضاء، أسمر اللون، أسود الشعر، ذو لحية خفيفة». ويضيف: «له من السنين سبعٌ وأربعون، وله في التاريخ - تاريخ نجد الحديث - مجدٌ إذا قيس بالأعوام تجاوَز السبع والأربعين والمائة. يلبس في الصيف أثواباً من الكتان بيضاء، وفي الشتاء (قنابيز) من الجوخ تحت عباءة بنية. وهو ينتعل، ويتطيب، ويحمل عصا من الشوحط، طويلة يستعين بها على الإفصاح عن آرائه - على تشكيل كلماته، إذا صحت الاستعارة، وتمكينها. إن له في الحديث غيرها من الأعوان. له أنامل طويلة لدنة يشير بها في مواقف البلاغة، وله عينان عسليتان تُنِيران أماكنَ العطف واللطف ساعةَ الرضا، وتضرمان في كلامه ساعةَ الغيظ نارَ الغضا، وله فم هو كورق الورد في الحالة الأولى، وفي الحالة الثانية كالحديد، يتقلَّص فيشتد، فهو إذ ذاك كالنصل حدّاً ومضاءً».

مقدمة مليئة بالاعترافات

وكتب مقدمة للكتاب يشرح فيها سبب اهتمامه بالمنطقة العربية وإصراره على زيارتها. «كان قصدي الأول عندما سافرت من نيويورك أن أسيح في الحجاز واليمن ونجد، لعلمي أن في هذه الأقطار الثلاثة تجتمع العرب كافة، ففي اليمن قحطان، وفي الحجاز ونجد فرعا عدنان؛ أيْ مُضَر وربيعة». ويستدرك: «لكن المشاهَدات الأولى غيَّرت من قصدي، فشذَّبت ونقَّحت فيه، حتى أصبح يشتمل على جميع شبه الجزيرة».

ترك الريحاني لبنان وهو في الثانية عشرة، وكان قد تتلمذ على حب فرنسا وإكبارها، أكثر مما تعلم حبّ العرب ومعرفة فضائلهم. لا، بل يروي أن والدته كانت تخيفه بالأعرابي أو البدوي؛ مما ترك لديه انطباعاً سيئاً. «هجرت وطني وفي صدري الخوف ممَّن أتكلم لغتهم، والبغض لمن في عروقي شيء من دمهم. والبغض والخوف هما توأما الجهل».

لكنه وهو يقرأ كتب المستشرقين والمؤلفين الأجانب في أميركا، تعجّب كيف لهؤلاء أن يعرفوا أكثر منه عن منطقته وأبناء جلدته. ومن خلال الكاتب الإنجليزي توماس كارليل «تعرفت على سيد العرب الأكبر، النبي محمداً فأحسست لأول مرة بشيء من الحب للعرب، وصرت أميل إلى الاستزادة من أخبارهم».

ماذا في نيويورك غير البلاء؟

وتساءل الريحاني، كيف أن «هؤلاء الأجانب يسيحون في بلاد كانت قديماً ولا شك بلادَ أجدادي، ويخاطرون بأنفسهم فيها حبّاً بالعلم، فيكشفون منه المخبأ، ويجلون المصدأ، ويقرِّبون البعيد، ويغربون في اللذيذ المفيد. وأنا في نيويورك كئيب يحمل كتاباً، ويَطرق للمحرر الأميركي المتغطرس باباً. أديب شعره طويل، وصدره عليل، يسرف من ذهب الحياة في تسويد المقالات... وأي عبودية أشد من عبودية الآلة الكاتبة وأخبث. طلَّقتُها ثلاثاً، وعدت إلى بلادي أعدُّ العدَّة لرحلة تبعدني عنها، وعن الكتب والمجلات، والأدباء والأديبات».

ما من شك في أن إحساس الريحاني بشرقيته، وبأن لمّ شمّل العروبة، على غرار ما شاهده من قومية في أميركا، كان مما يمكن أن يغير وجه المنطقة في وقت بدأت فيه فكرة القومية تتبلور مع نهاية المرحلة العثمانية. فالفكرة العربية في ذهنه كانت واضحة، وأدواتها، جلية وصفها في كتابه وتحدث عنها، وضرب الأمثلة، وعرض المعوقات التي أهمها العصبيات والانقسامات، وقد صدق حدسه.

الريحاني الذي كتب تكراراً عن أنفته من القيم المادية الغربية والمطامع، مطالباً بالترفع والروحانية والعودة إلى دفء العائلة، أصبح في مهجره الأميركي يحلم بـ«الشعر والنبوءة والدهناء، والواحات في بحار من الرمل، والنخيل في الواحات يهمس في أغصانها النسيم، وتهزُّ جذوعها السموم، وصوت الساقية وهي تغني للأرض المنعمة في ظلال النخيل». وهو يتساءل: «ماذا في نيويورك غير الضوضاء والعناء والبلاء؟».

سيتم نشر كتاب توثيقي ونقدي يُجيب عن الكثير من الأسئلة حول رحلة الرَيحاني إلى العالم العربي التي مهّدَت لتأليف كتابه «سفر الملوك»

دعوة إلى منزل فيلسوف الفريكة

بالفعل كانت الرحلة مثمرة، أراد أن يصحبنا في سياحة «إلى شعب كريم» و«أمة حرة»، وأن يقرّب بين أهل بلاد الشام وإخوانهم في الجزيرة، وأن يكسر الروح الأجنبية التي بثّت قصداً لتبعد الطرفين عن بعضهما بعضاً. «تعالوا سيحوا معي، عودوا إلى ما أبعدكم عنه التفرنج والتأمرك، إلى حقائق أنستنا إياها الأيام والغربة، إلى حقائق يجهلها كثيرون حتى من العرب أنفسهم، وإلى حقائق ننقلها من علماء الإفرنج ملتوية ومشوهة».

«ملوك العرب»، هذه «التحفة الأدبية» كما أطلق عليه مارون عبود، سيكون محور مؤتمر يقام في بيروت، في 15 أبريل المقبل، ينظّمّه بمناسبة المئوية مركز التراث اللبناني في «الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة». وخلال العامين المقبلين، ستتم ترجمة الكتاب إلى مختلف اللغات الأوروبية، كما كتب أخرى لأمين الريحاني؛ ما يسهّل على الأوروبيين فهم منطقتنا وتاريخنا. أما يوم صدور الكتاب في طبعته الأولى أي في 30 أكتوبر (تشرين الأول) 1924، ففي هذا اليوم تفتح وبعد مئة سنة، أبواب متحف أمين الريحاني في بلدته الفريكة الذي هو جزء من بيته، للزوار وعشاق أدبه من العاشرة صباحاً إلى الخامسة بعد الظهر. وجدير بالذكر، أنه أمام هذا المتحف كان أمين الريحاني قد جهّز مجلساً في الهواء الطلق تحضيراً لزيارة الملك عبد العزيز التي لم تتم.


إمبراطورية تكاد تأكل نفسها

إمبراطورية تكاد تأكل نفسها
TT

إمبراطورية تكاد تأكل نفسها

إمبراطورية تكاد تأكل نفسها

أنا من محبّي القراءة الثانية للكتب. ونادراً ما أشعر بأن القراءة الثانية هي «ثانية» بحقّ، فدائماً ما أكتشف أشياء في الكتاب أحسبها جديدة رغم أني مررت عليها من قبل. كما أن المُتعة والبصيرة اللتين نتحصل عليهما من الكتب المهمة نادراً ما تأتيان من أول قراءة. وهكذا لم أتردد بقراءة كتاب «الإمبراطورية الجديدة: تغاير المفاهيم واختلاف الحقوق» للباحث السوري عمر كوش في طبعته الجديدة بعد مضي أكثر من عشرين سنة على طبعته الأولى.

يناقش الكتاب مفاهيم وتحولات كانت مثيرة بالفعل ومحلّ أخذ وردّ مطلع الألفية، لكنها قد لا تروق اليوم إلا للمختصّين والمولعين بالمتابعات السياسية الحثيثة. إذ ليس من جديد في قول الباحث إن الرأسمالية العالمية مهّدت لترسيخ «إمبراطورية جديدة» تتمثل بالولايات المتحدة الأميركية، وإن القرن العشرين كان «قرناً أميركياً بامتياز»، (مع أنه لم يكن كذلك في نصفه الأول!).

وليس من محدثات الأمور أن يخبرنا كوش في كتابه عن اختلاف «النظام الإمبراطوري» الجديد عن الإمبراطوريات القديمة، ومع ذلك يقول كوش إنه احتاج إلى الاستناد لحقول معرفية كثيرة في سبيل تشريح هذه الظاهرة الإمبراطورية غير المسبوقة، من بينها الفلسفة والتاريخ والاقتصاد والسياسة والأنثروبولوجيا، كل ذلك من أجل تقديم إطار نظري للمفاهيم التي ترافق مصطلح «الإمبراطورية الجديدة».

يقسّم الباحث كتابه إلى 3 أقسام، يلتزم في القسم الأول منها بأطروحته «الإمبراطورية» ويمضي فيها إلى نهايتها تقريباً. يشرح لنا أهداف النظام الإمبراطوري الرامي إلى «التحكم بمصائر البشر والأسواق»، ص 16، والتدخل في القرارات السيادية للدول والترويج لمفاهيم ملتوية من قبيل «الحرب العادلة،» و«الإرهاب الدولي»، وغيرهما من المصطلحات التي لا تخدم إلا مجاميع عسكرية ومالية أميركية تهيمن على «القرار الإمبراطوري الأميركي»، حسب تعبير الباحث.

ويقول كوش، على نحوٍ مبهم، إن حياة البشر صارت متأثرة «بالعالم الإمبراطوري، من خلال ممارسات الشركات فوق القومية، والتجارة العالمية، وتدفق الرساميل المصرفية، ووسائل الإعلام الدولية»، ص 37. ويسهب بالحديث عن دور التلفزيون في عالم الإمبراطورية وتأسيس «مجتمع المشهد الإمبراطوري»، مستنداً إلى أطروحات جان بودريار التي صارت عتيقة بما يكفي، إذ مَن يشاهد التلفزيون اليوم؟

إلى ذلك، فقد أحسن الباحث في توظيف أدوات نعوم تشومسكي عندما تطرّق إلى موضوع التحكم بالعقول، وتوجيه الرأي العام أو «صناعة الإجماع»، بلغة تشومسكي، فهذه أمور لا تزال قائمة رغم التحولات الأخيرة من التلفزيون إلى الجوال، ومن الإنترنت إلى التواصل الاجتماعي، لكن كوش يذهب بعيداً بما يجعل الإيغال بالقراءة بمثابة الخروج عن نص واقعنا الراهن، خصوصاً عندما يستعين بمشرحة جاك دريدا ومقولاته الغامضة من قبيل «العقل التلفزيوني!» (هل بقي اليوم مَن يأخذ جاك دريدا على محمل الجدّ؟).

حياة البشر صارت متأثرة «بالعالم الإمبراطوري من خلال ممارسات الشركات فوق القومية والتجارة العالمية وتدفق الرساميل المصرفية ووسائل الإعلام الدولية»

يلتزم الباحث في القسم الثاني من كتابه بخطته في كشف التحايل الإمبراطوري في اللعب على المفاهيم وخلق صورة مزيفة أو ميتافيزيقية للواقع، تتجسد في صناعة العدو المتخيل، ومن ثم شنّ الحروب «المقدسة»، خصوصاً حربَي العراق وأفغانستان مطلع القرن. لكن القسم الثالث من الكتاب ينحو بعيداً عن الموضوع في استطراد يحرمنا من الاستماع للخلاصات النهائية للكاتب. الفصل الثالث من القسم الثالث (وهو آخر فصل في الكتاب) يستغرق وحده أكثر من 50 صفحة (نحو رُبع الكتاب) يبسط لنا فيها الباحث ظواهر ثقافية تخلقها الإمبراطورية من قبيل «خطاب النهايات»؛ نهاية التاريخ، ونهاية المثقف، ونهاية الفلسفة... إلخ، ودور كل ذلك في «بسط الهيمنة الإمبراطورية على العالم»، ثم لا يلبث أن يتحول موضوع الحديث إلى الشرق والغرب، والمجتمع المدني، والدولة العربية الحديثة، و«الإقليم السوري»، وربيع دمشق، وصولاً إلى اختتام الكتاب بالدعوة إلى «مأدبة سوريّة، يحايثها الحوار والصداقة، ويجتمع حولها الجميع كي يكونوا قادرين على التفكير بشكل مختلف»، ص 186. وهكذا يشعر القارئ بأنه تلقى دفعةً من الخلف طردته خارج الكتاب، أو يخال أن الكتاب نفسه انشطر فجأة ولم تعد خاتمته موجودة.

ولكن كما قلت في البداية، هناك فوائد كثيرة من القراءة الثانية لكتابٍ مهم، حتى وإن كان الزمن قد فات على بعض أطروحاته، وأهم تلك الفوائد اتخاذ الكتاب المعنيّ مقياساً لمدى تبدّل الأحوال، وسرعة التغيير الذي يحصل أمام أعيننا دون أن نعيه أحياناً. ويمكن اعتبار كتاب «الإمبراطورية الجديدة» لكوش مثالاً جيداً على ذلك النوع من الكتب، فهو يحدثنا عن «الإمبراطورية الأميركية» في وقتٍ لم يعد حتى عقلنا الباطن يتقبل هذه الفكرة. إذ سرعان ما سنستحضر في أذهاننا مشاهد الانسحاب «الإمبراطوري» المخزي من أفغانستان، وهجمات الميليشيات العراقية على القواعد الأميركية في العراق وسوريا والأردن.

كما ستحضر على الصعيد الدولي قصة صعود الصين، ونمو تكنولوجيا السلاح الروسي بما بات يشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي باعتراف الكونغرس نفسه. ويوماً عن يوم يزيد عدد الدول التي باتت لا تقيم وزناً للهيبة الأميركية، من إيران إلى جنوب أفريقيا، ووصولاً للبرازيل. فالعالم يتغير وموازين القوى تتبدل. بل حتى من داخل «الإمبراطورية» ستقفز أمام أعيننا محاكمات رئيسها السابق ترمب بتهم الاغتصاب والاحتيال الضريبي، والاستقطاب الحاد بين الجمهوريين والديمقراطيين، مع حالة اختناق واضحة يجسّدها غياب الطريق الثالث بالنسبة للمواطن الأميركي. إنها إمبراطورية تكاد تأكل نفسها.

* كاتب سوري


كتب ومقالات صائب سلام (1954 - 1990)

كتب ومقالات صائب سلام (1954 - 1990)
TT

كتب ومقالات صائب سلام (1954 - 1990)

كتب ومقالات صائب سلام (1954 - 1990)

صدر حديثًا كتاب «كلمات ومواقف 1954 - 1990» لرئيس الحكومة اللبنانية الراحل صائب سلام عن دار هاشيت أنطوان/ نوفل.

وجاء في مقدمة الكتاب:

يحوي كتاب «كلمات ومواقف» خطباً ومحاضرات ألقاها رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام، في مناسبات سياسيّة ووطنيّة بين عامي 1954 و1990، وفيها يناقش أفكاره وآراءه حول أحداث لبنانية وعربية. هذا الكتاب الوثائقي الذي جُمع محتواه من أرشيف «الجامعة الأميركيّة في بيروت» ومن محفوظات الرئيس سلام الخاصّة، يقدّم لمحة وافية وشاملة عن مواقفه الأساسية في قضايا عدّة، ويظهر بشكل أساسي توجّهاته السياسية طوال حياته، أبرزها توجّهه الوطني والعروبي عبر مواقفه من الصراع العربي – الإسرائيلي، ودعمه للمقاومة الفلسطينية. هناك أيضاً محطّات من رؤيته لبناء الدولة اللبنانية، لكونه أحد الذين ساهموا في عمليّة بناء لبنان الحديث، عبر مشاركته في الجلسة النيابية لنزع المواد الانتدابيّة من الدستور، وفي رسم العلم اللبناني الجديد. ومنذ الخمسينات، دعا إلى بناء دولة حديثة ومتطوّرة في كلّ المجالات، إلى جانب الدعوة إلى وضع دستور حديث يقوم على إلغاء الطائفيّة. من هنا تكتسب هذه «الكلمات والمواقف» أهميّتها، لكونها وثيقة مهمّة لمحطّات من تاريخ لبنان الحديث وتحوّلاته، خصوصاً الحرب الأهليّة اللبنانية التي كان سلام قد حذّر منها منذ الخمسينات.

كذلك، تقدّم «الكلمات» الرؤية العروبية لهذا الزعيم الوطني الذي لم يتعامل مع لبنان إلا كجزء من محيطه العربي والإسلامي. وفي هذا السياق، تأتي أيضاً خطاباته وكلماته «المقاصديّة»، أي تلك المتحورة حول جمعية المقاصد الخيرية الإسلاميّة في بيروت التي ترأّس مجلس أمنائها بين عامي 1958 و1982، إذ أدرك أن «المقاصد» كانت الفرصة الأساسية المتاحة لنهوض المجتمع اللبناني الإسلامي، خصوصاً من خلال تحديث العمل التربوي للجمعيّة.

ولد صائب سلام في بيروت عام 1905، وتوفي فيها سنة 2000. نائب لبناني، ورئيس وزراء لبنان لسنوات خلال الخمسينات والستينات وبداية السبعينات. يعدّ أحد الزعماء اللبنانيين الذين ساهموا في بناء أسس الدولة اللبنانية. عاصر أبرز التحوّلات السياسية الوطنية في القرن الماضي، وشارك في «مؤتمري جنيف ولوزان» و«مؤتمر الطائف» كما شكّل «جبهة الاتحاد الوطني» المعارضة التي أدّت إلى ثورة 1958. أسّس «شركة طيران الشرق الأوسط» في الأربعينات، وأطلق «شركة الزيوت والدهون»، وأطلق «اتحاد المؤسسات التربوية الإسلامية»، وشارك في تأسيس «الندوة اللبنانية»، كما شغل مناصب عدّة منها رئيس «شركة الضمان العربية»، ورئيس جمعيّة «المقاصد» في بيروت.


أفعالٌ صغيرة تصنعُ تواريخ كبيرة

براين كلاس
براين كلاس
TT

أفعالٌ صغيرة تصنعُ تواريخ كبيرة

براين كلاس
براين كلاس

كثيراً ما نميلُ إلى التفكّر الحثيث في تاريخنا البشري والطبيعي، ووضعه موضع الاستنطاق والمساءلة. يبدو أنّ المساءلة الشائعة لهذه التواريخ ستجعلنا ننتهي إلى ما يمكن تسميتها «سرديات كبرى (Grand Narratives)»: عصر التنوير والإصلاح الديني الأوروبي، ونشوء الحربين العالميتين الأولى والثانية، مثلاً، يمثلان سردية كبرى في تاريخنا البشري، مثلما أنّ نشوء الإنسان العاقل (Homo Sapiens) يمثل سردية كبرى في تاريخنا الطبيعي، وانبثاق الحضارة الصناعية بأطوارها المختلفة (بخارية، وكهرباء، ومحرك الاحتراق الداخلي...) يمثل سردية كبرى في تاريخنا التقني. تتشارك هذه السرديات الكبرى في خصائص مميزة: إنها أفعال كبيرة، حتمية محكومة بسلسلة سببية خطية صارمة؛ عقلانية. لعلّ مواريث عصر النهضة الأوروبية (الثورة الفيزيائية النيوتنية بالتحديد) هي السبب الأعظم الذي ساهم في التأطير المفاهيمي لهذه التواريخ ووضعها في هذا السياق النسقي الذي جاء مع «عصر الحداثة»، ثمّ مع حلول حقبة «ما بعد الحداثة» نُسِفت هذه السرديات الكبرى ولم تعُدْ تحتلُّ مواضعها المركزية السابقة في الفكر البشري. نحنُ في العادة نميلُ إلى التماهي مع سياق السرديات الكبرى؛ لما تنطوي عليه من حتمية وعقلانية وعناصر كبرى من الفعل تتفق مع رغبتنا البشرية في إضفاء الخصيصة العلمية الصارمة على أفعالنا التاريخية. السرديات الكبرى بكلّ أناقتها المفاهيمية وصِلاتها السببية الخطية توفّرُ علينا عناء البحث عمّا هو كامنٌ تحت السطح المباشر والمرئي للأحداث؛ لكنّ تراكماً من الوقائع في العالم المادي دفعنا دفعاً إلى مراجعة هذه السرديات الكبرى مراجعة شاملة.

يمكن عَدّ «نظرية الفوضى (Chaos Theory)» بداية خطّ الشروع في هذه المراجعة التاريخية الجذرية. «نظرية الفوضى» في أصلها هي محاولة علمية تُرينا كيف تتعامل النظم المعقدة بحساسية كبرى مع التغيرات الصغيرة التي تطرأ عليها. بعبارة أخرى: الأفعال الصدفوية الصغيرة (Flukes) يمكن أن تنشأ عنها تأثيرات كبيرة في النظم المادية (الفيزيائية). نحنُ في العادة لا نحبّذُ مدّ هذه الرؤية على النظم البيولوجية (الكائنات الحية) لاعتقادنا بأنها تخضع لمؤثرات أخرى؛ لكنّ التحليل الدقيق سيكشف لنا خطل هذه الرؤية. هذا ما يعتقده ويؤكّد عليه البروفسور براين كلاس (Brian Klaas) أستاذ «التاريخ العالمي (Global History)» في «الكلية الجامعة» بلندن، وقد عرض أفكاره في أحدث كتبه المنشور في يناير (كانون ثاني) 2024 بعنوان:

«الأفعال العشوائية الصغيرة: الصدفة... الفوضى... ولماذا أيّ شيء نفعله له أهميته المؤثرة».

يبدأ كلاس كتابه بمقدّمة مسهبة يكتب فيها عن الأفعال الصدفوية والعشوائية التي رافقت تشكّل تاريخنا البشري المعروف بموضوعاته الكبرى، ثمّ يقدّمُ شرحاً مكثفاً لحالة معاصرة - ليست بعيدة عنا – عندما تمّ القرار على إلقاء القنابل النووية على اليابان. هذه الحالة هي أقربُ إلى «دراسة الحالة (Case Study)» المعروفة في حقل الأدبيات الطبية، حيث تكون حالةٌ ما نموذجية دالة على حالات كثيرة؛ لذا سيكون من المفيد عرضُ تفاصيل قرار إلقاء القنابل النووية على مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين.

عندما تقرّر قصف اليابان نووياً في مايو (أيار) عام 1945 عقب نهاية الحرب على الجبهة الألمانية؛ اختير «بنك أهداف» من المدن اليابانية التالية: كيوتو، هيروشيما، كوكورا، نيغاتا، ثمّ أضيفت ناغازاكي خياراً إضافياً. هذا ما اعتمدته لجنة من كبار جنرالات الحرب الأميركيين؛ لكن عندما عُرضت القائمة على وزير الحرب هنري ستيمسون (Stemson) رفض بشدّة وَضْعَ كيوتو على قائمة الأهداف، متعللاً بأنّها مدينة تضمُّ كثيراً من كبار الطبقة المثقفة (الأنتلجنسيا) اليابانية الذين سيكون من المفيد التعامل معهم بعد نهاية الحرب مع اليابان. تكشّفت حقيقة الأمر لاحقاً: كان ستيمسون وزوجته قد أمضيا شهر عسلهما في فندق بمدينة كيوتو قبل تسعة عشر عاماً (عام 1926 بالتحديد)، وقد ساء ستيمسون أن يرى مظاهر الحزن على وجه زوجته عندما علمت بأنّ هذه المدينة ستؤول إلى محرقة نووية عمّا قريب، فعزم على إخراج المدينة من قائمة الأهداف المرشّحة للقصف النووي. جاهد الجنرالات الأميركان لحثّه على قصف مدينة كيوتو لأنها مركز لتجمّع صناعي مهم فضلاً عن أنها عقدة المواصلات اليابانية؛ لكنّ ستيمسون رفض بحزم. ماذا كانت النتيجة؟ دفع أهل هيروشيما ثمن النوستالجيا المؤلمة التي حرّكت عواطف زوجة وزير الحرب الأميركي.

حدث أمرٌ مشابه بعض الشيء عند قصف ناغازاكي... كانت مدينة ناغازاكي هي المرشّحة للقصف؛ تليها مدينة كوكورا؛ لكنّ تجمعاً كثيفاً من الغيوم دفع طاقم الطائرة القاصفة للعدول عن قصف ناغازاكي واختيار الهدف الثاني على لائحة القصف. استدارت الطائرة متوجهة نحو كوكورا؛ لكنّ عضو الطاقم المسؤول عن توجيه القنبلة لمح في اللحظة الأخيرة فتحة بين الغيوم بانت منها مدينة ناغازاكي؛ فأشار إلى قائد الطائرة بالعودة إلى المسار السابق وتنفيذ خطة القصف الأصلية، وهكذا حُرق أبناء ناغازاكي في الوقت الذي بقي فيه أهل كوكورا سالمين. ذهب هذا المثل تعبيراً عن كلّ ذي حظ عظيم؛ فيوصفُ بأنّ له حظاً عظيماً في الحياة مثل «حظّ كوكورا».

المثال الموصوف أعلاه يمثّلُ حالة نموذجية لأفعال صدفوية صغيرة صنعت تاريخاً كبيراً، وقد انطوت على كلّ الخصائص الجوهرية لهذه الأفعال من حيث إنها:

1- أفعال صدفوية صغيرة: لعلّ قضاء شهر عسل يمثلُ حدثاً كبيراً في تاريخ الأزواج؛ لكنه لا يعدّ حدثاً مؤثراً في تشكيل تاريخنا البشري. ماذا لو قرّر ستيمسون وزوجته قضاء شهر عسلهما في مدينة غير كيوتو؟ وماذا لو أنّ عضو الطاقم المسؤول عن توجيه القنبلة قرّر صرف النظر عن وجود فتحة في الغيوم تكفي لتحديد مدينة ناغازاكي بصرياً ومن ثمّ قصفها بالقنبلة النووية؟

2- غير محكومة بسببية صارمة: قانون السببية الخطية لا يبدو أنه يعمل في مثال القصف النووي الياباني. كانت طوكيو العاصمة - مثلاً - شبه محطمة بتأثير القصف الجوي الأميركي التقليدي بقنابل حارقة، وقد بدا القصف النووي على اليابان أقرب لاستعراض قوة أميركية موجّه إلى الحلفاء الآخرين وليس دفعاً لليابان للتوقيع على وثيقة الاستسلام غير المشروط.

3- لا عقلانية: نحنُ - لو تُركنا لحالنا ومخيلتنا الخصبة - فسنميلُ لتوقّع أنّ انتقاء الأهداف اليابانية جاء بعد مناقشات مستفيضة اتّسمت بعقلانية صارمة ومفرطة، خصوصاً أنّ الأميركان كانوا بصدد تجريب سلاح نوعي جديد ذي قدرة تدميرية ساحقة. هذا حدث بالفعل، وكانت العقلانية هي الحاكمة لمباحثات اللجنة المكلّفة انتقاء الأهداف؛ لكنّ القرار الأخير كان بمؤثرات غير عقلانية (نوستالجيا في مثال كيوتو، وتشكّل عشوائي للغيوم في مثال كوكورا).

بعد المقدمة المسهبة للكتاب، يتناول المؤلف موضوعات تؤكّدُ عناوينها أصل أطروحته. نقرأ في هذه العناوين: «تغييرُ أي شيء يغيّرُ كلّ شيء»، و«لا يحدث أيّ شيء بسبب محتّم»، و«لماذا تشوّه أدمغتنا الواقع؟»، و«السرب البشري»، و«قواعد هيراقليطس»، و«الحيوان الذي يروي الحكايات»، و«لكلّ منا تأثير الفراشة الخاص به»، و«عن الساعات والتقاويم»، و«معادلات الإمبراطور الجديدة»، و«هل يمكن للأمور أن تحدث بطريقة أخرى؟»... عناوين مثيرة من غير شك، وتُغري بقراءة الكتاب.

كلُّ كتابٍ يخالف السرديات الكبرى السائدة له سحره الخاص وإغواؤه الفكري الجاذب. أظنُّ أنّ السحر والإغواء لن يخفتا أو ينقطعا لدى القارئ الذي يقرأ أيّ فصل من فصول كتاب كلاس.

«الأفعال العشوائية الصغيرة: الصدفة... الفوضى... ولماذا أيّ شيء نفعله له أهميته المؤثرة»

Fluke: Chance, Chaos, and Why Everything We Do Matters

المؤلف: براين كلاس

الناشر:

«Scribner Book Company»

2024


معرض مسقط يختار الذكاء الاصطناعي ثيمة له... وفلسطين حاضرة

معرض مسقط يختار الذكاء الاصطناعي ثيمة له... وفلسطين حاضرة
TT

معرض مسقط يختار الذكاء الاصطناعي ثيمة له... وفلسطين حاضرة

معرض مسقط يختار الذكاء الاصطناعي ثيمة له... وفلسطين حاضرة

انطلق يوم أمس الأربعاء فعاليات الدورة الـ28 لمعرض مسقط الدولي للكتاب، ويشارك في دورة هذا العام التي تستمر حتى 2 مارس (آذار) المقبل 847 دار نشر من 34 دولة، منها 676 تُشارك بشكل مباشر و171 أخرى بصورة غير مباشرة تتوزع على 1236 جناحا وتتصدر مصر الدول المشاركة بـ128 دار نشر تلتها سلطنة عمان بـ104 دور نشر ثم لبنان بـ76 دار نشر.

ويستضيف المعرض هذا العام نخبة من المثقفين والإعلاميين للمشاركة في فعالياته الثقافية.

وتحل (محافظة الظاهرة) وهي إحدى المحافظات العمانية (ضيف شرف) للمعرض في هذه الدورة، وسيكون هناك جناح خاص للتعريف بالتاريخ الفكري والحضاري للمحافظة، كما سيتم تنفيذ مجموعة موسعة من البرامج والأنشطة والفعاليات الثقافية طيلة أيام المعرض.

الفعاليات الثقافية

وقد اختير الذكاء الاصطناعي ليكون ثيمة المعرض في هذه الدورة، وستندرج الكثير من الفعاليات والأنشطة الثقافية تحت هذه الثيمة، في حين ستكون فلسطين أيضا حاضرة في المشهد الثقافي للمعرض من خلال الفعاليات والأنشطة.

وتسلط فعاليات المعرض المقام في مركز عمان للمؤتمرات والمعارض هذا العام الضوء على القضية الفلسطينية من خلال عقد ندوة بعنوان (التشبث بالأرض في الأدب الفلسطيني) إلى جانب جلسة حوارية بعنوان (الراهن العربي وتحولات القضية الفلسطينية).

وتقام خلال المعرض 152 فعالية ثقافية وبرامج متنوعة تتوزع في عدد من القاعات المخصصة لهذا الغرض منها (ركن الطفل) الذي يشهد أنشطة عديدة تشمل الورش والمسابقات التفاعلية والمسرحيات وفعاليات الرسم والتلوين وإعادة التدوير وجلسات القراءة وصناعة الأغلفة والفواصل وكتابة القصص والاستماع إليها.

كما ستقام مقاهٍ ثقافية في عدد من الأجنحة التي ستشهد مشاركة الجهات ذات العلاقة بصناعة ونشر الكتاب وحضور مؤلفين للتوقيع على إصداراتهم وإبرام عقود الإنتاج والنشر ومشاركة المؤسسات المعنية بصناعة الكتاب وما يتصل به من إعداد وتجهيز وتغليف وإخراج فني.

وتحفل هذه النسخة بمجموعة من الفعاليات التي تركز على الذكاء الاصطناعي وتأثيره في صناعة الثقافة التي تخدم المعرض هذا العام منها ندوة (الذكاء الاصطناعي... تحديات وفرص) و(الرواية والذكاء الاصطناعي) و(التحولات الثقافية... تأثير الذكاء الاصطناعي على الثقافة والإبداع).

كما ستقام محاضرة حول (الملكية الفكرية والميتافيرس في إطار الذكاء الاصطناعي المعزز) وأخرى تتناول (دور الذكاء الاصطناعي في نجاح المشاريع).

كما تم تخصيص مساحة لفعاليات ومناشط الطفل والأسرة تشتمل على مسرح للفعاليات وحلقات العمل، وركن لغة الضاد، وركن متحف الطفل، والركن الأخضر، كما تم إنشاء مقاهٍ ثقافية في عدد من الأجنحة المشاركة.

ويغطى المعرض إعلاميا عبر برنامج تلفزيوني يومي (الفهرس) إضافة إلى بث إذاعة سلطنة عمان برنامج (خير جليس) إضافة إلى التغطية اليومية المصورة والمتابعة الإعلامية من خلال منصة جليس ووجود الإعلامي الصغير عبر لقاءات مع الأطفال.


قوانين تتطور لكن نجوماً ذكورية لا يمكن المساس بهم

كاثرين ماكينّون
كاثرين ماكينّون
TT

قوانين تتطور لكن نجوماً ذكورية لا يمكن المساس بهم

كاثرين ماكينّون
كاثرين ماكينّون

في ظل عالمنا المعاصر الذي أصبح قرية كونية بفضل التكنولوجيا المتطورة من جهة، وبسبب ميل الإنسان نحو السيطرة على الطبيعة وعلى أخيه الإنسان من جهة أخرى، نشهد كل يوم تطورات وظواهر تجعلنا نتساءل حول مصير الإنسان والنزعة الإنسانية، وحول القيم التي تسود في المجتمعات المعاصرة والمشكلات المطروحة على الإنسان المعاصر. ومن بين هذه المشكلات التي تحدث في كافة المجتمعات المتطورة والمتخلفة، هناك مشكلة التحرش الجنسي ومحاولات الاغتصاب وكيفية التعامل قانونياً وقضائياً مع المرتكبين ومع الضحايا. ومن دون شك، فإن هذا الموضوع يحتمل الكثير من التأويلات والتحليلات القانونية والنفسية والاجتماعية، ويختلف التعامل معه بين مجتمع وآخر. وحول هذا الموضوع عرضت مجلة الفلسفة الفرنسية في عددها الجديد الصادر هذا الشهر كتاب المحامية الأميركية الراديكالية كاثرين ماكينّون (Catharine Mackinnon) تحت عنوان «le viol redéfini» (إعادة تعريف الاغتصاب)؛ إذ تنتقد مصطلح «القبول أو الصمت» بالاستناد إلى القانون الفرنسي. إذن، كيف تنظر هذه الشخصية الكبيرة المناصرة للحركة النسوية إلى حقوق النساء؟

الفصل الأول من الكتاب تخصصه حول «اللحظة الفرنسية»؛ إذ تبين فيه أنه على عكس البلاد الأنغلوسكسونية التي تضع مصطلح «القبول أو الصمت» في صلب القانون ضد الاغتصاب، فإن التشريع الفرنسي يعترف بأربعة نماذج من القوة ويعرّف الاغتصاب بأنه «كل فعل إيلاج جنسي مرتكَب تجاه الآخر بواسطة العنف أو بالجبر والتهديد أو بالمفاجأة». وقد اعترضت الحكومة الفرنسية على التوحيد الأوروبي لتعريف الاغتصاب القائم على غياب القبول، مفضلةً الإبقاء على تعريفها. أما المحامية ماكينّون المؤيدة للتعريف الفرنسي فتعدّ أن «نعَم لا تعني دائماً نعَم»؛ إذ إن الضحية «يمكن أن تقول (نعم) لتجنب عقوبات إضافية وليس رغبة في الجنس». وبالتالي، فإن الصمت أو القبول يمكن أن يستخدم سلاحاً من قبل المعتدي كي ينكر العنف والإلزام الذي مارسه تجاه الضحية. هنا تستشهد ماكينّون برواية الكاتبة الفرنسية فانيسّا سبرنغورا التي تروي قصتها تحت عنوان «القبول أو الصمت»؛ إذ كانت ضحية الكاتب الفرنسي غابريال ماتزنيف. وبالفعل، فإن ماكينّون تقتبس غالباً من الكاتبات الفرنسيات، ولاحظت أن هذه الكتابات دفعت الحكومة الفرنسية إلى تعديل القانون الفرنسي بحيث أصبح هذا القانون منذ عام 2020 يمنع العلاقات الجنسية بين قاصر عمره خمسة عشر عاماً وبين راشد يكبره بخمس سنوات. إذن، هذا الجو الفرنسي الأدبي دفع المحامية الأميركية إلى نقد مفهوم «القبول» أو «الصمت» حول هذا الموضوع. ومع ذلك، فإن البيئة الأدبية الفرنسية لم تكن مرحّبةً بالأفكار التي أطلقتها ماكينّون. على سبيل المثال، فإن أحد الناشرين الفرنسيين خاطبها بالقول: «سيدتي، كتابتك عنيفة جداً. إن النساء الفرنسيات لا تهتم بهذه المواضيع»، ولكن كاثرين ماكينّون تلاحظ أن في فرنسا عدداً مهماً من ضحايا المشاهير أشاروا إلى المفارقة المؤلمة بين قانون يتطور وبين نجوم ذكورية لا يمكن المساس بهم. وإذا كانت ماكينّون تخيف أولئك الذين يتمنون بشكل واعٍ، إلى حد ما، الحفاظ على هذا النظام المسيطر؛ فإنها تصدم أيضاً بعض المناضلات في الحركة النسوية؛ وذلك لأن هجومها على مفهوم «القبول أو الصمت» من الممكن ألا يكون مرحّباً به في أوساط المناضلات على الأرض المنتميات إلى عالم الجمعيات واللواتي تحرّكن دائماً هذا المفهوم من أجل مكافحة حالات العنف القائمة، وأيضاً للوقاية من حالات العنف المستقبلية عبر التربية على الجنس بالتراضي... ومواقفها ضد الدعارة وأفلام الجنس الإباحية لم تلقَ استحساناً في الأوساط النسوية، ولكن بعد نشر كتاب «ألم مبرح» في عام 1980 الذي يعرض مذكرات الممثلة الإباحية السابقة ليندا لوفلاك التي تعرضت للاغتصاب والمعاملة السيئة والتي أُجبرت من قبل شريكها على تمثيل فيلم «deep throat»؛ بدأت المحامية ماكينّون تخوض معركتها ضد صناعة الأفلام الإباحية إلى جانب الكاتبة والناشطة في الحركة النسوية أندريا دووركن؛ إذ خاضتا المعركة في الميدان الحقوقي وتعاونتا على تحرير إنذار قضائي ووثيقة رسمية حول الحقوق المدنية في مجال صناعة الأفلام الإباحية من أجل اعتبار هذه الصناعة بمثابة تمييز وإساءة ضد النساء. غير أن هذا الموقف أثار عاصفة لدى نصيرات الحركة النسوية الأميركية. ولكن إذا كانت مواقف المحامية ماكينّون تجاه الدعارة والأفلام الإباحية لم تحظَ بالإجماع، فمن الصعب نكران مساهمتها الأساسية في مسألة التنمر أو التحرش. ففي عام 1986 اعترفت المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأميركية وأقرت بأن موظفة في مصرف قد تعرضت لتحرش جنسي من قبل مديرها.

يجب صياغة القانون بمفردات الضحايا ولمصلحتهن لا بمفردات المعتدي

لأول مرة في التاريخ تستند المحكمة إلى تعريف التحرش بمثابة تمييز جنسي مبتكر من قبل المحامية ماكينّون منذ عام 1979 عندما تخرجت في جامعة يال، وذلك لم يحصل في فرنسا إلّا منذ عام 2012 عندما أدان القانون الفرنسي فعل التنمر والتحرش. وبالفعل، فإن استخدام كلمة «تحرش» أو «تنمّر» في القانون أحدث ثورةً في تعريف العنف. تقول ماكينّون: «إن فعل الاعتداء الجسدي هو بشكل عام يعدّ خطيراً بما يكفي كي يشكل تحرشاً جنسياً في القانون الأميركي على الرغم من أن ذلك لم يكن مقرراً بشكل حاسم. إن كلمة (تحرش) لا تتضمن أفعال الاعتداءات الجسدية فقط، ولكن أيضاً تلك التي تنتج عن العنف اللفظي». هكذا إذن هي تبيح الحكم على العنف المحدود كما الاعتداءات المستمرة، وصولاً إلى الحاضرة بشكل دائم والتي تأتي عبر الكلام. إذن، ترفض ماكينّون أيضاً الفصل الجذري بين «الجنسانية» من جهة، وبين العنف من جهة أخرى. بالنسبة إليها، هذا الفرق يساهم في تأييد وتطبيع حالات العنف المتعلقة بالحياة الجنسية «التقليدية» والتي نعدّها بشكل خاطئ خالية من أي شكل عدواني، مستندة في ذلك إلى شهادات فتيات تعرّضن لمضايقات جنسية. وفي سبيل إثبات وجهة نظرها تلجأ المحامية في كتبها إلى الأرقام؛ إذ رصدت أن عدد ضحايا العنف الجنسي بأشكاله المختلفة والمسجلة في محاضر قوى الأمن، وذلك بحسب رسالة المرصد الوطني لحالات العنف المرتكبة بحق النساء، قد تضاعف مرتين في فرنسا منذ عام 2017. ولكن كيف يمكننا الخروج من هذا الوضع؟ وما هي المخارج والوسائل الممكنة كي لا نستسلم لليأس؟ توصي بأنه يجب أن نحاول مواجهة المشكلة ونتجنب الاستسلام للنكران؛ إذ إن لحظة الوعي ليست أبداً سهلة؛ وذلك لأن الناس يرون العالم من خلال الأوهام التي خلقوها كي يجعلوا حياتهم أكثر راحة. إذن، فإنهم يتحولون إلى ما يقال لهم عن شخصياتهم باعتباره ضرورة لنجاحهم، ثم يعودون ذات يوم ويكتشفون أن هذه الشخصيات لا تشبههم حقاً. وتدعو ماكينّون النساء للتوقف عن فعل ما يُطلب منهن، وإلى العمل على تطوير القانون كي لا يكون مصوغاً بمفردات المعتدي، بل يجب أن يصاغ بمفردات الضحايا ولمصلحتهن. وفي مقال تحت عنوان «الجنس والعنف»، تقول: «يجب المشاركة في تحديد المفردات التي تبدع المعيار وتكون الصوت الذي يشارك في تحديد الحدود». وهي تدرك أن ذلك لن يتم بشكل آلي، بل هي تؤمن بقوة بـ«مفعول الفراشة» الذي يسمح بتحويل الأفعال الصغيرة المقاومة إلى إعصار، وصولاً إلى زلزال الأرض. تقول: «ذات يوم قال لي أحدهم إنه إذا حدث أن كل سكان الصين دقوا أقدامهم اليمنى في الوقت نفسه، فإن الأرض سوف تتزحزح عن محورها». واستناداً إلى ذلك، تعدّ أن كل النساء اللواتي، كل واحدة على طريقتها، يقاومن ويقفن بوجه كل أشكال الاستغلال، يستطعن تحريك الأرض وحرفها عن مسارها. وتعدّ ماكينّون أن هذا التغيير ممكن أن يحصل من خلال الفلسفة، ومن خلال الثورة.


إمانويل تود في كتابه الأخير «هزيمة الغرب»: 10 مفاجآت لحرب أوكرانيا

تود مع غلاف كتابه في صورة ترويجية على موقع «أمازون»
تود مع غلاف كتابه في صورة ترويجية على موقع «أمازون»
TT

إمانويل تود في كتابه الأخير «هزيمة الغرب»: 10 مفاجآت لحرب أوكرانيا

تود مع غلاف كتابه في صورة ترويجية على موقع «أمازون»
تود مع غلاف كتابه في صورة ترويجية على موقع «أمازون»

اللافت في الكتاب الأخير للكاتب والباحث السوسيولوجي - الأنثروبولوجي الفرنسي إمانويل تود أنه يلخص في عنوانه «هزيمة الغرب» خلاصة 371 صفحة يقدمها للقارئ غنية بالأرقام والمعلومات والمراجع. نقطة انطلاقه حرب أوكرانيا التي تتيح له أن يعرض ويناقش الأسباب التي تجعله يجزم بأن روسيا هي التي ستخرج منتصرة من الحرب، وأن هزيمة أوكرانيا المحققة هي بالدرجة الأولى هزيمة للغرب وللولايات المتحدة.

وكما في كل إصدار جديد، يثير إمانويل تود موجة نقاشات تنحو غالبيتها نحو الانتقاد الآيديولوجي الرافض سلفاً لما يطرحه الخصم، غير مهتم بالبراهين والسياقات التي يعلل بها آراءه وخلاصاته؛ ولذا عُدّ تود «بوقاً» من أبواق روسيا في الغرب وفي فرنسا تحديداً. وعليه، فبات كل ما يأتي به خاطئاً أو زائفاً.

صحيح أنّ تود يبدو متسامحاً مع روسيا وبالغ التشدد مع الغرب، وصحيح أيضاً أنه يحمّل الأخير مسؤولية الحرب، بأن يذكّر مثلاً بتصريحات المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي الأسبق فرنسوا هولاند اللذين أعلنا، كل واحد من جانبه، أن «اتفاقية مينسك» التي أنهت الحرب الأولى في أوكرانيا عام 2015 كان هدفها «توفير الوقت اللازم لتسليح كييف» بأسلحة غربية - أطلسية.

ويستعيد الكاتب الكلمة التي ألقاها الرئيس الروسي بوتين في 24 فبراير (شباط) 2022؛ ليبرر حربه على أوكرانيا، وجاء فيها: «لا يمكن أن نقبل بتمدد قواعد الحلف الأطلسي واستخدام الأراضي الأوكرانية لهذا الغرض»، مضيفاً أن ثمة «خطوطاً حمراء تم تجاوزها». لذا فالعمل العسكري الروسي هو «دفاع عن النفس». ومنذ عامين، لم يحد بوتين عن هذه السردية، وكرّرها في مقابلة مطولة أجراها معه الصحافي الأميركي توكر كارلسون، المقرّب من الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، في موسكو يوم الخميس الماضي.

ويرى تود أن حرب أوكرانيا جاءت بعشر مفاجآت، أولها قيام الحرب في أوروبا نفسها التي نظرت إلى الحدث بصفته «غير معقول في قارة ظنت أنها تعيش سلاماً أبدياً». وثانيها أنها وضعت روسيا والولايات المتحدة وجهاً لوجه، فيما كانت واشنطن تعد الصين عدوها الرئيسي وليس روسيا «المتهالكة». أما المفاجأة الثالثة، ففي قدرة كييف على المقاومة بينما كان الغربيون يعتقدون أنها ستنهار خلال 72 ساعة، وأعدوا خططاً وسيناريوهات لإخراج الحكومة الأوكرانية وعلى رأسها فولوديمير زيلينسكي من كييف إلى الغرب. كذلك فاجأت أوكرانيا روسيا نفسها. ومع تمدد الحرب، جاءت المفاجأة الرابعة، وهي قدرة روسيا على مقاومة الضغوط الاقتصادية التي فرضت عليها منذ الأسبوع الأول للحرب، بما في ذلك عزلها عن النظام المالي الدولي. وخامس المفاجآت «انبطاح» الاتحاد الأوروبي، وغياب أي استقلالية عن الإرادة الأميركية. وما يصدم تود تحديداً تلاشي «محور باريس - برلين» الذي كان أساس البناء الأوروبي لصالح محور لندن - وارسو - كييف. ويوجّه الكاتب سهامه لبريطانيا التي تحولت إلى «كلب ينبح» بوجه روسيا ملتحقة بواشنطن. وسادس المفاجآت، انتقال عدوى الالتحاق بواشنطن وبالحلف الأطلسي إلى الدول الاسكندنافية التي «سارت على نهج مسالم» في السابق، وإذ بها تتحول إلى دول «مشاغبة»، بدليل انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف الأطلسي. وسابع المفاجآت عجز الصناعات الدفاعية الأميركية عن توفير الأسلحة والذخائر الكافية للقوات الأوكرانية. وبالمقابل، فإن روسيا ومعها حليفتها بيلاروسيا وهما لا يزنان سوى 3.3 في المائة من الناتج الداخلي الغربي الخام، نجحتا في إنتاج أسلحة أكثر مما أنتجته المصانع الأميركية والأوروبية مجتمعة. أما ثامن المفاجآت فعنوانها «العزلة الآيديولوجية للغرب»، بحيث لم ينجح في جر العالم وراءه ووراء أوكرانيا، مشيراً إلى الصين والهند وبلدان «مجموعة البريكس»، وغالبية أميركا اللاتينية، وغالبية دول آسيا وأفريقيا. وكتب تود: «بعد عام ونصف العام على اندلاع الحرب، ينظر مجمل العالم الإسلامي إلى روسيا بوصفها شريكاً وليست عدواً»، والمفاجأة الأخيرة الآخذة بالبروز تتمثل في توقع حتمية هزيمة الغرب. ويستبق الكاتب الفرنسي منتقديه القائلين إن «الحرب لم تنته بعد»، بالرد: «هزيمة الغرب واقعة لا محالة؛ لأنه آخذ في تدمير نفسه أكثر مما هو ضحية لهجمات روسية».

حلم الأميركيين بإطاحة بوتين لن يتحقق

يرجع الكاتب أحد أسباب قدرة روسيا على الصمود والمواجهة إلى كونها بدأت تستعد لمواجهة العقوبات منذ 2014. ولعل هذه العقوبات بالذات هي التي وفرت ثبات الاقتصاد الروسي، بدليل أن الصادرات الزراعية الروسية بلغت في عام 2020 (30 مليار دولار)، متخطية عائدات الغاز (26 مليار دولار). وتحولت روسيا إلى أول مصدر للمفاعلات النووية ذات الاستخدام السلمي، وإلى ثاني مصدر للأسلحة في العالم بفضل قفزات حققتها في التكنولوجيا الرقمية. ويتوقف الكاتب طويلاً عند قدرة الاقتصاد الروسي على «التأقلم» مع العقوبات من جهة، ومع التحول إلى «اقتصاد حرب»، وهو ما لم ينجح الغربيون في تحقيقه. ويأخذ على الغربيين رؤاهم الزائفة لروسيا التي «يحكمها ديكتاتور دموي (يذكر بستالين) ويسكنها شعب من السذج». ولنقض هذه الصورة، يسرد الكاتب فيضاً من الأرقام، ومنها أن عدد المهندسين الروس يتفوق على عدد نظرائهم من الأميركيين، والأمر نفسه يصح على نسبة المتعلمين، وذلك بالتوازي مع بروز طبقة وسطى ناشطة ودينامية، وتمكن بوتين من الحد من قدرات «الأوليغاركيين» الروس. ويجزم تود بأن «نظام بوتين» المرشح لولاية إضافية «ثابت ومستقر وحلم الأميركيين بتمرد يطيح به لن يتحقق».

ويؤكد الكاتب أن تحدي روسيا للغرب قبل عامين مرده لكونهم «أصبحوا جاهزين عسكرياً»، ولأن ديموغرافيتهم تتراجع، فقد عجلوا في إطلاق الحرب، ويعتقدون أنهم «قادرون على الانتهاء منها خلال خمسة أعوام». وبالمقابل، فإن النواقص الصناعية والعسكرية الغربية تظهر أكثر فأكثر للعيان، وعامل الزمن يلعب لصالح روسيا. ويحذر الكاتب الجانب الأميركي بالقول: «ما تريده روسيا هو الانتصار الكامل ولا شيء آخر».

وصفحة بعد أخرى، يظهر أن الكاتب يتبنى إلى حد بعيد طروحات روسيا بخصوص أوكرانيا، التي وصفها بوتين مؤخراً بأنها «دولة مصطنعة أنشأتها إرادة ستالين في عام 1922»، نافياً عنها صفة «الأمة في دولة». وحسبه هي في أفضل الأحوال «دولة فاشلة» تتجه نحو «العدمية». فأوكرانيا «ينخرها الفساد»، وهي «تؤجر بطون نسائها» للغربيين من أجل الإنجاب، وتقضي على لغة (الروسية) متجذرة تاريخياً فيها، حيث إنها «تنتحر ثقافياً». وما يراه تود غريباً أن منع اللغة الروسية استتبعه مشروع قانون يفرض على الموظفين إتقان الإنجليزية. ويجزم الكاتب بأن كييف كانت قادرة على تجنب الحرب منذ 2014 لو قبلت المطالب الروسية المعقولة الثلاثة وهي: ضم شبه جزيرة القرم لروسيا لأسباب تاريخية، ومنح سكان منطقة الدونباس (شرق أوكرانيا)، وهم من الروس، وضعاً مقبولاً، وأخيراً حياد أوكرانيا وعدم انضمامها إلى حلف الأطلسي. ولكن كييف رفضت بتشجيع من الغرب ما قاد إلى الحرب.

انتحار أوروبا

ليست أوكرانيا وحدها التي تتجه إلى الانتحار بل معها أوروبا (ص 161). والحجة التي يسوقها تود أن الاتحاد الأوروبي الذي كان يسعى ليكون القوة الثالثة المستقلة بين الولايات المتحدة والصين «اختفى تماماً وراء الحلف الأطلسي الخاضع لأميركا»، وأن الدول الاسكندنافية والمشاطئة لبحر البلطيق «أصبحت تابعة مباشرة لواشنطن». وبالتوازي، يؤكد الكاتب أن الحصار المفروض على روسيا «مدمر للاقتصادات الأوروبية»، ومن ذلك ارتفاع أسعار الغاز والمحروقات والتضخم ما يهدد الصناعات الأوروبية «ويقودنا إلى مفهوم الانتحار».

ولتثبيت نظريته، يؤكد تود أن الميزان التجاري الأوروبي تحول من فائض إيجابي قيمته 116 مليار يورو في 2021 إلى عجز يتجاوز 400 مليار يورو في 2022، ناهيك عن تكلفة باهظة للحرب. ويتساءل: «لماذا يريد الغربيون حرباً بلا نهاية» بعد فشل الهجوم الأوكراني المضاد صيف عام 2023؟

ومرة أخرى يتبنى تود السردية الروسية القائلة إن روسيا «تحارب على حدودها، بينما الجبهة تبعد 3200 كلم عن لندن و8400 كلم عن واشنطن». وخلاصة الكاتب أن «المشروع الأوروبي (الأساسي) مات، وأن أوروبا تحتاج لعدو خارجي وجدته في روسيا». وفي سياق انتقاداته يوجه سهامه إلى بريطانيا التي يصف ردود فعلها بـ«المضحكة»، وهي تحاول الإيحاء بأنها تعيش مرة أخرى «معركة إنجلترا» ضد الجيش الألماني، وقارن وزارة الدفاع البريطانية بـ«أفلام جيمس بوند» وروايات «OSS117» (ص 194)، كما عدّ أن لندن الأكثر تطرفاً بالدفع نحو مواصلة الحرب.

«العصابة الحاكمة في واشنطن»

يُكرّس الكاتب الفصل العاشر في الكتاب وهو بعنوان «العصابة الحاكمة في واشنطن»؛ ليشرح بالأرقام أسباب قوة اليهود في السياسة الخارجية الأميركية. ومخافة اتهامه بمعاداة السامية وهي تهمة رائجة، يحرص الكاتب على تأكيد أنه يتحدر من عائلة يهودية من أصول مجرية. ويذكر تود أن وزير الخارجية أنتوني بلينكن ومساعدته فيكتوريا نولاند من أصول يهودية، في حين أن الرئيس بايدن ومستشاره للأمن القومي، جيك سوليفان، كاثوليكيان من أصول آيرلندية، لافتاً إلى أن اليهود لا يشكلون سوى 1.7 في المائة من الشعب الأميركي (ص 288)، فيما تمثيلهم في المواقع الرسمية، وتحديداً المرتبطة بالسياسة الخارجية لا علاقة له بنسبتهم العددية. ويسيطر اليهود على مواقع القرار في المراكز البحثية، والمثال على ذلك أن ثلث أعضاء الهيئة الإدارية لـ«مجلس العلاقات الخارجية» من اليهود، كما أن ثلاثين في المائة من أصل أكبر مائة ثروة في الولايات المتحدة هم أيضاً من اليهود. ولهؤلاء، كما هو معروف، تأثيرهم الكبير على الجامعات والمعاهد العليا على اعتبار أنهم من كبار المانحين، وهو ما ظهر جلياً مع حرب غزة.

ويُفسر الكاتب أهمية اليهود بعاملين: الأول تراجع القيم البروتستانتية لدى المجموعة الحاكمة السابقة وهي «WASP» (الأنغلو ساكسونيون - البيض البروتستانتيون). والثاني تركيزهم على التعليم، وارتياد المعاهد والجامعات الأكثر تميزاً ما يؤهلهم لاحتلال أعلى المراكز.

الكاتب يتبنى إلى حد بعيد طروحات روسيا بخصوص أوكرانيا، التي وصفها بوتين مؤخراً بأنها «دولة مصطنعة أنشأتها إرادة ستالين في عام 1922»، نافياً عنها صفة «الأمة في دولة»

ويحمل الفصل الأخير من كتاب تود عنوان «كيف وقع الأميركيون في الفخ الأوكراني؟»، وفيه يتساءل عن الأسباب التي تجعل أميركا «تدخل في حرب مع روسيا وهي عاجزة عن الانتصار فيها». ويرى تود أن حرب أوكرانيا جاءت خاتمة لدورة زمنية بدأت في 1990 مع انهيار الاتحاد السوفياتي وقناعته أن تمازج عدميتين، أميركية وأوكرانية، سيقود إلى هزيمتهما (ص 339). فبينما كانت الولايات المتحدة غارقة في حروبها (أفغانستان، والعراق...) وكانت الصين تقضي على النسيج الصناعي الأميركي، كانت روسيا تعيد ترتيب أوراقها (ص 347). ومع وصول بوتين إلى السلطة، وجد أمامه بولندا والتشيك والمجر في حلف الأطلسي. وكانت واشنطن تدفع نحو انضمام أوكرانيا أيضاً. وفي 2004، انضمت سبع دول إضافية إلى الحلف، كانت كلها أعضاء في حلف وارسو، وهي: بلغاريا، وإستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا، وسلوفاكيا، وسلوفينيا، ورومانيا بحيث شعرت روسيا بالطوق الأميركي حول عنقها. وجاء رد بوتين في خطابه عام 2007، بمناسبة مؤتمر الأمن في ميونيخ واضحاً، حيث أكد أن بلاده «لن تقبل أبداً عالماً أحادي القطب تفرض فيه الولايات المتحدة القانون». ويؤكد الكاتب أنه مع دعوة كييف للانضمام للحلف الأطلسي، خلال قمة بوخارست عام 2008، «نصبت واشنطن الفخ الذي لن تستطيع الإفلات منه (ص 354)».

يستعيد تود السردية الروسية بتأكيده أن أوكرانيا كانت تخطط لهجوم نهاية عام 2021 لاستعادة الدونباس وشبه جزيرة القرم، ما دفع بوتين لمراسلة الحلف الأطلسي لطلب «ضمانات»، بيد أن هذه الضمانات لم تأت، وكانت النتيجة أن روسيا أطلقت حربها أواخر فبراير 2022 «في التوقيت الذي اختارته وبعد دراسة لميزان القوى، حيث وجدت أن هناك نافذة ما بين 2022 و2027». إلا أن انسحاب القوات الروسية من الأراضي التي احتلتها شمال وشرق كييف، ثم الهجوم المضاد الذي قامت به خريف العام نفسه «أوجد دينامية دافعة باتجاه الحرب» في واشنطن، وتوجهاً «للمزايدة لن تستطيع التراجع عنها تحت طائل تلقيها هزيمة، ليس فقط محلية بل شاملة: عسكرية واقتصادية وآيديولوجية (ص 366)».

هل تصح توقعات تود؟ السؤال مطروح، والجواب يخضع لعوامل ومتغيرات ليس من السهل التنبؤ بها. تود اختار تبني المقاربة الروسية إلى حد بعيد، ولعل تمسكه بحرفيتها يعد أحد مظاهر ضعف تحليلاته، حيث لم ترد في صفحات كتابه أي قراءة نقدية لما حصل وقد يحصل في الجانب الروسي.


«ليلة القبض على خريطة العرب» لطارق فريد زيدان

«ليلة القبض على خريطة العرب» لطارق فريد زيدان
TT

«ليلة القبض على خريطة العرب» لطارق فريد زيدان

«ليلة القبض على خريطة العرب» لطارق فريد زيدان

صدر عن دار «جداول» في بيروت كتاب «ليلة القبض على خريطة العرب: الغزو الأميركي للعراق 2003»، للكاتب السعودي طارق فريد زيدان، ويتناول الكتاب واقع الخريطة العربية ما بعد الغزو الأميركي للعراق، وتداعيات الغزو على المنطقة، على أساس أن ذلك حدث فاصل في تاريخ العرب الحديث.

ويمثّل الكتاب سيرة ذاتية سياسية للجيل الذي وُلِدَ وعيُه السياسي مع مطلع القرن الحادي والعشرين، بداية مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ثم أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، وصولاً إلى الاحتلال الأميركي للعراق؛ فكل هذه الأحداث الدسمة لناحية تأثيرها المباشر حدثت في أول 3 سنوات من القرن الجديد.

يتوقف المؤلف عند حدث عام 2003 وقت دخول القوات الأميركية إلى بغداد، ويعدها بمنزلة ليلة القبض الأميركي على خريطة العرب من جراء احتلال القوات الأميركية للعراق. «بدءاً من هذا التاريخ ينطلق كل حديث عن واقع الشرق الأوسط. مع دخول القوات الأميركية إلى بغداد، وجدنا أنفسنا أمام حشد يسقط تمثال الرئيس العراقي صدام حسين أرضاً، وهو المشهد الذي أذن بسقوط المنطقة كلها في الفراغ وليس العراق فقط» حسبما يقول زيدان.

يضيف: «منذ ليلة القبض الأميركي على الخريطة عانت المنطقة، ولا تزال، من التدخلات الخارجية، في غياب أي منظومة إقليمية وقائية عربية سياسية واقتصادية وعسكرية وأمنية، لا بل شاهدنا التحاقاً لهذه الدولة العربية أو تلك بهذا المحور غير العربي أو ذاك. ما يثير القلق، هو إصرار البعض على تجاهل الواقع والمبالغة في النظر إلى خريطة ذهنية غير حقيقية، فلا محور الممانعة روسيا وإيران وسوريا قادر على الرسم، ولا محور الاعتدال الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي ومصر والخليج العربي قادر على الحسم».

يوضح المؤلف قائلاً: «الدخول الأميركي للعراق له معانٍ كثيرة. فعلى الصعيد الاستراتيجي لم تعد أميركا في أميركا، بل أصبحت دولة جوار لكل أعضاء نادي منطقة الشرق الأوسط»، و«سياسياً أدى هذا الدخول إلى تحطيم منظومة إقليمية كاملة. البناء السياسي للمنطقة تماماً كالبناء الإنشائي. هناك سقف يستند إلى أعمدة. الاحتلال الأميركي للعراق دمر أول عمود: الاحتواء المزدوج للعراق وإيران، بعدها توالت عملية هدم الأعمدة».

يرى طارق زيدان، أن «التغيير الأهم جرى مع دخول أميركا إلى البر الآسيوي، وما يعنيه ذلك من تحول يناقض شخصية القوة الأميركية، فقد غرقت هذه القوة في المستنقع؛ حروب بالوكالة، وصراعات لا متناسقة، لا بالسلاح ولا بالتنظيم، وميليشيات مقابل جيش إمبراطوري كبير». و«بعد 20 سنة يبدو أن أميركا قد استُنزفت، وتريد الخروج من البر وإلى البحر حيث تألف قوتها، فأصبح علينا أن نبحث عن مستقبل منطقتنا. وهذا المستقبل لا يكون من دون إعادة بناء منظومة سياسية إقليمية جديدة تأخذ في الاعتبار التحول الكبير الذي يجري على المسرح الدولي»، وهو يرى أن إعادة بناء منظومة سياسية إقليمية مهمة تأخذ السعودية على عاتقها النهوض بها، هي الأكثر تأهيلاً لهذه المهمة الكبيرة.


الإقطاعية التقنية: هل هي بديل الرأسمالية؟

الإقطاعية التقنية: هل هي بديل الرأسمالية؟
TT

الإقطاعية التقنية: هل هي بديل الرأسمالية؟

الإقطاعية التقنية: هل هي بديل الرأسمالية؟

أسئلة الصغار غالباً ما تكون شديدة الخطورة والأهمية رغم بساطتها الخادعة. الصغار لا يناورون ولا يعرفون أفانين المراوغة. يسألون عن كلّ شيء وأي شيء. قد لا نعير الكثير من الأهمية لأسئلتهم، وقد نحاول الاحتيال عليها والتملّص منها؛ لكننا أحياناً قليلة قد نجتهدُ في تقديم إجابات مناسبة لها. ليس هذا بالأمر اليسير أبداً؛ لكنّ يانيس فاروفاكيس (Yanis Varoufakis)، وزير المالية اليوناني الأسبق وأستاذ الاقتصاد بجامعة أثينا، هو أحد القلّة الذين لم يشاؤوا التفلّت من سؤال ابنته الصغيرة: (لماذا يا أبي يوجد هذا القدر من اللامساواة في العالم؟). اجتهد الرجل بقدر ما استطاع، وكانت النتيجة كتاباً ممتازاً عنوانه (الحديث مع ابنتي: تاريخ موجز للرأسمالية Talking to My Daughter: A Brief History of Capitalism). تُرْجِم الكتاب إلى لغات عديدة (منها العربية). واصل فاروفاكيس مهمته في الكتابة، فنشر عديداً من الكتب المهمّة أحدثُها هو الكتاب المعنون (الإقطاعية التقنية: ما الذي قتل الرأسمالية؟ TechnoFeudalism: What Killed Capitalism). الكتاب منشور عام 2023.

يقدّمُ فاروفاكيس في هذا الكتاب رؤية استشرافية أقلُّ ما يقال عنها إنها جريئة وليست منقادة بدوافع آيديولوجية محضة. جوهرُ رؤية فاروفاكيس أنّ الرأسمالية المعاصرة (النظام النيوليبرالي على وجه التخصيص) هي في طريقها إلى الاندثار، وأنّ معالم هذا الاندثار ليست إحدى الأزمات الدورية الكلاسيكية التي وسمت الرأسمالية منذ نشوئها، ويؤكّدُ أنّ عصر ما بعد أزمة «كوفيد-19» بات يقدّمُ المصاديق لحتمية هذا الاندثار. الرأسمالية تموت.. هذا ما يراه فاروفاكيس، هي الآن تحتضر، وليس موتها سوى مسألة وقت لن يطول كثيراً.

تتأسّسُ رؤية فاروفاكيس على افتراض أساسي: الرأسمالية المعاصرة صارت عاجزة من حيث إنّ ديناميات اشتغالها المعروفة في الأدبيات الاقتصادية لم تعد تعمل مع الاقتصاديات المعاصرة. المسألة ليست شكلية بقدر ما هي تحوّل جوهري تاريخي. الرأسمالية بأكملها (وليس جزءاً منها فحسب) بات يستبدلها نظام آخر مختلف كلياً عنها، هو الإقطاعية التقنية (TechnoFeudalism). في قلب هذا الافتراض تكمن مفارقة ساخرة مُرْبِكة وغير متوقّعة: العنصر الذي قتل الرأسمالية هو رأس المال (Capital)!!، وهو ليس رأس المال التقليدي الذي عرفناه في فجر الثورة الصناعية، بل هو نمط جديد من رأس المال الذي نشأ خلال العقدين الماضيين. الأمر أشبه بأن ينقلب السحر على الساحر: يمكن تشبيه الأمر بأنّ الرأسمالية نمّت داخلها فيروساً غبياً واهناً طيّعاً لها، ثمّ حصل أن تغوّل ذلك الفيروس حتى قتل مُضيفَهُ الذي رعاه عقوداً كثيرة. يوضّحُ فاروفاكيس أنّ تطوّريْن جوهريين ساهما في تغوّل الإقطاعية التقنية وانطفاء الرأسمالية النيوليبرالية: خصخصة الشبكة العالمية (الإنترنت) والسيطرة عليها من قِبل عمالقة التقنية الرقمية من الأمريكيين والصينيين، والكيفية التي تعاملت بها الحكومات الغربية والبنوك المركزية مع الأزمة المالية الكبرى عام 2008.

يمتاز عصر الإقطاعية التقنية بأنّ الرأسمال فيه شهد طفرة بات معها يوصف بِـ(الرأسمال السحابي Cloud Capital)، وتلك إشارة إلى الحوسبة السحابية التي صارت الفاعلية الأكثر شيوعاً في العالم الرقمي. هذا المال السحابي قوّض دعامتين أساسيّتين في الرأسمالية الكلاسيكية والنيوليبرالية: الأسواق والأرباح. هذا لا يعني أنّ الإقطاعية التقنية لم تعد تهتم بالأسواق والأرباح، بل إنّ ما حصل فعلاً خلال العقدين الماضيين أنّ الأسواق والأرباح تراجعتا من مكانتيهما في مركز النظام الاقتصادي والاجتماعي لعالمنا، ودُفِعتا دفعاً نحو هوامش مقصودة، ثمّ حصل استبدالهما بالكيفية التالية: الأسواق استُبدل بها المنصات التجارية الرقمية التي تبدو للوهلة الأولى أسواقاً كلاسيكية، لكنها ليست كذلك. هي أقرب لأن تكون إقطاعيات (Fiefdoms). أمّا الأرباح فتمّ استبدالها بالمعادل الإقطاعي، وهو الإيجار (Rent)، (وهو كلفة بضاعتك الرقمية في هذه المنصّات).

ما هي الحصيلة الختامية لهذا الاستبدال الجوهري؟ السطوة الحقيقية في عالمنا لم تعد متمركزة بأيدي مالكي الرأسمال الكلاسيكي من آلات ومصانع وسكك حديد وشبكات هاتف وروبوتات صناعية... إلخ، بل صارت السطوة تتمركز أكثر فأكثر بأيدي طبقة جديدة من لوردات الإقطاعية الرقمية، وهي الأخوات الست العظام (أمازون، غوغل، آبل، ميتا «أو فيسبوك»، مايكروسوفت، تسلا). صارت الأخوات النفطية السبع ذكرى منسية من ماضٍ بعيد.

يتساءل فاروفاكيس في تقديمه المهم للكتاب:

«... هل يؤثّر هذا الأمر على الطريقة التي نعيش بها ونختبر حيواتنا من خلالها؟ بالتأكيد يؤثر كثيراً. إدراكُ حقيقة أنّ عالمنا بات محكوماً بإقطاعيين تقنيين سيساعدنا في تفكيك كثير من الأحاجي - الصغيرة والكبيرة - في عالمنا: من الثورة الخضراء المخادعة وقرار إيلون ماسك شراء منصّة «تويتر»، إلى الحرب الباردة الجديدة بين الولايات المتحدة والصين، وكيف أنّ الحرب في أوكرانيا صارت تهدّد عرش السيادة الدولارية الأميركية. سنفهم كذلك حقيقة موت الكائن الليبرالي، واستحالة الديمقراطية الاجتماعية، وزيف وعود العملة الرقمية (الكريبتو Crypto)، وقبل هذا وذاك سنستكشف أبعاد التساؤل الممض الذي لم يزل يتأجج في دواخلنا: كيف السبيل لاستعادة استقلاليتنا، وربما حريتنا...».

كما ذكرتُ سابقاً، كتب فاروفاكيس كتابه الخاص بمختصر تاريخ الرأسمالية على شكل إجابة مطوّلة لتساؤل ابنته، ويبدو أنّ هذه المقاربة السردية قد استأنس لها (وأظنّ أن كثرة من القرّاء شاركوه هذا الاستئناس وأنا منهم)؛ لذا عمد إلى توصيف عصر الإقطاعية التقنية الحالية بهيئة رسالة مطوّلة كتبها إلى أبيه المتوفّى، جواباً عن سؤال كان أبوه قد طرحه عليه عام 1993. بعد مقدّمة مكثفة يأتي متن الكتاب في سبعة فصول، يشرح فاروفاكيس في الفصلين الأوّلين منها التاريخ الكلاسيكي للرأسمالية (تحوّلات الرأسمالية على وجه التحديد)، ثمّ يتناول في الفصل الثالث مفهوم رأس المال السحابي، ثمّ يعقبه في الفصل الرابع نشأة وصعود سطوة السحابيين (The Cloudists)، وخفوت مفهوم الربح الكلاسيكي، ثمّ يتناول في الفصلين الخامس والسادس التأثير العالمي المتعاظم للإقطاعيات التقنية ودورها في الحرب الباردة الجديدة، ثم يخصص الفصل الأخير (السابع) للحديث عن الوسائل المناسبة للهرب من سطوة الإقطاعيين الرقميين. يرفد فاروفاكيس كتابه بملحقات ثلاثة تثري الموضوع الرئيسي للكتاب بإضاءات إضافية.

أهمّ ما نتعلّمه من أطروحة فاروفاكيس هو أنّ النظم الاقتصادية العالمية ما عادت صناعة آيديولوجية خالصة، بل إنّ التقنيات صارت هي العنصر الحاسم في تشكيلها

لن أخفي إعجابي بكتابات فاروفاكيس، وأظنّه يستحقّ هذا الإعجاب، خاصة أنّه يقدّمُ الموضوعات الاقتصادية في سياق تاريخي - اجتماعي - سياسي مركّب، وليس كتلةً معلوماتية/تقنية صلدة، لكنّ هذا الإعجاب ينبغي ألا يتحوّل إلى قناعة راسخة بكلّ أطروحات فاروفاكيس. نحن في النهاية نقرأ ونتساءل ونستكشف ونقارن ونتعلّم. كثيرون يرون أنّ فاروفاكيس يكتب من واقع تجربته المرّة مع الاتحاد الأوروبي الذي يرى أنه سعى لإذلال اليونان ودفعها لتطبيق شروط تقشف صارمة، وآخرون يرون أنّ فاروفاكيس يظل تلميذاً مخلصاً لنزوعه السياسي الماركسي الملطّف بنكهة عقلانية عملية، لكن القارئ الحيادي سيتعلّم كثيراً من أطروحات فاروفاكيس. هي في النهاية ليست آيديولوجيا ملزمة لأحد منّا. أهمّ ما نتعلّمه من أطروحة فاروفاكيس هو أنّ النظم الاقتصادية العالمية ما عادت صناعة آيديولوجية خالصة، بل إنّ التقنيات صارت هي العنصر الحاسم في تشكيلها. هذا ما يجب أن ننتبه إليه في عالمنا العربي بخاصة.

 

الإقطاعية التقنية: ما الذي قتل الرأسمالية؟

(TechnoFeudalism: What Killed Capitalism).

تأليف: يانيس فاروفاكيس Yanis Varoufakis

دار النشر: بودلي هيد

Bodley Head

2023.


الدولة أمام «توحش» التكنولوجيا في كتاب جديد

غلاف كتاب «فلسفة الدولة» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «فلسفة الدولة» (الشرق الأوسط)
TT

الدولة أمام «توحش» التكنولوجيا في كتاب جديد

غلاف كتاب «فلسفة الدولة» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «فلسفة الدولة» (الشرق الأوسط)

أربكت موجات متلاحقة من التطورات التكنولوجية شهدها العالم خلال العقدين الماضيين مفهوم الدولة، انطلاقاً من التقدم العلمي الذي تجلّى في اختراعات وابتكارات تتصاعد كل يوم، مروراً بالوفرة الاتصالية عبر الإنترنت، وصولاً إلى تطبيقات متناهية الصغر تبدأ من الروبوتات وتنتهي إلى الصواريخ العابرة للقارات.

اتخذت تلك التطورات طابعاً كونياً، ووصلت لدرجة من التعقيد في التعامل مع الأجسام متناهية الصغر في حياتنا، ومتناهية البعد في المجرات الأخرى، كل ذلك عبر الأجهزة والتقنيات والشبكات التي حطمت الحدود وقربت المسافات واخترقت كل الأسوار، وأصبحت خطراً يهدد سيادة الدولة بمفهومها التقليدي وأقانيمها الثلاثة (الأرض –الشعب - السلطة).

ومن ثم، أصبح العالم بين خيارين: إما أن تتمكن الدولة من ترويض «وحش التكنولوجيا» الذي أصبح يشكل تهديداً وجودياً لها، أو يفرض «الوحش» شروطه ويقدم مفهوماً جديداً للدولة على مقاسه.

يطرح الدكتور مالك محمد القعقور، الإعلامي اللبناني، تلك الإشكالية بتوسّع في كتابه «فلسفة الدولة أمام التكنولوجيا الكونية»، متتبعا نشأة فكرة الدولة منذ عصر الإغريق وحتى العصور الوسطى وانتهاء بالعصر الحديث، كما يرصد تطورات التكنولوجيا منذ عصر الحرف وحتى عصر البخار ثم الأتمتة، وانتهاء بالعصر النووي.

يشير الكتاب الصادر عن دار أوراق بالقاهرة إلى التفاعل والمنفعة المتبادلة بين الدولة والتكنولوجيا، فالدولة توفر سبل وإمكانيات البحث والتطوير للتكنولوجيا، فيما توفر التكنولوجيا أدوات وآليات تخدم الدولة في مناح مختلف اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وحتى استعماريا.

ويشير المؤلف إلى أن هذه العلاقة التبادلية تغيرت بمرور الزمن، فمع ظهور فكرة العولمة وتحوّل العالم إلى قرية صغيرة، وهو ما يطلق عليه الكاتب مصطلحات مثل «الكوكبة» و«الكونية» و«الشوملة»، تصاعد دور الشركات متعددة الجنسيات التي وصل عددها إلى عشرات الآلاف، بحسب ما ورد في الكتاب. موضحا أن الأقانيم الثلاثة التقليدية، التي كانت تحدد مجال الدولة (أرض وشعب وحكومة)، تحولت إلى أرض وفرد يمتلك مجالاً افتراضياً وشعبا وحكومة، فالتعريف التقليدي للدولة بأنها «تجمع سياسي يؤسس كياناً ذا اختصاص سيادي في نطاق إقليمي محدد، ويمارس السلطة عبر منظومة من المؤسسات الدائمة». لم يعد دقيقاً أو يعبر عن الواقع.

يعزو ذلك إلى أن التكنولوجيين ممثلين في شركات عملاقة عابرة للقارات تجاوزوا دور الدولة، بل أصبحوا يهددون وجودها، وبدأت تظهر تساؤلات حول جدوى «الدولة» وهل هي ضرورية؟ ويستشهد الكاتب، في الكتاب الذي يقع في 372 صفحة، برأي الفيلسوف الفرنسي جاك إلّول (1912 - 1994) في كتابه «خدعة التكنولوجيا» بأن الدولة تذوي ويحل محلها تنظيم اجتماعي غير سياسي مؤسس على نوع معين من المعرفة.

الشركات الكبرى تمكنت من إلغاء الحدود بين الدول، والتغاضي عن القوانين المحلية، مما أثّر على الدولة اقتصادياً واجتماعياً بشكل سلبي، وهناك مثال يطرحه الكتاب في النزاع بين شركة «أبل» والسلطات الفيدرالية الأميركية التي طلبت فك شفرات أجهزة أيفون لمشتبه في تورطه بجرائم إرهاب.

فحين حاولت الدولة مراقبة وسائل الإعلام والاتصالات لمعرفة ما يدور في خلد المواطنين، أو حتى لحماية نفسها أو مجالها السلطوي وجدت نفسها في مواجهة منظومة معقدة من التطور التقني تكاد تكون خارج السيطرة.

كل ذلك انعكس على مفهوم الإنتاج وأدواته ومن ثم على وظائف الدولة، فيمكن استبدال الآلة بالعمالة، وأصبحت هناك تهديدات شاملة عابرة للقوميات، وأخطار مرتبطة بالإنتاج الكيماوي والذري شديد التطور، مما أثّر في دلالات مفاهيم مثل الزمان والمكان والدولة والأمة.

يلفت الكتاب إلى تغيّر مفهوم السيادة في القرن الماضي، مع تطور التكنولوجيا وثورة الاتصالات والمعلومات، وتبدّل قوانين التجارة الدولية وآلياتها بطريقة أصبحت تنتهك السيادة الوطنية، برضا السلطات أو غير رضاها، كما ظهرت إمبراطوريات إعلامية ومؤسسات ومنظمات دولية غير حكومية تخرق سيادة الدول.

تلك التطورات خلقت صراعاً بين الدولة والمواطنين، ساحته شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، الطرفان يتنازعان على أحقية كل منهما في السيادة الافتراضية، فبعد أن كانت السلطة في يد الدولة انتقلت إلى يد الشبكة أو التفاعل بين الشبكات، فالأخيرة أصبحت تتنافس مع الدولة للهيمنة على «المواضيع الساخنة» وإبرازها أمام العالم.

الفلسفة التي أسست مفهوم الدولة، وسبق أن حذرت من مخاطر التكنولوجيا إذا تفلتت من سيطرة الإنسان، يجب أن تتصدى للمأزق الراهن الذي تواجهه الدولة، ويجب إعمال التفكير النقدي في «غربلة» المعلومات للوصول إلى الحقيقة لأنه السبيل الوحيد لعدم تحول البشر إلى «حشود جاهلة» يجرفها في طريقه «فيضان الإلكترون».

د. مالك القعقور

وتدخلت التكنولوجيا وثورة الاتصالات على الشبكة العنكبوتية في الكثير من الأحداث الكبرى، منها جماعة «أنونيموس» المعروفة بالقرصنة الإلكترونية منذ عام 2003، ولهم تعريف مجازي شائع بأنهم «الدماغ العالمي الرقمي اللاسلطوي»، وكان لهذه الجماعة دور في الهجوم على مواقع حكومية مثل موقع وزارة العدل الأميركية.

وقدمت الحركة الدعم الفني لعدد من الثورات العربية وحركة «احتلوا وول ستريت»، وتبنى الثوار في أكثر من دولة شعار الحركة وهو قناع «غاي فوكس» المعروف بـ«فنديتا». من هنا تتكون عصبيات افتراضية، من القبيلة إلى «فيسبوك»، لتشكل البنية الاجتماعية الجديدة في المجتمع الكوني الكبير.

ويتناول الكتاب نموذج المدن الجديدة (ما دون الدولة) التي تحظى بنشاط إنتاجي مميز في مجال معين، وتعرف باسم الدولة المصغرة تتعامل بشكل مستقل عن الدولة أحياناً، ويصل الأمر لدرجة أن يكون لها تمثيل دبلوماسي عبر بعثات تحت شعار الدولة الأم.

ومن مخاطر تشريد العمال إلى تطوير الأسلحة إلى التحكم في الجينات البشرية يتحول التطور التكنولوجي إلى ما يشبه «صندوق بندورا»، الذي يحمل كل شرور العالم، فهو منظومة متضخمة تعجز السياسة أمامها، ومن خصائصها الاستقلال الذاتي، كما أنها تسير وتنتشر في كل أنحاء العالم وفق قوانينها الكونية.

من هنا تصبح الدولة في حاجة إلى تعريف آخر أو إطار جديد يحتويها ويحدد دورها ووظائفها، بعد أن تآكل مبدأ السيادة على جميع الجبهات (الأرض - الشعب - السلطة).

يطرح الكتاب أربعة سيناريوهات محتملة لشكل الدولة الجديد في ظل التطور الهائل للتكنولوجيا الكونية. السيناريو الأول: أن تحل الشركات متعددة الجنسيات محل الدولة، وتتنازل الدولة عن أجزاء من سيادتها لتلك الشركات. السيناريو الثاني: أن تستمر سيادة الدولة وتخسر جزءاً من وظائفها الاقتصادية والمالية. السيناريو الثالث: تشكيل حكومة عالمية (دولة كوكبية) تتنازل لها الدول القومية عن سيادتها. السيناريو الرابع: تفكيكي؛ ومفاده أن تتحول الدولة إلى مئات من الدول القومية الصغيرة بدواع مختلفة.

في النهاية يعلي القعقور من قيمة «التفكير النقدي» وقدرته على تقييم ما سيحمله الغد، مشيراً إلى أن الفلسفة التي أسست مفهوم الدولة، وسبق أن حذرت من مخاطر التكنولوجيا إذا تفلتت من سيطرة الإنسان، تتصدى للمأزق الراهن الذي تواجهه الدولة، وأن إعمال التفكير النقدي في «غربلة» المعلومات للوصول إلى الحقيقة هو السبيل لعدم تحول البشر إلى «حشود جاهلة» يجرفها في طريقه «فيضان الإلكترون».