«ما رأت زينة وما لم تر» في بضع ساعات في ذلك اليوم المأساوي

رشيد الضعيف يوثّق روائياً انفجار مرفأ بيروت

«ما رأت زينة وما لم تر» في بضع ساعات في ذلك اليوم المأساوي
TT

«ما رأت زينة وما لم تر» في بضع ساعات في ذلك اليوم المأساوي

«ما رأت زينة وما لم تر» في بضع ساعات في ذلك اليوم المأساوي

إذا كان الشعر والفن التشكيلي، قد شُغلا بانفجار مرفأ بيروت، الشهير وما تأتّى عنه من انكسارات، ونسف لملامح ثلث العاصمة بيروت، حصلت في غضون لحظات، فإن الرواية بقيت بعيدة عن تناول مآسي الناس، خلال هذه الكارثة وبعدها.

لا غرابة بعد مرور ثلاث سنوات ونيف على الانفجار الكارثي، أن يكون الروائي رشيد الضعيف هو الذي يتناول الموضوع. فهو محب لتأمل التفاصيل، وإعادة كتابة الأحداث العادية جداً، من خلال مجهره الخاص، وبأسلوبه الذي يجمع بين البساطة والطرافة والسخرية أحياناً.

غير أن الانفجار المشؤوم ليس حدثاً يومياً معتاداً، فهو استثناء حتى بين الانفجارات، وفي قدرته التدميرية، وظروفه السياسية. كل هذا لا يعني الروائي في كتابه الجديد «ما رأت زينة وما لم تر» الصادر عن «دار الساقي»، إنما هو رصد تفاصيل بضع ساعات، من حياة زينة التي تعمل في الخدمة المنزلية منذ ربع قرن، لزوجين يعاملانها بلطف ولياقة، ومن الجانب الآخر هناك ابنتها وأختها اللتان تعيش معهما في بيت واحد. بين منزل مخدوميها الأستاذ فيصل وزوجته الست سوسن، اللذين يقطنان في أحد أبراج منطقة الأشرفية، ومنزلها الذي تعيش فيها مع أختها ماري وابنتها بشرى، تمرّ زينة بمار مخايل الشارع المحاذي للمرفأ وهو الذي سيصيبه النصيب الأكبر من الدمار.

إذا كان رشيد الضعيف يحب وصف التفاصيل فهو هذه المرة يبني كل فكرة روايته على الإمعان في الوصف، بحيث يحوّل سرده إلى ما يشبه التوثيق ليوميات بيروتية، في اليوم الذي وقع فيه الانفجار، ومن ثم التحولات التي طرات على حياة الناس بعد هذا الحدث الضخم.

حين تقرأ في مطلع الرواية «الساعة الآن نحو الرابعة بعد الظهر في بيروت... زينة الخمسينية من العمر، في ثياب الخدمة تسقي الزرع على البلكون المطلّ على منظر بانورامي هائل: المرفأ في الوسط، ما بين الجهتين الجنوبية والشمالية من بيروت وضواحيها». سرعان ما يخطر لك، أن زينة ستطل بعد بعض الوقت من الشرفة للمرة الثانية، ليودي بها الانفجار، كما قرأنا عن مصيرين كثيرين في ذاك اليوم المأساوي.

لكننا سرعان ما نكتشف أن الأديب خصص نصف روايته هذه لوصف ما قبل الحدث، وما كان عليه حال الناس في معاشهم، قبل أن يتعرضوا لزلزال إجرامي ينسف ما تبقى من حياتهم.

زينة مع مخدومتها تتحدثان عن الانهيار الاقتصادي، عن فقدان الليرة قيمتها الشرائية، وصعوبة معرفة ما يحتاج إليه الإنسان من أوراق نقدية وهو يخرج من منزله، ليشتري احتياجاته.

وجود الشقة مقابل المرفأ يساعد على وصف المشهد البحري لبيروت الذي سينقلب كلياً بعد ذلك.

وكما يبتكر كل روائي حججه السردية، كي يأخذ النص بالاتجاه الذي يناسبه، فها هو الضعيف يجعل بطلته زينة بعد أن تركب سيارتها الـ«كيا» تعلق في زحمة سير، في شارع مار مخايل الضيق؛ مما سيتيح لها أن تتأمل ما يدور في المحال الصغيرة والمقاهي، وتسمع بعض الأحاديث، والهموم، والمناوشات بين الناس، ليرينا بعد ما يقرب من ساعة أن ما كان حياة وشباباً ودلالاً تحول جحيماً وقد أحرقت النيران، ما تبقى من أعمار، بعد أن قضمت الأزمة الاقتصادية الأرواح.

يحاول رشيد الضعيف أن يوفر العناصر كافة التي ترسم الصورة الكاملة للمأساة اللبنانية. زينة ما كانت لتعمل خادمة في منزل لولا اضطرار زوجها إلى السفر شاباً، وكانت حبلى بابنتها بشرى، لتغرق السفينة وهو على متنها ولا يُعثَر على جثته. «لو أنه لم يغرق في البحر، لكنا اليوم معاً في أميركا. كل يوم في هذه الأزمة التي نعاني منها أحلم بأن زوجي وصل بسلام، وشرع بالعمل، واستدعاني وبدأنا حياة جديدة».

هكذا المحنة لم تبدأ يوم 4 أغسطس (آب)، التراجيديا اللبنانية، تتوارثها الأجيال. ظروف تتوالى، وتتكرر، تدفع إلى الهجرة، تشتت العائلات، ويدفع ثمنها البعض من أرواحهم، كما هي حال زوج زينة. لكنه ليس وحده، مخدومتها أيضاً التي كبرت في السن، تعيش مع زوجها وحيدة، بعد أن هاجر ابنهما جاد إلى سان فرنسيسكو. وسنرى بعد ذلك، وعقب الانفجار، الابن الذي لا يستطيع أن يبحث عن والديه تحت الردم، بسبب بعد المسافة، ولا يعرف كيف يجدهما عبر التلفون.

من يهاجر من الشباب مشكلة، ومن يبقى، مثل بشرى، ابنة زينة مشكلة أكبر. هي في التاسعة عشرة من عمرها توقفت عن الذهاب إلى الجامعة، وبدأت البحث عن عمل، لكن بالطبع العثور على فرصة ليس بالأمر السهل، خاصة لهذه الصبية التي تصرف نهارها في متابعة المسلسلات أمام جهاز التلفزيون. في حين لم تعد والدتها قادرة على إعالة ثلاثة أشخاص في وقت واحد.

الرواية صغيرة، وهي لا تريد سوى تصوير ساعات قليلة فاصلة، من تاريخ بيروت عصر الرابع من أغسطس عام 2020. الزمن مقسّم إلى اثنين، قبل الحدث وبعده. أما الشخصية الرئيسية فهي زينة، والتركيز في الوصف على الشباب من خلال الابنة بشرى، لكن كل الأعمار، رغم قلة الأشخاص الذين نلتقيهم، ممثلون في هذه الصفحات. من بشرى التي تربطها علاقة متوترة بوالدتها، إلى الأخت ماري الستينية إلى الست سوسن وزجها الأكبر سناً.

مجموعة بشرية، من أعمار متباينة، بينها الشاب والكهل، الحي والميت والذي ينتقل إلى العالم الآخر، جميعهم يواجهون قدراً يتجاوزهم، بما بقي لهم من مقومات.

في رحلة الذهاب إلى بيتها، وقد أجبرتها زحمة السير بسيارتها على التوقف في شارع ما مخايل: «أول ما لفت انتباهها، هو أن نسبة الأعمار الشابة تزداد بين الناس». تتأمل أحوال المارة وأصحاب المقاهي والمطاعم، وتسرق اهتمامها أعمال «ترميم واجهة مبنى هي أمامه الآن، فهم يتقدمون بسرعة. لم يمض على بداية الورشة هذه شهر بعد، ولا شك أن شهراً آخر سيكون كافياً لإنجاز العمل».

زينة ليست على ما يرام من الصباح، ثمة نذر شؤم تتوالى، فقد كسرت فنجان شاي في مكان عملها، وها هي بسبب سهيانها واستغراقها في تأمل الشارع تصطدم بالسيارة التي أمامها، لينكسر الشرّ، كما قالت لها الست سوسن، لكن زينة بقيت متشائمة، تحاول أن تجد موقفاً لسياراتها دون جدوى. هذه المهمة المستحيلة التي تصطدم بها كل يوم، لتذهب إلى منزلها.

ليست رواية بقدر ما هي توثيق لا مكان للمفاجأة فيه... لأنها حصلت بحجم زلزال ضخم ويعرفها الجميع. يبقى السؤال: لماذا أراد رشيد الضعيف أن يكتب روايته على هذا النحو؟

تدخلنا الرواية في الأجواء العامة التي أحاطت بالحدث، الانهيار، والمعاناة المعيشية، أزمة المودِعين مع البنوك بعد أن مُنع السحب إلا بالقطارة، مشكلة الكهرباء التي تعاني منها زينة وأهل بيتها، صعوبة الحصول على الماء الساخن وبشرى ابنة زينة، مصابة بما يشبه وسواس النظافة؛ مما يزيد الأمر صعوبة على أهل الدار، مشكلة الإيجارات ومعاناة المالكين، بعد أن فقدت الليرة قيمتها.

عند منتصف الرواية تماماً، وقد عرض الكاتب لحال الناس يحدث الانفجار في لحظة مأساوية، حيث تكون الجارة قد أخرجت طفلها لتحممه على الشرفة، وزينة تتبادل معها الحديث.

يدخل الروائي في ما يشبه التحدي لجعل اللغة قادرة على مجاراة هول المشهد، وفظاعة الأحداث. عناية فائقة في الوصف، بل قل إن الرواية كلها كتبت ليصل الروائي إلى هذه اللحظة التي يصبح فيها الكلام أعجز من أن يصف الأهوال. مشهد الطفل الذي سقط لوح الزجاج عليه وفلقه فلقتين. «وبات الرأس بين يدي أمه، والجسد منفصلاً عنه، وماء الاستحمام تحول أحمر دماً» وبما أن الأم لم تستوعب ما حدث، انتفضت دون أن تفهم أو ترى، فقط نفضت عنها شيئاً يبدو أنه رأس طفلها الذي «هوى فوق المدينة ولم تستطع تحديد المكان الذي استقر فيه، بعد أن تدحرج. زينة بقيت معلقة تحت الباب. «ولأن زينة استقرت تحت الباب مغمياً عليها، لم تر الحائط ينهار على رسام الغرافيتي ويقتله». كما لم تر زينة «كيف شقت دفوف الزجاج الساقطة من أعالي البنايات رؤوس الناس وأجسادهم».

مار مخايل الذي رأته زينة قبل قليل بوداعته وفرحه ونبضه الشابي، يصبح غارقاً بالدماء والجثث. وهذا ما لم تره، لكن الكاتب يصفه لنا نيابةً عنها. «مبنى بكامله يتهاوى على العمال الذين يرممون واجهته، ويطمرهم جميعاً، فلا يعود يبين منهم شيء، واختفوا من الوجود، كأنهم لم يكونوا. هكذا هي أيضاً، المستشفى والممرضة التي كانت قد مرّت بها، والمقاهي والعابرون الأبرياء. كل هؤلاء لم تر زينة ما آل إليه حالهم، لكنها عندما انتشلت، كان عليها أن تهرع بسبب اتصال ابن مخدومتها من أميركا لتذهب وسط الأشلاء والدمار، وتقوم برحلة عذاب مأساوية لتصل إلى البيت الذي عرفته وعملت فيه طوال ربع قرن، لترى ما حلّ بالست سوسن والأستاذ فيصل.

ليست رواية، بقدر ما هي توثيق، لا مكان للمفاجأة فيه؛ لأنها حصلت بحجم زلزال ضخم ويعرفها الجميع. يبقى السؤال، لماذا أراد رشيد الضعيف أن يكتب روايته على هذا النحو؟ وكأنه يعيد رسم الحكاية روائياً، لمن يريد أن يقرأ أو يعتبر.


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.