«ما رأت زينة وما لم تر» في بضع ساعات في ذلك اليوم المأساوي

رشيد الضعيف يوثّق روائياً انفجار مرفأ بيروت

«ما رأت زينة وما لم تر» في بضع ساعات في ذلك اليوم المأساوي
TT

«ما رأت زينة وما لم تر» في بضع ساعات في ذلك اليوم المأساوي

«ما رأت زينة وما لم تر» في بضع ساعات في ذلك اليوم المأساوي

إذا كان الشعر والفن التشكيلي، قد شُغلا بانفجار مرفأ بيروت، الشهير وما تأتّى عنه من انكسارات، ونسف لملامح ثلث العاصمة بيروت، حصلت في غضون لحظات، فإن الرواية بقيت بعيدة عن تناول مآسي الناس، خلال هذه الكارثة وبعدها.

لا غرابة بعد مرور ثلاث سنوات ونيف على الانفجار الكارثي، أن يكون الروائي رشيد الضعيف هو الذي يتناول الموضوع. فهو محب لتأمل التفاصيل، وإعادة كتابة الأحداث العادية جداً، من خلال مجهره الخاص، وبأسلوبه الذي يجمع بين البساطة والطرافة والسخرية أحياناً.

غير أن الانفجار المشؤوم ليس حدثاً يومياً معتاداً، فهو استثناء حتى بين الانفجارات، وفي قدرته التدميرية، وظروفه السياسية. كل هذا لا يعني الروائي في كتابه الجديد «ما رأت زينة وما لم تر» الصادر عن «دار الساقي»، إنما هو رصد تفاصيل بضع ساعات، من حياة زينة التي تعمل في الخدمة المنزلية منذ ربع قرن، لزوجين يعاملانها بلطف ولياقة، ومن الجانب الآخر هناك ابنتها وأختها اللتان تعيش معهما في بيت واحد. بين منزل مخدوميها الأستاذ فيصل وزوجته الست سوسن، اللذين يقطنان في أحد أبراج منطقة الأشرفية، ومنزلها الذي تعيش فيها مع أختها ماري وابنتها بشرى، تمرّ زينة بمار مخايل الشارع المحاذي للمرفأ وهو الذي سيصيبه النصيب الأكبر من الدمار.

إذا كان رشيد الضعيف يحب وصف التفاصيل فهو هذه المرة يبني كل فكرة روايته على الإمعان في الوصف، بحيث يحوّل سرده إلى ما يشبه التوثيق ليوميات بيروتية، في اليوم الذي وقع فيه الانفجار، ومن ثم التحولات التي طرات على حياة الناس بعد هذا الحدث الضخم.

حين تقرأ في مطلع الرواية «الساعة الآن نحو الرابعة بعد الظهر في بيروت... زينة الخمسينية من العمر، في ثياب الخدمة تسقي الزرع على البلكون المطلّ على منظر بانورامي هائل: المرفأ في الوسط، ما بين الجهتين الجنوبية والشمالية من بيروت وضواحيها». سرعان ما يخطر لك، أن زينة ستطل بعد بعض الوقت من الشرفة للمرة الثانية، ليودي بها الانفجار، كما قرأنا عن مصيرين كثيرين في ذاك اليوم المأساوي.

لكننا سرعان ما نكتشف أن الأديب خصص نصف روايته هذه لوصف ما قبل الحدث، وما كان عليه حال الناس في معاشهم، قبل أن يتعرضوا لزلزال إجرامي ينسف ما تبقى من حياتهم.

زينة مع مخدومتها تتحدثان عن الانهيار الاقتصادي، عن فقدان الليرة قيمتها الشرائية، وصعوبة معرفة ما يحتاج إليه الإنسان من أوراق نقدية وهو يخرج من منزله، ليشتري احتياجاته.

وجود الشقة مقابل المرفأ يساعد على وصف المشهد البحري لبيروت الذي سينقلب كلياً بعد ذلك.

وكما يبتكر كل روائي حججه السردية، كي يأخذ النص بالاتجاه الذي يناسبه، فها هو الضعيف يجعل بطلته زينة بعد أن تركب سيارتها الـ«كيا» تعلق في زحمة سير، في شارع مار مخايل الضيق؛ مما سيتيح لها أن تتأمل ما يدور في المحال الصغيرة والمقاهي، وتسمع بعض الأحاديث، والهموم، والمناوشات بين الناس، ليرينا بعد ما يقرب من ساعة أن ما كان حياة وشباباً ودلالاً تحول جحيماً وقد أحرقت النيران، ما تبقى من أعمار، بعد أن قضمت الأزمة الاقتصادية الأرواح.

يحاول رشيد الضعيف أن يوفر العناصر كافة التي ترسم الصورة الكاملة للمأساة اللبنانية. زينة ما كانت لتعمل خادمة في منزل لولا اضطرار زوجها إلى السفر شاباً، وكانت حبلى بابنتها بشرى، لتغرق السفينة وهو على متنها ولا يُعثَر على جثته. «لو أنه لم يغرق في البحر، لكنا اليوم معاً في أميركا. كل يوم في هذه الأزمة التي نعاني منها أحلم بأن زوجي وصل بسلام، وشرع بالعمل، واستدعاني وبدأنا حياة جديدة».

هكذا المحنة لم تبدأ يوم 4 أغسطس (آب)، التراجيديا اللبنانية، تتوارثها الأجيال. ظروف تتوالى، وتتكرر، تدفع إلى الهجرة، تشتت العائلات، ويدفع ثمنها البعض من أرواحهم، كما هي حال زوج زينة. لكنه ليس وحده، مخدومتها أيضاً التي كبرت في السن، تعيش مع زوجها وحيدة، بعد أن هاجر ابنهما جاد إلى سان فرنسيسكو. وسنرى بعد ذلك، وعقب الانفجار، الابن الذي لا يستطيع أن يبحث عن والديه تحت الردم، بسبب بعد المسافة، ولا يعرف كيف يجدهما عبر التلفون.

من يهاجر من الشباب مشكلة، ومن يبقى، مثل بشرى، ابنة زينة مشكلة أكبر. هي في التاسعة عشرة من عمرها توقفت عن الذهاب إلى الجامعة، وبدأت البحث عن عمل، لكن بالطبع العثور على فرصة ليس بالأمر السهل، خاصة لهذه الصبية التي تصرف نهارها في متابعة المسلسلات أمام جهاز التلفزيون. في حين لم تعد والدتها قادرة على إعالة ثلاثة أشخاص في وقت واحد.

الرواية صغيرة، وهي لا تريد سوى تصوير ساعات قليلة فاصلة، من تاريخ بيروت عصر الرابع من أغسطس عام 2020. الزمن مقسّم إلى اثنين، قبل الحدث وبعده. أما الشخصية الرئيسية فهي زينة، والتركيز في الوصف على الشباب من خلال الابنة بشرى، لكن كل الأعمار، رغم قلة الأشخاص الذين نلتقيهم، ممثلون في هذه الصفحات. من بشرى التي تربطها علاقة متوترة بوالدتها، إلى الأخت ماري الستينية إلى الست سوسن وزجها الأكبر سناً.

مجموعة بشرية، من أعمار متباينة، بينها الشاب والكهل، الحي والميت والذي ينتقل إلى العالم الآخر، جميعهم يواجهون قدراً يتجاوزهم، بما بقي لهم من مقومات.

في رحلة الذهاب إلى بيتها، وقد أجبرتها زحمة السير بسيارتها على التوقف في شارع ما مخايل: «أول ما لفت انتباهها، هو أن نسبة الأعمار الشابة تزداد بين الناس». تتأمل أحوال المارة وأصحاب المقاهي والمطاعم، وتسرق اهتمامها أعمال «ترميم واجهة مبنى هي أمامه الآن، فهم يتقدمون بسرعة. لم يمض على بداية الورشة هذه شهر بعد، ولا شك أن شهراً آخر سيكون كافياً لإنجاز العمل».

زينة ليست على ما يرام من الصباح، ثمة نذر شؤم تتوالى، فقد كسرت فنجان شاي في مكان عملها، وها هي بسبب سهيانها واستغراقها في تأمل الشارع تصطدم بالسيارة التي أمامها، لينكسر الشرّ، كما قالت لها الست سوسن، لكن زينة بقيت متشائمة، تحاول أن تجد موقفاً لسياراتها دون جدوى. هذه المهمة المستحيلة التي تصطدم بها كل يوم، لتذهب إلى منزلها.

ليست رواية بقدر ما هي توثيق لا مكان للمفاجأة فيه... لأنها حصلت بحجم زلزال ضخم ويعرفها الجميع. يبقى السؤال: لماذا أراد رشيد الضعيف أن يكتب روايته على هذا النحو؟

تدخلنا الرواية في الأجواء العامة التي أحاطت بالحدث، الانهيار، والمعاناة المعيشية، أزمة المودِعين مع البنوك بعد أن مُنع السحب إلا بالقطارة، مشكلة الكهرباء التي تعاني منها زينة وأهل بيتها، صعوبة الحصول على الماء الساخن وبشرى ابنة زينة، مصابة بما يشبه وسواس النظافة؛ مما يزيد الأمر صعوبة على أهل الدار، مشكلة الإيجارات ومعاناة المالكين، بعد أن فقدت الليرة قيمتها.

عند منتصف الرواية تماماً، وقد عرض الكاتب لحال الناس يحدث الانفجار في لحظة مأساوية، حيث تكون الجارة قد أخرجت طفلها لتحممه على الشرفة، وزينة تتبادل معها الحديث.

يدخل الروائي في ما يشبه التحدي لجعل اللغة قادرة على مجاراة هول المشهد، وفظاعة الأحداث. عناية فائقة في الوصف، بل قل إن الرواية كلها كتبت ليصل الروائي إلى هذه اللحظة التي يصبح فيها الكلام أعجز من أن يصف الأهوال. مشهد الطفل الذي سقط لوح الزجاج عليه وفلقه فلقتين. «وبات الرأس بين يدي أمه، والجسد منفصلاً عنه، وماء الاستحمام تحول أحمر دماً» وبما أن الأم لم تستوعب ما حدث، انتفضت دون أن تفهم أو ترى، فقط نفضت عنها شيئاً يبدو أنه رأس طفلها الذي «هوى فوق المدينة ولم تستطع تحديد المكان الذي استقر فيه، بعد أن تدحرج. زينة بقيت معلقة تحت الباب. «ولأن زينة استقرت تحت الباب مغمياً عليها، لم تر الحائط ينهار على رسام الغرافيتي ويقتله». كما لم تر زينة «كيف شقت دفوف الزجاج الساقطة من أعالي البنايات رؤوس الناس وأجسادهم».

مار مخايل الذي رأته زينة قبل قليل بوداعته وفرحه ونبضه الشابي، يصبح غارقاً بالدماء والجثث. وهذا ما لم تره، لكن الكاتب يصفه لنا نيابةً عنها. «مبنى بكامله يتهاوى على العمال الذين يرممون واجهته، ويطمرهم جميعاً، فلا يعود يبين منهم شيء، واختفوا من الوجود، كأنهم لم يكونوا. هكذا هي أيضاً، المستشفى والممرضة التي كانت قد مرّت بها، والمقاهي والعابرون الأبرياء. كل هؤلاء لم تر زينة ما آل إليه حالهم، لكنها عندما انتشلت، كان عليها أن تهرع بسبب اتصال ابن مخدومتها من أميركا لتذهب وسط الأشلاء والدمار، وتقوم برحلة عذاب مأساوية لتصل إلى البيت الذي عرفته وعملت فيه طوال ربع قرن، لترى ما حلّ بالست سوسن والأستاذ فيصل.

ليست رواية، بقدر ما هي توثيق، لا مكان للمفاجأة فيه؛ لأنها حصلت بحجم زلزال ضخم ويعرفها الجميع. يبقى السؤال، لماذا أراد رشيد الضعيف أن يكتب روايته على هذا النحو؟ وكأنه يعيد رسم الحكاية روائياً، لمن يريد أن يقرأ أو يعتبر.


مقالات ذات صلة

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

كتب هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب،

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب «صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

ليس الكتاب الصوتي نصاً مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى

رشا أحمد (القاهرة)
كتب الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق ما أخطأته المطبعة قبل 29 عاماً أصابته سوق المزادات اليوم (دار مزادات «هيريتيج»)

أخطاء مطبعية تُحوّل نسخة نادرة من «هاري بوتر» إلى «كنز»

بيعت نسخة نادرة من الطبعة الأولى لكتاب «هاري بوتر وحجر الفيلسوف» مقابل 302 ألف جنيه إسترليني، في مزاد أقيم بمدينة دالاس الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من...

ندى حطيط

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟
TT

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب، الذي أقيم بين السابع والحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، احتلّ موقعاً بارزاً، لا بوصفه ابتكاراً في وسائل الإتاحة فحسب، بل بوصفه تجربة ثقافية تعيد طرح أسئلة القراءة نفسها: كيف نتلقّى الأدب حين نسمعه؟ وماذا يضيف صوت الراوي إلى النص؟ وهل تستطيع الحكاية، حين تغادر الصفحة إلى الأذن، أن تبلغ قرّاء لم تكن تصل إليهم من قبل؟

اللافت، أن المعرض منح هذا التحوّل حيّزاً أوسع ضمن «فرانكفورت أوديو»، فجمع بين مركز جديد للقاء الناشرين والمنتجين والمنصّات، ومساحات تتيح للجمهور اكتشاف الأعمال المسموعة والاقتراب من أصحابها. ولم يقتصر البرنامج على مناقشة الأسواق ووسائل الإنتاج؛ بل شمل لقاءات بين الكتّاب والرواة، وفضاءً للاستماع إلى أدب الفانتازيا.

حين يصبح الصوت جزءاً من الكتاب

ليس الكتاب الصوتي نصًّا مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى: نبرة تكشف التردّد، ووقفة تمنح الصمت ثقله، وإيقاع يقرّب الشخصيات أو يباعد بينها. لا يكتب الراوي الحكاية من جديد، لكنه يقترح سبيلاً إلى سماعها، ويصبح أداؤه ضرباً من التأويل؛ فقد يلتقط المستمع في جملة مألوفة سخرية خفيّة أو حزناً لم ينتبه إليه على الصفحة.

وتزداد هذه العلاقة خصوصية حين يقرأ الكاتب سيرته بنفسه. ففي النسخة المسموعة من «وأصبحت» لميشيل أوباما، التي أدّتها بصوتها، يغدو الاستماع لقاءً بين رواية الحياة والصوت الذي يستعيدها. وكانت دار «بنغوين راندوم هاوس» قد وصفت النسخة المسموعة من مذكراتها بأنها الأسرع مبيعاً بين كتبها الصوتية آنذاك.

أما الأعمال الروائية التي ارتبط بها القرّاء طويلاً، فتفتح النسخة المسموعة باباً آخر للعودة إليها. ومن الأمثلة الدالّة اهتمام «فرانكفورت» بعالم «هاري بوتر»؛ إذ تضمّن برنامجه لقاءً مع الأصوات التي أدّت الكتب بالألمانية. هنا لا يأتي الجمهور لاكتشاف الحكاية وحدها، بل للتعرّف إلى من منح شخصياتها حضورها المسموع؛ كأنّ للرواية ذاكرة صوتية تضاف إلى ذاكرتها المكتوبة.

على أن خصوصية هذه التجربة لا تجعل الاستماع أعلى منزلة من القراءة البصرية أو أدنى منها. فقارئ الورق يضبط سرعته، ويتوقّف عند عبارة، ويعود بعينه إلى صفحة سابقة، في حين يختبر المستمع زمناً يصوغه الأداء، وإن استطاع إيقافه أو استعادته. إنهما علاقتان مختلفتان بالنص، ليست امتحاناً لإثبات أفضلية أحدهما على الآخر. وتكمن جاذبية الكتاب الصوتي أيضاً في أنه يوسّع الأوقات التي يمكن للأدب أن يجد فيها مكاناً: في الطريق، وأثناء المشي، وبين الأعمال اليومية.

جمهور يتّسع... ومبيعات يصعب حصرها

تقدّم فرنسا صورة دالّة على اتّساع هذه الصلة. فحسب بارومتر «صوفيا» والنقابة الوطنية للنشر وجمعية أهل الأدب لاستخدامات الكتاب الرقمي والكتاب الصوتي، الذي أنجزه معهد «ميديامتري» ونُشر في 2026، استمع نحو 10.1 مليون شخص، أي 17 في المائة من السكان بين 6 و80 عاماً، إلى كتاب صوتي رقمي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وتكشف الدراسة أيضاً عن أن جمهور هذا النوع من الكتب أصغر سنًّا، في المتوسط، من جمهور الكتاب المطبوع. والأهم ثقافيًّا ليس الرقم وحده، بل ما يفتحه من سؤال: هل يصبح الصوت مدخلاً إلى الأدب لدى فئات لا تجعل القراءة الورقية عادة ثابتة؟

رأت لور ساجيه، المديرة العامة لدار «أوديوليب»، في اتّساع العرض فرصة لتجديد الجمهور. وقالت لصحيفة «لوموند»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إن هذا التطوّر «سيجعل جمهور الكتاب الصوتي أصغر سنًّا، ويوسّع انتشاره». وربطت ذلك بإمكان تجربة مؤلّفين وأجناس مختلفة، بدلاً من حصر الاختيار منذ البداية في عنوان واحد. بهذا المعنى، قد تقود عتبة الاستماع السهلة إلى مغامرة أدبية: قصّة قصيرة لم يكن المتلقّي ليشتريها منفردة، أو كتاب للأطفال، أو كاتب يلتقيه للمرة الأولى.

غير أن عدد المستمعين لا يساوي عدد المشترين، ولا يكفي وحده لقياس مكانة الكتاب الصوتي في اقتصاد النشر. ففي مقالها «سبوتيفاي يربك عالم الكتاب الصوتي» المنشور في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أوضحت «لوموند» أن السوق الفرنسية لا تُقاس بدقّة، بسبب امتناع منصّات رئيسية عن نشر بياناتها، وقدّرتها آنذاك بنحو اثنين في المائة من قطاع النشر. وفي المقابل، تُظهر بيانات جمعية ناشري الكتب الصوتية الأميركية استمرار نموّ الإيرادات في الولايات المتحدة خلال 2025؛ إذ ارتفعت 9 في المائة لتبلغ 2.43 مليار دولار، بما يؤكّد أن الكتاب الصوتي لم يعد تجربة عابرة في أسواق النشر الكبرى. لكنّ نجاحه الثقافي يظلّ أوسع من حصيلته التجارية.

مَن يتحكّم في بوابة الاستماع؟

خلف الألفة التي يصنعها صوت الراوي، تقف وساطة أخرى أقلّ ظهوراً: المنصّة التي يكتشف عبرها المستمع كتابه. في فرنسا، رسّخت «أوديبل»، التابعة لـ«أمازون»، موقعاً مهيمناً في هذا المجال. وقدّرت صحيفة «لو فيغارو»، في مقالها «سبوتيفاي يستثمر مليون يورو لإنتاج كتب صوتية في أوروبا»، المنشور في 11 أبريل (نيسان) 2025، حصّتها آنذاك بنحو ثلثي السوق الفرنسية. وتناول المقال نفسه استثماراً أعلنت عنه «سبوتيفاي» لدعم الإنتاج في أسواق من بينها فرنسا وهولندا. وفي حديثها إلى «لوموند»، وصفت لور ساجيه عرضَي «أوديبل» و«سبوتيفاي» بأنهما «عرضان متكاملان»، يتيحان بيع كتب مختلفة. وأوضحت أن الاضطرار إلى مفاضلة حاسمة قد يدفع إلى اختيار الكتب الأشهر أو الأطول، في حين يشجّع إمكان التجربة على التنقّل بين مؤلّفين وأجناس أدبية قبل الاستقرار على عمل بعينه.

الناشرون بين توسيع الجمهور وحماية القيمة

لا يقف الناشرون خارج هذا التحوّل؛ فهم من يصنع مادّته الأدبية ويختار الأصوات التي تحملها. وفي فرنسا، تعمل دور متخصّصة، من بينها «أوديوليب» المرتبطة بهاشيت وألبان ميشيل، و«ليزي» التابعة لإديتيس، إلى جانب نشاط مجموعة «مادريغال»، على توسيع حضور الكتاب الصوتي. وقد ربط مسؤولو هذه الجهات وصول منصّات جديدة بإمكان تنويع الجمهور وإعادة تحريك أعمال من رصيدهم المنشور، لا بالاكتفاء بمرافقة الإصدارات الحديثة.

وفي هذا السياق، قال إريك ماربو، مدير المبيعات الرقمية في مجموعة «مادريغال»، لصحيفة «لوموند» إن العرض الجديد يتيح «استقطاب مستمعين عرضيّين جدد»، ولاحظ «تنوّعاً جميلاً في الأعمال المستمع إليها»، مرحّباً خصوصاً بالتفات الجمهور إلى عناوين أقدم في فهارس المجموعة. وهذه نقطة جوهرية في الرهان الثقافي: أن يمنح الصوت الكتاب حياة إضافية، وأن يعيده إلى التداول بعدما يكون قد ابتعد عن واجهات المكتبات.

وقد أعادت الكتب الصوتية إلى بعض روائع الأدب الكلاسيكي قرّاءً جدداً؛ فاستعادت «البؤساء» لفيكتور هوغو و«الكونت دي مونت كريستو» لألكسندر دوما حضورها بين المستمعين، كما سهّلت التسجيلات الصوتية الاقتراب من «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست. وشهدت «كبرياء وهوى» لجين أوستن ارتفاعاً ملحوظاً في الاستماع، بما يثبت أن الصوت قادر على إحياء النصوص القديمة وإعادة الشباب إليها.

وبعيداً عن التفاؤل التجاري الذي يحمله هذا القول، فإن جمهور الكتاب الصوتي ليس كتلة واحدة؛ فتعدّد منافذ الوصول يمكن أن يتيح طرائق متباينة للقاء الأدب، بشرط أن يصاحبه تعدّد حقيقي في الأعمال المعروضة. ومن هنا يتّصل السؤال الثقافي بالتجاري: كيف تصل رواية أقلّ شهرة إلى الأذن التي قد تحبّها؟ وما الذي يضمن بقاء مكان للقصّة القصيرة، وللأعمال التي تحتاج إلى إصغاء صبور، حين يصبح الإقبال معياراً حاسماً في الاختيار؟ إن زيادة المعروض فرصة، لكنها لا تكفي وحدها لصون التنوّع. فليست قيمة الكتاب في قدرته على جمع ساعات الاستماع فحسب، بل في التجربة التي يتركها، ولو لدى جمهور محدود.


«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي
TT

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

يوثِّق كتاب «كتابة المذبحة... أشكال تناول صبرا وشاتيلا»، الصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، للباحثة سمية ممدوح الشامي، الكثير من وقائعها، كما يأتي مواكباً للذكرى الرابعة والأربعين لحدث اختلط فيه السياسي بالإنساني بالثقافي، وتعددت بشأنه السرديات والشهادات، لكن المؤكد أنه يظل وصمة عار على جبين كل حر، حتى لو لم يعاصر وقائع إبادة المخيمين اللذين كانا يضمان لاجئين فلسطينيين في بيروت بين يومي 16 و18 سبتمبر (أيلول) 1982.

وحسب تقارير الأمم المتحدة، دخل مسلحون من «القوات اللبنانية»، الجناح العسكري لـ«حزب الكتائب»، إلى صبرا وشاتيلا، واستمرت عمليات القتل الجماعي نحو 43 ساعة لتخلف أعداداً غير مسبوقة من الضحايا، بينهم جثامين أطفال ونساء، لكن الكتاب الذي كان في الأصل آخر رسالة علمية بالإنجليزية ناقشتها الكاتبة والأكاديمية الراحلة رضوى عاشور قبل أسابيع من رحيلها في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، يعيد تفكيك سردية المذبحة من منظور ثقافي ليرصد تجلياتها في التحليل الغربي والرواية العربية، على حد سواء.

يتوقف الكتاب، الذي ترجمته نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي وراجعه عمرو زكريا عبد الله، بشكل خاص، عند تجارب ثلاثة مثقفين غربيين اختاروا أن ينظروا إلى المأساة الفلسطينية من خارج القوالب الجاهزة، وأن يستندوا إلى ما شاهدوه وقرأوه وعايشوه، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الإعلامي السائد آنذاك.

على رأس هؤلاء يأتي الكاتب الفرنسي جان جينيه، لا سيما مقاله «أربع ساعات في شاتيلا» الذي يصف فيه، بلغة مشحونة بالألم، تفاصيل الصدمة التي خلفتها المشاهد التي رآها، كما توقف مطولاً عند إشكالية اللغة التي استخدمها الخطاب السياسي في وصف الفلسطينيين، وكيف يمكن لكلمة أو توصيف مختزل أن يحجب إنسانية الضحية ويطمس هويتها، كما ذهب إلى أن الواقعة تحولت من منظوره إلى مواجهة أوسع مع الاستبداد، بعد أن بات «يشتم رائحة الموت تنبعث من جسده»، وفق تعبيره.

وفيما يتعلق بالصحافي البريطاني روبرت فيسك، فقد اقترب من مأساة المخيم بأدوات التحقيق الصحافي الميداني، إذ توجه إلى المكان وعاين آثار المذبحة وطرح أسئلة مباشرة حول الروايات التي قُدمت لتفسير ما حدث، ومن بين ما لفت انتباهه الطريقة التي جرى بها استخدام اللغة، مثل استبدال تعبير فضفاض هو «أحداث» بكلمة «مذبحة»، أو حذف كلمة «فلسطيني» من بعض الصياغات، بما يسهم في طمس حقيقة ما جرى.

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، فيركز على الروايات الرسمية والحجج التي قُدمت حول المذبحة، محاولاً تفكيك ما اعتبره «تناقضات داخل بنيتها»، عبر أدوات التحليل والسخرية للكشف عن الفجوات بين ما قيل وما حدث على الأرض. كما توقف كذلك عند الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجدل السياسي إلى وسيلة لإغلاق النقاش، من خلال وضع «منتقدي الصهيونية» تلقائياً في مواجهة اتهامات بـ«معاداة السامية»، بما يصرف الانتباه عن مناقشة الظروف السياسية التي أحاطت بالمذبحة، على حد تعبيره.

في المقابل، تتوقف الباحثة عند ثلاث روايات عربية، هي: «الحب في المنفى» لبهاء طاهر، و«الطنطورية» لرضوى عاشور، و«باب الشمس» لإلياس خوري، إذ تتناول تلك النصوص المأساة من زوايا مختلفة، وتقدم سردية أدبية إبداعية لما حدث بالفعل، من خلال منظور فني يستند إلى سردية الواقع.

تضع «الحب في المنفى» الواقعة في سياق إنساني يتجاوز حدود فلسطين ولبنان، فالرواية تربط بين ما يواجهه المعارضون في العالم العربي وبين مآسٍ شهدتها شعوب أخرى، من تشيلي وغينيا إلى إسبانيا، لتصبح «صبرا وشاتيلا» واحدة من صور القمع التي يتعرض لها الإنسان عندما يتم إخضاع الآخرين وسلب حقوقهم بالقهر. وتقدم «الطنطورية» معالجة مختلفة، إذ تمتد أحداث الرواية زمنياً من نكبة 1948 إلى تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، عبر حكايات الشخصيات وذكرياتها وما عاشته من تهجير وفقد، عبر سردية تمتزج فيها التفاصيل التاريخية مع جوانب من الحياة اليومية والتراث الشعبي الفلسطيني، مما يمنح الأحداث بعداً إنسانياً لافتاً. وتعيد «باب الشمس» بناء جانب واسع من تاريخ النكبة من خلال قصص الفلسطينيين وذاكرتهم، مثل سقوط قرى: عين الزيتون والبروة والشعب خلال عام 1948، فالكاتب هنا لا يتوقف فقط عند الأحداث الكبرى المحفورة في الوجدان العام، إنما يهتم أيضاً بالتفاصيل الصغيرة التي حفظها أصحابها، من أسماء الأماكن إلى حكايات العائلات وتجارب النزوح.


الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني
TT

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»، من تأليف الرحالة والشاعر والدبلوماسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، ترجمة أسامة الغزولي.

يعد الكتاب سجلاً تاريخياً واجتماعياً يلتقي فيه الخاص بالعام، والسفر بالتأمل السياسي، عبر مفارقة نادرة لرجل انحاز للشرق وتعاطف معه ضد سياسات بلاده الاستعمارية، كما يكتسب أهمية خاصة للقارئ العربي لأنه يقدم شهادة شخصية مباشرة على مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المنطقة، تمتد في الأصل إلى الفترة من 1888 إلى 1914.

عاش بلنت في الفترة من 1840 حتى 1922، وعمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بين عامي 1858 و1869، ثم اتجه لاحقاً إلى السفر والكتابة، وارتبط اهتمامه بالشرق بعلاقته بزوجته الليدي آن بلنت، حفيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، إذ جاب الزوجان مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وأسسا لاحقاً مزرعة لتربية الخيول العربية.

ورغم ذلك، لم يكن اهتمامه بالشرق مجرد شغف بالرحلات أو بالحياة البدوية، فقد تطور تدريجياً إلى موقف سياسي ناقد للإمبريالية البريطانية، بالتزامن مع موقف أقرب إلى الانبهار بالثقافة العربية.

وتكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفه لم يكن مؤرخاً يكتب بعد عقود من وقوع الأحداث، وإنما رجل تحرك داخل دوائر سياسية واجتماعية متعددة، وشاهد شخصيات وأحداثاً وصراعات كانت لا تزال في طور التشكل، ولذلك تبدو اليوميات أقرب إلى كاميرا تتحرك بين لندن والقاهرة ومناطق الشرق، فتسجل الانطباعات والمحادثات والأخبار والقرارات، ثم تربطها بسياق سياسي أكبر.

ينتقل المؤلف إلى تونس وليبيا، في خطوة من شأنها توسيع زاوية النظر من مصر إلى شمال أفريقيا في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتنافس على المنطقة، كما أولى شبه الجزيرة العربية اهتماماً خاصاً، في إطاراهتمامه بالخيول العربية والمجتمعات البدوية، إذ انتقد النظرة الغربية المنحازة سلفاً ضد المجتمعات المحلية.

يتسع المشهد ليشمل السودان أيضاً، من خلال فصل «أم درمان وفاشودة»، حيث تدخل اليوميات في قلب التنافس البريطاني الفرنسي في أفريقيا، ضمن محطات التوتر بين القوتين في نهاية القرن التاسع عشر، مع تحول موقف المؤلف من «الاستشراق الرومانسي» في شبابه إلى بلورة موقف نقدي أكثر تماسكاً للسياسة الاستعمارية.

ولأنه شاعر في الأساس، لا يمكن فصل الحس الأدبي عن طريقة كتابة اليوميات لدى ويلفريد بلنت فحتى عندما يتناول الشأن السياسي المباشر لا يكتفي بتسجيل أسماء المسؤولين أو القرارات، إنما يهتم بالشخصيات وطباعها وعلاقاتها بما وراء التصريحات الرسمية، عبر لغة تجمع بين الصورة الأدبية ودقة المؤرخ والحس التوثيقي.

على هذه الخلفية، يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه وثيقة محايدة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري تحديداً، فالمؤلف نفسه شخصية سياسية ذات مواقف واضحة، فقد عاش خصماً للسياسة الإمبراطورية البريطانية، ومناصراً لثورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وهو ما يعني أن اختياراته لما يسجله وطريقته في وصف الشخصيات والأحداث تأثرت برؤيته الفكرية كناقد للإمبريالية ومتعاطف مع الحركة الوطنية المصرية.

من هنا تكتسب المواجهة بين بلنت واللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أهمية خاصة لأنها تكاد تكون مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمصر بعيون إنجليزية، فالثاني يمثل الإدارة الاستعمارية ويدافع عن تجربتها في مستعمرات الشرق، بينما كان بلنت يرى أن الوجود البريطاني تحول إلى سيطرة سياسية تتعارض مع حق المصريين في تقرير مستقبلهم.

اللافت أن هذه اليوميات تجعل التاريخ أقل تجريداً وحيادية كما تمنحه بعداً شخصياً ملموساً، فبدلاً من أن نقرأ الاحتلال البريطاني للبلدان العربية في صورة تواريخ ومعاهدات وأسماء حكام، نراه من خلال رجل يتحرك بين لندن والشرق، ويتابع العلاقات بين القوى السياسية، ويراقب المجتمع والناس، ويكتب عن صراع الإمبراطوريات وهي تتوسع، على نحو يثبت أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، وإنما شبكة من النفوذ المالي والإداري والسياسي والثقافي.