«ما رأت زينة وما لم تر» في بضع ساعات في ذلك اليوم المأساوي

رشيد الضعيف يوثّق روائياً انفجار مرفأ بيروت

«ما رأت زينة وما لم تر» في بضع ساعات في ذلك اليوم المأساوي
TT

«ما رأت زينة وما لم تر» في بضع ساعات في ذلك اليوم المأساوي

«ما رأت زينة وما لم تر» في بضع ساعات في ذلك اليوم المأساوي

إذا كان الشعر والفن التشكيلي، قد شُغلا بانفجار مرفأ بيروت، الشهير وما تأتّى عنه من انكسارات، ونسف لملامح ثلث العاصمة بيروت، حصلت في غضون لحظات، فإن الرواية بقيت بعيدة عن تناول مآسي الناس، خلال هذه الكارثة وبعدها.

لا غرابة بعد مرور ثلاث سنوات ونيف على الانفجار الكارثي، أن يكون الروائي رشيد الضعيف هو الذي يتناول الموضوع. فهو محب لتأمل التفاصيل، وإعادة كتابة الأحداث العادية جداً، من خلال مجهره الخاص، وبأسلوبه الذي يجمع بين البساطة والطرافة والسخرية أحياناً.

غير أن الانفجار المشؤوم ليس حدثاً يومياً معتاداً، فهو استثناء حتى بين الانفجارات، وفي قدرته التدميرية، وظروفه السياسية. كل هذا لا يعني الروائي في كتابه الجديد «ما رأت زينة وما لم تر» الصادر عن «دار الساقي»، إنما هو رصد تفاصيل بضع ساعات، من حياة زينة التي تعمل في الخدمة المنزلية منذ ربع قرن، لزوجين يعاملانها بلطف ولياقة، ومن الجانب الآخر هناك ابنتها وأختها اللتان تعيش معهما في بيت واحد. بين منزل مخدوميها الأستاذ فيصل وزوجته الست سوسن، اللذين يقطنان في أحد أبراج منطقة الأشرفية، ومنزلها الذي تعيش فيها مع أختها ماري وابنتها بشرى، تمرّ زينة بمار مخايل الشارع المحاذي للمرفأ وهو الذي سيصيبه النصيب الأكبر من الدمار.

إذا كان رشيد الضعيف يحب وصف التفاصيل فهو هذه المرة يبني كل فكرة روايته على الإمعان في الوصف، بحيث يحوّل سرده إلى ما يشبه التوثيق ليوميات بيروتية، في اليوم الذي وقع فيه الانفجار، ومن ثم التحولات التي طرات على حياة الناس بعد هذا الحدث الضخم.

حين تقرأ في مطلع الرواية «الساعة الآن نحو الرابعة بعد الظهر في بيروت... زينة الخمسينية من العمر، في ثياب الخدمة تسقي الزرع على البلكون المطلّ على منظر بانورامي هائل: المرفأ في الوسط، ما بين الجهتين الجنوبية والشمالية من بيروت وضواحيها». سرعان ما يخطر لك، أن زينة ستطل بعد بعض الوقت من الشرفة للمرة الثانية، ليودي بها الانفجار، كما قرأنا عن مصيرين كثيرين في ذاك اليوم المأساوي.

لكننا سرعان ما نكتشف أن الأديب خصص نصف روايته هذه لوصف ما قبل الحدث، وما كان عليه حال الناس في معاشهم، قبل أن يتعرضوا لزلزال إجرامي ينسف ما تبقى من حياتهم.

زينة مع مخدومتها تتحدثان عن الانهيار الاقتصادي، عن فقدان الليرة قيمتها الشرائية، وصعوبة معرفة ما يحتاج إليه الإنسان من أوراق نقدية وهو يخرج من منزله، ليشتري احتياجاته.

وجود الشقة مقابل المرفأ يساعد على وصف المشهد البحري لبيروت الذي سينقلب كلياً بعد ذلك.

وكما يبتكر كل روائي حججه السردية، كي يأخذ النص بالاتجاه الذي يناسبه، فها هو الضعيف يجعل بطلته زينة بعد أن تركب سيارتها الـ«كيا» تعلق في زحمة سير، في شارع مار مخايل الضيق؛ مما سيتيح لها أن تتأمل ما يدور في المحال الصغيرة والمقاهي، وتسمع بعض الأحاديث، والهموم، والمناوشات بين الناس، ليرينا بعد ما يقرب من ساعة أن ما كان حياة وشباباً ودلالاً تحول جحيماً وقد أحرقت النيران، ما تبقى من أعمار، بعد أن قضمت الأزمة الاقتصادية الأرواح.

يحاول رشيد الضعيف أن يوفر العناصر كافة التي ترسم الصورة الكاملة للمأساة اللبنانية. زينة ما كانت لتعمل خادمة في منزل لولا اضطرار زوجها إلى السفر شاباً، وكانت حبلى بابنتها بشرى، لتغرق السفينة وهو على متنها ولا يُعثَر على جثته. «لو أنه لم يغرق في البحر، لكنا اليوم معاً في أميركا. كل يوم في هذه الأزمة التي نعاني منها أحلم بأن زوجي وصل بسلام، وشرع بالعمل، واستدعاني وبدأنا حياة جديدة».

هكذا المحنة لم تبدأ يوم 4 أغسطس (آب)، التراجيديا اللبنانية، تتوارثها الأجيال. ظروف تتوالى، وتتكرر، تدفع إلى الهجرة، تشتت العائلات، ويدفع ثمنها البعض من أرواحهم، كما هي حال زوج زينة. لكنه ليس وحده، مخدومتها أيضاً التي كبرت في السن، تعيش مع زوجها وحيدة، بعد أن هاجر ابنهما جاد إلى سان فرنسيسكو. وسنرى بعد ذلك، وعقب الانفجار، الابن الذي لا يستطيع أن يبحث عن والديه تحت الردم، بسبب بعد المسافة، ولا يعرف كيف يجدهما عبر التلفون.

من يهاجر من الشباب مشكلة، ومن يبقى، مثل بشرى، ابنة زينة مشكلة أكبر. هي في التاسعة عشرة من عمرها توقفت عن الذهاب إلى الجامعة، وبدأت البحث عن عمل، لكن بالطبع العثور على فرصة ليس بالأمر السهل، خاصة لهذه الصبية التي تصرف نهارها في متابعة المسلسلات أمام جهاز التلفزيون. في حين لم تعد والدتها قادرة على إعالة ثلاثة أشخاص في وقت واحد.

الرواية صغيرة، وهي لا تريد سوى تصوير ساعات قليلة فاصلة، من تاريخ بيروت عصر الرابع من أغسطس عام 2020. الزمن مقسّم إلى اثنين، قبل الحدث وبعده. أما الشخصية الرئيسية فهي زينة، والتركيز في الوصف على الشباب من خلال الابنة بشرى، لكن كل الأعمار، رغم قلة الأشخاص الذين نلتقيهم، ممثلون في هذه الصفحات. من بشرى التي تربطها علاقة متوترة بوالدتها، إلى الأخت ماري الستينية إلى الست سوسن وزجها الأكبر سناً.

مجموعة بشرية، من أعمار متباينة، بينها الشاب والكهل، الحي والميت والذي ينتقل إلى العالم الآخر، جميعهم يواجهون قدراً يتجاوزهم، بما بقي لهم من مقومات.

في رحلة الذهاب إلى بيتها، وقد أجبرتها زحمة السير بسيارتها على التوقف في شارع ما مخايل: «أول ما لفت انتباهها، هو أن نسبة الأعمار الشابة تزداد بين الناس». تتأمل أحوال المارة وأصحاب المقاهي والمطاعم، وتسرق اهتمامها أعمال «ترميم واجهة مبنى هي أمامه الآن، فهم يتقدمون بسرعة. لم يمض على بداية الورشة هذه شهر بعد، ولا شك أن شهراً آخر سيكون كافياً لإنجاز العمل».

زينة ليست على ما يرام من الصباح، ثمة نذر شؤم تتوالى، فقد كسرت فنجان شاي في مكان عملها، وها هي بسبب سهيانها واستغراقها في تأمل الشارع تصطدم بالسيارة التي أمامها، لينكسر الشرّ، كما قالت لها الست سوسن، لكن زينة بقيت متشائمة، تحاول أن تجد موقفاً لسياراتها دون جدوى. هذه المهمة المستحيلة التي تصطدم بها كل يوم، لتذهب إلى منزلها.

ليست رواية بقدر ما هي توثيق لا مكان للمفاجأة فيه... لأنها حصلت بحجم زلزال ضخم ويعرفها الجميع. يبقى السؤال: لماذا أراد رشيد الضعيف أن يكتب روايته على هذا النحو؟

تدخلنا الرواية في الأجواء العامة التي أحاطت بالحدث، الانهيار، والمعاناة المعيشية، أزمة المودِعين مع البنوك بعد أن مُنع السحب إلا بالقطارة، مشكلة الكهرباء التي تعاني منها زينة وأهل بيتها، صعوبة الحصول على الماء الساخن وبشرى ابنة زينة، مصابة بما يشبه وسواس النظافة؛ مما يزيد الأمر صعوبة على أهل الدار، مشكلة الإيجارات ومعاناة المالكين، بعد أن فقدت الليرة قيمتها.

عند منتصف الرواية تماماً، وقد عرض الكاتب لحال الناس يحدث الانفجار في لحظة مأساوية، حيث تكون الجارة قد أخرجت طفلها لتحممه على الشرفة، وزينة تتبادل معها الحديث.

يدخل الروائي في ما يشبه التحدي لجعل اللغة قادرة على مجاراة هول المشهد، وفظاعة الأحداث. عناية فائقة في الوصف، بل قل إن الرواية كلها كتبت ليصل الروائي إلى هذه اللحظة التي يصبح فيها الكلام أعجز من أن يصف الأهوال. مشهد الطفل الذي سقط لوح الزجاج عليه وفلقه فلقتين. «وبات الرأس بين يدي أمه، والجسد منفصلاً عنه، وماء الاستحمام تحول أحمر دماً» وبما أن الأم لم تستوعب ما حدث، انتفضت دون أن تفهم أو ترى، فقط نفضت عنها شيئاً يبدو أنه رأس طفلها الذي «هوى فوق المدينة ولم تستطع تحديد المكان الذي استقر فيه، بعد أن تدحرج. زينة بقيت معلقة تحت الباب. «ولأن زينة استقرت تحت الباب مغمياً عليها، لم تر الحائط ينهار على رسام الغرافيتي ويقتله». كما لم تر زينة «كيف شقت دفوف الزجاج الساقطة من أعالي البنايات رؤوس الناس وأجسادهم».

مار مخايل الذي رأته زينة قبل قليل بوداعته وفرحه ونبضه الشابي، يصبح غارقاً بالدماء والجثث. وهذا ما لم تره، لكن الكاتب يصفه لنا نيابةً عنها. «مبنى بكامله يتهاوى على العمال الذين يرممون واجهته، ويطمرهم جميعاً، فلا يعود يبين منهم شيء، واختفوا من الوجود، كأنهم لم يكونوا. هكذا هي أيضاً، المستشفى والممرضة التي كانت قد مرّت بها، والمقاهي والعابرون الأبرياء. كل هؤلاء لم تر زينة ما آل إليه حالهم، لكنها عندما انتشلت، كان عليها أن تهرع بسبب اتصال ابن مخدومتها من أميركا لتذهب وسط الأشلاء والدمار، وتقوم برحلة عذاب مأساوية لتصل إلى البيت الذي عرفته وعملت فيه طوال ربع قرن، لترى ما حلّ بالست سوسن والأستاذ فيصل.

ليست رواية، بقدر ما هي توثيق، لا مكان للمفاجأة فيه؛ لأنها حصلت بحجم زلزال ضخم ويعرفها الجميع. يبقى السؤال، لماذا أراد رشيد الضعيف أن يكتب روايته على هذا النحو؟ وكأنه يعيد رسم الحكاية روائياً، لمن يريد أن يقرأ أو يعتبر.


مقالات ذات صلة

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

كتب المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة.

ندى حطيط
كتب وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء،

فيصل بن عبد الرحمن بن معمر
كتب باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية،

بدر الخريف (الرياض)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية
TT

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة. إنها، في جوهرها، الفعل الإنساني الأقدم الذي رافق وجودنا على هذا الكوكب منذ اللحظة التي أدرك فيها أول كائنين من نوعنا أن البقاء يمكن تحققه بغير الصراع حتى الموت، عبر التفاوض على الموارد، والمساحات، والسلام.

تشتق كلمة مفاوضات باللغة الإنجليزية (Negotiation) من الجذر اللاتيني «Negare Otium»، التي تعني حرفياً «نفي الراحة» أو «حرمان النفس من الفراغ». وهذا التعريف اللغوي يختصر حكاية تاريخنا البشري: المفاوضات هي ضريبة العيش المشترك: عملية ذهنية شاقة تتطلب التخلي عن «الراحة» (التي قد تعني التمسك بالرأي أو الغريزة) للوصول إلى أرضية مشتركة.

لكن لماذا نتفاوض أصلاً؟ يجادل عالم الاجتماع جوناثان غودمان Jonathan Goodman في كتابه «منافسون خفيون Invisible Rivals: How We Evolved to Compete in a Cooperative World» بأننا لسنا «ملائكة» متعاونين بالفطرة، ولا «أشراراً» أنانيين بطبعنا. نحن ببساطة كائنات «تنتظر الفرصة». هذه «الفرصة» لاقتناص مكسبٍ دون تكلفة هي المحرك الخفي لكل صراعاتنا وتوافقاتنا. ومن هنا، فإن تاريخ المفاوضات هو في الحقيقة تاريخ محاولتنا المستمرة للسيطرة على هذه النزعة الانتهازية، والمقايضة تكون بذلك أول اختبار لترويض الغريزة.

في العصور السحيقة، لم يكن ثمة «مفاوض» محترف، بل بشر يطمحون للنجاة. حين بادل الإنسان الأول قطعة لحمٍ بحفنة من الحبوب، لم يكن يقوم بعملية اقتصادية فحسب، بل يُجري أول تجربة في «نظرية الألعاب» لحساب احتمالات الربح والخسارة. يرى روبرت أكسلرود Robert Axelrod في كتابه «تطور التعاون» (The Evolution of Cooperation)، أن تلك المبادلات الأولى كانت ضروريةً لإنشاء ما نسميه «المعاملة بالمثل». لقد تحتمّ على البشر إدراك أن التعاون هو الاستراتيجية الأكثر نجاحاً في الأمد الطويل، ليس بوصفنا «خيّرين بالفطرة»، بل لأن «الدماغ الاجتماعي» لدينا تطور ليقدّر: هل الطرف الآخر شريك يمكن الوثوق به، أم هو منافس خفي يترقب الفرصة للغدر بنا؟

ومع تطور المجتمعات، تحولت هذه المقايضات من التلقائية إلى هياكل مؤسسية (قوانين، عقود، أعراف). في بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة، كانت العقود محاولة لتسييج «القيمة»؛ أي لمنع الأفراد من استغلال بعضهم البعض، ونقل المجتمع من منطق الغابة إلى قانون العقد.

تطور الأمر وصولاً إلى «صلح وستفاليا» في القرن السابع عشر، الذي وضع القواعد الأساسية للدبلوماسية الحديثة. منذئذ، أصبحت المفاوضات هي اللغة الوحيدة المعترف بها بين الدول، وغدا التنازل المتبادل هو الثمن الذي تدفعه الدول لتجنب الحروب الشاملة. إن تاريخ العالم هو فعلياً تاريخ للاتفاقات التي تم التوصل إليها، والحروب التي اندلعت حين فشلت هذه المفاوضات.

بيد أن هذه الهياكل ليست حصينة دائماً. فحين تنهار الثقة أو تتفاقم الطموحات بالربح، تنكشف هشاشة تلك القواعد، ويعلو صوت القوة فوق الحق. وعلى المسرح الجيوسياسي، تتخذ تمظهرات أكثر تعقيداً. خذ على سبيل المثال التوترات الأحدث بين الولايات المتحدة وإيران عندما لا تقتصر المفاوضات على الطاولة المستديرة في إسلام آباد؛ بل تتجاوزها لتشمل العقوبات الاقتصادية، والتحركات العسكرية، والرسائل المبطنة، والدبلوماسية الخلفية. وفي هذه البيئات، لا نلجأ فقط إلى العقلانية الاقتصادية، بل ندخل في متاهات علم النفس السياسي، حيث تُستخدم استراتيجيات قد تبدو غير منطقية لتحقيق مكاسب استراتيجية.

في خضم هذا الصراع الجيوسياسي، استعادت الصحف مصطلحاً تاريخياً مثيراً للجدل: «نظرية الرجل المجنون» (Madman Theory) في المفاوضات التي صاغها الحائز على جائزة نوبل توماس شيلينغ Thomas Schelling في كتابه «استراتيجية الصراع» (The Strategy of Conflict). وتقوم النظرية - التي اشتهرت في عهد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ومستشاره هنري كيسنجر خلال الحرب الباردة - على فكرة أن يقوم المفاوض بتبني سلوك يبدو «غير عقلاني» تجاه الخصم، لإقناعه بأن لديه استعداداً للذهاب إلى أقصى الحدود، حتى لو أدى ذلك إلى كارثة.

الهدف من هذا الجنون الموجه إخافة الخصم ليدفعه إلى التنازل طواعية دون الحاجة لخوض مواجهة مباشرة. ولكن في عالمنا المعاصر، ومع التداخل الكبير في شبكات المصالح العالمية، أصبحت هذه الاستراتيجية سلاحاً ذا حدين. فالمفاوضات اليوم تتطلب «بناء الثقة» أكثر من «بناء الرعب»، إذ إن التمادي في تكتيكات «الرجل المجنون» قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فيفقد الأطراف القدرة على تقدير النوايا، ما يقود إلى سوء التقدير الذي لا تحمد عقباه. هل لا يزال هذا النهج صالحاً اليوم؟ ربما في التكتيكات قصيرة الأمد، لكنه بالتأكيد لا يبني استقراراً طويل الأمد.

وإذا كان أكسلرود يرى في المفاوضات أداة لتثبيت التعاون، فإن شيلينغ يرينا جانبها المظلم، حيث تُستخدم «الفرصة» (فرصة إخافة الآخر) لقلب الطاولة. هذا الانتقال من التعاون إلى الترهيب يعكس التحدي الدائم في عالمنا: كيف نحمي أنفسنا من «المنافس الخفي» الذي قد يستغل غياب القواعد لفرض إرادته؟

بسبب هذا التذبذب التاريخي بين التعاون والصدام، سعت مدارس الفكر الحديث لتقديم نهج بديل. الكتاب الأكثر تأثيراً في هذا المجال، «الوصول إلى نعم» (Getting to Yes) للباحثين في مشروع هارفارد للمفاوضات روجر فيشر وويليام أوري (Roger Fisher & William Ury)، أحدث قطيعة معرفية مع فكرة المفاوضات التنافسية. يدعو فيشر وزميله إلى «المفاوضات القائمة على المبادئ»، أي عزل المشاعر عن المشكلة، والبحث عن توسيع قالب الكعكة بدلاً من تناهش قطع منها. إن هذا النموذج هو في الحقيقة محاولة لتفكيك «المنافس الخفي» داخلنا، وتحويله من كائن يترصد الفرصة للغش، إلى شريك يدرك أن مصلحته الحقيقية تكمن في ازدهار شريكه.

اليوم، نقف أمام منعطف تاريخي يضع هذه المبادئ على المحك: الذكاء الاصطناعي. فهذا التطور الأحدث لا يغير أدواتنا التفاوضية فحسب، وإنما يعيد صياغة فضاء «الفرصة» نفسها. وإذا كان غودمان قد حذر من «المنافسين الخفيين» الذين يتربصون بفرص استغلال الآخر، فإن الخوارزميات اليوم توفر لهؤلاء المنافسين «غطاءً تقنياً» مثالياً.

ولذلك فإن التساؤل الآن ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيجعلنا أكثر عقلانية، إنما هل سيعزز من قدرتنا على «التلاعب الخفي»؟ إننا كنوع بشري نميل إلى تفويض المسؤولية الأخلاقية للآلة؛ فإذا «قرر» الذكاء الاصطناعي شروط العقد، من المسؤول حينها عن استغلال «الفرصة» لظلم الطرف الآخر؟ ولعل تحدي العقد القادم للمفاوضين سيتعلق بتصميم هياكل أخلاقية وقانونية تمنع الآلة من أن تصبح أداة مثالية للمنافس الخفي، وكيف نحافظ على «التعاطف الاستراتيجي» الذي هو جوهر المفاوضة البشرية، والذي لا تستطيع أي خوارزمية محاكاته.

من هذا المنطلق، لم يعد التفاوض التعاوني ترفاً أخلاقياً، بقدر ما هو استجابة تطورية لحقيقتنا ككائنات تعيش في بيئة مليئة بمنافسين يترقبون الفرصة. وعندما ننظر إلى الأزمات الكبرى اليوم من التغير المناخي إلى الانقسامات الجيوسياسية نجد أن الحلول الصفرية (أربحُ وتخسر) تعمق الأزمات وتطيل عمرها.

إن المفاوضات مسار حتمي سيفرض حضوره في تاريخ البشر، كفعلٍ تأسيسي يعيد تشكيل العلاقة بالآخر وبالذات في آنٍ واحد، ويفتح أفقاً للعبور من ماضٍ مديد حكمته غريزة اقتناص «الفرصة» بأي تكلفة، ذلك الماضي الذي تشكّل على إيقاع الغلبة، وتكرّست فيه القوة بوصفها امتلاكاً وإخضاعاً. وفي هذا العبور، تتجلّى القوة في صورةٍ أخرى: القدرة على التقاط ذلك الخيط الرفيع الذي تتقاطع عنده المصالح، وعلى الإصغاء إلى ما يكمن خلف الضجيج من إمكانات التلاقي العميق كأفقٍ أعلى للوجود الإنساني.

ومن هذا الفضاء، ينبثق الغد كثمرة وعيٍ يتجاوز وهم الانفصال ومنطق الفرصة، لتتبدّى حكمة التفاوض صيغةً لإعادة ترتيب العالم على أساس إدراك تشابكه البنيوي.


وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام
TT

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، تشكَّل مسار جديد للثقافة في المملكة بوصفه جزءاً أصيلاً من مشروع الدولة؛ ليعيد تعريف موقع الثقافة داخل الدولة. ودخل ضمن صميم مشروع وطني يرسخ بناء الاقتصاد والمجتمع والهوية معاً؛ إذ حدَّدت «رؤية 2030» هذا المسار بوضوح، حين ربطت الثقافة بجودة الحياة، وبالاقتصاد، وبصناعة الصورة الدولية للمملكة. ومن هنا بدأ الانتقال من رعاية النشاط إلى بناء القطاع.

ضمن هذا الإطار؛ عَملَت وزارة الثقافة بقيادة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، فنجحت في تحول هذا الملف من الطرح العام إلى التنفيذ المنهجي؛ وتأسَّست هيئات متخصصة لكل قطاع، من المكتبات والأدب إلى الموسيقى إلى الأفلام إلى التراث. هذا التقسيم لم يكن تنظيمياً فقط؛ بل مهنياً. كل هيئة تحمل مساراً واضحاً، وتمتلك أدواتها، وتعمل وفق مؤشرات أداء. بهذه الخطوة، انتقلت الثقافة من خطاب جامع عام إلى قطاعات إنتاجية محددة.

تغيَّر السؤال فعلياً، ولم يعد: ماذا سنعرض؟ بل: ماذا سنبني؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين حدثٍ ينتهي وأثرٍ يتراكم؛ لذلك ظهرت برامج التدريب، ومسارات الابتعاث الثقافي، وحاضنات الأعمال الإبداعية. دخلت الجامعات، وارتبطت بالسوق، وبدأت المهن الثقافية تتشكل كخيارات عمل مستقرة لا كهوايات مؤقتة.

لم تأتِ الإنجازات منفصلة؛ ولكن كسلسلة مترابطة: تأسيس البنية النظامية؛ إطلاق الاستراتيجيات القطاعية؛ تمكين المستثمرين؛ توسيع الشراكات الدولية؛ كل خطوة تبني على ما قبلها؛ ولعل هذا ما منح المشروع تماسكه.

في ملف الصناعات الثقافية؛ حدث التحول الأوضح: النشر، السينما، الأزياء، التصميم، والموسيقى تحولت إلى أنشطة اقتصادية لها سلاسل قيمة واضحة. صدرت تراخيص، ودخلت شركات، وبدأت السوق تتشكل. في قطاع الأفلام مثلاً، تضاعف الإنتاج المحلي خلال سنوات قليلة، وظهرت دور عرض، وارتفع حجم الإيرادات. هذه مؤشرات سوق، لا مظاهر احتفالية.

أما التراث؛ فخرج من دائرة الحفظ إلى دائرة التشغيل. مبادرات، مثل: ترميم البلدات التراثية أعادت توظيف المكان. في جدة التاريخية والعلا وقرى عسير، ومؤخراً وليس أخيراً إطلاق المشروع الواعد بمشيئة الله (قرية سدوس التاريخية) بهدف عودة النشاط الاقتصادي إلى الأحياء القديمة؛ حيث فُتحت وستُفتح مشاريع ضيافة، ونشطت حرف مهمة، وارتفعت حركة الزوار. التراث هنا أصبح أصلاً منتجاً. هذا التحول يحقق معادلة واضحة: حماية الهوية مع توليد دخل.

ومؤخراً كان لي شرف حضور ملتقى القطاع غير الربحي الثقافي الأخير، بوصفه محطة عمل. كانت النقاشات فيه مباشرة، وتركزت على النماذج التشغيلية، والاستدامة، وقياس الأثر. طُرحت تجارب واقعية من جمعيات ومؤسسات استطاعت الانتقال من الاعتماد على الدعم إلى بناء مواردها. وبرز توجه واضح نحو الحوكمة، ورفع كفاية الإدارة، وربط التمويل بالنتائج. ما ميَّز الملتقى هو وضوح اللغة. لم يكن هناك ميل للتجميل، ولكن التركيز على التحديات الفعلية، وكيفية معالجتها بأدوات عملية. هذا المستوى من الطرح يعكس نضجاً في القطاع، ويؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب كفاية تشغيل.

وفي هذا السياق، وضعت كلمة الوزير الإطار الجامع لهذه النقاشات، لتحوِّلها من أطروحات إلى مسار عمل ملزم. وجاءت لتغلق مرحلة وتفتح أخرى. الرسالة الأساسية كانت حاسمة. لا مكان لكيان ثقافي بلا نموذج عمل ولا مؤشرات أداء. الدعم مشروط بالنتائج: النماء والأثر، ولن يكون مفتوحاً. هذا التوجه الرشيد يدفع الجمعيات إلى إعادة بناء نفسها. ويسهم في ظهور هياكل إدارية، وخطط تشغيل، وشراكات تمويل. من التزم استمر، ومن اكتفى بالحماس تراجع!

إعادة تعريف «الشرعية الثقافية» تمثل جوهر المرحلة. لم تعد الشرعية تُمنح بالاسم ولا التاريخ؛ بل بالأثر: كم مشروعاً استمر أكثر من 3 سنوات؟ كم فرصة عمل وُفِّرت؟ كم برنامجاً درَّب على مهارات قابلة للسوق؟ هذه المعايير أصبحت المرجع. هذا التحول -بلا شك- سينعكس على القوى الناعمة للمملكة.

الحضور الثقافي الخارجي لم يعد مناسبات، إنما مشاركة مستمرة في معارض الكتاب، ومهرجانات السينما، وبرامج التبادل الثقافي. المنتج السعودي بدأ يصل بوصفه محتوى منافساً، لا تمثيلاً رمزياً.

وقد تغيَّرت العلاقة بين الدولة والمجتمع أيضاً بعدما حدَّدت الدولة بوصلة الاتجاه، ووضعت الأنظمة، ووفرت الممكنات؛ تمهيداً لدخول المجتمع شريكاً في الإنتاج؛ يستثمر القطاع الخاص؛ ويوسِّع القطاع غير الربحي من الأثر الاجتماعي. هذا التوزيع للأدوار سيخلق توازناً تشغيلياً؛ بما يخفف العبء عن الدولة ويرفع كفاية التنفيذ؛ لتصبح اللغة السائدة اليوم داخل القطاع الثقافي واضحة: أرقام؛ مؤشرات؛ عوائد؛ استدامة.

هذه اللغة الجديدة ستفرض الانضباط، وتحول دون استمرار المشروع الذي لا يقيس أثره. بهذا المعنى، تصبح الثقافة أداة بناء ونماء لا عنصر تزيين. تخلق مزيداً من الوظائف، وتطور مزيداً من المهارات، وتجذب كثيراً من الاستثمارات. وفي الوقت نفسه، تعيد صياغة العلاقة مع الهوية مورداً حياً يدخل في الاقتصاد والحياة اليومية.

وفي يقيني أن المرحلة المقبلة ستدفع نحو تعميق هذا المسار، وزيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي، وتوسيع التصدير الثقافي، ورفع كفاية الكيانات غير الربحية، وتعزيز حضور المدن الصغيرة في المشهد الثقافي.

بهذا الاتساق؛ يمكن قراءة ما يحدث بوصفه انتقالاً مكتمل الأركان: فكرة تتحول إلى مؤسسة، مؤسسة تنتج أثراً، أثر يستقر في حياة الناس. هنا فقط تكتمل دورة الثقافة كجزء من مشروع الدولة.

*المشرف العام على مكتبة الملك عبد العزيز العامة


باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ
TT

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية، ويُعد هذا الكتاب الأول من نوعه باللغة العربية الذي يتناول دراسة علمية منهجية لتقنية بصمة الدماغ.

يقول مؤلف الكتاب العميد الدكتور عادل عبد الرحمن العيد لـ«الشرق الأوسط»: «شهدت أنظمة السمات الحيوية تطوراً كبيراً خلال العقود الأخيرة، وأصبحت إحدى الركائز الأساسية في أنظمة التحقق من الهوية والأمن الرقمي في العالم، واعتمدت على خصائص فريدة أودعها الله في الإنسان مثل بصمات الأصابع، وبصمة قزحية العين، وملامح الوجه، وبصمة الصوت، وبصمة الحمض النووي. وقد أسهمت هذه الأنظمة في تعزيز الأمن في المطارات والمنافذ الحدودية والأنظمة المصرفية، وفي الجامعات ومراكز الأبحاث والمستشفيات والمنشآت الحساسة. غير أن التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي وظهور أساليب التزييف العميق وتقليد السمات البيولوجية، كشف عن تحديات جديدة تتعلق بموثوقية بعض هذه الأنظمة. وقد دفع ذلك العلماء إلى البحث عن جيل أكثر تقدماً من تقنيات التحقق يعتمد على خصائص أكثر عمقاً وأصالة، وهو ما أدى إلى ظهور مجالات السمات العصبية، التي تعتمد على النشاط العصبي للدماغ بوصفه أحد أعظم مظاهر التفرد الإنساني».

ويذكر المؤلف العيد أن «الكتاب يركز على تقنية بصمة الدماغ التي تعتمد على تسجيل النشاط الكهربائي للدماغ باستخدام تخطيط الدماغ الكهربائي وتحليل موجات الاستجابة المعرفية المرتبطة بالذاكرة، وعلى رأسها موجة التعرف P300 التي تظهر تلقائياً عندما يتعرف الدماغ على معلومات مخزنة مسبقاً في الذاكرة. وتكشف هذه الاستجابة العصبية عن حقيقة معرفية مهمة، وهي أن الدماغ يحمل توقيعاً معرفياً فريداً يعكس ما يعرفه الإنسان وما يختزنه في ذاكرته».

والكتاب يقدم، كما يضيف المؤلف، عرضاً علمياً لتطور أنظمة السمات الحيوية عبر التاريخ، بدءاً من الاستخدامات المبكرة للبصمات في الحضارات القديمة، مروراً بتطور علم بصمات الأصابع في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى الأنظمة الرقمية الحديثة التي تعتمد على قواعد البيانات الضخمة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي.

ويبرز الكتاب الدور السعودي المتقدم في تبني وتطوير تقنيات السمات الحيوية، حيث كانت السعودية من الدول الرائدة في المنطقة في بناء منظومات تحقق بيومترية متقدمة ضمن البنية الأمنية والتحول الرقمي. فقد شهدت المملكة خلال العقود الماضية تطوراً كبيراً في تطبيق أنظمة الهوية والبصمة من خلال مركز المعلومات الوطني وقطاعات وزارة الداخلية، إضافة إلى إدماج التقنيات البيومترية في أنظمة الأحوال المدنية والجوازات والمنافذ الحدودية والخدمات الحكومية الرقمية الأخرى، بما يتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وأشار العيد إلى أن الكتاب يناقش الأسس العصبية والإدراكية لتقنية بصمة الدماغ، ويشرح البنية الوظيفية للدماغ وآليات الذاكرة والانتباه المرتبطة بتوليد الإشارات العصبية، إضافة إلى تحليل التطبيقات المحتملة لهذه التقنية في مجالات التحقيق الجنائي والأمن والتحقق من المعلومات. ويتناول كذلك الأبعاد القانونية والأخلاقية المرتبطة باستخدام التقنيات العصبية، مؤكداً ضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الخصوصية والكرامة الإنسانية.

ويخلص إلى أن تقنية بصمة الدماغ تمثل مرحلة متقدمة في تطور أنظمة التحقق من الهوية، إذ تنتقل عملية التحقق من السمات الجسدية الظاهرة إلى الخصائص المعرفية العصبية المرتبطة بذاكرة الإنسان. كما يشير إلى أن التكامل المستقبلي بين علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي قد يسهم في تطوير أنظمة تحقق أكثر دقة وموثوقية، مما يجعل السمات العصبية أحد أهم الاتجاهات العلمية في مستقبل الأمن والتحقق من الهوية.

وبذلك يسعى الكتاب إلى تقديم مرجع علمي عربي يجمع بين العلم الحديث والتأمل في الإعجاز الإلهي في خلق الإنسان، ويواكب التطورات العالمية في مجال السمات العصبية وتقنيات التحقق المتقدمة، مع إبراز الدور المتنامي للمملكة العربية السعودية في تطوير وتبني هذه التقنيات.

هذا الكتاب هو السادس للدكتور العيد، إذ سبق أن أنجز كتباً عن الحاسب في علم البصمات، والأنظمة الآلية في القياسات الحيوية للتحقق من الشخصية، وأنظمة القياسات الحيوية والطموحات من التطبيقات العملية، وتطور التعرف والتحقق من الشخصية بالبطاقة الشخصية، والتحقق من الشخصية في العصر الرقمي.