قراءة جديدة لحرب «خلقت الشّرق الأوسط الحديث»

نصّ يبدو كسرد دراميّ من وجهة النظر الإسرائيلية

أنور السادات يتابع مجريات الحرب
أنور السادات يتابع مجريات الحرب
TT

قراءة جديدة لحرب «خلقت الشّرق الأوسط الحديث»

أنور السادات يتابع مجريات الحرب
أنور السادات يتابع مجريات الحرب

يوري كوفمان، مؤلف كتاب «ثمانية عشر يوماً في أكتوبر... حرب يوم الغفران وكيف خلقت الشرق الأوسط الحديث»، الذي صدر منذ أيّام (بالإنجليزيّة) في أجواء الذكرى الخمسين لحرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، ليس مؤرخاً تقليدياً بالمفهوم الأكاديمي المحض، بل هو محامٍ يهوديّ أميركيّ متدين، صنع ثروة صغيرة من العمل في العقارات، منحته الوقت، والقدرة الماديّة كذلك، لأن يطارد شغفه طوال 20 عاماً... تشريح تلك اللّحظة، ذات أكتوبر، الشّديدة الكثافة في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، بداية من التقاطعات الإقليمية والدّوليّة المؤدية إليها، إلى تفاصيل تطوّر الأوضاع العسكريّة والاستخباراتية والسياسية على مختلف الجبهات أثناءها، ومن ثمّ انعكاساتها المباشرة على مصائر الشخصيات التي قادتها من الجانب الإسرائيلي، وعلى الترتيبات السياسيّة التي أدت إليها، سواء على صعيد الدّائرة الأولى التي خاضت الحرب مباشرة (مصر، وسوريا، وإسرائيل) أو في الدّائرة الثانية (العراق والمغرب وليبيا والسعودية والكويت)، بالإضافة إلى الرعاة الدوليين؛ الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي حينها. خلفيّة كوفمان، اليهودي الأميركيّ الثري، فتحت أمامه أبواباً كثيرة، في الداخل الإسرائيلي، فضلاً عن الولايات المتحدة، للاطلاع على الوثائق، ومقابلة الأشخاص، بل زيارة المواقع التي جرت فيها بعض المواجهات الحرجة. على أنّ الإضافة النوعيّة التي يجلبها كوفمان، مقارنة بعشرات النصوص الإسرائيلية والأميركيّة التي نشرت قبله، لا شك ارتبطت بعامل الزمن من ناحيتين؛ مرور نصف قرن على الحدث التّاريخي يمكن أن يسمح بالنّظر إلى الأمور ومآلاتها بتبصّر لا يتوفر لمن كتب في وقت الحدث أو بعده مباشرة، وكذلك فإنّ ترتيبات سريّة وثائق الأرشيف الرّسميّة لكثير من الدّول تؤجل الكشف عنها لفترات تتراوح بين 25 و50 عاماً، ناهيك عن أن كثيراً من العارفين بتفاصيل محددة يفضّلون الانتظار لعقود، كي تتغير المناخات السياسيّة، أو تمر فترة تسقط عنهم إمكان الادعاء الجرميّ، أو ترقباً لرحيل بعض الأشخاص المعنيين عن عالمنا، قبل أن يدلوا بشهاداتهم.

يوري كوفمان

بالطبع، يبدأ كوفمان من واقع موضوعي يجعل من حرب أكتوبر (يسميها السوريون تشرين، والمصريون رمضان، والإسرائيليون حرب يوم الغفران) تطوراً طبيعيّاً لسلسلة الهزائم العسكريّة القاسية التي ألحقتها الدولة العبريّة بمصر (في 1956، وفي 1967) وسوريا (في 1967)، وتتويجاً لعزم القيادتين المصريّة (جمال عبد الناصر) والسوريّة (حافظ الأسد) على استعادة أراضيهما المحتلّة وماء الوجه أمام شعوبهما الذي أريق عندما دمّر سلاح الجو الإسرائيلي القوة الجوية لمصر وسوريا بالكامل تقريباً خلال الساعات الأولى لحرب الأيّام الستة.

كان الإسرائيليون يدركون ذلك تماماً ويتوقعونه، لكن جهاز الاستخبارات العسكريّة (أمان) وثق في «مفهوم» نقله إليهم «الجاسوس الذهبي»، حسب تسميتهم، أشرف مروان (الذي كان مقرباً من السادات، وصهراً لناصر) خلاصته أن سوريا لن تذهب إلى الحرب من دون مصر، وفي المقابل لن تذهب مصر إلى الحرب حتى تتمكن من تحييد سلاح الجو الإسرائيلي؛ الميزة الاستراتيجية النوعيّة التي يمتلكها جيش الكيان. حتى عندما بنى المصريون جدار صواريخ سام المضادة للطائرات على طول الجانب الغربي من قناة السويس مقابل سيناء المحتلّة، وسيّج السوريون دمشق بالصواريخ بأكثر مما كانت موسكو أو هانوي محميّة بها، تطّور المفهوم إلى أن مصر لن تذهب إلى الحرب قبل الحصول على صواريخ سكود الروسيّة الباليستية لاستهداف المدن الإسرائيلية حال حاول سلاح الجو الإسرائيلي استهداف المدن المصريّة، كما فعل إبّان حرب الاستنزاف (بين 1967 – 1973). وقد وصلت المعلومات بشأن تسلم الجيش المصري لتلك الصواريخ، لكن مزيجاً من سوء الإدارة، وضعف التقدير، والصلّف، والاستخفاف بالعرب، أنتج داخل «أمان» مزاجاً من الغطرسة دفع بها لتأكيد أن الحكومة الإسرائيليّة بحكم تواصلها مع مصادر مطلعة على صنع القرار (إلى جانب أشرف مروان، كان هناك ضابط رفيع في الجيش المصري، كُشف عن وجوده، دون اسمه في 2020) قادرة على الحصول على إنذار قبل 48 ساعة على الأقل من انطلاق أيّ أعمال عسكريّة من الجانب العربيّ. وتلك مسألة شديدة الأهميّة للدفاع عن كيان صغير المساحة مثل الدولة العبرية المحاطة بـ3 جبهات طويلة، لناحية استدعاء الاحتياط، حيث جميع الإسرائيليين الراشدين تقريباً مجندو احتياط.

كان الإسرائيليون قد عزموا على تجنب بدء الحرب المقبلة مع العرب كي لا يتعرضوا لإدانات وضغوط دوليّة، ولا سيّما حليفتهم الولايات المتحدة، التي لا تفضّل التورط في مواجهة مع الاتحاد السوفياتي (حليف العرب) أو المخاطرة بإمدادات النفط المتدفقة من الشرق الأوسط.

غلاف الكتاب

ذلك كله تسبب في أخطاء تقييم بشأن النّوايا العربيّة، مكّنت تصورات «أمان» من الصمود رغم كل الإشارات على الأرض ومن المصادر الثانوية بأن المصريين بدأوا بالفعل التحرك لعبور قناة السويس، وأن السوريين يراكمون قواتهم تجاه الجولان، وشبكات صواريخ أرض جوّ جاهزة بالفعل لقنص الطائرات الإسرائيليّة.

وهكذا رفضت القيادة العليا الإسرائيلية، بقيادة وزير الدّفاع موشيه ديان، تحت رعاية رئيسة الحكومة غولدا مائير، الإشارات المتكررة بشأن هجوم عربي وشيك، بما في ذلك مغادرة عائلات الخبراء السوفيات لدمشق والقاهرة، ولذلك لم تكن مستعدة تماماً لهجوم كوماندوز سوري على جبل الشيخ في 6 أكتوبر، ولم يتوفر هناك عدد كافٍ من الدبابات على الأرض في سيناء، وتضاربت التوجيهات للقوات الجويّة، ما تسبب بعدم توفر حجم كافٍ من الطائرات المقاتلة الجاهزة لخوض المعركة فور نشوبها، وبدا كل شيء معتمداً على الارتجال السريع بدل الاستناد إلى خطط محكمة. وهكذا نجحت القوات المصريّة في تنفيذ عبور جريء عبر القنال وتحرير شريط من الأرض في جهته الشرقيّة، فيما انطلق هجوم سوري عنيد عبر 3 محاور، وحقق اختراقات، وبدأ يتجه نحو نهر الأردن والطريق إلى عمق الأراضي المحتلة، وشعرت القيادة الإسرائيلية باليأس لدرجة أن مجلس الوزراء ناقش فكرة استخدام الأسلحة النووية.

يقول كوفمان عن تلك الصدمة الأولى: «قبل حرب 1973، عرّفت القواميس الكلمة العبرية (ميخدال) بأنها؛ التقصير عن تنفيذ شيء مهم. لكن بعد الحرب، اتخذت الكلمة معنى جديداً، لا يزال معتمداً حتى يومنا هذا، لوصف كل فشل ذريع، بأنّه مثل إخفاقات الجيش الإسرائيلي في الأيام الثلاثة الأولى من حرب (يوم الغفران)».

ومع ذلك، ما لبث الإسرائيليون أن استعادوا توازنهم إثر الصدمة الأولى، وشرعوا «بعد 9 أكتوبر» ووصول قوات الاحتياط إلى الجبهات بشنّ هجمات مضادة، وخاضوا معارك طاحنة في مختلف المواقع، إلى أن بدأ أكبر جسر جويّ في التاريخ لتعويض خسائر الجيش الإسرائيلي من المعدات والذخائر، في موازاة ضغوط دولية لفرض وقف لإطلاق النار، ما مكّنهم من تحقيق اختراقات بالتوغل داخل الأراضي السوريّة شمالاً، وعبور قناة السويس نحو الأراضي المصرية ومحاصرة الجيش الثالث المصري وتهديد القاهرة جنوباً، على نحو وضع نظام السادات في زاوية حرجة، سهلت قبوله للحد الأدنى من أجل إنقاذ أرواح جنوده ونظامه.

يعتبر كوفمان أن تدخّل السادات في إدارة المعركة على الأرض، رغم وجود قيادة كفوءة ممثلة بالفريق سعد الدين الشاذلي، انتزع للمصريين الهزيمة من قلب نصر ممكن. ومع ذلك، كانت الهزيمة تباع في صحف القاهرة على أنّها نصر مؤزر، بينما كان الإسرائيليون العاديون يتعاملون مع انتصار جيشهم، المؤيّد أميركياً، وكأنّه هزيمة، وضغطوا لتشكيل لجنة تحقيق أدانت في تقريرها أداء قائد الجيش ديفيد إليعازار، ومدير الاستخبارات العسكريّة، فيما تغاضت عن أدوار غولدا مائير، وموشي ديان، صاحبي المسؤوليّة الأساسيّة في «التقصير»، لكنهما اضطرا للاستقالة تالياً وغرقا في المرض والعار.

خلفيّة كوفمان، اليهودي الأميركيّ الثري، فتحت أمامه أبواباً في إسرائيل وأميركا للاطلاع على الوثائق، ومقابلة الأشخاص، وزيارة المواقع التي جرت فيها بعض المواجهات الحرجة

كوفمان يقول عن ذلك؛ إنّ نصف قرن مرّ على الحرب يرينا الآن أن إسرائيل حققت أهدافها الاستراتيجيّة في الحرب، بعد أن خرجت مصر نهائياً من دائرة الصراع مع الكيان العبري، واضطر السوريون بعد حرب استنزاف مريرة خاضوها لعام كامل ضد القوات الإسرائيلية إلى القبول بوقف إطلاق نار ثبّت الأوضاع القائمة على الأرض حتى اليوم، مع شبه استحالة لاستعادة الجولان. علاوة على ذلك، تم في 18 مارس (آذار) 1974 رفع الحظر النفطي العربي، وقفز السادات إلى الأمام عبر زيارته إلى القدس المحتلة، ووقع تالياً اتفاق سلام (في كامب ديفيد) أصبح بوابة عبرت منها دول عربيّة أخرى إلى اتفاقيات مماثلة، مع تطبيع رسمي في العلاقات مع عدد منها. بالتأكيد، لم يعد بإمكان إسرائيل اعتبار تفوقها العسكري أمراً مفروغاً منه، كما كان الحال بعد عام 1967، لكن العرب لم يعد بإمكانهم واقعيّاً أن يأملوا في محو إسرائيل نهائياً من الخريطة.

الكتاب يعاني من نفس توراتي فرضه فهم كوفمان للعالم، ومبالغة في تأثير أوضاع الأشخاص النفسيّة والصحيّة لتفسير قراراتهم (مائير والسادات)

«ثمانية عشر يوماً في أكتوبر» يعاني من نفس توراتي فرضه فهم كوفمان للعالم، ومبالغة في تأثير أوضاع الأشخاص النفسيّة والصحيّة لتفسير قراراتهم (مائير والسادات)، كما هناك انحياز ظاهر غير مبرر لشخصية أرئيل شارون الإشكاليّة، لكن النصّ مع ذلك يبدو كسرد دراميّ آسر للحدث من وجهة النظر الإسرائيلية حيث مزيج من القتال العنيف، والمشاحنات المستمرة بين القادة، وحكايات اللحظات الحرجة، على مختلف نقاط الاشتباك لحدث مفصلي لا يمكن فهم التاريخ المعاصر للشرق الأوسط من دونه.

«ثمانية عشر يوماً في أكتوبر»

Eighteen Days in October: The Yom Kippur War and How It Created the Modern East

المؤلف: يوري كوفمان

الناشر: مطبعة سنت مارتن، 2023


مقالات ذات صلة

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

كتب من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

تعيش المدن بأسمائها، أي بتفاصيلها؛ بأحيائها وشوارعها ومقاهيها، وأصداء من سكنوها أو مروا بها؛ أسماء تحافظ على نظارتها ولا تذوي، مهما تغيرت ملامح المدن.

شرف الدين ماجدولين
كتب اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

في رواية «شيء إلهي» يبدو فعل الابتكار مهيمناً بظلاله على عالم الرواية، التي يمهّد فيها الكاتب والروائي المصري محمد عبد النبي قارئه منذ بدايات السرد للعبور...

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

في روايته الجديدة «غرناطة... آخر الأيام»، يواصل الكاتب ‏والشاعر والروائي الفلسطيني وليد سيف مشروعه الإبداعي في ‌‏استعادة التاريخ العربي الإسلامي في الأندلس

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون «الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

ينتقل الكاتب والمؤلف المسرحي ماجد الخطيب، في عمله المسرحي الجديد «الطرف الثالث - في قطار الشرق السريع» (دار السرد)، هو الثاني عشر له، من نمطه المفضل في...

عامر درويش (بغداد)
ثقافة وفنون «المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

سيدة ثرثارة تتظاهر بالرفعة والمكانة وتفتعل أناقة القول وكرم الغاية وهي الصفات التي تتميز بها طبقة المجتمع الأرستقراطي، مع أنها في الواقع امرأة غليظة المشاعر

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء
TT

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

تعيش المدن بأسمائها، أي بتفاصيلها؛ بأحيائها وشوارعها ومقاهيها، وأصداء من سكنوها أو مروا بها؛ أسماء تحافظ على نظارتها ولا تذوي، مهما تغيرت ملامح المدن وتبدلت عتباتها. لذا تعيش بعض الأحياء بتحولاتها، وكأنما هي أنوية مدن تحيا في أعطاف مدينة «أم». وحين تتبدل تقاسيم المدن أو تشيخ، وعندما يطرأ عليها غرباء، أو يمر بها غزاة عابرون، تفقد الكثير من معالمها ومفرداتها وسمات أهلها، تطفو تدريجياً على السطح كتل وامتدادات شائهة، وأحياناً تتحول إلى هياكل، لكنها تتشبث بتسمياتها وبألقابها وما يتعارف الناس به عليها. وحتى حين تسلب عناوينها الأولى، ولو لحين من الدهر، فإنها لا تلبث أن تستعيدها، في مقاطع أغنيات وأبيات شعر وصور أفلام قديمة، وفي ملامح أبطال يقتنصون تفاصيلها في فصول روايات خالدة.

من داخل حي «مونمارتر» (Montmartre)، حيث تمترس ثوار كمونة باريس، وطالب إميل زولا في «الأسبوع الدامي» بهدمه على رؤوس «المتمردين السفلة»، نشأت إحدى أكثر المعالم العمرانية احتضاناً للأساطير الباريسية، ذلك ما دعا الكاتب الفرنسي أوليفيي رونو Olivier Renault المختص في إعداد تصانيف عن الأحياء التاريخية لعاصمة الأنوار إلى إصدار كتاب بعنوان «مونمارتر: أمكنة الأساطير» (Montmartre: Les lieux de légende) (منشورات باريغرام، باريس، 2026)، لتأريخ محال ودور وأزقة وساحات وبارات ومطاعم ومراسم، سكنت مجازات الشعر والرواية ومشاهد المسرح والسينما ولوحات كبار الانطباعيين ممن صنعوا عنفوان الفن الحديث والمعاصر.

يتقدم الكتاب لقارئه بتواضع مخاتل، دونما ادعاءات معرفية كبرى، قصاراه سرد حكاية فضاء أليف وخالب للأذهان، فبدا مزيجاً من «سيرة الفضاء» و«المونوغرافيا الفنية» و«الدليل التاريخي المصور»، إلا أنه يفلح في تقديم قصة نشأة حي كان عبارة عن قرية تقع خارج حدود باريس الإدارية، تميزت بتلتها المطلة على المدينة، ومزارع الكروم، والطواحين، وبيوت العمال والمزارعين البسطاء. قبل أن تعيد مخططات «البارون هوسمان»، قائد ثورة التحديث العمراني في باريس، على عهد نابليون الثالث، إلحاق هضبة «مونمارتر» الواقعة في الحزام الهامشي، الآهل بالشطار والخارجين عن القانون، بباريس، لتصبح الدائرة الثامنة عشرة. وموطن المواقع التي صنعت قسطاً غير يسير من أسطورة باريس: «فيلا الفنون، وشارع هيجيسيب مورو، وشارع ليبيك، أمام محترف فان غوخ، ومحل كورتلين في شارع أورشامب، ومحترف براك في شارع سيمون ديرور. إننا لا نعرف دائماً أننا نمر أمام عناوين رسم فيها، أو كتب، أو غنى، أو أحبّ فيها كل من: بيكاسو، وبونار، وباسكين، وكاركو، وموديغلياني، وبروان، وماكس غاكوب، ومارسيل إيميه، وريفيردي، وسيلين» (ص 12).

وعبر فصلين كبيرين يحمل أولهما عنوان «جادة كليشي وروافده»، والثاني وسم «هضبة مونمارتر»، يقوم الكتاب باستنطاق الأمكنة عبر الحديث عن ساكنيها، من كُتَّاب ورسامين، وأناس عاشوا في الظل أيضاً: من مثل تجار الأصباغ الذين يصبح أحدهم فجأةً صاحب رواق فني، أو أصحاب المطاعم والحانات ممن يمحو بعضهم بكرم ديون عباقرة تضوروا جوعاً زمناً ما. وسرعان ما تتجلى مباحث الفصلين وفقراتهما المؤثثة باللوحات الفنية والصور الفوتوغرافية لأبنية وشخصيات وشوارع وحدائق من أزمنة شتى، حيزاً لاستحضار أسماء رمزية، قادت الكاتب تدريجياً إلى الحديث عن الحركات التي انتسبوا إليها، من الانطباعية، وجماعة الأنبياء، إلى التكعيبية والسوريالية والمستقبلية... علامات فارقة في تاريخ الفن وتاريخ باريس على حد سواء.

الشيء الأكيد أن سيرة «مونمارتر»، كما سعى لنسج معالمها أوليفيي رونو، تقصدت تجميع التراث المجازي والحسي للحيز المديني المؤلف بين السحر والقسوة، والوقوف عند عتبات تكون الأسطوريات الحية، من المفردات إلى الوصفات الحياتية، ومن الأطباق والروائح إلى الجدران المحيطة بمواطن السهر: «لم يكن الأمر مجرد أسطورة؛ فمن فان غوخ إلى أوتريلو، كان هذا الحي حقاً، وأكثر من أي حي آخر، معقل البوهيمية. وعلى هذه المرتفعات، التقى جيلان أو ثلاثة من الفنانين والكتاب الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً. وفي هذه الكوكبة اللامعة، يرى البعض اليوم أن أعمالهم كانت لتدر عليهم الملايين، غير أن بداياتهم - وأحياناً نهاياتهم - كانت صعبة في الغالب، تغرق في العوز أو الفقر المدقع. وإذا كان ديغا أو بونار لم يعرفا الجوع قط، فإن آخرين، مثل ماكس غاكوب أو ريفيردي أو فان دونغن، قد ذاقوا مرارته حقاً في هذا الحي» (ص 13).

يستنطق الكتاب الأمكنة عبر الحديث عن ساكنيها من كُتَّاب ورسامين وأناس عاشوا في الظل أيضاً

إنها المنطلقات التي مكّنت مونمارتر، كما تؤكد محاور الكتاب، من أن ينتزع لقباً لا يخلو من حس غرائبي، هو «عاصمة باريس». الذي يحيل على ما اكتنزه المحيط العمراني من ملاذ حسي وذهني، حيث كان صخب المقاهي والملاهي الليلية يتصادى مع الاختراق التشكيلّي والموسيقي والمسرحي والشعري. بالقدر ذاته التي كان الحي فيه أيضاً ذاكرة كبرى للألم، أرخت لعذابات المرض والجوع والإدمان لعشرات الأسماء الشهيرة التي صنعت مجده، كانت إيجارات البيوت فيه منخفضة، واستطاع الفنانون المفلسون تحمل تكلفة محترف مختصر، في «باتو لافوار» مثلاً، أو في شارع «كورتو»، وتمكن الكتاب، ممن لا يملكون قوت يومهم، من العثور على غرف علوية ضيقة، أو زوايا صغيرة في الأفنية الخلفية للمنازل. وكان الحي أيضاً موطن النبيذ الرخيص، والطعام الذي قد يدفع حسابه الآخرون، وكان أصحاب المطاعم، من مثل «الأرنب» أو «الشاليه» يمنحون الفنانين من ذوي العوز المزمن (وهم الغالبية) وجبات مؤجلة الدفع دوماً.

تدريجياً يتحول الكتاب إلى شبه سيرة لحي في مواجهة بقية باريس، وفي مقابل حي بذاته هو «مونبارناس» فقد كان مونمارتر موطن الخلق والشطح التخييلي، في مواجهة العقلانية والسطوع البراغماتي لأحياء النخبة الأخرى، وظل كذلك حتى الحرب العالمية الأولى. وحين فرض «مونبارناس» نفسه مركزاً جديداً للإبداع التشكيلي والشعري والمسرحي والروائي... هجر الشعراء والفنانون تلّة مونمارتر تدريجياً، ولم يسلك الطريق المعاكس سوى قلة من السرياليين الذين كان معظمهم يمقتون الياقات البيضاء.

ليس من شك أن للمدن صلات رمزية بتحولات أسمائها، ليس فقط في ذاكرة الناس، وما تتوسله من تآويل حقيقية أو ملفقة، وإنما أساساً في لغة الأدب والفن، ومهما تعددت التحويرات والاختزالات لتلك الأسماء فإنها تبقى متصلة بالأصل الأوحد، الذي يعنيها في البدء والمنتهى. باريس هي جماع تفاصيل كبرى تمتد من «موبرناس» إلى «سان ميشيل» ومن «الحي اللاتيني» إلى «بير لاشيز»، ومن «الشانزيليزي» إلى «مونمارتر»...، وقد تتلاشى المدن وتبقى تسمياتها المعجونة بالنكهات والألوان والحرارة والماء والرقصات وطعم الكلام، في صدى الداخل العميق؛ إذ هي جزء من صناعة القدر الشقي أو السعيد الذي نسائله يومياً، لأجل ذلك فإن هذا النوع من السير بحق هو فن تحويل المجال إلى رواية، هو تشكيل نوعي لفتنة الذات الداخلية بمحيطها كما يدركها صاحبها، وكما يتمثلها زمنياً. ولن يستطيع السارد أن يترجم تفاصيل تكون الهوية الذاتية وتناميها المتشابك دونما إعادة تركيب وتوليف وتصرف في ملامح المدن التي استوعبت نزقها وتقلباتها، وبغير ما قيمة مضافة تجسر المسافة بين الذات ومنبتها. هكذا تروي سير الأحياء لعنات مسترسلة وبركات ضائعة، قد تقول ما كان، أو ما راود أحلام ساكنتها وصانعي فتنتها، وقد تُكتب مواساة للذات عن فقدان مراتع الطفولة واليفاعة، أو تطهراً من أحاسيس مرزئة تجاه أحداث التبست بأحياء عتيقة، وقد تستحضر كمجرد سعي لتمثّل الماضي، وإعادة رسم الأبواب والشرفات والمباني والوجوه بالأبيض والأسود.


اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً
TT

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

في رواية «شيء إلهي» يبدو فعل الابتكار مهيمناً بظلاله على عالم الرواية، التي يمهّد فيها الكاتب والروائي المصري محمد عبد النبي قارئه منذ بدايات السرد للعبور بين مستويات نفسية وفانتازية وجسدية معقدة تخص بطله «سلامة»، الذي تبدو أزمته الشخصية بوابة لكثير من التساؤلات حول الوحدة، والغرابة، والتسليم، وحدود الجسد والهوية، بل حدود ما يمكن للعقل نفسه أن يصدقه أو يحتمله.

تُحيل الرواية الصادرة عن دار «المحروسة» بالقاهرة، لبنية العالمين الاجتماعي والداخلي لـ«سلامة»، بوصفهما وجهين للاغتراب نفسه، فالعزلة النفسية التي يعيشها البطل الأربعيني الأعزب، الموظف في بنك حكومي، تجد طريقها إلى أسلوب حياته الصارم، بما في ذلك كراهيته للإجازات، وتجنبه المواصلات العامة، ونفوره من المقاهي والاختلاط بصوره كافة، ضمن محاولاته الدائمة للسيطرة على عالمه المحيط الذي يشعر داخله بالتهديد والارتباك، لتصبح حياته «يوماً وحيداً مُتكرراً منذ سنوات».

في المقابل، يسلط السرد الضوء على مدى استغراق «سلامة» في أحلام يقظته، وتأثره الكامل بشاشة «التلفزيون»؛ يستقي منها المعرفة والبهجة، حتى تصوراته الانهزامية عن الحب: «لم يرَ «سلامة» رجلاً فقيراً أسود يحب ويتزوج على شاشة التلفزيون»، وهي مرجعية يكشف السرد عن أن «سلامة» يتبناها بصورة لا واعية ضمن تسليمه الكامل بمرجعية «الشاشة»، على نحوٍ تُلخصّه العبارة الدالة: «كان يولّي وجهه للتلفزيون، وظهره إلى العالم».

أرضية نفسية

من هذا العالم المُشبّع بالخيالات البديلة، يبدأ السرد في زحزحة الواقع نفسه، فلا يندفع عبد النبي نحو «الغرائبي» قبل أن يهيئ له أرضيته النفسية، عبر شخصية اعتادت العيش بين الواقع وظلاله المتخيلة، وهكذا يفتح الباب أمام ظهور كائن غامض يُطلق عليه السرد اسم «شيء»، يُراقب «سلامة» ويحدِّثه ويناديه باسمه من داخل جسده، رغم تركيبته النافرة أصلاً من الآخر الغريب.

وتنهض هذه المفارقة على خلق مستويات متداخلة من الدهشة، إذ يمهد السرد تدريجياً لصوت أو «شيء» يسمعه «سلامة» من داخله، قبل أن يفجّر مفاجأة استشعاره لحالات تشبه «غثيان» الحمل، ليضع القارئ بدوره داخل منطقة ملتبسة تتداخل فيها حدود النفسي والبيولوجي، والواقعي والمتخيَّل: «استعاد رعبه كاملاً إزاء هذا الصوت الداخلي الأخرس الذي يُخبره بأن روحاً حيّة تسكن بداخله الآن، روحاً أخرى غير تلك التي خرج بها من بطن أمه».

غير أن الرواية لا تتعامل مع هذا الـ«شيء» بوصفه مفارقة غرائبية أو حدثاً فانتازياً، بقدر ما تجعله أداة لتفكيك الحدود المستقرة بين النفسي والبيولوجي والهُوية الجسدية، وبين ما ينتمي إلى الداخل وما يُفترض أنه يأتي من الخارج، بحيث يتحوّل الالتباس نفسه إلى أحد المحركات الأساسية للرواية.

خيال تعويضي

يُعزز عبد النبي من تأثير التاريخ الشخصي والعائلي لبطله «سلامة»، عبر استدعاء ذكرياته الممتدة مع التنمر عليه بوصفه «محدود القدرات العقلية»، وصولاً إلى دلالة اسمه نفسه، المستمد من أحد أبطال السيرة الهلالية، ليكشف السرد عن تعلّق والده الراحل بمِخيال تلك السيرة القائم على البطولة والفروسية، إلى الحد الذي يدفعه إلى إطلاق أسماء أبطالها على أبنائه كنوع من التقمص الوجداني والدرامي لعالمها والتيمّن ببطولاتها.

يبدو ثمة خيط خفي يربط الأب بابنه؛ فكلاهما يلجأ، بطريقته، إلى مِخيال بديل يعوّض تهميشه في الواقع، ولا يتوقف هذا الميل إلى تجاوز الواقع عند السيرة الشعبية أو أحلام اليقظة، بل يمتد إلى علاقة «سلامة» بالصورة الفوتوغرافية نفسها، بوصفها مساحة قابلة لإعادة التخييل، مما يكشف عن مهارات «سلامة» الاستثنائية في تسييل الحدود بين الواقع والصورة والذكرى، ليُعيد معايشة لحظات لم يعد الواقع قادراً على استعادتها.

بعد ظهور «شيء»، بما يفرضه من فانتازيا ومفارقات هزلية، ومساءلة الجسد نفسه، ومع تصاعد حضوره كشخصية تُقاسم «سلامة» البطولة، لا يعود السؤال متعلقاً بوجوده من عدمه، بقدر ما يصبح متعلقاً بطبيعة هذا الوجود نفسه؛ هل هو امتداد لوعي «سلامة» أم كيان مستقل عنه؟ لا سيما أن السرد لا يتوقف عند تقديمه بوصفه مجرد عرَض غرائبي، بل يدفع السرد باستمرار لمنح «شيء» ملامح شخصية روائية مُحكمة.

علاقة جنينية

كما يستثمر عبد النبي الآصرة البيولوجية بين الأم وجنينها في بناء عدد من المشاهد الهزلية والغرائبية التي تمنح «شيء» حضوراً متزايداً داخل الرواية، فالكائن لا يكتفي بمشاركة «سلامة» جسده، بل يبدو متأثراً بما يتناوله من طعام أو ما يستنشقه من دخان، كأن السرد يعيد تخيّل «العلاقة الجنينية» بكل ما تنطوي عليه من اعتماد وتشارك حسّي، وهي مشاهد تسهم في ترسيخ «شيء» بوصفه وجوداً حياً يتفاعل مع العالم. فلا يتعامل الكاتب معه بوصفه ظلاً لشخصية البطل، بل يعمل تدريجياً على منحه وجوده الخاص؛ فهو يمتلك مساراً للنمو، ووعياً يتسع بمرور الوقت، وقدرة على الحوار والتعليق وإبداء الرأي، بل تكوين علاقة خاصة بالعالم، وكما تشير الرواية إلى تطوره الجسدي عبر إحالات مرتبطة بعمر الجنين، فإنها تمنحه في الوقت نفسه معرفة وخبرة لا تتناسبان مع حداثة وجوده البيولوجي، بما يجعله يتجاوز موقع «المخلوق» أو «التابع» ليقترب من موقع الشريك السردي الكامل.

ويتمثل أحد أبرز تحديات السرد في بناء سياق لغوي يتجاوز ثنائية «المونولوغ» و«الديالوغ» معاً، ليؤسس علاقة لغوية ثالثة بين «سلامة» و«شيء» الذي يسكنه، يُطلِق عليها السرد أحياناً «التخاطر»، فيما تبدو أقرب إلى منطقة ذهنية مشتركة تتسع بتطوّر العلاقة بين الطرفين، وتكتسب تدريجياً ذاكرتها وقاموسها الخاص، كأن الرواية تجعل اللغة نفسها جزءاً من فعل الخلق، بحيث يتشكّل الكائن ولغته وعلاقته بالعالم بالتوازي، إلى أن يصبح «شيء» قطباً موازياً لـ«سلامة» داخل البنية السردية، فيتبادلان الحديث البدائي بدايةً من «صباح الخير» وصولاً إلى أسئلة وجودية معقدة مثل: «هل أنت سعيد يا سلامة».

تعزيزاً لهذا الحضور المُتنامي، يبدو «شيء» مطَّلعاً على أدق تفاصيل «سلامة» الداخلية؛ أحلامه، وهواجسه، وتطلعاته المكبوتة تجاه الأنثى والجنس، كما يمتلك معرفة تتجاوز خبرته المباشرة بالعالم، بما يمنحه حضوراً يتجاوز مجرد الكائن البيولوجي أو الصوت النفسي، ليقترب أحياناً من كيان ماورائي قادر على قراءة الداخل الإنساني.

يضاعف السرد من اتساع «شيء» ككيان روائي عبر الجمع بين الطابع الماورائي لحضوره، والإيحاء بقدرات عقلية ومعرفية تتجاوز شروط وجوده البيولوجي، ففي أحد المشاهد يُحدّث «شيء» صاحبه «سلامة» عن أنواع نادرة من الفراشات، في مفارقة لافتة بين «العقل المحدود» الذي ظلّ «سلامة» يُوصم به طوال حياته، ووعي يبدو أكثر اتساعاً وتعقيداً للكائن الذي يتخلّق من داخله.


وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»
TT

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

في روايته الجديدة «غرناطة... آخر الأيام»، يواصل الكاتب ‏والشاعر والروائي الفلسطيني وليد سيف مشروعه الإبداعي في ‌‏استعادة التاريخ العربي الإسلامي في الأندلس، مختتماً بها ‏رباعيته الأندلسية بعد أعماله «صقر قريش» بجزأيه، و«مواعيد ‌‏قرطبة»، و«خريف إشبيلية»، التي أنجز ثلاثة منها للشاشة ‏الصغيرة، مع المخرج السوري الراحل حاتم علي.

وتتناول الرواية الفصل الأخير من الوجود العربي الإسلامي في ‏الأندلس، من خلال استعادة السنوات الأخيرة من حكم بني ‏نصر ‏في غرناطة، وصولاً إلى سقوطها وتسليم مفاتيحها للقشتاليين، ‏في لحظة تاريخية أنهت ثمانية قرون من الحضور ‏العربي في ‏شبه الجزيرة الإيبيرية.

ويفتتح الكاتب روايته بمقطع يحمل مرارة المنفى وأفول السلطة، ‏يقول فيه على لسان بطله: «مواطئ أقدام العامة خيرٌ من ‏مجلس ‏السلطان»، في إشارة إلى التحول القاسي من سلطان كان يحكم ‏غرناطة إلى منفي يستأذن على أبواب السلاطين.

ويعيد وليد سيف في الرواية تقديم شخصية محمد بن علي بن سعد ‏النصري، المعروف بأبي عبد الله الصغير، بعيداً عن ‏الصورة ‏التقليدية التي اختزلته في رمز للهزيمة وضياع الأندلس، فالرواية ‏لا تنظر إلى السقوط بوصفه ثمرة قرار فردي، بل ‏نتيجة ‏تراكمات طويلة من الصراعات والانقسامات والتراجع السياسي.

ومن خلال صوت أبي عبد الله نفسه، يناقش الكاتب مفهوم ‏المسؤولية التاريخية، ويعيد مساءلة الروايات الشائعة التي علقت ‌‏بذاكرة سقوط غرناطة، ومنها المقولة المنسوبة إلى والدته عائشة ‏الحرة: «ابكِ كالنساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه كالرجال»، ‏إذ ‏ينفي بطل الرواية صحتها، مقدماً والدته بوصفها شخصية ‏سياسية ساندته في صراعاته ومحنته.

وتمنح الرواية شخصية أبي عبد الله بعداً إنسانياً مأساوياً، إذ ‏يظهر فيها وريثاً للهزائم لا للأمجاد، مطارداً بثقل الماضي ‌‏وبأصداء الثورات والانقسامات التي عصفت بالأندلس منذ ‏بدايات الفتح الإسلامي وحتى عصر ملوك الطوائف.

تزخر الرواية بالصراعات والمؤامرات داخل البيت الحاكم في ‏غرناطة، بين الآباء والأبناء والإخوة والأعمام، في مقابل ‌‏حضور قصص الحب والتضحية والنهايات التراجيدية التي تمنح ‏النص بعده الإنساني، يقدم من خلالها الكاتب مدينة غرناطة ‌‏عالماً كاملاً يتداعى سياسياً وأخلاقياً وإنسانياً.

كما تحضر المرأة بوصفها عنصراً محورياً في البناء الدرامي، ‏وفي مقدمة الشخصيات النسائية عائشة الحرة، إلى جانب ثريا ‌‏القشتالية، ومريمة زوجة أبي عبد الله، والملكة إيزابيلا التي ‏يقدمها العمل بوصفها صاحبة مشروع، هدفه توحيد إسبانيا تحت ‌‏سلطتها وطرد العرب واليهود منها. وفي مقابل ضَعْف السلطة وصراعاتها، تمنح الرواية مساحة ‏للمقاومة الشعبية التي يمثلها موسى الغساني وعلي العطار ‌‏وحامد الثغري، بوصفهم شخصيات حاولت إبطاء السقوط ‏والدفاع عن غرناطة في مواجهة واقع سياسي متصدع. ويبرز في الرواية أيضاً سؤال الحضارة والتحولات التاريخية، ‏إذ يستعيد الكاتب صورة الأندلس بوصفها منارة للعلم والثقافة، ‌‏في وقت كانت فيه الوفود الأوروبية تفد إلى قرطبة للتعلم، قبل ‏أن تتبدل موازين القوة لمصلحة الغرب مع تراجع العرب ‌‏وانقسامهم.

رواية «غرناطة.. آخر الأيام» صدرت عن «الأهلية للنشر والتوزيع» في الأردن، وتقع في 565 ‌‏صفحة من القطع المتوسط.