قراءة جديدة لحرب «خلقت الشّرق الأوسط الحديث»

نصّ يبدو كسرد دراميّ من وجهة النظر الإسرائيلية

أنور السادات يتابع مجريات الحرب
أنور السادات يتابع مجريات الحرب
TT

قراءة جديدة لحرب «خلقت الشّرق الأوسط الحديث»

أنور السادات يتابع مجريات الحرب
أنور السادات يتابع مجريات الحرب

يوري كوفمان، مؤلف كتاب «ثمانية عشر يوماً في أكتوبر... حرب يوم الغفران وكيف خلقت الشرق الأوسط الحديث»، الذي صدر منذ أيّام (بالإنجليزيّة) في أجواء الذكرى الخمسين لحرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، ليس مؤرخاً تقليدياً بالمفهوم الأكاديمي المحض، بل هو محامٍ يهوديّ أميركيّ متدين، صنع ثروة صغيرة من العمل في العقارات، منحته الوقت، والقدرة الماديّة كذلك، لأن يطارد شغفه طوال 20 عاماً... تشريح تلك اللّحظة، ذات أكتوبر، الشّديدة الكثافة في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، بداية من التقاطعات الإقليمية والدّوليّة المؤدية إليها، إلى تفاصيل تطوّر الأوضاع العسكريّة والاستخباراتية والسياسية على مختلف الجبهات أثناءها، ومن ثمّ انعكاساتها المباشرة على مصائر الشخصيات التي قادتها من الجانب الإسرائيلي، وعلى الترتيبات السياسيّة التي أدت إليها، سواء على صعيد الدّائرة الأولى التي خاضت الحرب مباشرة (مصر، وسوريا، وإسرائيل) أو في الدّائرة الثانية (العراق والمغرب وليبيا والسعودية والكويت)، بالإضافة إلى الرعاة الدوليين؛ الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي حينها. خلفيّة كوفمان، اليهودي الأميركيّ الثري، فتحت أمامه أبواباً كثيرة، في الداخل الإسرائيلي، فضلاً عن الولايات المتحدة، للاطلاع على الوثائق، ومقابلة الأشخاص، بل زيارة المواقع التي جرت فيها بعض المواجهات الحرجة. على أنّ الإضافة النوعيّة التي يجلبها كوفمان، مقارنة بعشرات النصوص الإسرائيلية والأميركيّة التي نشرت قبله، لا شك ارتبطت بعامل الزمن من ناحيتين؛ مرور نصف قرن على الحدث التّاريخي يمكن أن يسمح بالنّظر إلى الأمور ومآلاتها بتبصّر لا يتوفر لمن كتب في وقت الحدث أو بعده مباشرة، وكذلك فإنّ ترتيبات سريّة وثائق الأرشيف الرّسميّة لكثير من الدّول تؤجل الكشف عنها لفترات تتراوح بين 25 و50 عاماً، ناهيك عن أن كثيراً من العارفين بتفاصيل محددة يفضّلون الانتظار لعقود، كي تتغير المناخات السياسيّة، أو تمر فترة تسقط عنهم إمكان الادعاء الجرميّ، أو ترقباً لرحيل بعض الأشخاص المعنيين عن عالمنا، قبل أن يدلوا بشهاداتهم.

يوري كوفمان

بالطبع، يبدأ كوفمان من واقع موضوعي يجعل من حرب أكتوبر (يسميها السوريون تشرين، والمصريون رمضان، والإسرائيليون حرب يوم الغفران) تطوراً طبيعيّاً لسلسلة الهزائم العسكريّة القاسية التي ألحقتها الدولة العبريّة بمصر (في 1956، وفي 1967) وسوريا (في 1967)، وتتويجاً لعزم القيادتين المصريّة (جمال عبد الناصر) والسوريّة (حافظ الأسد) على استعادة أراضيهما المحتلّة وماء الوجه أمام شعوبهما الذي أريق عندما دمّر سلاح الجو الإسرائيلي القوة الجوية لمصر وسوريا بالكامل تقريباً خلال الساعات الأولى لحرب الأيّام الستة.

كان الإسرائيليون يدركون ذلك تماماً ويتوقعونه، لكن جهاز الاستخبارات العسكريّة (أمان) وثق في «مفهوم» نقله إليهم «الجاسوس الذهبي»، حسب تسميتهم، أشرف مروان (الذي كان مقرباً من السادات، وصهراً لناصر) خلاصته أن سوريا لن تذهب إلى الحرب من دون مصر، وفي المقابل لن تذهب مصر إلى الحرب حتى تتمكن من تحييد سلاح الجو الإسرائيلي؛ الميزة الاستراتيجية النوعيّة التي يمتلكها جيش الكيان. حتى عندما بنى المصريون جدار صواريخ سام المضادة للطائرات على طول الجانب الغربي من قناة السويس مقابل سيناء المحتلّة، وسيّج السوريون دمشق بالصواريخ بأكثر مما كانت موسكو أو هانوي محميّة بها، تطّور المفهوم إلى أن مصر لن تذهب إلى الحرب قبل الحصول على صواريخ سكود الروسيّة الباليستية لاستهداف المدن الإسرائيلية حال حاول سلاح الجو الإسرائيلي استهداف المدن المصريّة، كما فعل إبّان حرب الاستنزاف (بين 1967 – 1973). وقد وصلت المعلومات بشأن تسلم الجيش المصري لتلك الصواريخ، لكن مزيجاً من سوء الإدارة، وضعف التقدير، والصلّف، والاستخفاف بالعرب، أنتج داخل «أمان» مزاجاً من الغطرسة دفع بها لتأكيد أن الحكومة الإسرائيليّة بحكم تواصلها مع مصادر مطلعة على صنع القرار (إلى جانب أشرف مروان، كان هناك ضابط رفيع في الجيش المصري، كُشف عن وجوده، دون اسمه في 2020) قادرة على الحصول على إنذار قبل 48 ساعة على الأقل من انطلاق أيّ أعمال عسكريّة من الجانب العربيّ. وتلك مسألة شديدة الأهميّة للدفاع عن كيان صغير المساحة مثل الدولة العبرية المحاطة بـ3 جبهات طويلة، لناحية استدعاء الاحتياط، حيث جميع الإسرائيليين الراشدين تقريباً مجندو احتياط.

كان الإسرائيليون قد عزموا على تجنب بدء الحرب المقبلة مع العرب كي لا يتعرضوا لإدانات وضغوط دوليّة، ولا سيّما حليفتهم الولايات المتحدة، التي لا تفضّل التورط في مواجهة مع الاتحاد السوفياتي (حليف العرب) أو المخاطرة بإمدادات النفط المتدفقة من الشرق الأوسط.

غلاف الكتاب

ذلك كله تسبب في أخطاء تقييم بشأن النّوايا العربيّة، مكّنت تصورات «أمان» من الصمود رغم كل الإشارات على الأرض ومن المصادر الثانوية بأن المصريين بدأوا بالفعل التحرك لعبور قناة السويس، وأن السوريين يراكمون قواتهم تجاه الجولان، وشبكات صواريخ أرض جوّ جاهزة بالفعل لقنص الطائرات الإسرائيليّة.

وهكذا رفضت القيادة العليا الإسرائيلية، بقيادة وزير الدّفاع موشيه ديان، تحت رعاية رئيسة الحكومة غولدا مائير، الإشارات المتكررة بشأن هجوم عربي وشيك، بما في ذلك مغادرة عائلات الخبراء السوفيات لدمشق والقاهرة، ولذلك لم تكن مستعدة تماماً لهجوم كوماندوز سوري على جبل الشيخ في 6 أكتوبر، ولم يتوفر هناك عدد كافٍ من الدبابات على الأرض في سيناء، وتضاربت التوجيهات للقوات الجويّة، ما تسبب بعدم توفر حجم كافٍ من الطائرات المقاتلة الجاهزة لخوض المعركة فور نشوبها، وبدا كل شيء معتمداً على الارتجال السريع بدل الاستناد إلى خطط محكمة. وهكذا نجحت القوات المصريّة في تنفيذ عبور جريء عبر القنال وتحرير شريط من الأرض في جهته الشرقيّة، فيما انطلق هجوم سوري عنيد عبر 3 محاور، وحقق اختراقات، وبدأ يتجه نحو نهر الأردن والطريق إلى عمق الأراضي المحتلة، وشعرت القيادة الإسرائيلية باليأس لدرجة أن مجلس الوزراء ناقش فكرة استخدام الأسلحة النووية.

يقول كوفمان عن تلك الصدمة الأولى: «قبل حرب 1973، عرّفت القواميس الكلمة العبرية (ميخدال) بأنها؛ التقصير عن تنفيذ شيء مهم. لكن بعد الحرب، اتخذت الكلمة معنى جديداً، لا يزال معتمداً حتى يومنا هذا، لوصف كل فشل ذريع، بأنّه مثل إخفاقات الجيش الإسرائيلي في الأيام الثلاثة الأولى من حرب (يوم الغفران)».

ومع ذلك، ما لبث الإسرائيليون أن استعادوا توازنهم إثر الصدمة الأولى، وشرعوا «بعد 9 أكتوبر» ووصول قوات الاحتياط إلى الجبهات بشنّ هجمات مضادة، وخاضوا معارك طاحنة في مختلف المواقع، إلى أن بدأ أكبر جسر جويّ في التاريخ لتعويض خسائر الجيش الإسرائيلي من المعدات والذخائر، في موازاة ضغوط دولية لفرض وقف لإطلاق النار، ما مكّنهم من تحقيق اختراقات بالتوغل داخل الأراضي السوريّة شمالاً، وعبور قناة السويس نحو الأراضي المصرية ومحاصرة الجيش الثالث المصري وتهديد القاهرة جنوباً، على نحو وضع نظام السادات في زاوية حرجة، سهلت قبوله للحد الأدنى من أجل إنقاذ أرواح جنوده ونظامه.

يعتبر كوفمان أن تدخّل السادات في إدارة المعركة على الأرض، رغم وجود قيادة كفوءة ممثلة بالفريق سعد الدين الشاذلي، انتزع للمصريين الهزيمة من قلب نصر ممكن. ومع ذلك، كانت الهزيمة تباع في صحف القاهرة على أنّها نصر مؤزر، بينما كان الإسرائيليون العاديون يتعاملون مع انتصار جيشهم، المؤيّد أميركياً، وكأنّه هزيمة، وضغطوا لتشكيل لجنة تحقيق أدانت في تقريرها أداء قائد الجيش ديفيد إليعازار، ومدير الاستخبارات العسكريّة، فيما تغاضت عن أدوار غولدا مائير، وموشي ديان، صاحبي المسؤوليّة الأساسيّة في «التقصير»، لكنهما اضطرا للاستقالة تالياً وغرقا في المرض والعار.

خلفيّة كوفمان، اليهودي الأميركيّ الثري، فتحت أمامه أبواباً في إسرائيل وأميركا للاطلاع على الوثائق، ومقابلة الأشخاص، وزيارة المواقع التي جرت فيها بعض المواجهات الحرجة

كوفمان يقول عن ذلك؛ إنّ نصف قرن مرّ على الحرب يرينا الآن أن إسرائيل حققت أهدافها الاستراتيجيّة في الحرب، بعد أن خرجت مصر نهائياً من دائرة الصراع مع الكيان العبري، واضطر السوريون بعد حرب استنزاف مريرة خاضوها لعام كامل ضد القوات الإسرائيلية إلى القبول بوقف إطلاق نار ثبّت الأوضاع القائمة على الأرض حتى اليوم، مع شبه استحالة لاستعادة الجولان. علاوة على ذلك، تم في 18 مارس (آذار) 1974 رفع الحظر النفطي العربي، وقفز السادات إلى الأمام عبر زيارته إلى القدس المحتلة، ووقع تالياً اتفاق سلام (في كامب ديفيد) أصبح بوابة عبرت منها دول عربيّة أخرى إلى اتفاقيات مماثلة، مع تطبيع رسمي في العلاقات مع عدد منها. بالتأكيد، لم يعد بإمكان إسرائيل اعتبار تفوقها العسكري أمراً مفروغاً منه، كما كان الحال بعد عام 1967، لكن العرب لم يعد بإمكانهم واقعيّاً أن يأملوا في محو إسرائيل نهائياً من الخريطة.

الكتاب يعاني من نفس توراتي فرضه فهم كوفمان للعالم، ومبالغة في تأثير أوضاع الأشخاص النفسيّة والصحيّة لتفسير قراراتهم (مائير والسادات)

«ثمانية عشر يوماً في أكتوبر» يعاني من نفس توراتي فرضه فهم كوفمان للعالم، ومبالغة في تأثير أوضاع الأشخاص النفسيّة والصحيّة لتفسير قراراتهم (مائير والسادات)، كما هناك انحياز ظاهر غير مبرر لشخصية أرئيل شارون الإشكاليّة، لكن النصّ مع ذلك يبدو كسرد دراميّ آسر للحدث من وجهة النظر الإسرائيلية حيث مزيج من القتال العنيف، والمشاحنات المستمرة بين القادة، وحكايات اللحظات الحرجة، على مختلف نقاط الاشتباك لحدث مفصلي لا يمكن فهم التاريخ المعاصر للشرق الأوسط من دونه.

«ثمانية عشر يوماً في أكتوبر»

Eighteen Days in October: The Yom Kippur War and How It Created the Modern East

المؤلف: يوري كوفمان

الناشر: مطبعة سنت مارتن، 2023


مقالات ذات صلة

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

كتب «القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم.

منى أبو النصر (القاهرة)

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض
TT

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة، على نحو يعزز مكانته الإقليمية والعالمية منذ بدايته الأولى عام 1969. وتنطلق الدورة الـ57 في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 3 فبراير (شباط) المقبل تحت شعار شديد الدلالة مقتبس عن قول مأثور لنجيب محفوظ وهو «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً».

ووصف وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو النسخة الجديدة بأنها «الأضخم في تاريخ المعرض وستحطم أرقاماً قياسية غير مسبوقة» بمشاركة 1547 دار نشر من 83 دولة، بإجمالي 6637 عارضاً، كما يضم البرنامج الثقافي 400 فعالية أدبية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، بمشاركة 170 ضيفاً عربياً وأجنبياً، وحضور أكثر من 1500 مثقف ومبدع، عبر قاعات متعددة، من بينها قاعة المؤتمرات التي تستضيف 10 فعاليات في اليوم الواحد لأول مرة.

جدل التاريخ والهوية

وبعيداً عن لغة الأرقام، وعد الوزير في مؤتمر صحافي جمهور المعرض بـ«نسخة استثنائية ذات هوية متفردة ومختلفة، تستلهم روح الإبداع محلياً وإنسانياً، وتفتح آفاقاً أوسع للحوار والمعرفة، ليظل المعرض مساحة حية تلتقي فيها الكلمة بالفكر، والكتاب بالإنسان، لا سيما أنها تأتي عقب حدث عالمي تمثل في افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي أعاد توجيه أنظار العالم إلى مصر وحضارتها العريقة وتاريخها الممتد، وهو ما انعكس على توجه المعرض وبرنامجه الثقافي، حيث يحتفي هذا العام بالهوية المصرية ويعيد قراءة التاريخ بوصفهما مصدراً أصيلاً للإبداع والمعرفة».

ومن جانبه، أكد أحمد مجاهد، الرئيس التنفيذي للمعرض، أن الاحتفاء بالأديب الكبير نجيب محفوظ بعدّه «شخصية المعرض» يتجسد في برنامج متكامل يشمل ندوات فكرية، وعروضاً سينمائية، وأنشطة فنية، من بينها معرض «نجيب محفوظ بعيون العالم»، الذي يضم 40 لوحة فنية لفنانين من مختلف دول العالم، بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير.

كما أوضح أن «شخصية معرض كتاب الطفل» هذا العام هي الفنان الكبير محيي الدين اللباد، ويتم الاحتفاء بمسيرته عبر ندوات متخصصة، ومعرض لأعماله، وأنشطة تفاعلية للأطفال، وإعادة طباعة عدد من كتبه، إلى جانب إصدار كتاب تذكاري يوثق مسيرته الإبداعية.

مبادرات جديدة

ويشهد المعرض في نسخته المرتقبة، عدة مبادرات جديدة منها «مكتبة لكل بيت»، التي تهدف إلى إعادة الكتاب ليكون جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية داخل البيوت المصرية والعربية، حيث تضم المبادرة مجموعة مختارة من 20 مؤلفاً متنوعاً من أهم ما أصدرته قطاعات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة نجيب محفوظ» التي تشمل 15 إصداراً من أبرز أعماله، في إطار دعم القراءة وإتاحة المعرفة للجميع.

واحتفاءً بتراث مصر غير المادي، يشهد المعرض للمرة الأولى إقامة مخيم «أهلنا وناسنا» الذي يقدم التراث الثقافي غير المادي لمحافظات مصر، إلى جانب الصالون الثقافي وجناح الطفل والبرنامج الفني المتنوع، ليؤكد معرض القاهرة الدولي للكتاب أنه رسالة ثقافية متجددة إلى العالم، تعكس الإيمان بدور الثقافة في بناء الوعي، وترسيخ الهوية، وتعزيز الحوار الإنساني.

ومن بين المبادرات الجديدة كذلك إطلاق «جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية» التي تُمنح باسم وزارة الثقافة المصرية، وبرعاية أحد البنوك الوطنية، بقيمة 500 ألف جنيه، وميدالية ذهبية تذكارية. ومن المنتظر أن يتم تنظيم حفل افتتاح فني كبير لأول مرة على مسرح «المنارة» بحي «مدينة نصر» بعنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، احتفاءً بمئوية ميلاده، إلى جانب حفل ختام فني بعنوان «غنا القاهرة»، يتضمن تسليم جوائز المعرض، والإعلان عن الفائز بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى.

دعم رقمي للجمهور

وفي إطار جهود دعم جمهور المعرض وتوفير خدمات ميسرة تجعل من زيارتهم تجربة أكثر إمتاعاً، تم استحداث تطبيق موبايل ذكي يهدف إلى تنظيم الجهود الميدانية داخل المعرض، ضمن مبادرات برنامج «أنا متطوع» حيث يعد التطبيق منصة رقمية متكاملة توفّر للزوار مجموعة من الخدمات الذكية، من بينها خريطة تفاعلية لدور النشر، وإمكانية البحث عن عناوين الكتب ومعرفة أماكن الناشرين، إلى جانب عرض أجندة الفعاليات والأنشطة الثقافية اليومية.

كما يتيح التطبيق تحديد أماكن تمركز المتطوعين ومكاتب الاستعلامات، وتقديم تنبيهات لتجنّب مناطق الازدحام، خاصة عند بوابات الدخول. وعلى صعيد الدعم الميداني، يوفّر التطبيق آلية مباشرة لطلب مساعدة المتطوعين، والإبلاغ عن المشكلات أو حالات الطوارئ، وطلب الإسعاف، بما يضمن سرعة الاستجابة ورفع مستوى الأمان والتنظيم داخل المعرض. ويأتي إطلاق التطبيق استجابةً للزيادة المتواصلة في أعداد زوار المعرض خلال السنوات الأخيرة، وحرصاً على توظيف الحلول الرقمية الحديثة في دعم العمل التطوعي، وتعزيز كفاءة المتطوعين بعدّهم أحد الأعمدة الأساسية لنجاح المعرض.

حضور روماني

وتحل دولة رومانيا «ضيف شرف» الدورة الجديدة من المعرض في إطار الاستعداد للاحتفال بمرور 120 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين مصر ورومانيا عام 2026، حيث سيتم تنظيم 30 فعالية على مدار 13 يوماً، بمشاركة 60 ضيفاً من رومانيا، من بينهم 15 فناناً، و10 دور نشر رومانية، ورؤساء جامعات، إلى جانب مشاركة شخصيات رفيعة المستوى، من بينهم وزير الثقافة الروماني في حفل الافتتاح.


«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي
TT

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي - دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت، 2026 - هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل، ويتعامل معه كخطاب قابل للفهم، مشروط بالمعرفة والسياق وحال الرائي، ومحكوم بقواعد وآداب للسائل والمسؤول. والكتاب، كما تُبرز مقدّمته، يتحرّك بين ضبط الأصول والانشغال بالتفصيلات التي تُنزل الرؤيا إلى العالم المحسوس، فيبدو الحلم صدى لعلاقات الإنسان بما حوله.

و تُقدّم المقدّمة تمييزاً بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة، وتفريعاً للأولى إلى «رؤيا تدبير» و«رؤيا تبشير» و«رؤيا إلهام»، وللثانية إلى «رؤيا هِمّة» و«رؤيا حديث نفس». ويظهر الاهتمام بألا تكون العبارة استسهالاً، إذ تتكرَّر الإشارة إلى أنّ اختلاف الناس وأحوالهم ينعكس على التأويل، والرؤيا لا تُنتَزع من سياق الرائي انتزاعاً. كما يتوقَّف الكتاب عند فكرة تداول علم التعبير وترجماته، ويَذكر ترجمة حنين بن إسحاق (260/873) لكتاب أرطيميدروس الأفسسي (القرن الثاني للميلاد)، في إشارة إلى تاريخ أطول لحضور تفسير الأحلام وتحوّلاته.

أما متنه، فمبنيّ على أبواب واسعة تمتد من «أصول الرؤيا وفصولها ومعرفة صدقها من كذبها» (الباب الأول)، إلى «في المسائل المتفرّقة التي سقطت من أماكنها فأثبتناها في هذا الموضع ليتمّ الكتاب بها إن شاء الله تعالى» (الباب التاسع والخمسون). وبين هذين الحدّين يتوزَّع العالم كلّه تقريباً على شبكة من العناوين، منها أبواب في رؤية الله تعالى والجنة والنار والملائكة والصراط والميزان ويوم القيامة (الباب الثالث)، وفي الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرعد والبرق والمطر والثلج والبرد والرياح والغبار والغمامة وما أشبهها (الباب الرابع)، وفي البحار والأودية والأنهار والحَبّ واللؤلؤ والماء والسفينة (الباب الخامس)، وفي النور والظلمة والنار والسراج والشمع والجمرة (السادس)، وفي الجبال والتلال والرمال والمغاور والتراب والآجر والجص والحائط (السابع). ثم ينفتح المتن على تفاصيل العمران والدور والبساتين والحمّامات والطواحين والسلالم (التاسع)، وعلى العطر وأنواعه مثل المسك والعنبر والكافور والعود والصندل وماء الورد والأدهان الطيبة والزعفران (العاشر).

ويتقدَّم الفهرس إلى موضوعات تمسّ الجسد والعبادة والسلطة والمعرفة. فنقرأ باباً في الغسل والوضوء والتيمّم والأذان والإقامة والصلاة والركوع والسجود والحج والغزو والصدقة والزكاة ونحوها (الثاني عشر)، وباباً في رؤية القاضي والخليفة والفقيه والإمام والحاكم والخطيب والمؤذن والطبيب والمريض والمكيال والميزان والقبّان (الثالث عشر)، إلى باب في القلم والدواة واللوح والمحبرة والمنشور والصك والكرّاسة (الرابع عشر). وتتتابع الأبواب لتشمل «جماعة الناس وأعضاءهم وأيديهم وأرجلهم... وما يرى فيهم من زيادة أو نقصان» (الخامس عشر)، ثم «الأبواب والعُقَد والخروج من موضع ضيق... والمفاتيح... والفرش والبُسُط» (السادس عشر)، ثم ما يتصل بالنار والدخان والرماد والشرار والأتون والتنانير والكوانين والقدور (السابع عشر)، وصولاً إلى أبواب في الطعام والشراب والكواميخ والأدوية والألبان والسموم والقيء والإسهال (الرابع والعشرون)، وفي الجواهر والدراهم والدنانير والفلوس والصُّفر والنحاس (الخامس والعشرون)، وفي الثياب والخفّ والنعل والخواتيم (السادس والعشرون)، وفي الحبل والغزل والقيد والخيط والشبكة والإبرة والقطن (السابع والعشرون).

ولا يكتفي المتن بما هو مألوف من الموجودات، فيُخصّص مساحة واسعة للحيوانات والهوام، من السباع والطيور والأسماك والسرطان ودواب الماء (الأبواب 40–49) إلى الحيات والعقارب والهوام وسمومها ولسعتها (الخمسون)، ثم أبواب في رؤية الجنّ والأبالسة والشياطين والسحرة والكهنة والأصنام (الحادي والخمسون). ويقترب الكتاب أيضاً من المجال الاجتماعي والرمزي، فنقرأ باباً في «الرؤيا التي تدل على طول أعمار الملوك وحُسن حالهم ورؤية الرئيس والسلطان... والاستدلال بالأسماء على الخير والشر» (الثالث والخمسون)، وآخر في «التماثيل والأصباغ والاختتان والتزويج والعرس والضيافة والوليمة» (الرابع والخمسون)، ثم باب في «العبادة والشكر لله والاستغفار والحمد والتسبيح وقراءة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم» (الخامس والخمسون). ويُختم الفهرس بباب في الزلزلة والرجفة والخسف والمسخ والطليق والخلع والوقوع في الماء والنار والسيل وعباراتها (السادس والخمسون)، وباب في رؤية النصارى والمجوس واليهود والبيعة والكنيسة والمقبرة والنواقيس وبيوت النيران (السابع والخمسون)، وباب في «أسقاط البيت...»، بما فيه من مراوح وغرابيل وقوارير، وغيرها من الأوعية (الثامن والخمسون).

إلى جانب المتن، يقدّم التحقيق خريطةً دقيقة للمخطوطات التي نُقل عنها النصّ، ويذكر أنها محفوظة في مؤسّسات متعدّدة، منها مكتبة أسعد أفندي (يرمز إليها بـ«س»، وتُعدّ أقدم ما رجع إليه التحقيق، وتقع في 72 ورقة، نحو 20 سطراً في الصفحة)، ومخطوطة توب كابي (يرمز إليها بـ«ك» في 75 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع استعمال أربعة ألوان للمداد)، ومخطوطة جامعة إسطنبول (يرمز إليها بـ«ط» في 58 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع إبراز العناوين والرموز باللون الأحمر)، ومخطوطة جامعة برنستون (يرمز إليها بـ«ب» في 61 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، بالأسود والأحمر)، ومخطوطة تشستر بيتي (يرمز إليها بـ«ت» في 86 ورقة، 15 سطراً في الصفحة، مع حواشٍ)، إضافةً إلى «مخطوطة جوروم» (يرمز إليها بـ«ج» في 61 ورقة، بإطار ذهبي، و19 سطراً في الصفحة). وتكشف المقدّمة كذلك عن علاقات النسخ ببعضها عبر رسم توضيحي، وعن ملاحظات تتّصل بالجمع بين الأبواب في بعض النسخ، وبسقوط مواضع أو انتقال الناسخ مباشرة إلى باب تالٍ.

وتتجلَّى قيمة التحقيق في صرامة منهجه، إذ يتّخذ نصّ «س» أساساً، ولا يثبت اختلافات النسخ الأخرى في الهوامش إلا إذا كان هناك خطأ صريح أو تحريف أو تصحيف أو خشية التباس على القارئ. كما يشرح التحقيق أنه رجّح قراءة نسخة على أخرى عند السقط أو النقص أو فساد العبارة، مشيراً إلى ما لا يُغيّر المعنى فلا يُثقل به الهامش. ويضيف إلى ذلك عملاً مُساعداً يسهّل التعامل مع الكتاب، من شرح مفردات غريبة، وتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وإلحاق فهرس للرموز المؤولة، إلى جانب فهارس الآيات والأحاديث والأعلام وقائمة المصادر والمراجع. والأهم، أنّ هذا العمل يُبرز صوراً للمخطوطات، بما يمنح القارئ فرصة رؤية المادة التي عبرت القرون قبل أن تستقرّ في هذا الكتاب، مُظهراً صورةً للنص وهو في حالته الأولى، قبل أن يصير كتاباً بين يدي قارئ اليوم.


«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه
TT

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ (1942 - 2024) وقصصه. وجاء في افتتاحية المجلة التي كتبتها الشاعرة والأكاديمية جوسلين ميشيل ألمايدا: «يُعرف محمد الشارخ عالميّاً بإسهامه في (تعريب التكنولوجيا) من خلال تأسيسه شركة (صخر)، ويمثل دأبه على تطوير أنظمة الكتابة العربيّة والحروف الحاسوبيّة إسهاماً بارزاً في دراسة اللغة العربيّة ونشرها رقميًّا. وليس من المبالغة القول إنّ سعي الشارخ الحثيث فيما يتعلّق بلغته الأمّ يُشكّل إرثاً ثقافيًّا ولغويًّا سيُخلَّد في الذاكرة لقرون».

ومن خلال قراءتها للقصص المترجمة إلى الإسبانية، علقت دوسلين ميشيل ألمايدا قائلة: «تتأرجح تقنيّة الشارخ الأدبيّة بسلاسة بين السرد بضمير المتكلّم والسرد على لسان راوٍ عليم، وفقاً للقصّة، وبواقعيّة شعريّة، من دون أن تصل إلى حدّ الواقعيّة السحريّة، فيُحدث السرد أثراً عميقاً في القارئ من حيث تغيير الواقع من خلال الإدراك أو اكتشاف القارئ لحقيقة الأبطال. وعلى غرار ريموند كارفر أو إرنست همنغواي، يُنمّي الشارخ الطابع الشعريّ لصمت شخصيّاته. على هذا المنوال، تصبح قراءة قصص الشارخ فعلاً إبداعيًّا مشتركاً مع الكاتب، حيث يُسهم خيال القارئ في خلق المعنى الإنسانيّ للتجربة؛ ما يُضفي مزيداً من المتعة على السرد. وتُضفي عناصر مثل بناء الشخصيّات، والاستعارات، والسخرية، والحوار، إيقاعاً يُناسب تطوّر الأحداث في نثر الشارخ، وهو تناغم يمتدّ أيضاً إلى الإطار الجغرافيّ لقصصه».

تضمن ملف مجلة «بانيبال» الخاص عن محمد الشارخ، أجزاء من السيرة الذاتية التي كتبها الشارخ تحت عنوان «محطات من حياتي» (ترجمة ألبارو أبييا)، ومقالات وشهادات لكل من طالب الرفاعي، كاتيا الطويل، سعود السنعوسي، وحسونة المصباحي. بالإضافة إلى ترجمة أربع قصص طويلة وهي «المخاض»، «العزاء»، «الوديعة» و«جاسم الكوفي» قام بترجمتها كل من ماريا لويسا برييتو وإغناثيو غوتييريز دي تيران.

في شهادته التي كتبها تحت عنوان «محمد الشارخ... ماذا أعطته اللغة؟ وماذا أعطاها؟»، يقول الروائي الكويتي سعود السنعوسي: «هنا حكاية قصيرة عن حلمي القديم بأن يكون لدي كتابي الخاص، حينما كنتُ في الرابعة عشرة، وكان مشروع الشارخ (صخر) قد دُشِّن قبل ذلك الوقت بثلاثة عشر عاماً، أي أن كمبيوتر (صخر( في مثل سِني تقريباً... تخيَّل! ولأنه من المستحيل لأي دار نشر أن تطبع كتاباً رديئاً لطفل يجهل أصول الكتابة، ولأن والديَّ أجَّلا حلمي بالكتابةِ خشيةً على تحصيلي العلمي: تكبر وتكتب! فقد أخذت زمام المبادرة طفلاً، وبأصابع مرتعشة كتبت ما كنتُ أحسبه قصصاً عبر لوحة مفاتيح كمبيوتر صديق، وكانت تلك اللوحة تحمل في إحدى زواياها ذلك الشعار الرمادي الذي ارتبط في طفولتنا حول عالم الكمبيوتر السحري، وكان لقائي الأول بكمبيوتر (صخر) ولوحة مفاتيحه العربية. وطبعت قصصي الرديئة على أوراقٍ مرقمة وصنعت لها غلافاً يحمل اسمي وعنوان الكتاب... كتاب من نسخة واحدة، ومنذ ذلك الوقت المبكر في حياتي صار لي كتابي الخاص، كتابي الأول الذي لم يقرأه غيري، كتابي المطبوع عبر كمبيوتر (صخر)».

وكتبت الناقدة اللبنانية كاتيا الطويل عن رواية «العائلة»، وهي الرواية الوحيدة التي كتبها محمد الشارخ قائلة: «يقدّم الشارخ فيما يناهز المائتين وستّين صفحة تفاصيل عائلة سعد بن كعب الناصر ويوميّاتها وتاريخها. عشرة أولاد وتسع بنات يرافقهم السرد، يرافق مراحل نشأتهم ومراحل نضجهم وقصص زواجهم. بين متمرّد ومحافظ، بين مهادن للسلطة وحانق عليها، بين مائل للثقافة الغربيّة ومتمسّك بالعادات العربيّة، تسعة عشر ابناً وبنتاً يرافقهم السرد ويعرّف القارئ بهم في محاولة محمودة من الكاتب لتقديم مختلف الآراء ووجهات النظر في العائلة الكويتيّة والمجتمع الكويتيّ ككلّ».

وتحت عنوان «محمد الشارخ النجم الباقي» كتب طالب الرفاعي: «عُرف الشارخ عربياً وعالمياً بأنه رجل أعمال، لكن ما كان يقبع خلف رجل الأعمال ذاك، كان إنساناً مرهف الحس عاشقاً للقراءة والكتابة وعاشقاً للفن التشكيلي وعاشقاً للسينما، ولقد ترك الرجل خلفه مجاميع قصصية دالة على فكره من جهة ودالة على البيئة المكانية والاجتماعية التي نشأ وترعرع فيها. محمد الشارخ وللطف خلقه لم يكن يزاحم أحداً في كتاباته ولا قدّم نفسه بوصفه كاتباً، لكن هذا لم يكن أكثر من تواضع الأدباء الحقيقي، ولم يكن أكثر من مسلك حياتي طبع حياة الشارخ بأن يكون في الظل أكثر ما يكون في العلن، لكن قدره أن يبقى في العلن ما بقيت اللغة العربية. شخص نذر عمره لها، فأعطته بقاءً أدبياً لم تعطه للكثيرين غيره».ونشرت المجلة مقالة للكاتب التونسي الراحل حسونة المصباحي كان قد كتبها حول قصص محمد الشارخ، قال فيها: «ما إن انتهيت من قراءة قصص محمد الشارخ حتى وجدتني مفتوناً من جديد بفن القصة القصيرة التي كنت أظن أنها دُفنت نهائياً في عالمنا العربي بعد أن أصبح العرب مصابين بـ(هوس الرواية). كما وجدتني راغباً في قراءة المزيد من قصص الشارخ لطرافتها، وانسيابها السريع، وسخريتها المرة، ولغتها الخالية من البلاغة الجوفاء، ومن اللغو، ومن ذلك التصنع البغيض، الذي هو عدو كل الفنون».ومن المواد الأخرى التي نشرتها المجلة في عددها الأخير، نقرأ نصوصاً شعرية وسردية لثلاثة أدباء من سوريا. أجزاء من رواية «الذئاب لا تنسى» للكاتبة لينا هويان الحسن (ترجمة أنخلينا غوتييريز ألمنارا)، وفصول من رواية بشير البكر «بلاد لا تشبه الأحلام» ترجمة أنطونيو مارتينيز كاسترو)، مقاطع طويلة من ديوان الشاعر نوري الجراح «الأفعوان الحجري: مرثية برعتا التدمري لمحبوبته ريجينا» (ترجمة ماريا لويسا برييتو).وكانت لوحة الغلاف، بورتريه لمحمد الشارخ، بريشة الفنان التشيلي توماس بينيفينته.