«يوميات رحالة»... نظرة جديدة في الاستشراق

البريطاني ديزموند ستيوارت ينتقد النزعة الاستعلائية تجاه الآخر

«يوميات رحالة»... نظرة جديدة في الاستشراق
TT

«يوميات رحالة»... نظرة جديدة في الاستشراق

«يوميات رحالة»... نظرة جديدة في الاستشراق

لا يمكن قراءة كتاب «يوميات رحالة» التي صدرت ترجمته عن «دار العربي» بالقاهرة للمستشرق البريطاني ديزموند ستيوارت (1924 - 1981)، دون وضعه في سياق أشمل يتجاوز مجرد مذكرات رجل تنقل في الشرق الأوسط ما بين بيروت وبغداد والقاهرة، وهو ما يتماس مع الاستشراق كإطار ملتبس يتفاوت ما بين الحماس والحذر في علاقة الشرق بالغرب.

ظهر الاستشراق، حسب المؤرخ الفرنسي مكسيم رودنسون، عام 1779 بإنجلترا ليشير إلى حركة ثقافية شاملة بدأتها الدول الأوروبية الكبرى لدراسة وفهم كل ما يتعلق بالشرق عموماً، والشرق العربي بخاصة، لا سيما على صعيد الثقافة والفكر والمجتمع والفنون والآداب. وقد يتم تعريفه بأنه «أسلوب للتفكير يرتكز على التمييز المعرفي والعرقي والآيديولوجي بين الشرق والغرب»، وأحياناً يكون المقصود بالاستشراق «ذلك العلم الذي يتناول المجتمعات الشرقية بالدراسة والتحليل من قبل علماء الغرب وباحثيه».

ويذهب المفكر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد (1935 - 2003) في كتابه الرائد «الاستشراق» إلى أن هذا المفهوم ينطوي على مبالغة في الاختلاف، وفرضية تؤكد تفوق الغرب، وتطبيق نماذج التحليل النمطية عن العالم الشرقي المتصور. بشكل عام، يُعد الاستشراق مصدر التصوير الثقافي غير الدقيق، أي أصول الأفكار والتصورات الغربية عن الشرق، خصوصاً منطقة الشرق الأوسط.

وحسب سعيد، تتمثل السمة الأساسية في الاستشراق بأنه «تحيُّز خفي ومستمر محوره تفوق الحضارة الأوروبية ضد الشعوب العربية الإسلامية وثقافتها»، تُشتق تلك النظرة من التصورات الغربية عما يمثله الشرق واختزال الشرق إلى جوهر خيالي «للشعوب الشرقية». وتصف تلك التصورات الثقافية الشرق بـ«البدائي، اللاعقلاني، العنيف، المتطرف، الاستبدادي، أنه أدنى من الغرب، وبالتالي لا سبيل إلى (التنوير) إلا باستبدال القيم (الرجعية) بالأفكار (المعاصرة التقدمية)، التي إما أن تكون غربية أو متأثرة بالغرب».

تخرج ديزموند ستيورات في جامعة أكسفورد عام 1948 لكنه عاش معظم حياته العملية في البلاد العربية، حيث أتقن اللغة العربية. انتقل أولاً إلى بيروت ثم غادرها إلى بغداد حيث كان يدرس الإنجليزية بكل من «دار المعلمين العليا» وكلية الآداب ويترجم الشعر العراقي. وحين استقر في القاهرة، عمل مراسلاً لعدد من الصحف البريطانية، وأخذ يؤلف الكتب عن الشرق مثل «القاهرة الكبرى: أم الدنيا» و«لورانس العرب» و«الإسلام المبكر» و«الأهرام وأبو الهول». وكان واسع الاطلاع على الأدب العربي حتى أنه ترجم إلى الإنجليزية «الأرض» لعبد الرحمن الشرقاوي و«الرجل الذي فقد ظله» لفتحي غانم.

وفي كتابه «يوميات رحالة» (262 صفحة من القطع المتوسط)، ترجمة سمير محفوظ بشير، يبدو ستيورات متحرراً إلى حد بعيد من تلك النظرة الاستشراقية الاستعلائية إلى الآخر، ويكتب بعين محبة عن مشاهداته في العالم العربي والتاريخ المصري الحديث منذ الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت 1798 حتى قيام ثورة 1952، كما يفرد مساحة للحديث عن الرئيس جمال عبد الناصر الذي أجرى أكثر من حوار معه، وبدا لافتاً أنه يصفه بـ«الصديق».

بين بغداد والقاهرة

ويصور ستيورات، بغداد، على أنها جزيرة ناعسة محاطة باللون الأخضر كما تبدو على الخريطة لكنه يعاني من هدوئها الشديد الذي يأخذ أحياناً شكل الرتابة كأنه هو نفسه لون الأرض البيضاء وجذوع النخيل النحيلة. من هنا، فوجئ لدى أيامه الأولى من إقامته بأحد الفنادق القاهرية بسيدة تصرخ بإنجليزية متقنة في جمع من النساء: يجب أن نذهب إليهم ونقضي على الأزمة ولو بالقوة! ولم تكن السيدة التي بدت مثل قائد عسكري رغم رقتها وملابسها الفخمة سوى إحدى سيدات الطبقة الأرستقراطية اللواتي قررن تغيير الواقع إلى الأفضل من خلال تنظيم رحلات جماعية إلى الريف والقرى في الوجهين البحري والقبلي للوقوف على مشكلات البسطاء على أرض الواقع. وحين اشتبك المؤلف في حوار معها فيما بعد عرف أنها كانت تقصد تحرير الفلاحين من خطر انتشار الحشيش والمواد المخدرة بينهم. والمدهش أنه لا يتفق معها في الرأي، حيث يرى أنه الأولى محاربة الفقر والتهميش لدى هؤلاء القرويين لاستعادة إنسانيتهم ثم الحديث بعد ذلك عن إنقاذهم من الإدمان، أي أن الحشيش وأخواته بالنسبة له عرض وليس جوهر المرض.

ويصف المؤلف، القاهرة، بأنها مدينة رائعة إذا ما قورنت بالعاصمة اليونانية أثينا أو مدينة نابولي الإيطالية اللتين يعدهما «مخيبتين للآمال». وهو يعترف بأن لحضور الملوك في الشرق سطوة على القادمين من الغرب. ويضرب مثلاً بمواطن صديق له أكد أن رؤيته لمشهد ولي عهد العراق وهو يداعب غزالة كان أكثر مشهد أثر في وجدانه على مدار حياته.

مصر من الداخل

ينصف المؤلف الفلاح المصري ويبدو متعاطفاً معه قبل وبعد قدوم محمد على مؤسس الدولة الحديثة في مصر. ويؤكد أنه كان ينظر لهذا الفلاح على أنه البقرة الحلوب التي تترقب مصير جثمانها مجموعة من النمل الأسود الشرس. ورغم البنية الجسمانية القوية للفلاح التي يتم استخدامها في أعمال تقترب من العبودية، كانت تُفرض عليه الضرائب والمكوس التي تثقل ظهره لكنه كان صبوراً مجبولاً على التحمل طويلاً قبل أن تأتي لحظة الانفجار. وينتقد مشروع محمد علي للنهضة حيث أدخل المحاصيل الزراعية الحديثة التي لم تعرفها البلاد من قبل وشق الترع والمصارف، وتوسع في الأرض المنزرعة، كما أقام الجيش الوطني، وأسس الأسطول وفتح المصانع، ولكن كل ذلك كان بهدف زيادة ثراء «الباشا» وامتلاء خزائنه من الذهب دون أن يستفيد الفلاح من تلك النهضة أو يناله خير من ذلك الازدهار.

وحول إشكالية «الأصالة والمعاصرة» التي رافقت رحلة الحداثة في مصر على امتداد القرن العشرين، يُرجع ستيوارت أصل المشكلة إلى عهد محمد على الذي انصرف خلاله عن تطوير التعليم التقليدي وتعزيز دوره في تطوير المجتمع. ففي مقابل ذلك، بذل كل جهده ليفصل كل ما هو تقليدي عن كل ما هو حديث، وسعى لتثبيط الهمم في الأزهر بقطع الهبات والمخصصات عنه، ثم أرسل الطلاب إلى فرنسا لكى يدرسوا العلوم الحديثة، وبذلك أسس انقساماً استمر طويلاً في مصر ما بين الذين تعلموا بالطريقة التقليدية ومن نهلوا من المعارف الأجنبية.

ويتطرق المؤلف إلى أثر تدخل القوى الأجنبية على مسار الحداثة في مصر، حيث يرى أن خضوع مصر للاحتلال العثماني كان بمثابة ثغرة دخلت منها كل القوى الأجنبية الخارجية، وأنه فيما كانت مصر في عهد محمد علي على وشك مواصلة مشروع تقدمي حقيقي، فإن عرقلتها جاءت بسبب الهيمنة وفشل مشروع التصنيع بعد العداء الشديد من الرأسمالية الأوروبية.

ويطرح ديزموند ستيورات نقطة مثيرة للجدل حين يذكر أن اللورد كرومر، المندوب السامي لبريطانيا في مصر وممثل الاحتلال «فعل الكثير لكي يحسن من مبادئ العدالة في مصر»، وأنه أجهد نفسه في مهمته الأساسية كمشرف عام على مالية البلاد حتى ينجح في هذا الشأن، وأنه وصل والمصريون فقراء وتركهم وهم بالكاد أغنياء!


مقالات ذات صلة

كيف أمضى جبّور الدويهي يومه الأخير؟

يوميات الشرق الروائيّ اللبناني جبّور الدويهي (فيسبوك)

كيف أمضى جبّور الدويهي يومه الأخير؟

عشيّة الذكرى الثالثة لرحيله، تتحدّث عائلة الروائيّ اللبنانيّ جبّور الدويهي عن سنواته الأخيرة، وعن تفاصيل يوميّاته، وعن إحياء أدبِه من خلال أنشطة متنوّعة.

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون ليلى العثمان تقتحم باسمها الصريح عالم روايتها

ليلى العثمان تقتحم باسمها الصريح عالم روايتها

رواية «حكاية صفية» للروائية الكويتية ليلى العثمان الصادرة عام 2023، رواية جريئة بشكل استثنائي

فاضل ثامر
كتب بعض واجهات المكتبات

موجة ازدهار في الروايات الرومانسية بأميركا

الصيف الماضي، عندما روادت ماي تنغستروم فكرة فتح مكتبة لبيع الروايات الرومانسية بمنطقة فنتورا بكاليفورنيا

ألكسندرا ألتر
كتب الرواية الخليجية... بدأت خجولة في الثلاثينات ونضجت مع الألفية

الرواية الخليجية... بدأت خجولة في الثلاثينات ونضجت مع الألفية

يتناول الناقد والباحث اليمني د. فارس البيل نشأة وجذور السرد الإبداعي في منطقة الخليج وعلاقة النص بالتطورات الاجتماعية والاقتصادية المتلاحقة

رشا أحمد (القاهرة)
يوميات الشرق محافظ الإسكندرية ووزير الثقافة ومدير مكتبة الإسكندرية خلال افتتاح المعرض (مكتبة الإسكندرية)

«الإسكندرية للكتاب» يراهن على مبادرات ثقافية وعلمية جديدة

يراهن معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب في دورته الـ19 التي انطلقت، الاثنين، وتستمر حتى 28 يوليو (تموز) الحالي على عدة مبادرات ثقافية.

انتصار دردير (القاهرة )

موجة ازدهار في الروايات الرومانسية بأميركا

بعض واجهات المكتبات
بعض واجهات المكتبات
TT

موجة ازدهار في الروايات الرومانسية بأميركا

بعض واجهات المكتبات
بعض واجهات المكتبات

الصيف الماضي، عندما روادت ماي تنغستروم فكرة فتح مكتبة لبيع الروايات الرومانسية بمنطقة فنتورا بكاليفورنيا، كان أول ما فعلته البحث عبر الإنترنت للتعرف على ما إذا كانت هناك مكتبات مشابهة في الجوار. وبالفعل، عثرت على مكتبة «ذي ريبيد بوديس»؛ مكتبة في كلفر سيتي تبلي بلاءً حسناً للغاية، لدرجة أنها تتوسع بافتتاح فرع ثانٍ لها في حي بروكلين بمدينة نيويورك.

وعن ذلك، قالت: «شعرت بالتهديد».

ومع أن نجاح «ذي ريبيد بوديس» بدا بمثابة مصدر تهديد، فإنه يوحي كذلك في الوقت ذاته باحتمالية وجود مساحة أمام مكتبة أخرى للروايات الرومانسية. وعليه، افتتحت في فبراير (شباط) مكتبة «سميتن» بمنطقة مزدحمة من «مين ستريت»، على بعد نحو ميل من منافسيها.

في الأشهر التي تلت ذلك، تحولت مكتبة «سميتن» إلى مركز نابض بالحياة لقراء الأعمال الأدبية الرومانسية، مع توقيعات المؤلفين وقراءات التارو ونوادي الكتب وأمسيات الترفيه والحرف اليدوية.

بعض الأحيان، يتصل عملاء بالمكتبة، محملين بطلبات محددة للغاية. عن ذلك، قالت تنغستروم: «جاء شخص ما وقال: أنا أحب الأعمال الأدبية الخيالية، وأريد الرواية أن تكون غريبة، وبها تمثيل لثقافة مختلفة. كما أريدها بذيئة قدر الإمكان».

وأضافت: «لديّ عملاء منتظمون يأتون عدة مرات في الأسبوع. وأسألهم أحياناً: ألم تشتر لتوك كتابين اليوم السابق؟».

اللافت أن الأعمال الأدبية الرومانسية كانت ذات يوم مجالاً يتجاهله أصحاب المكتبات المستقلة إلى حد كبير. ومع ذلك، تحولت اليوم إلى إحدى أكثر الفئات رواجاً في عالم الكتاب، وأصبحت، إلى حد بعيد، النوع الأدبي الأكثر مبيعاً، ونجاحها لا يعيد رسم ملامح المشهد العام لصناعة النشر فحسب، بل وكذلك صناعة بيع التجزئة.

وفي غضون عامين فقط، تبدل المشهد العام بالبلاد، من وجود مكتبتين فقط مخصصتين للروايات الرومانسية، «ذي ريبيد بوديس» و«لوفز سويت آرو»، في شيكاغو، إلى شبكة وطنية تضم أكثر عن 20 مكتبة، من بينها «تروبس آند ترايفلز» في مينيابوليس، و«غرمب» و«صن شاين» في بلفاست بولاية مين، و«بيوتي» و«بوك إن أنكوريج» في ألاسكا، و«لوف باوند ليبراري» في سولت ليك سيتي، و«بلوش بوكستور» بمنطقة ويتشيتا في كنساس. ولا يزال الكثير في الطريق، ومن بينها «كيس آند تيل» في كولينغسوود بنيوجيرسي، و«ذي نيو رومانتيكس» في أورلاندو بفلوريدا، و«غراند جستشر بوكس» في بورتلاند بولاية أوريغون؛ متجر عبر الإنترنت متخصص في بيع الروايات الرومانسية، يتحول اليوم إلى متجر على أرض الواقع.

اللافت أن غالبية هذه المكتبات تمتلكها وتديرها نساء، ناهيك عن أن النساء يشكلن غالبية قراء الروايات الرومانسية، ويعود الفضل إليهن في الارتفاع الهائل في مبيعات هذا الصنف الأدبي، من 18 مليون نسخة مطبوعة عام 2020 إلى أكثر عن 39 مليون نسخة عام 2023، تبعاً لمؤسسة «سيركانا بوكسكان».

في هذا الصدد، قالت ريبيكا تايتل، المحامية السابقة، التي تمتلك اليوم مكتبة «ميت كيوت» المتخصص في الروايات الرومانسية في سان دييغو: «هناك تحول ثقافي يجري على الأرض يشير إلى أن الإعلام، بصورة أساسية، أصبحت تجري كتابته وتوجيهه نحو النساء. اليوم، أدركت أعداد متزايدة من الأفراد أن الروايات الرومانسية ليست رائجة فحسب، وتحمل كذلك قيمة تجارية، بل وتحمل قيمة فنية وترفيهية كذلك».

من ناحية أخرى، يهيمن روائيون رومانسيون، مثل ساره جيه. ماس وإيميلي هنري وكولين هوفر وريبيكا ياروس على قوائم أفضل الكتب مبيعاً. وتكشف الأرقام أن 6 من بين أفضل 10 روائيين من حيث المبيعات داخل الولايات المتحدة، عبر العام الحالي حتى الآن، من كتاب الأعمال الرومانسية.

أما الناشرون، فيعمدون إلى توسيع نطاق قوائمهم الرومانسية، وجذب المؤلفين الرومانسيين الذين ينشرون أعمالهم ذاتياً. ويبدو هذا تحولاً هائلاً عن أيام سابقة كان يجري خلالها النظر بازدراء إلى الروايات الرومانسية باعتبارها سطحيةً وغير جادة، أو بذيئةً. وحتى سنوات قليلة مضت، حرصت الكثير من المكتبات المستقلة على عرض مجموعة صغيرة منتقاة من الروايات الرومانسية، التي غالباً ما يجري وضعها في رف خلفي داخل المكتبة.

من ناحيتها، قالت ليا كوك، التي تشارك في ملكية «ذي ريبيد بوديس»؛ أول مكتبة متخصصة في عرض الروايات الرومانسية تفتتح أبوابها على مستوى الولايات المتحدة عام 2016، إنها لا تزال تتذكر عندما كانت تبحث في سنوات المراهقة عبر المكتبات عن روايات رومانسية، دون جدوى.

وكان الشعور بالتعرض للتجاهل جزءاً من الدافع وراء سعي كوك وشقيقتها، بيا هودجيز كوك، لفتح مكتبة متخصصة في الروايات الرومانسية.

وعبّرت كوك عن اعتقادها بأن «الكثيرين ممن يعملون بمجال النشر وداخل المكتبات المستقلة شعروا وكأن الروايات الرومانسية غير جديرة بإهدار وقت في سبيلها. وكنت أقول في نفسي: بإمكانكم جني أموال، لكن لا بأس، أنا سأجني المال».

يذكر أن مبيعات الروايات الرومانسية بدأت تشهد ارتفاعاً كبيراً خلال سنوات الجائحة، مع إعادة اكتشاف القراءة، وتحول الكثيرين نحو الأعمال الخيالية الرومانسية كملاذ للهروب من الواقع (من بين القواعد الحاكمة لهذا الصنف الأدبي أن الغالبية الكاسحة تنتهي بنهاية سعيدة).

وساهم ظهور تطبيق «بوك توك» في تعزيز هذا الارتفاع في المبيعات، مع اجتذاب مؤثري «تيك توك» القراء صغار السن عبر فيديوهات يتحدثون فيها عن كتّابهم المفضلين.

اليوم، تظهر الروايات الرومانسية بشكل بارز على قوائم «تارغيت» و«بارنيز آند نوبل». وفي وقت مضى، كان عشاق الروايات الرومانسية يشترون الكتب الإلكترونية بشكل أساسي، خصوصاً وأنها أرخص وأسهل في الوصول إليها، وربما من الأسهل إخفاؤها. أما اليوم، فإنهم يستعرضون الروايات الرومانسية التي يملكونها على أرفف مكتباتهم بفخر.

ومنح هذا الصعود السريع للمتاجر المتخصصة في الروايات الرومانسية مكاناً جديداً لعشاق هذا الصنف الأدبي؛ مكاناً مرحباً به للإقبال على شراء كتبهم المفضلة بحماس.

من جهتها، قالت جين نتر، مديرة شؤون الاتصالات والتسويق لدى دار «كنزنغتون» للنشر، المعنية بالروايات الرومانسية: «يمكنك دخول مكتبة مخصصة للروايات الرومانسية، وستجد البائع يسألك: هل تحب الروايات ذات الأحداث الساخنة؟ أم ترغب في رواية تاريخية؟ إنه سيدرك سريعاً ما تريده، ولن يحاول أن يصدر أحكاماً عليك».

اللافت أن الكثير من هذه المكتبات تتسم بمظاهر جملية جذابة ومشرقة وذات طابع أنثوي، مثل الاعتماد الشديد على اللون الوردي، المزدان بزخارف على شكل قلوب وزهور، ناهيك عن التلاعب بالاستعارات الرومانسية المألوفة؛ أعداء الغرام، والحب الممنوع، والهوية السرية.

وتضم هذه المكتبات بين أرففها جميع الأنواع التي يمكن تخيلها للروايات الأدبية: التاريخية والموجهة للقراء صغار السن والأعمال التي تخلط بين الرومانسية والفانتازيا، والأخرى التي تدور حول موضوع رياضي. كما تضم جنبات الكثير من هذه المكتبات أعمالاً أدبيةً تولى مؤلفوها نشرها بالاعتماد على ذواتهم، والتي عادة ما لا تجد طريقها إلى المكتبات الكبرى.

في هذا الصدد، شرحت ميليسا سافيدرا، صاحبة مكتبة «ستيمي ليت» المتخصصة في الروايات الرومانسية، في «ديرفيلد بيتش» في فلوريدا، أنها اكتشفت الروايات الرومانسية منذ ما يزيد قليلاً عن عقد، عندما كانت تعمل ضابطة في رتبة صغيرة بالبحرية الأميركية.

وقالت إن بوابتها إلى عالم الروايات الرومانسية جاء عبر سلسلة «إي. إل. جيمس» المثيرة «فيفتي شيدز أوف غراي» (Fifty Shades of Grey)، التي تمكنت من قراءتها عبر جهازها اللوحي عندما كانت على متن بارجة حربية أميركية.

وبعد أن تركت عملها في البحرية عام 2017، عملت وكيلة سفريات لفرق رياضية. وعندما تباطأت وتيرة العمل في أثناء فترة الجائحة، طرأت على ذهنها فكرة «ستيم بوكس»، صندوق اشتراك ربع سنوي يتضمن مجموعة من الروايات الرومانسية. وحقق المشروع انطلاقة قوية.

وجاء «ستيم بوكس» بمثابة وسيلة للتخلص من وصمة العار العالقة بالروايات الرومانسية المثيرة. وقالت سافيدرا، التي ولدت في ليما بالبيرو، ثم انتقلت إلى ساوث فلوريدا عندما كانت في العاشرة: «لا يزال يتعين علينا أنا نقاتل بشراسة كي نفرض على الناس احترام هذا الصنف الأدبي». وقد ألزمت سافيدرا نفسها بالعمل على الترويج لأعمال الكتاب الرومانسيين من خلفيات متنوعة.

وقررت سافيدرا فتح مكتبة عندما أدركت أن مجتمعها في «ديرفيلد بيتش» يخلو من أي مكتبة متخصصة في الروايات الرومانسية، خصوصاً فيما يتعلق بالأعمال الرومانسية المتنوعة.

وفي عطلة نهاية الأسبوع الذي شهد افتتاح «ستيمي ليت»، أقبل على زيارة المكتبة نحو 500 شخص، وباعت 900 كتاب. ومنذ ذلك الحين، استضافت المكتبة أكثر من حفل توقيع لكتاب، بينهم كيندي رايان وعلي هيزلوود وآبي جيمينيز، التي نظمت احتفالية بالمكتبة في مايو (أيار)، ظهرت بها أعداد من الماعز الصغير، في إشارة إلى مشهد من روايتها «بارت أوف يور وورلد» (Part of Your World) تظهر به أعداد من الماعز.

وفي ظهيرة أحد أيام الأحد الربيع الماضي، كانت «ستيمي ليت» تعج بالقراء الذين يتصفحون الكتب ويحصلون على توقيع الكاتبة الرومانسية إيه. إتش. كننغهام، التي كانت تروج لروايتها «آوت أوف أوفيس» (Out of Office).

وقالت كننغهام إن المكتبة كانت تعج بمحادثات بالإنجليزية والإسبانية، مضيفة: «هذه المساحات التي نحتاجها».

اللافت أن غالبية هذه المكتبات التي تبيع الروايات الرومانسية تمتلكها وتديرها نساء بالإضافة إلى أنهن يشكلن غالبية قراء هذه الروايات

والتقط القراء صوراً تذكارية أمام اللافتات الوردية المضاءة بمصابيح «النيون» الخاصة بالمكتبة، بينما تصفح آخرون الأعمال الإسبانية داخل المكتبة. وحملت بعض أرفف المكتبة روايات تحت عناوين «الرومانسية المظلمة» و«الرمادي الأخلاقي» و«عصر البكاء». وقالت سافيدرا: «هذ الأرفف لا تبقى ممتلئة أبداً»، في إشارة إلى الأعمال الرومانسية.

من جهتها، حملت روزن فولمور، واحدة من العملاء المواظبين على زيارة «ستيمي ليت»، مجموعة من الروايات القديمة بيدها باتجاه كننغهام كي توقع عليها.

كانت فولمور قد سمعت عن المكتبة عندما نشرت رايان، واحدة من الكتاب المفضلين لديها، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أنها ستقيم فعالية هناك. ومنذ ذلك الحين أصبحت عميلة منتظمة لدى المكتبة، التي قالت عنها إنها «تضم جميع الأشياء المثيرة والجذابة التي يمكنك تخيلها».

وقالت عميلة أخرى، هي أنجيلا ثاير، التي تعمل في إدارة شؤون المحاربين القدامى في فلوريدا، إنها تأتي عادةً كل أسبوعين، عندما تحصل على راتبها. وفي ذلك الأحد، أحضرت ابنتها، آشلي واتكينز، التي كانت متحمسة لرؤية الكثير من الروايات الرومانسية لمؤلفين ملونين. وقالت واتكينز: «إن رؤية الكتب التي تضم أشخاصاً يشبهونني في المواقف الرومانسية أمر رائع حقاً».

خدمة «نيويورك تايمز»