«الإمبراطور والفيل»... العلاقات الدبلوماسية في عصر الرّشيد وشارلمان

قراءة سولسبي لتاريخ تلك المرحلة تكسر تصورات تمكنت من العقل الغربي

سام أوتيويل سولسبي
سام أوتيويل سولسبي
TT

«الإمبراطور والفيل»... العلاقات الدبلوماسية في عصر الرّشيد وشارلمان

سام أوتيويل سولسبي
سام أوتيويل سولسبي

في عام 802 ميلاديّة، تجمّع سكان مدينة آخن (في ألمانيا الحاليّة) لمشاهدة واحدة من العجائب التي لم يروها في حياتهم قط. الفيل. كان «أبو العباس» كما سماه المؤرخون ضمن مجموعة من الهدايا الثمينة والغريبة التي أمر الخليفة العبّاسي هارون الرّشيد بإرسالها إلى بلاط الإمبراطور شارلمان، ملك الفرنجة، في لحظة بارزة شديدة الرّمزية من تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب.

«أبو أوروبا» شارلمان قلب الأسد، الذي يحتل مكانة شبه أسطوريّة في التاريخ الأوروبيّ، كان قد وحّد مع نهاية القرن الثامن الميلادي معظم الأجزاء الغربيّة من القارة القديمة (ألمانيا وفرنسا وإيطاليا)، وذلك لأوّل مرّة منذ انهيار الإمبراطوريّة الرومانيّة، وعزز مكانة سلالته (الكارولنجيّة) كمدافعين عن المسيحيّة ضد الإسلام بعد أن كان جدّه شارل مارتل قد أوقف جحافل عبد الرّحمن الغافقي عند أبواب باريس في معركة (بلاط الشهداء - تور بواتييه) عام 732، ليقتصر وجود الإسلام حينها على جنوبي القارة: الأندلس، وأجزاء من إيطاليا، وجزر البحر المتوسط.

سام أوتيويل سولسبي، الأستاذ في جامعة أوسلو والمتخصص في تاريخ أواخر العصور القديمة وأوائل العصور الوسطى، ينطلق من لحظة الفيل «أبو العبّاس» تلك ليقدّم قراءة دقيقة شاملة حول علاقات دولة شارلمان بالعالم الإسلامي في «الإمبراطور والفيل: المسيحيون والمسلمون في عصر شارلمان»* كتابه الجديد الصادر عن مطبعة جامعة برنستون بالولايات المتحدة، مستنداً إلى قائمة طويلة من المصادر، عربيّة وغربيّة، التقطت جوانب مختلفة لتلك العلاقات التي لم تقتصر حكماً على الدولة العباسيّة في بغداد، بل امتدت كذلك إلى أمراء الدّولة الأموية في الأندلس، وممالك شمال أفريقيا مثل الأدارسة والأغالبة، وأمراء مدن إيطاليا المسلمين، وأيضاً مجموعة متنوعة من أمراء البحر الذين جابت سفنهم منطقة غربي البحر المتوسط.

إن قراءة سولسبي لتاريخ تلك المرحلة تبدو إنجازاً طال انتظاره لكسر تصورات تمكنت من العقل الغربي وذهبت دائماً تجاه وضع شارلمان في مكان التناقض الصريح بين عالمي الغرب المسيحي الأبيض، والشرق المسلم الأسمر. ولعل السرّ يكمن في نجاحه في قراءة تسلسلات علاقة شارلمان بمعاصريه المسلمين (والرشيد كان أشهرهم عند الجمهور الأوروبي بحكم ذكره في حكايات «ألف ليلة وليلة») من خلال مقاربتها بالتوازي بين المصادر العربيّة والغربيّة معاً دون الانكفاء على أي منها، كديدن مفكري وسياسيي اليمين الأوروبي المتطرف.

لقد كانت مواقف دولة الفرنجة في عهد الكارولنجيين من الممالك الإسلاميّة أكثر من أن تصنّف تحت ألوان المعارضات الثنائيّة البسيطة، بل اختلطت –لا سيّما أيّام شارلمان بشكل خاص- في مزيج معقّد متشابك من الصراعات العسكريّة والتبادلات الدبلوماسيّة، وهو أمر منطقي بطبيعة الحال بحكم أن أحفاد مارتل واجهوا في النهاية عالماً إسلامياً متعدد الأقطاب، وسلالات ودولاً متنافسة. فالعباسيون مثلاً ناصبوا الدّولة الأموية التي بقيت في الأندلس العداء، فيما كانت دولة الخلافة في قرطبة خطراً مباشراً على الفرنجة أقلّه لقربها الجغرافيّ، ومن ناحية أخرى فإن الكارولنجيين كانوا في نزاع مع البيزنطيين أعداء الخلافة العباسيّة، فأتاح وجود أعداء مشتركين بين بغداد وآخن مساحة عريضة لفتح الأبواب أمام تحالفات وتبادلات دبلوماسيّة بين الجانبين، عابرة للدين والثقافة، وأقرب إلى منطق السياسة ولغة المصالح.

ويجادل سولسبي بأن تلك العلاقات الدبلوماسيّة بين الرشيد وشارلمان كان لها، إلى جانب قيمتها السياسيّة والاستراتيجيّة المحضة، دور في تعظيم مكانة كل منهما محليّاً في نظر أتباعه، ويشير إلى أنّ ملك الفرنجة احتفظ للفيل باسم «أبو العبّاس» كجزء من صورته كزعيم عالمي له علاقات وديّة بأقاليم بعيدة وغريبة عبر البحار، وهو ما يُعتقد أنّ الرشيد بنى عليه بدوره بينما كان يستعرض الهدايا الثمينة التي بعث بها شارلمان على أعطياته. وهناك نصوص تذكر أن الرشيد كان يتقصد أن يرى السفراء وقت إقامتهم لديه مظاهر الهيبة والنوادر والغرائب لينقلوا مشاهداتهم إلى الإمبراطور وجمهوره.

ومع ذلك، فإن علاقات دول الفرنجة بدول الإسلام المختلفة لم تكن إما حرباً أو دبلوماسية على نسق واحد كل الوقت، فالاتصال الدبلوماسي بالأمويين في الأندلس الذين كانوا تهديداً وجودياً دائماً -ومتبادلاً- بدا ضرورياً أحياناً لتجنب النزاع والحفاظ على استقرار الحدود الطويلة ودائمة التغيّر بسبب تحولات ولاء أمراء المناطق الشمالية من الأندلس، أي أقرب ما يكون إلى مزاج حرب باردة مثَّلت لكلتا القوتين فرصاً ومخاطر سعى الدبلوماسيون إلى إدارتها، بينما كانت الدبلوماسيّة مع العباسيين في المقابل خياراً ومكسباً دعائياً بشكل كبير. لكنّ ذلك، وفق المؤلف دائماً، لا يعني عدم وجود تداخل بين نوعي الدبلوماسية في المراحل المختلفة، لا سيّما في الفترات التي كان فيها شارلمان أضعف من أن يحارب أمراء قرطبة المتمرسين بالقتال.

يتتبع الكتاب حركة السفراء والمبعوثين والرسل بين الفرنجة ودول الإسلام عبر جبال البرانس والبحر الأبيض المتوسط وما خلفهما، ويقرأ الدوافع السياسيّة والاستراتيجية المعقدة التي تكمن وراءها. ولا شكّ في أن الفصل الذي يغطي السفارات مع بغداد يبدو ثرياً بالأمثلة –والترداد في النصوص العربية والغربيّة، والهدايا المتبادلة أيضاً– مقارنةً بالفصول التي تغطي العلاقات بالأمويين، التي بدت جافة بالمقارنة.

ويذكر سولسبي أن أولى السفارات إلى بغداد أُوفدت في عام 798 للميلاد عندما استقبل هارون الرشيد في بلاطه مبعوثَين إفرنجيين اثنين من طرف شارلمان يرافقهما مترجم يهودي يُدعى إسحاق، لإجراء مباحثات سياسيّة وديّة شملت ترتيبات مشتركة بشأن رعاية مصالح العباسيين فيما يأخذه شارلمان من بلاد الأندلس، وأن يدعم الفرنجة القائمين بالدّعوة العباسية هناك ضد الأمويين، على أن ييسر الرشيد في المقابل لحجاج بيت المقدس من المسيحيين الكاثوليكيين، ويُعْفِيهم من القيود والتكاليف التي وُضعت حينذاك على أهْل الذمة. وحسب المصادر الغربيّة فإن إمبراطور الفرنجة أرسل مع سفرائه حينها خيولاً إسبانية، وكلاب صيد مميزة، وعباءة جرمانية فاخرة. وردّ الرشيد التحيّة بأجمل منها، فحمّل سفراءه إلى بلاط شارلمان في عام 802 ميلادية جملة من النفائس شملت بوقاً من العاج -محفوظ إلى الآن في متحف مدينة آج- وسيفاً مذهّباً، وصينية من الذهب محلّاة بقطع من البلّور مختلف الألوان عليها صورة لكسرى الأول -محفوظة اليوم في دير «سنتدفيس»- وإبريقاً من الذهب -محفوظ في دير «كنتون فللس»- وثماني شوكات من تاج يقول مسيحيو القدس إنهم ألبسوه رأس المسيح، عليه السلام، عند صلبه، وأردية من الحرير، وشمعدانات فاخرة من النحاس المزخرف، وسلالاً من العطور والمراهم النادرة، وطقم شطرنج مصنوعاً من العاج -ما زال موجوداً إلى اليوم في دير «سنتدفيس»- وخيمة ضخمة ذات ستائر متعددة الألوان، وساعة ميكانيكية –تعمل بالماء- إضافةً إلى الفيل الهندي الشهير «أبو العبّاس». ويبدو أن تلك الهدايا أثارت دهشة واسعة في أوروبا الغربيّة، وتركت بشكل غير مباشر تأثيراً على الفكر والفنون في أوروبا عصر الكارولنجيين. وقد خلّد الفنان الألماني يوليوس كوكرت سفارة الـ798 في لوحة شهيرة رسمها عام 1864 وتحمل عنوان «هارون الرَّشيد يستقبل وفد شارلمان».

وهناك في المصادر ذكرٌ لمبعوثين من طرف الرشيد زاروا شارلمان بينما كان في شبه الجزيرة الإيطاليّة عام 801، لكن لم تتوفر معلومات دقيقة عن طبيعة المباحثات التي أُجريت حينها.

وعلى الرّغم من تعدد السفارات بينهما، فإن الرشيد وشارلمان لم يلتقيا قط، ربما لأن شارلمان لم يكن يشكّل أي خطر فعليّ على خلافة العباسيين فأهمله لمصلحة قضايا أكثر إلحاحاً، لكنّ التواصل بينهما استمر ودياً، أقلّه من النّاحية الثقافيّة.

إن كتاب «الإمبراطور والفيل: المسيحيون والمسلمون في عصر شارلمان» يمثل رصيداً فكرياً مهماً في مواجهة تشنّج الإسلاموفوبيا ودعوات القطيعة –المتبادلة- بين الشرق والغرب التي يروّج لها المتطرفون من الجانبين، ونموذجاً تاريخياً موثقاً لنقض حتميّة الصراع الدائم بين الشرق والغرب لمصلحة تعايش ممكن دون سعار إلغاء الآخر.

الإمبراطور والفيل: المسيحيون والمسلمون في عصر شارلمان.

* The Emperor and the Elephant: Christians and Muslims in the Age of Charlemagne Sam Ottewill - Soulsby, Princeton University Press, 2023.

المؤلف: سام أوتيويل سولسبي.

الناشر: مطبعة جامعة برنستون بالولايات المتحدة، 2023.



الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».