تمارا الجلبي تعيد الاعتبار لقصر الأيل

تسرد المؤلفة سيرتها لأسرتها وما تلازم منها مع سيرة عراق مختلف

تمارا الجلبي
تمارا الجلبي
TT

تمارا الجلبي تعيد الاعتبار لقصر الأيل

تمارا الجلبي
تمارا الجلبي

وأنا ألتقيها للمرة الأولى مع والدها الراحل أحمد الجلبي، لم أجد فيها سوى ما يميز الأب سليل الأرستقراطية البغدادية، المتعاونة مع الأسرة المالكة منذ تتويج الملك فيصل الأول، حتى اللحظة الأخيرة من المصير المفجع للملك الشاب فيصل الثاني، ونهاية أسطورة نوري السعيد صاحب المقولة المشهورة: «بيت السيد مأمونة» التي لم تؤكدها الحياة.

أثناء ما كنت أتبادل مع أحمد الجلبي أطراف حديث جاد، كانت تمارا الجلبي تدخل على خط الحوار بعربية اغترابية كما لو أنها تتهجى المعاني. مظهرها الأرستقراطي مزيج من الحداثة والمحافظة، فلم يكن في ملابسها ما يخدش الحشمة، وإن لم يقلل ذلك من انسيابها الجمالي على حضورها.

غلاف الكتاب

لم يكن موقفي منها غير امتدادٍ سلبيٍ لتقييمي للراحل أحمد الجلبي الذي لعب دوراً خطيراً لم يقيّم موضوعياً حتى الآن. إذا ما تركنا جانباً نواياه «الإيجابية» المرتبطة برؤيته وقناعته للوسائل والأدوات الكفيلة بإنقاذ العراق من سطوة الموت البعثي، فإن نجاح مسعاه المتواصل لاعتماد الإدارة الأميركية للقرار المخاتل المسمى «قانون تحرير العراق» الذي صوّت عليه وأقرّه الكونغرس الأميركي عام 1998 في عهد الرئيس بيل كلينتون كان سيئاً. كان لاعتماد القانون المذكور، مع التشوهات التي رافقت تطبيقه، أوخم العواقب على مصائر العراق التي ما زالت تتفاعل باتجاه المزيد من التحلل والرثاثة والانحدار السياسي والتفسخ القيمي. هذا القانون وضع البلاد ومصائرها تحت الهيمنة الأميركية ضد الإرادة العراقية.

إن هذا التقييم يتطلب وقفة موضوعية عند المرحلة الممتدة منذ وثوب الديكتاتور إلى المركز الأول والانفراد المطلق بإدارة البلاد، مروراً بانتقال جميع التيارات والقوى العراقية إلى مواقع المواجهة مع نظام البعث وهيمنة صدام حسين على مقدرات البلاد ومصادرة إرادة العراقيين.

أياً كان ما سيُكتب عن المرحلة فإن وجهة نظري عن أحمد لم تعد كما كانت يوم التقيته في دمشق مع إطلالاته السياسية الأولى كناشط في إعادة النظر بتركيبة الأطر الحزبية للمعارضة ولمستقبل العراق الجديد. لقد صرت أرى فيه وطنياً لا مجال لمقارنة قامته بالفضلات غير القابلة للتدوير التي تسلّطت على العراق. وهذا التقييم تلازم مع التغييرات العاصفة التي اجتاحت العالم وأطاحت بنظمٍ وإمبراطوريات، كما فككت آيديولوجيات صار النوع الإنساني في مجراها مثاراً للتساؤل والشك. ولم تعد المعايير التي سادت مع صعود الحركات الثورية الرائدة ونمو الآمال بجنّاتٍ على الأرض تتساوق مع انطفاء الأمل وتحلل تلك الحركات لتسود البدائل المحشوة بالخرافات والجهل.

*******

في حوارٍ ممتع مع تمارا، بعد أن تغيّرت في نظري مع تقادم المعرفة وتآلف اللقاءات وتعدد ما كان يتجدد في الحديث الذي تناول الملكية والثورات والآيديولوجيات وما يجثم على صدورنا من آثارها، توقفنا عند كتابٍ لها يسرد سيرتها لأسرتها وما تلازم منها مع سيرة عراق مختلف. لقد وجدت تمارا أنه سيكون تحدياً للمدى أن تنشره، فهو يحمل آراء ووجهات نظر وتقييمات للمراحل الأولى لنشوء الدولة العراقية، وصعود الملكية باستيراد الملك فيصل الأول من قبل الإدارة المدنية للاحتلال البريطاني، صنيعة لورنس العرب والمس بيل، ليصبح وريث السلطنة العثمانية.

بعد أن قُدمت لي مطالعة الخبير المعتمد عن الكتاب، لازمني الشك بشأن مدى مصداقية ما كُتب، لكنها في الوقت نفسه رجّحت أن المدى ستتردد في قبول مغامرة نشر كتاب يميل ويتعاطف مع النظام الملكي.

******

تبدأ تمارا حكايتها من بواكير انهيار الإمبراطورية العثمانية واندثار خلافتها. جاء السرد ملضوماً دون إقحاماتٍ مخلة، منذ محاولتها خلق مناخات ملائمة للتلازم بين مقدمات نشوء الدولة العراقية وتكوين أسرتها كظاهرة اجتماعية متصاعدة مع متكآت نفوذها وامتداداتها المتشابكة من حيث العرق والطائفة والانحدار. وابتداءً من لحظة التلازم تلك يظهر التناقض بوضوح بين انتماء الأسرة الجلبية للمذهب الاثني عشري، وميلها للاندماج الاختياري في مجتمع متعدد، وبين الميل الشيعي للعزلة والقاضي بعدم التعاون مع خيار تشكيل الدولة ومؤسساتها وفقاً لما قررته إدارة الاحتلال البريطاني، باعتماد الركائز المؤسساتية للسلطة الجديدة على القيادات والكوادر السنية المتأهلة في عاصمة الخلافة العثمانية، وبالترابط مع فتوى المرجعية الشيعية العليا في النجف الأشرف بتحريم التعامل مع إدارة الاحتلال والانخراط في تشكيلات الحكومة.

أحمد الجلبي

ولم يكن خيار عبد الحسين الجلبي عميد الأسرة أن يغرد خارج السرب السياسي، بانضمامه كطرف شيعي في دعم خيار إدارة الاحتلال وربط مصيره بالنظام الملكي هيّناً عليه شخصياً، ولا على أسرته ومصائرها عبر التغيّرات العاصفة التي شهدتها الملكية في أيامها الأولى، ثم في المراحل اللاحقة التي تسللت فيها الهشاشة في تركيبتها، لتنهار تحت وقع النضالات الشعبية وخاتمتها ثورة 14 يوليو (تموز).

استَلّتْ تمارا بذكاءٍ كشف موهبتها كحكّاءَة ذات نزعة روائية، قصر الأيّل رمزاً لمكانة الأسرة ليكون محور السيرة، محولة إياه إلى عراق مصغر تدور فيه وحوله حكاية الأسرة وهي تنمو وتتغير وتتمحور فيها التناقضات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها مراحل تطور العراق وانتكاساته. كان تحدي الوجيه الشيعي أحد الأعمدة الاجتماعية لأهل مدينة الكاظمية مثيراً للالتباس وانقسام وجهاء الكاظمية من الموالين للمرجعية وغيرهم ممن لم يختلفوا رفضاً لمرجعية النجف، وإنما وجدوا في العزلة التي تؤدي إليها فتوى المرجع إضراراً بالطائفة وتكريساً لنمط من الانفراد بالحكم لطائفة يؤدي في نهاية المطاف إلى تشويه التركيبة السياسية للدولة، وتحويل ما رفضته المرجعية إلى واقع معيش، وهو ما جرى تكريسه بالفعل وأدى إلى تجاذبات وصراعات لم تنته حتى يومنا هذا.

تكتب تمارا باللغة الإنجليزية، وتفكر بها. لكن الترجمة الباذخة المنسابة لعلي بدر تعكس دون شك ثقافة الكاتبة وطاقتها الإبداعية وتنوع معرفتها بجماليات اللغة ومفرداتها المعبرة عما تريد دون إفاضة مخلة.

كان الكاتب المبدع بدر التقى تمارا وحاورها معرفياً، وبات بعد اللقاء أكثر قناعة بطاقة الكاتبة وسعة ثقافتها.

ربما هي المرة الأولى التي أتعرض فيه لعمل إبداعي عراقي يجمع بين الاجتماعي والثقافي على متكآت سياسية تناصر الملكية.

قرأت دون توقف حكاية عائلة لعبت دوراً سياسياً ممالئاً للنظام الملكي انتهت عند حفيدها أحمد الجلبي الذي دخل عالم السياسة بعد نكبة نشاطه المالي بانهيار بنك البترا في الأردن، ليقوم بدورٍ شديد الخطورة على مصائر العراق والمنطقة بأسرها، دون أن يسمح له توازن القوى من لعب دور مقرر على رأس السلطة بعد الاحتلال وإسقاط نظام صدام. والحال لم تكن عضويته في مجلس الحكم سوى واجهة شكلية تنفيذية بلا إرادة قرار وطني.

أهمية حكاية هذه الأسرة أنها تعكس سيرة نشوء الدولة العراقية بكل تناقضاتها وعثراتها وتمزقاتها وبنيتها المشوّهة، حتى وهي تولد بعملية قيصرية على يد دايتها الخاتون مس بيل، وبرعاية بريطانية غير منزهة كانت قد وضعت في قاعدتها قنبلة تتفجر متى ما تشاء هي أو من يتسيد على القرار الأممي عنوةً بعد أن تغيب الشمس عن سماء الإمبراطورية العجوز. كما أن أهمية الحكاية تتأتى من كونها تسرد تطور المجتمع العراقي وتبلور طبقاته وما يرتبط به من عادات وتقاليد، وبوجه خاص الطبقة الوسطى، إزاء تعقد المشهد السياسي ونمو الوعي الوطني والطبقي وتصاعد دور الأحزاب وتوسع الحراك الشعبي.

في قصر الأيّل وحواليه وفي جواره تدور حكاية العراق، وتنعكس في سيرة أفرادها بميولهم ونزعاتهم واهتماماتهم بما يدور في مجتمع يتطور، منتزعاً نفسه من رثاثة الإلحاق القسري بالخلافة العثمانية إلى إطار الدولة، محاوِلة الحفاظ على مخلفات نظام آفل متخلف ودمجها بتحديثٍ يقصي الطبقات والفئات الفقيرة لصالح الإقطاعيين والملاكين والكمبرادور.

قد لا تقصد الكاتبة ذلك، وهي تؤشر إلى مرحلة جديدة من تكريس نظام الحكم الملكي على قاعدة طائفية، حين كتبت عن إحساس عميد الأسرة الجديد هادي الجلبي بضرورة نقل قصر الأيّل من جوار الكاظمية إلى مدينة الأعظمية معقل الطائفة السنية وقياداتها الحاكمة وأبرز مثقفيها.

لم تكن تلك الانتقالة مجرد تغيير للمكان، كما أكد ضمنياً سيد الأسرة، إذ انتقل ثقل النشاط السياسي والاقتصادي إلى بغداد، وبات البقاء في زاوية ضيقة على أطراف الكاظمية يعني القبول بدور محدود، والتخلف عن متابعة التطورات في المشهد السياسي الحكومي والحراك النخبوي والشعبي، خاصة بعد أن صار عبد الهادي وآخرون من الأسرة مشاركين في الحكومة وجزءاً من النشاط الاجتماعي للأسرة المالكة والفريق الحاكم. كان الانتقال، بمعنى ما، رفض الاستسلام لطبيعة تركيب السلطة المتأطر بتمثيل مذهبي واحد، وإن لم يكن يمثل الأغلبية السكانية، بل يعكس تمييزاً طائفياً كرس انقساماً ظل بالغ التأثير على مصائر العراق حتى يومنا هذا. انطوى الانتقال بمعنى معين على السعي السياسي والاجتماعي لفرض واقع متغير يعزز دور الطائفة الشيعية في مفاصل الدولة والحكومة بالتفاعل المباشر.

تمارا الجلبي تحاول في سرديتها أحياناً تجاوز انحيازها الفطري لميولها العائلية السياسية، بتأكيد التزامها موضوعياً وهي تتقصى حقائق جوهرية في حركة التطور وما يتطلبه ذلك من توصيف وتسميات متجنبة التأثر بكتاباتٍ شعبوية تنطلق من الكراهية والعداء الآيديولوجي. هذا يُحسب لها ولجهدها الأكاديمي المتشبع بالقيم الموضوعية.

ويمكن ملاحظة ذلك في توصيف أحداث كبرى جرى تشويهها بعد ثورة 14 تموز 1958، كذلك اتخاذ موقف عدم رضا من ممارسات سياسية للنظام الملكي وإدانتها. وفي تصدّيها لأحداث ومراحل من التطور ينعكس هذا النهج بقدر متفاوت من الوضوح.

ولا بد من الانتباه عند قراءة الكتاب إلى أنه مكتوب باللغة الإنجليزية، ولغير القراء باللغة العربية، ما يتطلب الالتزام بمعايير لا تقبل التساهل والعبث باستخدام المفردات والمصطلحات في غير مواقعها وخارج سياقاتها.

قصر الأيّل عمارة سردية يمكن أن تكون رواية، وتصلح أن تكون أساساً لبناء سيناريو مُعزز لمسلسل يحكي سيرة عراق ينزف ويتطلع للمجهول!


مقالات ذات صلة

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

كتب «القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم.

منى أبو النصر (القاهرة)

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض
TT

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة، على نحو يعزز مكانته الإقليمية والعالمية منذ بدايته الأولى عام 1969. وتنطلق الدورة الـ57 في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 3 فبراير (شباط) المقبل تحت شعار شديد الدلالة مقتبس عن قول مأثور لنجيب محفوظ وهو «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً».

ووصف وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو النسخة الجديدة بأنها «الأضخم في تاريخ المعرض وستحطم أرقاماً قياسية غير مسبوقة» بمشاركة 1547 دار نشر من 83 دولة، بإجمالي 6637 عارضاً، كما يضم البرنامج الثقافي 400 فعالية أدبية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، بمشاركة 170 ضيفاً عربياً وأجنبياً، وحضور أكثر من 1500 مثقف ومبدع، عبر قاعات متعددة، من بينها قاعة المؤتمرات التي تستضيف 10 فعاليات في اليوم الواحد لأول مرة.

جدل التاريخ والهوية

وبعيداً عن لغة الأرقام، وعد الوزير في مؤتمر صحافي جمهور المعرض بـ«نسخة استثنائية ذات هوية متفردة ومختلفة، تستلهم روح الإبداع محلياً وإنسانياً، وتفتح آفاقاً أوسع للحوار والمعرفة، ليظل المعرض مساحة حية تلتقي فيها الكلمة بالفكر، والكتاب بالإنسان، لا سيما أنها تأتي عقب حدث عالمي تمثل في افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي أعاد توجيه أنظار العالم إلى مصر وحضارتها العريقة وتاريخها الممتد، وهو ما انعكس على توجه المعرض وبرنامجه الثقافي، حيث يحتفي هذا العام بالهوية المصرية ويعيد قراءة التاريخ بوصفهما مصدراً أصيلاً للإبداع والمعرفة».

ومن جانبه، أكد أحمد مجاهد، الرئيس التنفيذي للمعرض، أن الاحتفاء بالأديب الكبير نجيب محفوظ بعدّه «شخصية المعرض» يتجسد في برنامج متكامل يشمل ندوات فكرية، وعروضاً سينمائية، وأنشطة فنية، من بينها معرض «نجيب محفوظ بعيون العالم»، الذي يضم 40 لوحة فنية لفنانين من مختلف دول العالم، بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير.

كما أوضح أن «شخصية معرض كتاب الطفل» هذا العام هي الفنان الكبير محيي الدين اللباد، ويتم الاحتفاء بمسيرته عبر ندوات متخصصة، ومعرض لأعماله، وأنشطة تفاعلية للأطفال، وإعادة طباعة عدد من كتبه، إلى جانب إصدار كتاب تذكاري يوثق مسيرته الإبداعية.

مبادرات جديدة

ويشهد المعرض في نسخته المرتقبة، عدة مبادرات جديدة منها «مكتبة لكل بيت»، التي تهدف إلى إعادة الكتاب ليكون جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية داخل البيوت المصرية والعربية، حيث تضم المبادرة مجموعة مختارة من 20 مؤلفاً متنوعاً من أهم ما أصدرته قطاعات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة نجيب محفوظ» التي تشمل 15 إصداراً من أبرز أعماله، في إطار دعم القراءة وإتاحة المعرفة للجميع.

واحتفاءً بتراث مصر غير المادي، يشهد المعرض للمرة الأولى إقامة مخيم «أهلنا وناسنا» الذي يقدم التراث الثقافي غير المادي لمحافظات مصر، إلى جانب الصالون الثقافي وجناح الطفل والبرنامج الفني المتنوع، ليؤكد معرض القاهرة الدولي للكتاب أنه رسالة ثقافية متجددة إلى العالم، تعكس الإيمان بدور الثقافة في بناء الوعي، وترسيخ الهوية، وتعزيز الحوار الإنساني.

ومن بين المبادرات الجديدة كذلك إطلاق «جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية» التي تُمنح باسم وزارة الثقافة المصرية، وبرعاية أحد البنوك الوطنية، بقيمة 500 ألف جنيه، وميدالية ذهبية تذكارية. ومن المنتظر أن يتم تنظيم حفل افتتاح فني كبير لأول مرة على مسرح «المنارة» بحي «مدينة نصر» بعنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، احتفاءً بمئوية ميلاده، إلى جانب حفل ختام فني بعنوان «غنا القاهرة»، يتضمن تسليم جوائز المعرض، والإعلان عن الفائز بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى.

دعم رقمي للجمهور

وفي إطار جهود دعم جمهور المعرض وتوفير خدمات ميسرة تجعل من زيارتهم تجربة أكثر إمتاعاً، تم استحداث تطبيق موبايل ذكي يهدف إلى تنظيم الجهود الميدانية داخل المعرض، ضمن مبادرات برنامج «أنا متطوع» حيث يعد التطبيق منصة رقمية متكاملة توفّر للزوار مجموعة من الخدمات الذكية، من بينها خريطة تفاعلية لدور النشر، وإمكانية البحث عن عناوين الكتب ومعرفة أماكن الناشرين، إلى جانب عرض أجندة الفعاليات والأنشطة الثقافية اليومية.

كما يتيح التطبيق تحديد أماكن تمركز المتطوعين ومكاتب الاستعلامات، وتقديم تنبيهات لتجنّب مناطق الازدحام، خاصة عند بوابات الدخول. وعلى صعيد الدعم الميداني، يوفّر التطبيق آلية مباشرة لطلب مساعدة المتطوعين، والإبلاغ عن المشكلات أو حالات الطوارئ، وطلب الإسعاف، بما يضمن سرعة الاستجابة ورفع مستوى الأمان والتنظيم داخل المعرض. ويأتي إطلاق التطبيق استجابةً للزيادة المتواصلة في أعداد زوار المعرض خلال السنوات الأخيرة، وحرصاً على توظيف الحلول الرقمية الحديثة في دعم العمل التطوعي، وتعزيز كفاءة المتطوعين بعدّهم أحد الأعمدة الأساسية لنجاح المعرض.

حضور روماني

وتحل دولة رومانيا «ضيف شرف» الدورة الجديدة من المعرض في إطار الاستعداد للاحتفال بمرور 120 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين مصر ورومانيا عام 2026، حيث سيتم تنظيم 30 فعالية على مدار 13 يوماً، بمشاركة 60 ضيفاً من رومانيا، من بينهم 15 فناناً، و10 دور نشر رومانية، ورؤساء جامعات، إلى جانب مشاركة شخصيات رفيعة المستوى، من بينهم وزير الثقافة الروماني في حفل الافتتاح.


«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي
TT

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي - دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت، 2026 - هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل، ويتعامل معه كخطاب قابل للفهم، مشروط بالمعرفة والسياق وحال الرائي، ومحكوم بقواعد وآداب للسائل والمسؤول. والكتاب، كما تُبرز مقدّمته، يتحرّك بين ضبط الأصول والانشغال بالتفصيلات التي تُنزل الرؤيا إلى العالم المحسوس، فيبدو الحلم صدى لعلاقات الإنسان بما حوله.

و تُقدّم المقدّمة تمييزاً بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة، وتفريعاً للأولى إلى «رؤيا تدبير» و«رؤيا تبشير» و«رؤيا إلهام»، وللثانية إلى «رؤيا هِمّة» و«رؤيا حديث نفس». ويظهر الاهتمام بألا تكون العبارة استسهالاً، إذ تتكرَّر الإشارة إلى أنّ اختلاف الناس وأحوالهم ينعكس على التأويل، والرؤيا لا تُنتَزع من سياق الرائي انتزاعاً. كما يتوقَّف الكتاب عند فكرة تداول علم التعبير وترجماته، ويَذكر ترجمة حنين بن إسحاق (260/873) لكتاب أرطيميدروس الأفسسي (القرن الثاني للميلاد)، في إشارة إلى تاريخ أطول لحضور تفسير الأحلام وتحوّلاته.

أما متنه، فمبنيّ على أبواب واسعة تمتد من «أصول الرؤيا وفصولها ومعرفة صدقها من كذبها» (الباب الأول)، إلى «في المسائل المتفرّقة التي سقطت من أماكنها فأثبتناها في هذا الموضع ليتمّ الكتاب بها إن شاء الله تعالى» (الباب التاسع والخمسون). وبين هذين الحدّين يتوزَّع العالم كلّه تقريباً على شبكة من العناوين، منها أبواب في رؤية الله تعالى والجنة والنار والملائكة والصراط والميزان ويوم القيامة (الباب الثالث)، وفي الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرعد والبرق والمطر والثلج والبرد والرياح والغبار والغمامة وما أشبهها (الباب الرابع)، وفي البحار والأودية والأنهار والحَبّ واللؤلؤ والماء والسفينة (الباب الخامس)، وفي النور والظلمة والنار والسراج والشمع والجمرة (السادس)، وفي الجبال والتلال والرمال والمغاور والتراب والآجر والجص والحائط (السابع). ثم ينفتح المتن على تفاصيل العمران والدور والبساتين والحمّامات والطواحين والسلالم (التاسع)، وعلى العطر وأنواعه مثل المسك والعنبر والكافور والعود والصندل وماء الورد والأدهان الطيبة والزعفران (العاشر).

ويتقدَّم الفهرس إلى موضوعات تمسّ الجسد والعبادة والسلطة والمعرفة. فنقرأ باباً في الغسل والوضوء والتيمّم والأذان والإقامة والصلاة والركوع والسجود والحج والغزو والصدقة والزكاة ونحوها (الثاني عشر)، وباباً في رؤية القاضي والخليفة والفقيه والإمام والحاكم والخطيب والمؤذن والطبيب والمريض والمكيال والميزان والقبّان (الثالث عشر)، إلى باب في القلم والدواة واللوح والمحبرة والمنشور والصك والكرّاسة (الرابع عشر). وتتتابع الأبواب لتشمل «جماعة الناس وأعضاءهم وأيديهم وأرجلهم... وما يرى فيهم من زيادة أو نقصان» (الخامس عشر)، ثم «الأبواب والعُقَد والخروج من موضع ضيق... والمفاتيح... والفرش والبُسُط» (السادس عشر)، ثم ما يتصل بالنار والدخان والرماد والشرار والأتون والتنانير والكوانين والقدور (السابع عشر)، وصولاً إلى أبواب في الطعام والشراب والكواميخ والأدوية والألبان والسموم والقيء والإسهال (الرابع والعشرون)، وفي الجواهر والدراهم والدنانير والفلوس والصُّفر والنحاس (الخامس والعشرون)، وفي الثياب والخفّ والنعل والخواتيم (السادس والعشرون)، وفي الحبل والغزل والقيد والخيط والشبكة والإبرة والقطن (السابع والعشرون).

ولا يكتفي المتن بما هو مألوف من الموجودات، فيُخصّص مساحة واسعة للحيوانات والهوام، من السباع والطيور والأسماك والسرطان ودواب الماء (الأبواب 40–49) إلى الحيات والعقارب والهوام وسمومها ولسعتها (الخمسون)، ثم أبواب في رؤية الجنّ والأبالسة والشياطين والسحرة والكهنة والأصنام (الحادي والخمسون). ويقترب الكتاب أيضاً من المجال الاجتماعي والرمزي، فنقرأ باباً في «الرؤيا التي تدل على طول أعمار الملوك وحُسن حالهم ورؤية الرئيس والسلطان... والاستدلال بالأسماء على الخير والشر» (الثالث والخمسون)، وآخر في «التماثيل والأصباغ والاختتان والتزويج والعرس والضيافة والوليمة» (الرابع والخمسون)، ثم باب في «العبادة والشكر لله والاستغفار والحمد والتسبيح وقراءة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم» (الخامس والخمسون). ويُختم الفهرس بباب في الزلزلة والرجفة والخسف والمسخ والطليق والخلع والوقوع في الماء والنار والسيل وعباراتها (السادس والخمسون)، وباب في رؤية النصارى والمجوس واليهود والبيعة والكنيسة والمقبرة والنواقيس وبيوت النيران (السابع والخمسون)، وباب في «أسقاط البيت...»، بما فيه من مراوح وغرابيل وقوارير، وغيرها من الأوعية (الثامن والخمسون).

إلى جانب المتن، يقدّم التحقيق خريطةً دقيقة للمخطوطات التي نُقل عنها النصّ، ويذكر أنها محفوظة في مؤسّسات متعدّدة، منها مكتبة أسعد أفندي (يرمز إليها بـ«س»، وتُعدّ أقدم ما رجع إليه التحقيق، وتقع في 72 ورقة، نحو 20 سطراً في الصفحة)، ومخطوطة توب كابي (يرمز إليها بـ«ك» في 75 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع استعمال أربعة ألوان للمداد)، ومخطوطة جامعة إسطنبول (يرمز إليها بـ«ط» في 58 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع إبراز العناوين والرموز باللون الأحمر)، ومخطوطة جامعة برنستون (يرمز إليها بـ«ب» في 61 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، بالأسود والأحمر)، ومخطوطة تشستر بيتي (يرمز إليها بـ«ت» في 86 ورقة، 15 سطراً في الصفحة، مع حواشٍ)، إضافةً إلى «مخطوطة جوروم» (يرمز إليها بـ«ج» في 61 ورقة، بإطار ذهبي، و19 سطراً في الصفحة). وتكشف المقدّمة كذلك عن علاقات النسخ ببعضها عبر رسم توضيحي، وعن ملاحظات تتّصل بالجمع بين الأبواب في بعض النسخ، وبسقوط مواضع أو انتقال الناسخ مباشرة إلى باب تالٍ.

وتتجلَّى قيمة التحقيق في صرامة منهجه، إذ يتّخذ نصّ «س» أساساً، ولا يثبت اختلافات النسخ الأخرى في الهوامش إلا إذا كان هناك خطأ صريح أو تحريف أو تصحيف أو خشية التباس على القارئ. كما يشرح التحقيق أنه رجّح قراءة نسخة على أخرى عند السقط أو النقص أو فساد العبارة، مشيراً إلى ما لا يُغيّر المعنى فلا يُثقل به الهامش. ويضيف إلى ذلك عملاً مُساعداً يسهّل التعامل مع الكتاب، من شرح مفردات غريبة، وتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وإلحاق فهرس للرموز المؤولة، إلى جانب فهارس الآيات والأحاديث والأعلام وقائمة المصادر والمراجع. والأهم، أنّ هذا العمل يُبرز صوراً للمخطوطات، بما يمنح القارئ فرصة رؤية المادة التي عبرت القرون قبل أن تستقرّ في هذا الكتاب، مُظهراً صورةً للنص وهو في حالته الأولى، قبل أن يصير كتاباً بين يدي قارئ اليوم.


«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه
TT

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ (1942 - 2024) وقصصه. وجاء في افتتاحية المجلة التي كتبتها الشاعرة والأكاديمية جوسلين ميشيل ألمايدا: «يُعرف محمد الشارخ عالميّاً بإسهامه في (تعريب التكنولوجيا) من خلال تأسيسه شركة (صخر)، ويمثل دأبه على تطوير أنظمة الكتابة العربيّة والحروف الحاسوبيّة إسهاماً بارزاً في دراسة اللغة العربيّة ونشرها رقميًّا. وليس من المبالغة القول إنّ سعي الشارخ الحثيث فيما يتعلّق بلغته الأمّ يُشكّل إرثاً ثقافيًّا ولغويًّا سيُخلَّد في الذاكرة لقرون».

ومن خلال قراءتها للقصص المترجمة إلى الإسبانية، علقت دوسلين ميشيل ألمايدا قائلة: «تتأرجح تقنيّة الشارخ الأدبيّة بسلاسة بين السرد بضمير المتكلّم والسرد على لسان راوٍ عليم، وفقاً للقصّة، وبواقعيّة شعريّة، من دون أن تصل إلى حدّ الواقعيّة السحريّة، فيُحدث السرد أثراً عميقاً في القارئ من حيث تغيير الواقع من خلال الإدراك أو اكتشاف القارئ لحقيقة الأبطال. وعلى غرار ريموند كارفر أو إرنست همنغواي، يُنمّي الشارخ الطابع الشعريّ لصمت شخصيّاته. على هذا المنوال، تصبح قراءة قصص الشارخ فعلاً إبداعيًّا مشتركاً مع الكاتب، حيث يُسهم خيال القارئ في خلق المعنى الإنسانيّ للتجربة؛ ما يُضفي مزيداً من المتعة على السرد. وتُضفي عناصر مثل بناء الشخصيّات، والاستعارات، والسخرية، والحوار، إيقاعاً يُناسب تطوّر الأحداث في نثر الشارخ، وهو تناغم يمتدّ أيضاً إلى الإطار الجغرافيّ لقصصه».

تضمن ملف مجلة «بانيبال» الخاص عن محمد الشارخ، أجزاء من السيرة الذاتية التي كتبها الشارخ تحت عنوان «محطات من حياتي» (ترجمة ألبارو أبييا)، ومقالات وشهادات لكل من طالب الرفاعي، كاتيا الطويل، سعود السنعوسي، وحسونة المصباحي. بالإضافة إلى ترجمة أربع قصص طويلة وهي «المخاض»، «العزاء»، «الوديعة» و«جاسم الكوفي» قام بترجمتها كل من ماريا لويسا برييتو وإغناثيو غوتييريز دي تيران.

في شهادته التي كتبها تحت عنوان «محمد الشارخ... ماذا أعطته اللغة؟ وماذا أعطاها؟»، يقول الروائي الكويتي سعود السنعوسي: «هنا حكاية قصيرة عن حلمي القديم بأن يكون لدي كتابي الخاص، حينما كنتُ في الرابعة عشرة، وكان مشروع الشارخ (صخر) قد دُشِّن قبل ذلك الوقت بثلاثة عشر عاماً، أي أن كمبيوتر (صخر( في مثل سِني تقريباً... تخيَّل! ولأنه من المستحيل لأي دار نشر أن تطبع كتاباً رديئاً لطفل يجهل أصول الكتابة، ولأن والديَّ أجَّلا حلمي بالكتابةِ خشيةً على تحصيلي العلمي: تكبر وتكتب! فقد أخذت زمام المبادرة طفلاً، وبأصابع مرتعشة كتبت ما كنتُ أحسبه قصصاً عبر لوحة مفاتيح كمبيوتر صديق، وكانت تلك اللوحة تحمل في إحدى زواياها ذلك الشعار الرمادي الذي ارتبط في طفولتنا حول عالم الكمبيوتر السحري، وكان لقائي الأول بكمبيوتر (صخر) ولوحة مفاتيحه العربية. وطبعت قصصي الرديئة على أوراقٍ مرقمة وصنعت لها غلافاً يحمل اسمي وعنوان الكتاب... كتاب من نسخة واحدة، ومنذ ذلك الوقت المبكر في حياتي صار لي كتابي الخاص، كتابي الأول الذي لم يقرأه غيري، كتابي المطبوع عبر كمبيوتر (صخر)».

وكتبت الناقدة اللبنانية كاتيا الطويل عن رواية «العائلة»، وهي الرواية الوحيدة التي كتبها محمد الشارخ قائلة: «يقدّم الشارخ فيما يناهز المائتين وستّين صفحة تفاصيل عائلة سعد بن كعب الناصر ويوميّاتها وتاريخها. عشرة أولاد وتسع بنات يرافقهم السرد، يرافق مراحل نشأتهم ومراحل نضجهم وقصص زواجهم. بين متمرّد ومحافظ، بين مهادن للسلطة وحانق عليها، بين مائل للثقافة الغربيّة ومتمسّك بالعادات العربيّة، تسعة عشر ابناً وبنتاً يرافقهم السرد ويعرّف القارئ بهم في محاولة محمودة من الكاتب لتقديم مختلف الآراء ووجهات النظر في العائلة الكويتيّة والمجتمع الكويتيّ ككلّ».

وتحت عنوان «محمد الشارخ النجم الباقي» كتب طالب الرفاعي: «عُرف الشارخ عربياً وعالمياً بأنه رجل أعمال، لكن ما كان يقبع خلف رجل الأعمال ذاك، كان إنساناً مرهف الحس عاشقاً للقراءة والكتابة وعاشقاً للفن التشكيلي وعاشقاً للسينما، ولقد ترك الرجل خلفه مجاميع قصصية دالة على فكره من جهة ودالة على البيئة المكانية والاجتماعية التي نشأ وترعرع فيها. محمد الشارخ وللطف خلقه لم يكن يزاحم أحداً في كتاباته ولا قدّم نفسه بوصفه كاتباً، لكن هذا لم يكن أكثر من تواضع الأدباء الحقيقي، ولم يكن أكثر من مسلك حياتي طبع حياة الشارخ بأن يكون في الظل أكثر ما يكون في العلن، لكن قدره أن يبقى في العلن ما بقيت اللغة العربية. شخص نذر عمره لها، فأعطته بقاءً أدبياً لم تعطه للكثيرين غيره».ونشرت المجلة مقالة للكاتب التونسي الراحل حسونة المصباحي كان قد كتبها حول قصص محمد الشارخ، قال فيها: «ما إن انتهيت من قراءة قصص محمد الشارخ حتى وجدتني مفتوناً من جديد بفن القصة القصيرة التي كنت أظن أنها دُفنت نهائياً في عالمنا العربي بعد أن أصبح العرب مصابين بـ(هوس الرواية). كما وجدتني راغباً في قراءة المزيد من قصص الشارخ لطرافتها، وانسيابها السريع، وسخريتها المرة، ولغتها الخالية من البلاغة الجوفاء، ومن اللغو، ومن ذلك التصنع البغيض، الذي هو عدو كل الفنون».ومن المواد الأخرى التي نشرتها المجلة في عددها الأخير، نقرأ نصوصاً شعرية وسردية لثلاثة أدباء من سوريا. أجزاء من رواية «الذئاب لا تنسى» للكاتبة لينا هويان الحسن (ترجمة أنخلينا غوتييريز ألمنارا)، وفصول من رواية بشير البكر «بلاد لا تشبه الأحلام» ترجمة أنطونيو مارتينيز كاسترو)، مقاطع طويلة من ديوان الشاعر نوري الجراح «الأفعوان الحجري: مرثية برعتا التدمري لمحبوبته ريجينا» (ترجمة ماريا لويسا برييتو).وكانت لوحة الغلاف، بورتريه لمحمد الشارخ، بريشة الفنان التشيلي توماس بينيفينته.