تمارا الجلبي تعيد الاعتبار لقصر الأيل

تسرد المؤلفة سيرتها لأسرتها وما تلازم منها مع سيرة عراق مختلف

تمارا الجلبي
تمارا الجلبي
TT

تمارا الجلبي تعيد الاعتبار لقصر الأيل

تمارا الجلبي
تمارا الجلبي

وأنا ألتقيها للمرة الأولى مع والدها الراحل أحمد الجلبي، لم أجد فيها سوى ما يميز الأب سليل الأرستقراطية البغدادية، المتعاونة مع الأسرة المالكة منذ تتويج الملك فيصل الأول، حتى اللحظة الأخيرة من المصير المفجع للملك الشاب فيصل الثاني، ونهاية أسطورة نوري السعيد صاحب المقولة المشهورة: «بيت السيد مأمونة» التي لم تؤكدها الحياة.

أثناء ما كنت أتبادل مع أحمد الجلبي أطراف حديث جاد، كانت تمارا الجلبي تدخل على خط الحوار بعربية اغترابية كما لو أنها تتهجى المعاني. مظهرها الأرستقراطي مزيج من الحداثة والمحافظة، فلم يكن في ملابسها ما يخدش الحشمة، وإن لم يقلل ذلك من انسيابها الجمالي على حضورها.

غلاف الكتاب

لم يكن موقفي منها غير امتدادٍ سلبيٍ لتقييمي للراحل أحمد الجلبي الذي لعب دوراً خطيراً لم يقيّم موضوعياً حتى الآن. إذا ما تركنا جانباً نواياه «الإيجابية» المرتبطة برؤيته وقناعته للوسائل والأدوات الكفيلة بإنقاذ العراق من سطوة الموت البعثي، فإن نجاح مسعاه المتواصل لاعتماد الإدارة الأميركية للقرار المخاتل المسمى «قانون تحرير العراق» الذي صوّت عليه وأقرّه الكونغرس الأميركي عام 1998 في عهد الرئيس بيل كلينتون كان سيئاً. كان لاعتماد القانون المذكور، مع التشوهات التي رافقت تطبيقه، أوخم العواقب على مصائر العراق التي ما زالت تتفاعل باتجاه المزيد من التحلل والرثاثة والانحدار السياسي والتفسخ القيمي. هذا القانون وضع البلاد ومصائرها تحت الهيمنة الأميركية ضد الإرادة العراقية.

إن هذا التقييم يتطلب وقفة موضوعية عند المرحلة الممتدة منذ وثوب الديكتاتور إلى المركز الأول والانفراد المطلق بإدارة البلاد، مروراً بانتقال جميع التيارات والقوى العراقية إلى مواقع المواجهة مع نظام البعث وهيمنة صدام حسين على مقدرات البلاد ومصادرة إرادة العراقيين.

أياً كان ما سيُكتب عن المرحلة فإن وجهة نظري عن أحمد لم تعد كما كانت يوم التقيته في دمشق مع إطلالاته السياسية الأولى كناشط في إعادة النظر بتركيبة الأطر الحزبية للمعارضة ولمستقبل العراق الجديد. لقد صرت أرى فيه وطنياً لا مجال لمقارنة قامته بالفضلات غير القابلة للتدوير التي تسلّطت على العراق. وهذا التقييم تلازم مع التغييرات العاصفة التي اجتاحت العالم وأطاحت بنظمٍ وإمبراطوريات، كما فككت آيديولوجيات صار النوع الإنساني في مجراها مثاراً للتساؤل والشك. ولم تعد المعايير التي سادت مع صعود الحركات الثورية الرائدة ونمو الآمال بجنّاتٍ على الأرض تتساوق مع انطفاء الأمل وتحلل تلك الحركات لتسود البدائل المحشوة بالخرافات والجهل.

*******

في حوارٍ ممتع مع تمارا، بعد أن تغيّرت في نظري مع تقادم المعرفة وتآلف اللقاءات وتعدد ما كان يتجدد في الحديث الذي تناول الملكية والثورات والآيديولوجيات وما يجثم على صدورنا من آثارها، توقفنا عند كتابٍ لها يسرد سيرتها لأسرتها وما تلازم منها مع سيرة عراق مختلف. لقد وجدت تمارا أنه سيكون تحدياً للمدى أن تنشره، فهو يحمل آراء ووجهات نظر وتقييمات للمراحل الأولى لنشوء الدولة العراقية، وصعود الملكية باستيراد الملك فيصل الأول من قبل الإدارة المدنية للاحتلال البريطاني، صنيعة لورنس العرب والمس بيل، ليصبح وريث السلطنة العثمانية.

بعد أن قُدمت لي مطالعة الخبير المعتمد عن الكتاب، لازمني الشك بشأن مدى مصداقية ما كُتب، لكنها في الوقت نفسه رجّحت أن المدى ستتردد في قبول مغامرة نشر كتاب يميل ويتعاطف مع النظام الملكي.

******

تبدأ تمارا حكايتها من بواكير انهيار الإمبراطورية العثمانية واندثار خلافتها. جاء السرد ملضوماً دون إقحاماتٍ مخلة، منذ محاولتها خلق مناخات ملائمة للتلازم بين مقدمات نشوء الدولة العراقية وتكوين أسرتها كظاهرة اجتماعية متصاعدة مع متكآت نفوذها وامتداداتها المتشابكة من حيث العرق والطائفة والانحدار. وابتداءً من لحظة التلازم تلك يظهر التناقض بوضوح بين انتماء الأسرة الجلبية للمذهب الاثني عشري، وميلها للاندماج الاختياري في مجتمع متعدد، وبين الميل الشيعي للعزلة والقاضي بعدم التعاون مع خيار تشكيل الدولة ومؤسساتها وفقاً لما قررته إدارة الاحتلال البريطاني، باعتماد الركائز المؤسساتية للسلطة الجديدة على القيادات والكوادر السنية المتأهلة في عاصمة الخلافة العثمانية، وبالترابط مع فتوى المرجعية الشيعية العليا في النجف الأشرف بتحريم التعامل مع إدارة الاحتلال والانخراط في تشكيلات الحكومة.

أحمد الجلبي

ولم يكن خيار عبد الحسين الجلبي عميد الأسرة أن يغرد خارج السرب السياسي، بانضمامه كطرف شيعي في دعم خيار إدارة الاحتلال وربط مصيره بالنظام الملكي هيّناً عليه شخصياً، ولا على أسرته ومصائرها عبر التغيّرات العاصفة التي شهدتها الملكية في أيامها الأولى، ثم في المراحل اللاحقة التي تسللت فيها الهشاشة في تركيبتها، لتنهار تحت وقع النضالات الشعبية وخاتمتها ثورة 14 يوليو (تموز).

استَلّتْ تمارا بذكاءٍ كشف موهبتها كحكّاءَة ذات نزعة روائية، قصر الأيّل رمزاً لمكانة الأسرة ليكون محور السيرة، محولة إياه إلى عراق مصغر تدور فيه وحوله حكاية الأسرة وهي تنمو وتتغير وتتمحور فيها التناقضات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها مراحل تطور العراق وانتكاساته. كان تحدي الوجيه الشيعي أحد الأعمدة الاجتماعية لأهل مدينة الكاظمية مثيراً للالتباس وانقسام وجهاء الكاظمية من الموالين للمرجعية وغيرهم ممن لم يختلفوا رفضاً لمرجعية النجف، وإنما وجدوا في العزلة التي تؤدي إليها فتوى المرجع إضراراً بالطائفة وتكريساً لنمط من الانفراد بالحكم لطائفة يؤدي في نهاية المطاف إلى تشويه التركيبة السياسية للدولة، وتحويل ما رفضته المرجعية إلى واقع معيش، وهو ما جرى تكريسه بالفعل وأدى إلى تجاذبات وصراعات لم تنته حتى يومنا هذا.

تكتب تمارا باللغة الإنجليزية، وتفكر بها. لكن الترجمة الباذخة المنسابة لعلي بدر تعكس دون شك ثقافة الكاتبة وطاقتها الإبداعية وتنوع معرفتها بجماليات اللغة ومفرداتها المعبرة عما تريد دون إفاضة مخلة.

كان الكاتب المبدع بدر التقى تمارا وحاورها معرفياً، وبات بعد اللقاء أكثر قناعة بطاقة الكاتبة وسعة ثقافتها.

ربما هي المرة الأولى التي أتعرض فيه لعمل إبداعي عراقي يجمع بين الاجتماعي والثقافي على متكآت سياسية تناصر الملكية.

قرأت دون توقف حكاية عائلة لعبت دوراً سياسياً ممالئاً للنظام الملكي انتهت عند حفيدها أحمد الجلبي الذي دخل عالم السياسة بعد نكبة نشاطه المالي بانهيار بنك البترا في الأردن، ليقوم بدورٍ شديد الخطورة على مصائر العراق والمنطقة بأسرها، دون أن يسمح له توازن القوى من لعب دور مقرر على رأس السلطة بعد الاحتلال وإسقاط نظام صدام. والحال لم تكن عضويته في مجلس الحكم سوى واجهة شكلية تنفيذية بلا إرادة قرار وطني.

أهمية حكاية هذه الأسرة أنها تعكس سيرة نشوء الدولة العراقية بكل تناقضاتها وعثراتها وتمزقاتها وبنيتها المشوّهة، حتى وهي تولد بعملية قيصرية على يد دايتها الخاتون مس بيل، وبرعاية بريطانية غير منزهة كانت قد وضعت في قاعدتها قنبلة تتفجر متى ما تشاء هي أو من يتسيد على القرار الأممي عنوةً بعد أن تغيب الشمس عن سماء الإمبراطورية العجوز. كما أن أهمية الحكاية تتأتى من كونها تسرد تطور المجتمع العراقي وتبلور طبقاته وما يرتبط به من عادات وتقاليد، وبوجه خاص الطبقة الوسطى، إزاء تعقد المشهد السياسي ونمو الوعي الوطني والطبقي وتصاعد دور الأحزاب وتوسع الحراك الشعبي.

في قصر الأيّل وحواليه وفي جواره تدور حكاية العراق، وتنعكس في سيرة أفرادها بميولهم ونزعاتهم واهتماماتهم بما يدور في مجتمع يتطور، منتزعاً نفسه من رثاثة الإلحاق القسري بالخلافة العثمانية إلى إطار الدولة، محاوِلة الحفاظ على مخلفات نظام آفل متخلف ودمجها بتحديثٍ يقصي الطبقات والفئات الفقيرة لصالح الإقطاعيين والملاكين والكمبرادور.

قد لا تقصد الكاتبة ذلك، وهي تؤشر إلى مرحلة جديدة من تكريس نظام الحكم الملكي على قاعدة طائفية، حين كتبت عن إحساس عميد الأسرة الجديد هادي الجلبي بضرورة نقل قصر الأيّل من جوار الكاظمية إلى مدينة الأعظمية معقل الطائفة السنية وقياداتها الحاكمة وأبرز مثقفيها.

لم تكن تلك الانتقالة مجرد تغيير للمكان، كما أكد ضمنياً سيد الأسرة، إذ انتقل ثقل النشاط السياسي والاقتصادي إلى بغداد، وبات البقاء في زاوية ضيقة على أطراف الكاظمية يعني القبول بدور محدود، والتخلف عن متابعة التطورات في المشهد السياسي الحكومي والحراك النخبوي والشعبي، خاصة بعد أن صار عبد الهادي وآخرون من الأسرة مشاركين في الحكومة وجزءاً من النشاط الاجتماعي للأسرة المالكة والفريق الحاكم. كان الانتقال، بمعنى ما، رفض الاستسلام لطبيعة تركيب السلطة المتأطر بتمثيل مذهبي واحد، وإن لم يكن يمثل الأغلبية السكانية، بل يعكس تمييزاً طائفياً كرس انقساماً ظل بالغ التأثير على مصائر العراق حتى يومنا هذا. انطوى الانتقال بمعنى معين على السعي السياسي والاجتماعي لفرض واقع متغير يعزز دور الطائفة الشيعية في مفاصل الدولة والحكومة بالتفاعل المباشر.

تمارا الجلبي تحاول في سرديتها أحياناً تجاوز انحيازها الفطري لميولها العائلية السياسية، بتأكيد التزامها موضوعياً وهي تتقصى حقائق جوهرية في حركة التطور وما يتطلبه ذلك من توصيف وتسميات متجنبة التأثر بكتاباتٍ شعبوية تنطلق من الكراهية والعداء الآيديولوجي. هذا يُحسب لها ولجهدها الأكاديمي المتشبع بالقيم الموضوعية.

ويمكن ملاحظة ذلك في توصيف أحداث كبرى جرى تشويهها بعد ثورة 14 تموز 1958، كذلك اتخاذ موقف عدم رضا من ممارسات سياسية للنظام الملكي وإدانتها. وفي تصدّيها لأحداث ومراحل من التطور ينعكس هذا النهج بقدر متفاوت من الوضوح.

ولا بد من الانتباه عند قراءة الكتاب إلى أنه مكتوب باللغة الإنجليزية، ولغير القراء باللغة العربية، ما يتطلب الالتزام بمعايير لا تقبل التساهل والعبث باستخدام المفردات والمصطلحات في غير مواقعها وخارج سياقاتها.

قصر الأيّل عمارة سردية يمكن أن تكون رواية، وتصلح أن تكون أساساً لبناء سيناريو مُعزز لمسلسل يحكي سيرة عراق ينزف ويتطلع للمجهول!


مقالات ذات صلة

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

كتب «البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق

رشا أحمد ( القاهرة)
كتب «فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم،

«الشرق الأوسط» (الرياض)
ثقافة وفنون «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صورة إنسانية شفيفة لعائلة صغيرة، تعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

صدر حديثاً، بالتعاون بين «دار نوفل» (هاشيت أنطون)، ودار «الفاضل للنشر»، رواية «اللّاروب» للكاتب والسياسي المغربي حسن أوريد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص
TT

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق زواجها من رياض غالي الذي لا يحمل إلا لقباً متواضعاً يمتلكه عامة الناس ويمنحه الناس بعضهم البعض على سبيل المجاملة وهو لقب «الأفندي».

كما أن الزوج فضلاً عن ذلك قبطي ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وكان طبيعياً أن يثير إعلان زواج أميرة مسلمة من شاب قبطي حملة صحافية شهرّت بالسلوك الاجتماعي للأسرة المالكة في مصر، وأن يفجر أزمة سياسية بدأت بأمر ملكي يقضي بتجريد «صاحبة السمو الملكي» الأميرة فتحية ووالدتها «صاحبة الجلالة» الملكة نازلي من ألقابهما الملكية لتصبحا فتحية هانم فؤاد ونازلي هانم صبري، وانتهت بالقضاء على النظام الملكي بعد ذلك بأعوام قليلة. تلك هى اللحظة الدرامية المتفجرة بالأسئلة والمشحونة بحقائق تشبه الخيال، التي يعيد كتابتها من كل أوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية المؤرخ المصري الراحل صلاح عيسى في كتابه الشهير «البرنسيسة والأفندي»، الذي صدرت منه طبعةٌ جديدةٌ في جزأين عن «دار الكرمة» بالقاهرة.

يتميز الكتاب بجمال الطرح الأدبي وعمق تفكيك الحدث وبراعة قراءة دلالاته، لا سيما أنه بعده بسنوات عديدة أطلق الأفندي رياض غالي خمس رصاصات على رأس زوجته البرنسيسة فتحية ثم أطلق الرصاصة السادسة والأخيرة على رأسه. وذلك عقب مغادرة البرنسيسة الصغيرة جناحها المزين باللونين الأبيض والأخضر، اللذين كانا يتألف منهما العلم المصري آنذاك، في فندق «فيرمونت» بالولايات المتحدة لتظهر بعد قليل في مدخل البهو حتى تدافع الصحافيون ليحتشدوا حولها يطلبون في أصوات متداخلة تعليقها على البيان الرسمي الذي أذاعه الديوان الملكي في القاهرة بإحالة قضيتها إلى مجلس البلاط، فردت بصوت لم يخل من توتر خفيف: «إن كثيرات من صديقاتي الأميركيات لا يرين فيما فعلت شيئاً يدعو للعجب فلماذا كل هذه الضجة التي تثور في مصر؟».

ويعود السبب الرئيسي لإطلاق رياض النار على حبيبته وزوجته هو رغبتها القاطعة في الانفصال عنه نهائياً والعودة إلى مصر، وذلك بعد أن ساءت حالتهما المادية وأعلنا الإفلاس نتيجة خسارتها كل أموالها وأموال والدتها الملكة نازلي في مضاربات البورصة والاستثمارات الفاشلة. وظل رياض غالي بجانب الجثة لعدة ساعات، ثم وجه المسدس إلى رأسه، وأطلق النار محاولاً الانتحار، غير أن الرصاصة لم تقتله، بل أصابته بتهتك في خلايا المخ أدى إلى إصابته بالشلل التام والعمى لاحقاً حيث قضى نحبه داخل السجن.

فيما رأى البعض الأمر وكأنه عقاب على ما فعلته البرنسيسة حفيدة الخديو إسماعيل، التي تزوجت من شاب من أواسط الناس وليس بين أصول شجرة عائلته من حمل يوماً لقباً من ألقاب التشريف.

كان هذا «الأفندي» موظفاً حكومياً في الدرجة الخامسة بالكادر الفني العالي في وزارة الخارجية إلا أنه كان قد استقال من عمله قبل إتمام زواجه من «البرنسيسة» بشهور حين أصدرت الوزارة قراراً بنقله من وظيفته كسكرتير ثالث بالقنصلية المصرية بمرسيليا في محاولة لإبعاده عن الأميرة الصغيرة، فأصبح بذلك لا يستحق على الأكثر إلا لقب «أفندي سابق».

ولأن البرنسيسة الصغيرة الجميلة والأفندي القبطي كانا يسيران طيلة السنوات الأربع السابقة على ذلك التاريخ فوق خريطة القارتين الأميركية والأوروبية بصحبة الملكة الوالدة نازلي إلى أن استقرا أخيراً في سان فرانسيسكو، فإن الضجة العلنية التي ثارت في القاهرة كانت خاتمة شهور من المباحثات السرية بين العاصمة المصرية وعدد من المدن الأميركية عبر اتصالات شخصية وتليفونية وبرقية سريعة ومكثفة غاضبة ومهددة وراجية ومستعطفة على كل مستوى وعلى أعلى مستوى تحاول منع هذا الزواج.

ولكن البرنسيسة الصغيرة الرقيقة تمسكت بغرامها العنيف للأفندي، وأعلنت لكل الوسطاء تصميمها على الزواج، حتى بدا لهؤلاء الوسطاء أنها تقمصت دور البطولة في فيلم سينمائي أميركي من النوع الذي ينتهي عادة بزواج الفتاة الجميلة ابنة المليونير من فارس الأحلام الوسيم متواضع الأصل والثروة.

وكان لافتاً مساندة الملكة نازلي للأميرة، فدفعتها بذلك إلى العناد، وحين أشهرت القاهرة في وجه الملكة الأم سيف التهديد بتجريدها من لقبها الملكي قالت بحزم: «لن أكسر قلب ابنتي الصغيرة من أجل لقب تافه هو صاحبة الجلالة».

ويرى صلاح عيسى أن قصة زواج البرنسيسة فتحية من رياض أفندي غالي عام 1950 تعيد طرح الأسئلة ذاتها التي طرحتها الدعوى التي رفعها عام 1904 عبد الخالق السادات أمام محكمة مصر الشرعية العليا يطلب فيها التفرقة بين ابنته صفية السادات وبين زوجها الشيخ علي يوسف، أشهر الصحافيين العرب المسلمين في عصره، لعدم التكافؤ بينهما في النسب وفي المهنة. وقالت الدعوى إن الزوجة تنتمي إلى أسرة من الأشراف بينما الزوج فلاح بسيط بلا أصل معروف، والد الزوجة - لا الزوجة نفسها - يعمل بمهنة شريفة هي مشيخة السادة، بينما يعمل الشيخ علي يوسف في أخس المهن وأدناها، وهي مهنة الصحافة، بحسب ما قيل آنذاك.

وخلال نصف القرن الذي فصل بين القضيتين، شُغل المجتمع المصري بعشرات من القضايا كان موضوعها هو الزواج بين «أولاد وبنات الذوات» من ناحية وبين «أولاد وبنات الشعب» من ناحية أخرى، من أشهرها زواج السيدة صفية السادات نفسها بعد وفاة الشيخ علي يوسف من المطرب زكي عكاشة، وزواج الوجيه محمد بك شعراوي من المطربة فاطمة سرس، وزواج أكثر من أمير وأميرة من العائلة المالكة من أجنبيات وأجانب.

ويتوقف صلاح عيسى عند مفارقة صارخة على مستوى الوعي الثقافي في هذا السياق، حيث كانت الثورات القومية العربية تتقدم خلال تلك العقود وهي ترفع أعلام الحرية والإخاء والمساواة في حقوق المواطنة، وتحظر التفرقة بين المواطنين بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو المعتقد، وتجعل صيانة الحريات العامة أو الشخصية أحد أهم حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور كعقد اجتماعي بين المحكومين والحاكمين للجميع دون تمييز.

كما كانت الجماهير العربية تخرج في مظاهرات عارمة غضباً لانتهاك تلك الدساتير، وتستبسل دفاعاً عنها إلى درجة الاستشهاد أحياناً، كما أن كثيرين من الكتاب والمفكرين والزعماء السياسيين من منظري وقادة العصر الليبرالي العربي كانوا يتحمسون نظرياً للدفاع عن هذه المبادئ، إلا أن هذا النمط من الزيجات المختلطة بين أولاد الأصول و«من لا أصل لهم» كان ينفجر كالقنابل تحت أقدام الجميع فيخل باتزانهم ويكشف عن التناقض بين ما يذيعونه من آراء وما يتخذونه من مواقف عملية، فإذا بحشود الجماهير التي تفتح صدرها للرصاص ببسالة دفاعاً عن الدستور تندفع بالدرجة نفسها من البسالة للتظاهر دفاعاً عن نقاء الدم واحتجاجاً على تهجين البذور!


«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي
TT

«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم، قُسّمت إلى أربعة أبواب: «الفلسفة والقلق والمعرفة» و«التصوف» و«الفن بوصفه تجربة ومعرفة» و«الأخلاق والحياة».

جاء في تقديم الكتاب:

لم تتشكل هذه الصفحات وفق خطة مسبقة، ولا انطلقت من تصور كتابي واضح. ما حدث أقرب إلى تراكم بطيء لأفكار متفرقة، ثم إلى لحظة شعرتُ فيها بأن هذا التراكم لم يعد محتملاً في صمته، وأنه يطلب شكلاً ما، لا لأنه نضج أو اكتمل، بل لأنه صار يضغط عليّ بوصفه تجربة فكرية عشتها أكثر مما كتبتها.

كثير مما يرد هنا لم يصدر عن رغبة في بناء موقف، ولا عن ثقة بامتلاك رؤية مميزة، بل عن احتكاك مباشر بما تطرحه الحياة من أسئلة صغيرة ومزعجة، وعن شعور متكرر بأن الإجابات الجاهزة، مهما بدت مطمئنة، تُغفل توترات أساسية، أو تؤجل التفكير فيها بدل مواجهتها. من هنا جاءت الكتابة بوصفها محاولة للفهم قبل أي شيء، ومحاولة للإصغاء للتجربة وهي تتشكل، لا لتقنينها أو إغلاقها.


تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.