تمارا الجلبي تعيد الاعتبار لقصر الأيل

تسرد المؤلفة سيرتها لأسرتها وما تلازم منها مع سيرة عراق مختلف

تمارا الجلبي
تمارا الجلبي
TT

تمارا الجلبي تعيد الاعتبار لقصر الأيل

تمارا الجلبي
تمارا الجلبي

وأنا ألتقيها للمرة الأولى مع والدها الراحل أحمد الجلبي، لم أجد فيها سوى ما يميز الأب سليل الأرستقراطية البغدادية، المتعاونة مع الأسرة المالكة منذ تتويج الملك فيصل الأول، حتى اللحظة الأخيرة من المصير المفجع للملك الشاب فيصل الثاني، ونهاية أسطورة نوري السعيد صاحب المقولة المشهورة: «بيت السيد مأمونة» التي لم تؤكدها الحياة.

أثناء ما كنت أتبادل مع أحمد الجلبي أطراف حديث جاد، كانت تمارا الجلبي تدخل على خط الحوار بعربية اغترابية كما لو أنها تتهجى المعاني. مظهرها الأرستقراطي مزيج من الحداثة والمحافظة، فلم يكن في ملابسها ما يخدش الحشمة، وإن لم يقلل ذلك من انسيابها الجمالي على حضورها.

غلاف الكتاب

لم يكن موقفي منها غير امتدادٍ سلبيٍ لتقييمي للراحل أحمد الجلبي الذي لعب دوراً خطيراً لم يقيّم موضوعياً حتى الآن. إذا ما تركنا جانباً نواياه «الإيجابية» المرتبطة برؤيته وقناعته للوسائل والأدوات الكفيلة بإنقاذ العراق من سطوة الموت البعثي، فإن نجاح مسعاه المتواصل لاعتماد الإدارة الأميركية للقرار المخاتل المسمى «قانون تحرير العراق» الذي صوّت عليه وأقرّه الكونغرس الأميركي عام 1998 في عهد الرئيس بيل كلينتون كان سيئاً. كان لاعتماد القانون المذكور، مع التشوهات التي رافقت تطبيقه، أوخم العواقب على مصائر العراق التي ما زالت تتفاعل باتجاه المزيد من التحلل والرثاثة والانحدار السياسي والتفسخ القيمي. هذا القانون وضع البلاد ومصائرها تحت الهيمنة الأميركية ضد الإرادة العراقية.

إن هذا التقييم يتطلب وقفة موضوعية عند المرحلة الممتدة منذ وثوب الديكتاتور إلى المركز الأول والانفراد المطلق بإدارة البلاد، مروراً بانتقال جميع التيارات والقوى العراقية إلى مواقع المواجهة مع نظام البعث وهيمنة صدام حسين على مقدرات البلاد ومصادرة إرادة العراقيين.

أياً كان ما سيُكتب عن المرحلة فإن وجهة نظري عن أحمد لم تعد كما كانت يوم التقيته في دمشق مع إطلالاته السياسية الأولى كناشط في إعادة النظر بتركيبة الأطر الحزبية للمعارضة ولمستقبل العراق الجديد. لقد صرت أرى فيه وطنياً لا مجال لمقارنة قامته بالفضلات غير القابلة للتدوير التي تسلّطت على العراق. وهذا التقييم تلازم مع التغييرات العاصفة التي اجتاحت العالم وأطاحت بنظمٍ وإمبراطوريات، كما فككت آيديولوجيات صار النوع الإنساني في مجراها مثاراً للتساؤل والشك. ولم تعد المعايير التي سادت مع صعود الحركات الثورية الرائدة ونمو الآمال بجنّاتٍ على الأرض تتساوق مع انطفاء الأمل وتحلل تلك الحركات لتسود البدائل المحشوة بالخرافات والجهل.

*******

في حوارٍ ممتع مع تمارا، بعد أن تغيّرت في نظري مع تقادم المعرفة وتآلف اللقاءات وتعدد ما كان يتجدد في الحديث الذي تناول الملكية والثورات والآيديولوجيات وما يجثم على صدورنا من آثارها، توقفنا عند كتابٍ لها يسرد سيرتها لأسرتها وما تلازم منها مع سيرة عراق مختلف. لقد وجدت تمارا أنه سيكون تحدياً للمدى أن تنشره، فهو يحمل آراء ووجهات نظر وتقييمات للمراحل الأولى لنشوء الدولة العراقية، وصعود الملكية باستيراد الملك فيصل الأول من قبل الإدارة المدنية للاحتلال البريطاني، صنيعة لورنس العرب والمس بيل، ليصبح وريث السلطنة العثمانية.

بعد أن قُدمت لي مطالعة الخبير المعتمد عن الكتاب، لازمني الشك بشأن مدى مصداقية ما كُتب، لكنها في الوقت نفسه رجّحت أن المدى ستتردد في قبول مغامرة نشر كتاب يميل ويتعاطف مع النظام الملكي.

******

تبدأ تمارا حكايتها من بواكير انهيار الإمبراطورية العثمانية واندثار خلافتها. جاء السرد ملضوماً دون إقحاماتٍ مخلة، منذ محاولتها خلق مناخات ملائمة للتلازم بين مقدمات نشوء الدولة العراقية وتكوين أسرتها كظاهرة اجتماعية متصاعدة مع متكآت نفوذها وامتداداتها المتشابكة من حيث العرق والطائفة والانحدار. وابتداءً من لحظة التلازم تلك يظهر التناقض بوضوح بين انتماء الأسرة الجلبية للمذهب الاثني عشري، وميلها للاندماج الاختياري في مجتمع متعدد، وبين الميل الشيعي للعزلة والقاضي بعدم التعاون مع خيار تشكيل الدولة ومؤسساتها وفقاً لما قررته إدارة الاحتلال البريطاني، باعتماد الركائز المؤسساتية للسلطة الجديدة على القيادات والكوادر السنية المتأهلة في عاصمة الخلافة العثمانية، وبالترابط مع فتوى المرجعية الشيعية العليا في النجف الأشرف بتحريم التعامل مع إدارة الاحتلال والانخراط في تشكيلات الحكومة.

أحمد الجلبي

ولم يكن خيار عبد الحسين الجلبي عميد الأسرة أن يغرد خارج السرب السياسي، بانضمامه كطرف شيعي في دعم خيار إدارة الاحتلال وربط مصيره بالنظام الملكي هيّناً عليه شخصياً، ولا على أسرته ومصائرها عبر التغيّرات العاصفة التي شهدتها الملكية في أيامها الأولى، ثم في المراحل اللاحقة التي تسللت فيها الهشاشة في تركيبتها، لتنهار تحت وقع النضالات الشعبية وخاتمتها ثورة 14 يوليو (تموز).

استَلّتْ تمارا بذكاءٍ كشف موهبتها كحكّاءَة ذات نزعة روائية، قصر الأيّل رمزاً لمكانة الأسرة ليكون محور السيرة، محولة إياه إلى عراق مصغر تدور فيه وحوله حكاية الأسرة وهي تنمو وتتغير وتتمحور فيها التناقضات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها مراحل تطور العراق وانتكاساته. كان تحدي الوجيه الشيعي أحد الأعمدة الاجتماعية لأهل مدينة الكاظمية مثيراً للالتباس وانقسام وجهاء الكاظمية من الموالين للمرجعية وغيرهم ممن لم يختلفوا رفضاً لمرجعية النجف، وإنما وجدوا في العزلة التي تؤدي إليها فتوى المرجع إضراراً بالطائفة وتكريساً لنمط من الانفراد بالحكم لطائفة يؤدي في نهاية المطاف إلى تشويه التركيبة السياسية للدولة، وتحويل ما رفضته المرجعية إلى واقع معيش، وهو ما جرى تكريسه بالفعل وأدى إلى تجاذبات وصراعات لم تنته حتى يومنا هذا.

تكتب تمارا باللغة الإنجليزية، وتفكر بها. لكن الترجمة الباذخة المنسابة لعلي بدر تعكس دون شك ثقافة الكاتبة وطاقتها الإبداعية وتنوع معرفتها بجماليات اللغة ومفرداتها المعبرة عما تريد دون إفاضة مخلة.

كان الكاتب المبدع بدر التقى تمارا وحاورها معرفياً، وبات بعد اللقاء أكثر قناعة بطاقة الكاتبة وسعة ثقافتها.

ربما هي المرة الأولى التي أتعرض فيه لعمل إبداعي عراقي يجمع بين الاجتماعي والثقافي على متكآت سياسية تناصر الملكية.

قرأت دون توقف حكاية عائلة لعبت دوراً سياسياً ممالئاً للنظام الملكي انتهت عند حفيدها أحمد الجلبي الذي دخل عالم السياسة بعد نكبة نشاطه المالي بانهيار بنك البترا في الأردن، ليقوم بدورٍ شديد الخطورة على مصائر العراق والمنطقة بأسرها، دون أن يسمح له توازن القوى من لعب دور مقرر على رأس السلطة بعد الاحتلال وإسقاط نظام صدام. والحال لم تكن عضويته في مجلس الحكم سوى واجهة شكلية تنفيذية بلا إرادة قرار وطني.

أهمية حكاية هذه الأسرة أنها تعكس سيرة نشوء الدولة العراقية بكل تناقضاتها وعثراتها وتمزقاتها وبنيتها المشوّهة، حتى وهي تولد بعملية قيصرية على يد دايتها الخاتون مس بيل، وبرعاية بريطانية غير منزهة كانت قد وضعت في قاعدتها قنبلة تتفجر متى ما تشاء هي أو من يتسيد على القرار الأممي عنوةً بعد أن تغيب الشمس عن سماء الإمبراطورية العجوز. كما أن أهمية الحكاية تتأتى من كونها تسرد تطور المجتمع العراقي وتبلور طبقاته وما يرتبط به من عادات وتقاليد، وبوجه خاص الطبقة الوسطى، إزاء تعقد المشهد السياسي ونمو الوعي الوطني والطبقي وتصاعد دور الأحزاب وتوسع الحراك الشعبي.

في قصر الأيّل وحواليه وفي جواره تدور حكاية العراق، وتنعكس في سيرة أفرادها بميولهم ونزعاتهم واهتماماتهم بما يدور في مجتمع يتطور، منتزعاً نفسه من رثاثة الإلحاق القسري بالخلافة العثمانية إلى إطار الدولة، محاوِلة الحفاظ على مخلفات نظام آفل متخلف ودمجها بتحديثٍ يقصي الطبقات والفئات الفقيرة لصالح الإقطاعيين والملاكين والكمبرادور.

قد لا تقصد الكاتبة ذلك، وهي تؤشر إلى مرحلة جديدة من تكريس نظام الحكم الملكي على قاعدة طائفية، حين كتبت عن إحساس عميد الأسرة الجديد هادي الجلبي بضرورة نقل قصر الأيّل من جوار الكاظمية إلى مدينة الأعظمية معقل الطائفة السنية وقياداتها الحاكمة وأبرز مثقفيها.

لم تكن تلك الانتقالة مجرد تغيير للمكان، كما أكد ضمنياً سيد الأسرة، إذ انتقل ثقل النشاط السياسي والاقتصادي إلى بغداد، وبات البقاء في زاوية ضيقة على أطراف الكاظمية يعني القبول بدور محدود، والتخلف عن متابعة التطورات في المشهد السياسي الحكومي والحراك النخبوي والشعبي، خاصة بعد أن صار عبد الهادي وآخرون من الأسرة مشاركين في الحكومة وجزءاً من النشاط الاجتماعي للأسرة المالكة والفريق الحاكم. كان الانتقال، بمعنى ما، رفض الاستسلام لطبيعة تركيب السلطة المتأطر بتمثيل مذهبي واحد، وإن لم يكن يمثل الأغلبية السكانية، بل يعكس تمييزاً طائفياً كرس انقساماً ظل بالغ التأثير على مصائر العراق حتى يومنا هذا. انطوى الانتقال بمعنى معين على السعي السياسي والاجتماعي لفرض واقع متغير يعزز دور الطائفة الشيعية في مفاصل الدولة والحكومة بالتفاعل المباشر.

تمارا الجلبي تحاول في سرديتها أحياناً تجاوز انحيازها الفطري لميولها العائلية السياسية، بتأكيد التزامها موضوعياً وهي تتقصى حقائق جوهرية في حركة التطور وما يتطلبه ذلك من توصيف وتسميات متجنبة التأثر بكتاباتٍ شعبوية تنطلق من الكراهية والعداء الآيديولوجي. هذا يُحسب لها ولجهدها الأكاديمي المتشبع بالقيم الموضوعية.

ويمكن ملاحظة ذلك في توصيف أحداث كبرى جرى تشويهها بعد ثورة 14 تموز 1958، كذلك اتخاذ موقف عدم رضا من ممارسات سياسية للنظام الملكي وإدانتها. وفي تصدّيها لأحداث ومراحل من التطور ينعكس هذا النهج بقدر متفاوت من الوضوح.

ولا بد من الانتباه عند قراءة الكتاب إلى أنه مكتوب باللغة الإنجليزية، ولغير القراء باللغة العربية، ما يتطلب الالتزام بمعايير لا تقبل التساهل والعبث باستخدام المفردات والمصطلحات في غير مواقعها وخارج سياقاتها.

قصر الأيّل عمارة سردية يمكن أن تكون رواية، وتصلح أن تكون أساساً لبناء سيناريو مُعزز لمسلسل يحكي سيرة عراق ينزف ويتطلع للمجهول!


مقالات ذات صلة

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ثقافة وفنون غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً...

ندى حطيط
ثقافة وفنون «خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

عن الحياة ومفارقاتها والخوف من الحرب، والشعور بالوحدة والعزلة، يدور ديوان «خط متقطع» الصادر أخيراً عن دار النهضة العربية ببيروت للشاعرة اللبنانية ليندا نصار

جمال القصاص
ثقافة وفنون بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين

في رواية «ثلاثية أنجمينا»، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، يرسم الكاتب التشادي روزي جدّي ملامح بطل عاش في الغرب ونهل من نهر التحضر الأوروبي

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب لطفية الدليمي

«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

يصدر كتاب «التحوّل الكبير: أفكار لعالم آتٍ» بعد رحيل مترجمته ومقدمته الروائية والكاتبة والمترجمة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي، فكأنه كتابها الأخير ورسالتها...

فخري كريم
كتب إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

يُعدّ كتاب توفيق الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم»، الصادر عن «مشروع بريطانيا وفلسطين» (Britain Palestine Project)، مهماً في البحث التاريخي

رانية حمّاد

«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

لطفية الدليمي
لطفية الدليمي
TT

«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

لطفية الدليمي
لطفية الدليمي

يصدر كتاب «التحوّل الكبير: أفكار لعالم آتٍ» بعد رحيل مترجمته ومقدمته الروائية والكاتبة والمترجمة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي، فكأنه كتابها الأخير ورسالتها التي تركتها مفتوحةً على المستقبل. لقد أنجزته وهي تدرك، على الأرجح، أن المعرفة لا تتوقف عند حدود العمر، وأن الكتاب يستطيع أن يصل إلى قارئه حتى بعد غياب صاحبه؛ ولذلك فإن نشره اليوم لا يمثّل إضافة جديدة إلى رصيدها الغني فحسب إنما يحمل أيضاً معنى الوفاء لكاتبة اقترن اسمها طوال أكثر من نصف قرن بالكتابة والحرية والفضول المعرفي والدفاع عن حق الإنسان في التفكير.

رحلت لطفية الدليمي في عمّان في الثامن من مارس (آذار) عام 2026، بعد يوم واحد من بلوغها السابعة والثمانين، تاركةً وراءها منجزاً واسعاً توزّع بين الرواية والقصة والمسرح والدراسة والمقالة والترجمة. ولم تكن وفاتها غياباً لروائية عراقية بارزة فحسب إنما لشخصية ثقافية نادرة استطاعت أن تجمع بين حساسية المبدعة، ودقة المترجمة، وشغف الباحثة، وصلابة المثقفة المدافعة عن المرأة والحرية المدنية.

منذ مجموعتها القصصية الأولى «ممرّ إلى أحزان الرجال» عام 1970، شقّت لطفية الدليمي لنفسها طريقاً متفرّداً في السرد العراقي. لم تتعامل مع المرأة بوصفها موضوعاً اجتماعياً جاهزاً، ولا بوصفها ضحيةً صامتة، بل جعلتها ذاتاً تفكر وترغب وتقاوم وتعيد بناء عالمها الخاص وسط عالم مضطرب. وفي أعمال مثل «عالم النساء الوحيدات» و«من يرث الفردوس» و«بذور النار» و«حديقة حياة» و«سيدات زحل» و«عشّاق وفونوغراف وأزمنة» و«مشروع أومّا»، تتداخل الذاكرة الفردية بالتاريخ العراقي، ويصبح مصير المرأة مدخلاً إلى مساءلة الحرب والمنفى والعنف والمدينة والسلطة والخراب.

غلاف الكتاب

لم تكن رواياتها منفصلة عن أسئلتها الفكرية؛ فقد ظلّت لطفية الدليمي تكتب كما لو أن الرواية مختبرٌ للمعرفة، وأن الخيال ليس نقيضاً للفكر إنما أحد أكثر أشكاله عمقاً؛ ولهذا انتقلت بحُرية بين السرد والفلسفة والعلوم وتاريخ الحضارات وقضايا المرأة، من غير أن ترى بين هذه الحقول حدوداً مغلقة. كانت تؤمن بأن الثقافة الحقيقية تنشأ عند تقاطع المعارف، وأن الكاتب لا يستطيع فهم الإنسان إذا عزل الأدب عن تحولات العلم والتقنية والمجتمع.

وتكشف ترجمتها الأخيرة «التحوّل الكبير» عن هذه الروح بأوضح صورها. فهو يضم مجموعة منتقاة من المقالات والدراسات المترجمة عن الإنجليزية، كتبها علماء وفلاسفة وروائيون ومفكرون معاصرون، وتدور حول أسئلة الذكاء السردي، والثورة الصناعية الخامسة، والذكاء الاصطناعي، والوعي، والفيزياء، والاقتصاد، ومستقبل الجامعات، والحرية، والحظ، والكتابة، ومعنى الحياة الجيدة. لا تجمع هذه النصوص أطروحة مغلقة، بل يجمعها القلق المعرفي والرغبة في إعادة النظر في المسلّمات.

لقد كتبت لطفية الدليمي في تقديمها لهذا الكتاب أن القراءة نوعان: قراءة تلبي حاجة وظيفية عابرة، وقراءة تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وكانت ترى أن كتابها ينتمي إلى النوع الثاني، فهو لا يعد القارئ بحلول نهائية، وإنما يدعوه إلى مرافقة الأسئلة. وربما كانت هذه العبارة خير تلخيص لمشروعها كله: الكتابة في نظرها ليست وسيلة لتوزيع الأجوبة إنما طريقة لتوسيع السؤال وزعزعة اليقين وتدريب العقل على الشك الخلّاق.

أما الترجمة، فلم تكن عند لطفية الدليمي عملاً موازياً للكتابة أو نشاطاً ثانوياً في مسيرتها. كانت جزءاً جوهرياً من رؤيتها الثقافية. لقد نظرت إليها بوصفها فعلاً لاستضافة الأفكار داخل العربية، وتوسيعاً لحدود المكتبة والقارئ معاً. ومن خلال ترجماتها نقلت أعمالاً في الرواية والفلسفة والعلوم والنقد والدراسات المستقبلية، من «بلاد الثلوج» لياسوناري كاواباتا و«ضوء نهار مشرق» لأنيتا ديساي و«من يوميات أناييس نن»، إلى كتب كولن ولسون وتيري إيغلتون وستيفن هوكينغ ونك بوستروم وبول ديفيز ومارتن ريس، فضلاً عن مختاراتها من حوارات كبار الروائيين والعلماء والفلاسفة.

كانت تختار ما تترجمه وفق حاجة ثقافية واضحة، لا وفق شهرة الاسم وحدها؛ فقد انشغلت بأسئلة الرواية الحديثة، والعلاقة بين الأدب والفلسفة، والثقافتين العلمية والأدبية، ومستقبل الإنسانية، والذكاء الاصطناعي، والتحولات المعرفية الكبرى؛ ولهذا تبدو ترجماتها، عند قراءتها اليوم، أجزاءً من مشروع واحد متكامل: إدخال القارئ العربي إلى النقاش العالمي المعاصر، مع الحفاظ على وضوح اللغة وكرامة الفكرة.

ارتبطت لطفية الدليمي بدار المدى بعلاقة ثقافية وإنسانية طويلة، ولم تكن بالنسبة إليها مجرد مؤلفة أو مترجمة تتعاقد الدار على نشر كتاب لها. كانت واحدة من الكتّاب الذين أسهموا في تكوين هوية المدى ومشروعها الثقافي. وقد احتفت بها الدار ككاتبة ومترجمة ومثقفة عراقية كبيرة، وحرصت على نشر كتبها وإعادة طباعة أعمالها السابقة، لتبقى متاحة للأجيال الجديدة من القرّاء.

أعادت المدى تقديم أعمالها السردية والفكرية والترجمية، من «عالم النساء الوحيدات» و«من يرث الفردوس» و«موسيقى صوفية» و«شريكات المصير الأبدي»، إلى «مسرّات النساء» و«إذا كنت تحب» و«عشّاق وفونوغراف وأزمنة» و«مملكة الروائيين العظام» و«عصيان الوصايا» و«إضاءة العتمة» و«كاليدوسكوب» و«مشروع أومّا» و«آفاق لا نهائية» و«كراساتي الباريسية» و«بعيداً عن ضوضاء العالم»، إلى جانب عدد كبير من ترجماتها. وهكذا لم تحتفِ المدى باسمها في مناسبة عابرة، بل عملت على حفظ مشروعها الأدبي والمعرفي كاملاً، ونشره وإعادة طباعته وإيصاله إلى القارئ العربي.

الكتاب لا يعد القارئ بحلول نهائية، وإنما يدعوه إلى مرافقة الأسئلة. وربما كانت هذه العبارة خير تلخيص لمشروعها كله

يأتي كتاب «التحوّل الكبير» اليوم ليواصل هذه العلاقة حتى بعد رحيلها؛ ففي هذا الكتاب نسمع صوتها في الاختيار، وفي ترتيب الموضوعات، وفي ملاحظاتها التي تسبق النصوص، وفي اللغة التي تمنح الأفكار المعقّدة وضوحاً من دون أن تسلبها عمقها. إنها حاضرة فيه بوصفها مترجمة، ولكنها حاضرة أيضاً بوصفها قارئةً كبيرة تقود قارئها إلى الكتب والأسئلة التي رأت أنها جديرة بالبقاء.

لم تتمكن لطفية الدليمي من رؤية هذا الكتاب مطبوعاً، لكن الكتاب يحمل أثرها كاملاً. وربما كان من العزاء أن يكون آخر ما يصل منها إلى القراء كتاباً عن العالم الآتي فهي التي أمضت حياتها تنظر إلى ما وراء اللحظة، وتبحث عن المعرفة القادرة على مقاومة العزلة والخوف واليقين. لقد رحلت الكاتبة، لكن الأسئلة التي اختارتها ما زالت حية، والكتب التي كتبتها وترجمتها ما زالت تفتح نوافذها على العالم.

وبنشر هذا الكتاب، تودع دار المدى واحدةً من أبرز كاتباتها ومترجماتها، لا بكلمات الرثاء وحدها، بل بالطريقة التي تليق بها أكثر هو أن تضع كتابها بين أيدي القرّاء، وأن تترك صوتها يواصل الحديث إليهم. إنه كتابها الأخير، لكنه هديتها الأثيرة لي شخصياً؛ فقد وجدتها خير من يضعني في قلب الحاضر واستشراف المستقبل من خلال ترجمة كتاب يجعلني أقرب إلى ما يرتقي بي معرفياً إلى مستوى فهم القفزات العلمية والإبداعية في كل الميادين التي جعلت عالمنا مفتوحاً على تحقيق أكبر قفزة في تاريخ العلم والتكنولوجيا والمعرفة الإنسانية، مواجهة تحدي عقل الإنسان ومخلوقاته المثيرة والمريبة... ثورة الذكاء الاصطناعي ومآلاته...!

كأنّها أدركت أن لقاءنا الأخير إنما هو وداعٌ أبدي، وهي تُقبِل بشغفٍ على إعداد وترجمة التحول الكبير!


إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم
TT

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

يُعدّ كتاب توفيق الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم»، الصادر عن «مشروع بريطانيا وفلسطين» (Britain Palestine Project)، مهماً في البحث التاريخي الرصين والتحليل السياسي. ويكمن إنجازه المحوري في استعادة سؤالٍ طالما أزاحته لغاتُ الدبلوماسية والأمن والتنمية والضرورة الإنسانية: مَن يمتلك السلطة الشرعية لتقرير مستقبل فلسطين السياسي؟

ينطلق الغصين من مفارقةٍ حاسمة: فلسطين لم تفتقر يوماً إلى الإدارة. فقد جرى إحصاء الفلسطينيين وتصنيفهم وتسجيلهم ومسحهم وتمثيلهم وتهجيرهم وإغاثتهم والتفاوض بشأنهم بكثافةٍ استثنائية. أمّا ما حُجِب عنهم فهو الاعتراف بهم مصدراً للسلطة التي تُمارَس على أرضهم وحياتهم. إنهم حاضرون في كل موضعٍ من السجلّ الإداري، لكنهم قلّما يظهرون بوصفهم الذات السياسية صاحبة الحق في القرار. لقد جُعِلوا مرئيين بوصفهم «سكّاناً»، وظلّوا في الوقت نفسه غيرَ مرئيين سياسياً بوصفهم شعباً صاحب سيادة.

هذا التمييز بين الإدارة والسلطة هو ما يمنح الكتاب تماسكه اللافت. ينتقل الغصين من مذكّرة هربرت صمويل عام 1915 ووعد بلفور، مروراً بانتداب عصبة الأمم، وتحطيم المؤسسات الفلسطينية التمثيلية، ونشوء «منظمة التحرير الفلسطينية»، ومسار أوسلو، وحوكمة المانحين، والإدارة الإنسانية، وصولاً إلى تدمير غزة في زمننا الراهن. ويكشف كيف أنّ أحداثاً يفصل بينها عادةً التسلسلُ الزمني والاختصاصُ المعرفي والمفردات إنما تنتمي إلى بنيةٍ واحدة متصلة: سلطةٌ تُمارَس على الفلسطينيين في حين يظلّ مصدرها خارجاً عنهم.

ويبلغ الكتاب ذروة أهميته حين يقرأ المؤلف الوثائق الرسمية على نحوٍ يناقض ادّعاءاتها الحياد. فالمذكّرات والتصريحات والإحصاءات وتقارير اللجان والقرارات القانونية والخرائط وبطاقات التموين وأنظمة التصاريح... لا يعاملها الغصين بوصفها سجلّاتٍ محايدة ساكنة، بل أدواتٍ يُنظَّم بها الواقع السياسي. يسأل: مَن يُسمَّى، ومَن يُعترَف به، ومَن يُمثَّل، ومَن يُختزَل إلى مجرّد فئة؟ وتأتي مناقشته للانتداب نافذةً حادّة؛ إذ تُشكَّل جماعةٌ واحدة بوصفها ذاتاً سياسية ذات مؤسسات معترَف بها وغايةٍ قومية، في حين تُصاغ الأغلبية العربية عبر التجريد، بوصفها «سكّاناً» أو «طوائف» أو «شرائح من السكّان». وليس هذا الإغفال عرضياً، بل هو ما يؤسّس التمييزَ الذي يقوم عليه النظام الأوسع.

وتكمن قوّة الحجّة في بيان كيف تصمد هذه البنية أمام كل تبدّلٍ في المفردات. فالمذكّرة تصبح إعلاناً، والإعلان يصبح انتداباً، والانتداب يصبح أمراً عسكرياً، والأمر العسكري يصبح تصريحَ مرور، ثم يفسح تصريحُ المرور المجال، لاحقاً، لمعايير المانحين، وأُطر إعادة الإعمار، وعتبات المجاعة، وقواعد البيانات، وسياسات ضبط المحتوى. تغدو المصطلحات أكثر تقنيةً وأكثر إنسانيةً في الظاهر، في حين تبقى العلاقة الكامنة على حالها دون تغيير.

وتُعدّ معالجة الغصين للعمل الإنساني من أهمّ إسهامات الكتاب. فهو لا يشكّك في ضرورة الإغاثة، وإنما يبيّن كيف تُترجَم الحقوق إلى احتياجات. فشعبٌ يطالب بالحرية السياسية يصير «سكّاناً» بحاجة إلى المساعدة، ويصير سلبُ الأرض والملكية «حالة طوارئ» تُدار. وتبرز غزة بوصفها فضاءً مُداراً يُحسَب فيه البقاءُ على قيد الحياة ذاته بالسعرات الحرارية وحمولات الشاحنات والسجلّات والعتبات المؤسسية. وتزداد الآلةُ دقّةً كلما تراجع الاعتراف السياسي.

وتمتدّ الحجّة بالقوّة ذاتها إلى المجال الرقمي. فالشهادة الفلسطينية تحكمها منصّاتٌ تقرّر ما يجوز أن يُرى أو يُتداوَل أو يُبحَث عنه أو يُحذَف. وتغدو الرؤية ذاتها مسألةً إدارية. فأنظمةٌ خاصة بالترتيب الخوارزمي وضبط المحتوى والتصنيف، تكتسب القدرةَ على تحديد ما إذا كانت التجربة الفلسطينية ستظلّ متاحةً للذاكرة العامة.

وتتّسم لغة الكتاب بالوضوح والانضباط والدقّة الأخلاقية. يكتب الغصين بتحفّظٍ متعمَّد، تاركاً للسجلّ الوثائقي أن يفضح العنف المتواري خلف مصطلحاتٍ مثل «التنسيق» و«الحوكمة» و«إعادة الإعمار» و«الأمن» و«الوصول الإنساني». والحصيلة ليست مجرّد تاريخٍ لفلسطين، بل تشريحٌ للمؤسسات واللغات التي تُظهر القوّةُ الخارجيةُ من خلالها نفسَها بوصفها ضروريةً ومحايدة.

يقدم كتاب توفيق جويد الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم» مساهمة مهمة في حقل الدراسات الفلسطينية والقانون الدولي ودراسة الإمبراطورية. فهو يبرهن أنّ المشكلة الجوهرية ليست مجرّد الاحتلال، أو سلب الأرض، أو انعدام الدولة، وإن كانت تشمل هذه الثلاثة جميعاً، بل هي السؤال غير المحسوم: مَن يملك الحقّ المعترَف به في اتخاذ القرار؟

* أكاديمية فلسطينية


باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض

باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض
TT

باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض

باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض

تعد قبيلة وائل من بني حنيفة أول من سكن مدينة الرياض التي كانت تعرف بـ«حجر اليمامة»، وأصبح لها كيان معتبر واستقرار دائم، وكان منهم الملوك والأمراء الذين حكموا وسط الجزيرة العربية بشعار الأرستقراطية القبلية.

جاء اسم آل عساكر كإحدى الأسر العريقة التي سكنت الرياض من عشرات القرون، وتولوا إماراتها في فترات من تاريخها، وسجل أفراد الأسرة حضورهم في المجتمع على مختلف الأصعدة.

الباحث الدكتور راشد العساكر أنجز كتاباً عن الأسرة سماه: «الرياض الزاهر في تاريخ آل عساكر»، رصد فيه تاريخ الأسرة خلال القرون التي مضت مفيداً أن الأسرة تنتسب إلى قبيلة بني حنيفة من وائل ومسكنهم في الرياض - حجر اليمامة - منذ ما يقرب الألفي سنة، وكان أغلب سكان مدينة حجر اليمامة التي عرفت فيما بعد ببلد مقرن (الرياض اليوم) هم من آل يزيد من بني حنيفة ومنهم الدروع، ويظهر أنهم أحد فروع آل يزيد.

سكنت الأسرة في محلة «مقرن» التي تشكل مع محلة «معكال» أكبر محلتين في بلد الرياض مع بعض الأماكن الأخرى التي أطلق عليها في القرن الثاني عشر الهجري اسم الرياض، والمقصود أن هذه الأسرة عاشت في بلد الرياض، ولا نعرف أن أحداً عاش في غيرها، وقد تملكت أسرة آل عساكر أشهر حديقة عرفت في مقرن عند القرن العاشر الهجري، وهي تسمى «الكبيشية»، وتقع اليوم شمال مسجد جامع مقرن - جامع الرياض، كما تملكوا محلة تعرف بـ«فرحة آل عساكر» قبل منتصف القرن الثالث عشر الهجري، وتملكوا محلة بقرب مسجد الباهلية، وكذلك في محلة الشرقية وغيرهما من الأماكن.

وأما جد الأسرة من الأم فهو عبد المحسن بن سعيد الدرعي الحنفي، أمير بلد مقرن، تولى الإمارة بعد منتصف القرن التاسع وأوائل القرن العاشر الهجري.

وهو من قبيلة الدروع المنتسبة إلى بني حنيفة الذين حكموا هذه المنطقة، ويبدو أن عبد المحسن بن سعيد أو أباه هو الذي راسله جد آل سعود مانع بن ربيعة المريدي من الدروع عندما كان في القطيف، وقدم عليه، وأقطعه المليبد وغصيبة المعروفة في الدرعية، وليكون مانعاً له من نفوذ آل يزيد الحنفيين أبناء عمه وبصفة عبد المحسن بن سعيد أمير حجر اليمامة واستقر آل سعود في الدرعية سنة 850هـ.

وقد مدح شاعر - حجر اليمامة - جعيثن اليزيدي الحنفي آل عساكر وعمتهم جليلة، وهجا بها شخصاً يقال له ابن حراش، ويمكن من خلال هذه القصائد التعرف على بعض ملامح تلك الفترة.

وجعيثن عاش في محلة الجزعة جنوب منفوحة، وقيل إنه أميرها من قبل عبد المحسن بن سعيد الدرعي الحنفي. وتعد هذه القصائد أقدم ما عثر عليه من الشعر العامي لدى شعراء الرياض، خصوصاً ومن أوائل القصائد النجدية المدونة.

وقد كانت جليلة معروفة بأفعال الخير والإحسان ومساعدة المحتاجين في الرياض، حتى أن محلة خان شليلة، المعروفة شرق منفوحة، اليوم، تنسب إليها، حيث إن اسمها خان جليلة، ولكن العامة تسهل نطق الاسم فعرفت بذلك، حيث قامت جليلة بعمل استراحات وخانات فيها.

والخان من معانيه في اللغة العربية السوق، حيث عندما يأتي الحجاج وغيرهم من جهة الأحساء وشرق الجزيرة في طريقهم إلى مكة والمدينة يمكثون في الرياض، فيبيتون بها ويتناولون الطعام ويتزودون بالمؤن في هذه المحلة، فعرفت واشتهرت بذلك، واسم خان جليلة قد تغير إلى خان شليلة، وذلك في القرن الثالث عشر الهجري تقريباً.

وقد برزت شهرة حديقة الكبيشية عندما تملكها أمير بلد مقرن بعد منتصف القرن التاسع الهجري عبد المحسن بن سعيد ثم آلت إلى ابنتيه جليلة ومريم.