حياة ألبرتو مانغويل القارئ الأكثر شراهة

كتاب جديد هو قطاف الوباء والحجر

حياة ألبرتو مانغويل القارئ الأكثر شراهة
TT

حياة ألبرتو مانغويل القارئ الأكثر شراهة

حياة ألبرتو مانغويل القارئ الأكثر شراهة

لم يكن «تاريخ القراءة» هو أول كتاب سطره الكندي - الأرجنتيني المولد، ألبرتو مانغويل، لكنه المؤلَّف الذي صنع شهرة صاحبه، بعد أن صدر عام 1996 وترجم إلى 35 لغة، ثم دخل لوائح الكتب الأكثر مبيعاً، ولوقت طويل. هكذا أصبح ألبرتو مانغويل بين ليلة وضحاها اسماً عالمياً مشهوراً، وعرف بأنه «الرجل الذي لا يكفّ عن القراءة» لا بل هو «القارئ الأكثر شراهة»، وبأنه «لا يكتب سوى عن الكتب»، وهو ما حقق له خصوصية وتمايزاً عن باقي كل كتّاب عصره.

لمحبي مانغويل

ولعشاق مانغويل أصدرت «دار الساقي» في بيروت، الترجمة العربية لكتاب «حياة متخيلة» الذي هو عبارة عن حوار طويل معه أجرته سيغلندة غايزل، وعربه مالك سلمان. وهو أقرب إلى سيرة ذاتية، يرويها بنفسه من خلال الإجابة عن أسئلة تتعلق بطفولته، وعلاقته بوالديه، وتأثير اللغات في الخيال، وعمله مع بورخيس وهو في السادسة عشرة من عمره يتلو عليه الكتب، وحبه للكتب، ودوره بصفته مدير المكتبة الوطنية في الأرجنتين، وصلته بالأدب بوصفه علاجاً، وما تأثير مربيته إيلين عليه، ومواضيع أخرى.

اللقاء بين مانغويل وغايزل كان مبرمجاً إجراؤه قبل الوباء، ولم يوقفه الوضع الصحي الاستثنائي الذي عاشه العالم. لا بل يبدو أن مانغويل أسعدته الإقامة القسرية في المنزل، وساعدته على أن يكون أكثر خصباً. فالكتاب يبدأ باعترافاته حول حبه ملازمة البيت، وحبوره بهذا النمط الحياتي المريح، هو الذي تعب من كثرة التسفار خاصة في السنتين اللتين سبقتا الوباء. «على الرغم من رؤية الألم والأسى من حولي فأنا في غاية السعادة في البيت. كنا نسكن على بعد شارعين من نهر هدسون، وكنت أمشي بمحاذاة النهر لفترة وجيزة، ثم توقفت عن ذلك. فأنا أعاني من الربو والسكر وأمراض أخرى كثيرة، ولا أريد المجازفة. طالما التزمت البيت منذ ولادتي التي صادفت يوم 13 مارس (آذار)، وأشعر بالامتنان لكل يوم أعيشه». وبطرافة يتمنى مانغويل لو يخصص العالم بعد انقضاء الوباء أسبوعاً كل شهر، يبقى فيه الناس في بيوتهم ولا يخرجون إلى أي مكان.

القارئ حين يصبح كاتباً

قدم مانغويل نفسه باستمرار على أنه قارئ أكثر مما هو كاتب. ولذلك سأل نفسه ذات يوم: «ما الذي أفعله كقارئ؟ وعندما شرعت في الكتابة، سرعان ما أدركت أن ثلاث صفحات لن تكفي، وسوف أحتاج إلى ثلاثمائة صفحة على الأقل، كي أجيب. كان عليّ أن أدقق في كل ما يأتي على ذهني. ما الذي يحدث في ذهني حين أقرأ؟ كيف ترتبط القراءة بالذاكرة؟ ولماذا نقرأ بصمت؟» بالطبع الإجابات التي صدرت في كتاب «تاريخ القراءة» عام 1996 حققت نجاحاً لم يكتب لأي مؤلف سابق لمانغويل، رغم أنه أصدر الروايات والترجمات والتأملات.

فما سرّ هذا النجاح؟ لعله تناول موضوعاً لم يتطرق إليه أحد من قبل بهذه الصيغة. جاء نصه فاتناً فعلاً. صحيح أن الكتب حول القراءة كثيرة، لكن تناولها من وجهة نظر القارئ هو الجديد في الموضوع، وكذلك بأسلوب شخص لا يعتمد على نظريات كبرى أو يستخدم مصطلحات معقدة.

محبو مانغويل سيجدون في الكتاب الجديد صفحات عن طفولته التي قضاها وحيداً من دون أصدقاء أو أشقاء في سنه. فهو الطفل الأكبر الذي بقي بعيداً عن إخوته معظم الوقت. «لم أكن على احتكاك مع أي أطفال. لا أعرف لماذا لم يعرفوني إلى أطفال آخرين لألعب معهم؟». ويصف ظروف تلك المرحلة الحساسة من حياته بأنها «فريدة» لأنه عاش تقريباً بلا رعاية أب أو عطف أم، بل على يد مربيته إيلين حتى سن الثامنة. فالأم بدت أنانية، لا تعنى إلا بحياتها الاجتماعية، وحفلاتها، ولهوها الذي تقدمه على كل اهتمام بأطفالها. أما والده فلم يكن أحسن حالاً. كان يعيش حياة مزدوجة مقسماً بين عائلتين، وهو لا يعبأ بأطفاله ولا يعرف عن احتياجاتهم إلا القليل.

خير جليس في الوحدة كتاب

الوحدة عوضها ألبرتو بابتداع علاقة خاصة وحميمة مع الكتب. وهو ما دفعه للكتابة حول هذه العلاقة من وجهة نظر لا تخضع لأفكار معلبة. ويمكننا القول إن ألبرتو يقدم في الكتاب رأياً جريئاً للغاية حين يبدي نفوره من النظريات النقدية الحديثة: «لم أدرس النظريات الأدبية قط، ولم أقرأ أي دراسات أكاديمية. لا أقرأ دريدا، وليفيناس، وبورديو، وعندما حاولت قراءتهم لم أشعر بأي اهتمام كان». مانغويل ليس من محبذي آراء أولئك الذين يخترعون مصطلحات صعبة لتوصيف مفاهيم يعتقدون خطأً أنهم هم من اخترعوها.

لكن ألبرتو، في المقابل ينهل معارفه من كتّاب لهم رؤية رحبة مثل جورج ستاينر، وفلورونس دوبون، وغيرهم كثير.

ومعلوم أن أحد الذين أثروا بعمق في مانغويل هو أستاذه خورخي لويس بورخيس، فمنه تعلم الاستغناء عن النظريات الأدبية، «وأن المعرفة التي يقدمها الأدب تأتي من المتعة التي نستمدها من الكلمات والأفكار، ومن الطريقة التي يتم التعبير بها عن هذه الأفكار».

وإذا كانت مربيته إيلين التي أحبها حباً جماً هي التي شكلته حتى سن الثامنة، فإن بورخيس الذي التقاه لأول مرة وهو في سن السادسة عشرة، كان له الدور الأكبر في نشأته المعرفية. كان مانغويل يعمل يومها في محل لبيع الكتب، حيث تعرف إليه. وعندما فقد بورخيس نظره، في منتصف الخمسينات من عمره، اختار ألبرتو قارئاً له بصوت عالٍ بالإضافة إلى عشرات الأشخاص الآخرين. لم يكن يريد أن يقرأ له، من اختارهم، ما لا يعرف، وإنما ما كان قد قرأه قبلاً لإنعاش ذاكرته. استمر بورخيس بعد العمى بكتابة الشعر وبعد 10 سنوات، عاد لكتابة القصص بعد توقف. «كان يؤلفها في ذهنه ثم يمليها سطراً تلو سطر، وكأنه انتهى من كتابتها سلفاً».

إيلين المربية المثقفة

ربما إلى إيلين، مربيته التشيكية - الألمانية، يعود الفضل في تثقيف ألبرتو؛ إذ يروي أنه بالنسبة إلى إيلين لم يكن اللعب جزءاً من تربيتها، وإنما «كان من الطبيعي أن يعرف الطفل الجغرافيا والتاريخ والرياضيات، وأن يحفظ الأعمال الأدبية العظيمة عن ظهر قلب. كما علمتني بعض المهارات مثل الخياطة والطبخ»، ويشرح خلفيات اهتماماتها هذه: «كانت فكرة الثقافة هذه جزءاً أساسياً من الحياة العادية» بالنسبة لها. روت له كيف أن عائلتها كانت تجتمع وتقرأ المسرحية وتناقشها، قبل أن تذهب لمشاهدتها في المسرح.

في الرابعة، اكتشف مع إيلين القراءة: «شعرت بأنني ساحر، إذ يمكنني تحويل بقع الحبر إلى كلمات. ولم أعد بحاجة لانتظار إيلين لتقرأ لي كي أستمر في اكتشاف الحكاية». ما لا يمكن تجاهله أن إيلين كانت تفتقد إلى أي حس للفكاهة أو النكتة، لكن من ميزاتها أنها تركت له في النهاية حرية أن يكون ما يريد، وهو في غاية التقدير لتلك المساحة الحرة التي أعطيت له.

ولا بد من الإشارة إلى أن الكتاب يعود مرات عديدة، إلى تجربة الوباء والحجر، وانعكاساته على المجتمع. كما نقرأ طويلاً رأي مانغويل في الأدب والأدباء الذين أحبهم وتأثر بهم. ومن المواضيع المهمة قوله: «الكتابة ليست مشروطة بالفقر»، مشيراً إلى أن كتاباً ليسوا بالقلة كانوا ميسورين، والربط باستمرار بين الكتابة وفقر الكاتب مفهوم خطر يسمح للمجتمع بالقول: «لسنا بحاجة إلى تمويل الآداب والفنون؛ لأن الإبداع سيأتي في جميع الأحوال».

يبدي مانغويل إعجابه بالثقافة العربية – الإسلامية؛ إذ يقول: «لا أعتقد أن هناك أي ثقافة أخرى تحتوي على هذه العلاقة الوثيقة بين الفلسفة والشعر. أحب استكشاف الأفكار الدينية، وذلك الانتقال من الفكر اليوناني إلى الإسلام. ولأنني لست مؤمناً فأنا لست مهتماً بالأوجه العقائدية للإسلام أو المسيحية أو اليهودية».

العيش في اللغات

يتكلم مانغويل عدة لغات بطلاقة. اللغة الأولى التي تحضره بشكل عفوي هي الإنجليزية، وعندما يكون في بلد يتحدث الإسبانية أو الفرنسية، فإن اللغة الطبيعية تتغير بعد بضعة أيام، هذا عدا الألمانية التي لم يعد يستخدمها وتعلمها من مربيته إيلين. أما في الكتابة فهو يكتب بالإنجليزية والإسبانية والإيطالية، وله كتب باللغات الثلاث.

ألبرتو مانغويل الذي يهجس بالكلمات، وعاش بين اللغات، وعرف بحبه للبلاغة، حين تعرض لجلطة دماغية عام 2013 عاش تجربة يصفها بـ«المذهلة»، ليس فقط لأن الجسر الذي يربط الكلمات في دماغه قد انهار، وأنه فقد العديد من قدراته قبل أن يستعيدها، وإنما الممتع في الأمر هو أن هذه التجربة الاستثنائية أتاحت له تأمل حركة دماغه في حالة لم يعهدها، وأن يفهم ويعاين قدرته على التعامل مع اللغة، في شروط لم تتح له من قبل. أما عن الكتابة «فباستثناء اللجوء المتزايد للصور اللغوية، لم ألحظ أي تغير، فربما كانت عملية الإصلاح التي حدثت في دماغي فعّالة بشكل كبير. فأنا أجد متعة كبيرة في قدرة المرء على الوقوف خارج ذاته ومراقبة نفسه وهو يفكر».


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.


صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار
TT

صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل وفكرته الأساسية تقول: «صمتُ المظلوم ليس استسلاماً، بل شروعٌ في صياغة لغةٍ جديدة، أشدُّ فتكاً من الصراخ، إنه الصمتُ الصاخب».

تدور أحداث الرواية، الصادرة أخيراً عن «دار تشكيل» بالقاهرة، داخل أسوار أحد السجون، تحديداً بين عدد كبير من المثقفين والمفكرين وقادة الرأي العام على غرار ما كان يحدث في حقب زمنية سابقة من اعتقال سياسي بهدف تكميم الأفواه حين تختلف السلطة مع معارضيها وتقرر التنكيل بهم، فلا تجد أمامها سوى الزج بهم بشكل جماعي وراء الأسوار.

يركز النص على استبطان الحالة النفسية للشخصيات الرئيسية مثل الراوي و«الصول مسعود» ومأمور السجن وبعض النزلاء الجنائيين، وكيف أن الصمت المشحون بانفجار قادم يشكل لغزاً يستعصي على الفهم، فيما يسخر المأمور من الشعراء ويتهمهم بالتخاذل والعيش في عوالم وهمية بعيداً عن الواقع.

اتسمت اللغة السردية بالإيقاع السريع والمشاعر المتأججة بين السطور، دون استطراد يوقع العمل في شراك الرتابة، كما عمد المؤلف للدخول في بؤرة الصراع النفسي بين جميع الأطراف دون تمهيد، ما جعل الرواية تفيض بالتشويق والإثارة النفسية منذ الصفحة الأولى.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«بالأمس، وما إن غادرني الجميع متجهين إلى العمل بالورش، حتى انفتح باب العنبر ودخل الصول مسعود، كبير السجّانين وأقدمهم هنا. بيني وبينه علاقة بدأت عادية، ثم تحوّلت بمرور السنوات إلى ما يشبه الرفقة الحذرة التي تجمع رجلين يحترقان في فرنٍ واحد، اقترب مني بخطواته الثقيلة، ثم ألقى بجسده الضخم إلى جواري، برم شاربه الكثيف كعادته، وفرك فروة رأسه الكبيرة قبل أن يخرج صندوق سجائره، أشعل لنفسه سيجارة، ثم مدّ إليّ أخرى بصمت، بلا كلمة منه ولا مني، كأنما يدرك أن الكلام عندي أصبح شحيحاً، نادراً كقطرة ماء في صحراء قاحلة، نفث دخانه الأول، ثم بدأ يمطرني بأسئلة متلاحقة، كلها تدور حول ما بعد الصمت، ماذا نُخفي؟ وإلى أين سيقودنا هذا الهدوء المريب؟ أكمل سيجارته دون أن ينتزع مني جواباً واحداً، ورغم يقيني بإخلاصه، فالحيطة في أيام الحرب واجبة، فنحن نحارب قائده الجلّاد، ومن السهل أن تنزلق أسرارنا من فم مسعود تحت ضغط المأمور، مهما كان قلبه معنا، وحين أنهى سلسلة أسئلته، مال نحوى وقال بصوت خفيض:

ـ أريدك أن تأتي معي إلى مكتب المأمور.

رفعت يدي دون تفكير، وقاطعته بنظرة حادة كحدّ السكين:

ـ ماذا يريد مني المأمور؟

ابتسم ابتسامة باهتة، ثم عاد يلوّي شاربه كما لو أنه يبحث عن وقت إضافي قبل أن ينطق:

- من المؤكّد أنّه سيُعيد عليك أسئلته التي تؤرّقه حول أسباب صمتكم، وإلى أيّ مدى سيطول، فثمة ما ينهش يقينه بأنّ أمراً جللاً يوشك أن يقع داخل السجن عقب هذا الصمت المفاجئ».