جاء اليوم التاسع للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، في دورته الـ28، غنياً بفقراته، بين ندوات وتوقيع إصدارات، إلى لقاءات مع كتّاب مغاربة وأجانب، فيما أعلنت وزارة الشباب والثقافة والتواصل عن تجاوز عدد زوار هذه التظاهرة الثقافية خلال أسبوعها الأول، ما يناهز 126 ألفاً.
وتميزت فعاليات يوم الجمعة بلقاء خُصص للاحتفاء بتجربة الروائي والناقد النيجيري وول سوينكا، الحائز على جائزة «نوبل» للآداب عام 1986، الذي يُعد من أبرز وجوه الأدب الأفريقي، مسخّراً قلمه وأعماله المسرحية للوقوف إلى جانب من يعانون القمع، واستنكار كل أشكال الفساد والتمييز، فشدّد على أنّ الأدب وسيلة من وسائل النضال، متناولاً أهمية السعي إلى الحرية.
على صعيد آخر، شكل «التشكيل أفقاً للتفكير البصري»، موضوع لقاء تناول فيه المشاركون آليات هذا التفكير المرتبط بالرؤية والمخيلة والقدرة على صياغة المرئي على نحو مبتكر يستجيب لأسئلة التلقي والنقد.
ورأى الباحث في الفلسفة والجماليات، إدريس كثير، أنّ «التفكير البصري يُعدّ نمطاً يركز على صيرورة معالجة المعلومة المرئية بواسطة الدماغ، مقابل نمط آخر يعتمد على اللغة المسموعة أو الإشارية، كما أنه تفكير وتأمّل يشكل الأفكار بواسطة صور ورسومات بدل الكلمات والمفاهيم».
بدوره، توقف الناقد التشكيلي بنيونس عميروش عند مفهوم التفكير البصري هذا، انطلاقاً من طرحه تساؤلات حول أفول اللوحة، كما تناول «الفن المفاهيمي»، الذي عدَّه «درجة عليا من درجات الدفع بالتعبير التشكيلي إلى احتضان الفكر وإنتاجه».
أما الباحث في الجماليات وأستاذ الفلسفة وتأويل الخطاب في جامعة محمد الخامس بالرباط محمد الشيكر، فتطرّق إلى مسألة التفكير البصري بكونه تفكيراً في العمل التشكيلي، وتساءل عما إذا كان هذا التفكير هو «ما يتم إنتاجه من تصورات ومفاهيم حول التشكيل، أم ما يدخل في باب النقد الفني وتاريخ وسوسيولوجيا وأنتروبولوجيا الفن، وما بات ينتجه الفكر المعاصر اليوم تحت مسمى الفن التصوري أو المفهومي».
من جهته، أكد الناقد والباحث عبد الله الشيخ، أنه «منذ الإرهاصات الأولى، بدأت العلاقة بين التشكيل والتفكير بكل مستوياتها ووظائفها النفعية والجمالية»، مضيفاً أنّ «الفن التشكيلي هو واقع التفكير البصري، لأنه من بنياته الحسية والذهنية والتخييلية داخل نسق معرفي، لا مجال فيه للتجزيء والاختزال».
كما شهد رواق مجلس الجالية المغربية تقديم «موسوعة الحضارة المغربية: من التراث المادي إلى التراث غير المادي»، التي تؤرخ للحضارة المغربية مع إبراز الهوية الغنية.
ويُعدّ هذا الإصدار الذي يتجاوز 12 مجلّداً، مرجعاً علمياً متخصصاً بالنسبة إلى الباحثين المهتمّين بتاريخ المغرب، ولأبناء الجالية في العالم، ليتعرفوا إلى الحضارة المغربية بأبعادها.

وضمن فقرة «المغرب أفقاً للتفكير»، تناول مشاركون في ندوة «التخيّل في السيرة والسيرة الذاتية» إسهام المنظّر الأدبي الفرنسي في السيرة الذاتية فيليب لوغون، بكونه مرجعاً عالمياً في دراستها على ضوء الخصائص التي أوضحها بالاعتماد على «الميثاق السير ذاتي».
وفي هذا الإطار، دعا الأديب والناقد عبد القادر الشاوي إلى تجاوز «الأسطرة النظرية للسيرة الذاتية»، ما دام القارئ لا يلمس «الحدود النظرية الصارمة» بين الأجناس المنتمية للحقل العام للثقافة، متسائلاً عن إمكان أن تكون السيرة الذاتية رواية أم مذكرات على سبيل المثال، بعدما استقرت على مفاهيم نظرية معيّنة استقاها باحثون قبل ثلاثين عاماً.
واقترح الشاوي الانفتاح على علم الدماغ الذي حقّق خلال العقود الثلاثة نتائج مخبرية تجعل من «الضرورة الإقرار بوجود مداخل عدّة لفهم قضية السيرة الذاتية».
من جهته، توقف الناقد والأستاذ الجامعي عبد اللطيف محفوظ، عند عنصر التخيّل الذي «يتمثل بشكل أساسي في محاولة الربط بين الأحداث وخلق جسور بينها»، موضحاً أن البُعد الأهم فيه هو «محاولة الانتقال بالذات والواقع والسمو بما هو عادي إلى مستوى آخر والبحث عن مبررات لتأخذ الحياة العادية مكاناً سامياً».
وأيضاً، اختار الشاعر والكاتب المترجم بوجمعة العوفي الاحتفاء بتجربة الشاوي، بكونه «ذاكرة مهمّة غزيرة بالكتابة السيرية، وإن كانت حافلة بالمعاناة والمكابدة»، في إشارة مثلاً إلى روايته «كان وأخواتها» الشاهدة على تجربة السجن التي عاشها.
كما أكد الشاعر والناقد المغربي المنشغل بخطاب السيرة الذاتية في الشعر العربي الحديث عبد اللطيف الوراري، أنه «يبقى من النادر أن نجد مؤلِّفاً وهو يكتب سيرته الذاتية قد أقسم أمام قرائه ألا يقول غير الحقيقة، لكنه يكتشف أثناء كتابة هذه السيرة، وبعد أن يفرغ منها، أنه يعمل فيها التخيّل، بوعي أو في غفلة منه»، ليخلص إلى أنه «من غير البديهي أن يحكي المؤلِّف عن نفسه من دون أن يعيد اكتشافها ويمنح العناصر المبعثرة من مسار حياته، معنى وانسجاماً ضمن سيرورة الكتابة».



