هل تصلح القراءة أن تكون مهنة؟

مكافأتها متعة وخبرة وترميم ما انكسر من أرواحنا

هل تصلح القراءة أن تكون مهنة؟
TT

هل تصلح القراءة أن تكون مهنة؟

هل تصلح القراءة أن تكون مهنة؟

تفكّرتُ كثيراً في غلاف الكتاب الماثل أمامي. مثّل عنوانه «مهنة القراءة» صدمة قوية لي لم أختبر مثيلاتها من قبلُ. نحنُ نقرأ منذ سنوات بعيدة، لكننا أغفلنا التساؤل؛ هل نقرأ من أجل أن تكون القراءة مهنة لنا؟ هل القراءة مهنة حقيقية؟ حتى لو كان ممكناً من الناحية الواقعية أن تكون القراءة مهنة؛ فهل يجب أن نجعلها مهنة؟لا أحسبُ أنّ مؤلف الكتاب (برنار بيفو، وهو كاتبٌ فرنسي ومقدم برامج ثقافية شهير)، أو مترجم الكتاب، وهو الناقد المغربي سعيد بوكرامي، قصدا بمهنة القراءة أي توصيف يفهم منه القارئ أنّ القراءة مهنة بالمعنى المتداول؛ عملٌ يتقاضى معه القارئ أجراً يعتاشُ منه. صحيحٌ أنّ بعض المهن في هذا العالم تقتضي قراءات مسهبة في ميادين محدّدة؛ لكن القراءة فيها فعلٌ ملحقٌ بوظيفة أكبر من فعل القراءة ذاته. مهنة القراءة التي أرادها المؤلف وأوحى بها بطريقة مضمرة هي توصيف رمزي لمن عشق القراءة منذ أطواره الأولى في الحياة حتى بدت كأنها مهنة له، وما هي كذلك.أذكر في هذا المقام واقعة كتب عنها الفيزيائي ذو الصيت العالمي بول ديفيز قائلاً إنه شعر منذ بواكير حياته الأولى أنه خُلِقَ ليكون فيزيائياً نظرياً، وعندما أخبر والديه برغبته بعد إكماله الدراسة الثانوية في الالتحاق بقسم الفيزياء في الجامعة، قال له أبوه: «بُنَي، هل تتصورُ أنّ أحداً ما في هذا العالم سيدفعُ لك مالاً لكي تجلس وتتأملَ في هذا الكون وقوانينه الأساسية؟ لا أحد سيدفعُ لك مالاً إلا إذا قمتَ بعمل حقيقي!!». كان الأب على خطأ بالطبع؛ فقد صار ابنه لاحقاً اسماً كبيراً في عالم الفيزياء والكوسمولوجيا والكتابة، واجتنى مالاً وفيراً من عمله أستاذاً جامعياً وكاتباً حققت كتبه مبيعات كبيرة.يمكنُ أن تصحّ مشابهة رأي والد بول ديفيز مع فعل القراءة؛ لا أحد سيدفعُ لك مالاً إذا ما قرأت معظم كلاسيكيات أدب العالم أو أدبه الحديث والمعاصر، أو إذا تابعت قراءة ما يُتاحُ لك من الإصدارات العلمية الحديثة بلغاتها الأصلية أو مترجمة. القراءة فعالية تكافئ نفسها بنفسها تسامياً وانتشاء، ومتعة روحية عميقة، ونقلاً للروح البشرية إلى مرتقيات جديدة، وتحصيلاً لخبرات أكبر من أن يحوزها فرد واحد في حياة واحدة.لكن، في سياق تجربة فكرية، دعونا نتصور إمكانية أن تكون القراءة مهنة؛ بمعنى أن يأتيك جني المصباح السحري ليعرض عليك عرضاً واضحاً؛ اقرأ 10 كتب في الشهر، مثلاً (لا بأس أن يختارها الجني) وسأتكفلُ أنا بتكاليف معيشتك عيشة رفيعة المستوى. قد يبدو العرض مغرياً؛ بل أفضل من المقايضة الفاوستية المعروفة، لأنك لن تبيع روحك للشيطان ولن يُطلَبَ منك شيءٌ في مقابل القراءة. أن تقرأ وحسب، هذا هو كل ما مطلوب منك أن تفعله. ماذا يعني أن تحصل على مال لقاء فعل قراءة خالص، ولا شيء سواه؟ هل فكّرت بجدية في هذا الأمر؟ ستذوي رغبتك في القراءة مع الأيام، وستتحوّلُ ماكينة للقراءة لا تشعرُ بما تفعل بسبب غياب الفعل المحفز على الحياة، الذي يشعرُ معه الفرد بأنه كائن يعيش ويتنفس. أن تنهض صباحاً وتذهب للعمل خيرٌ ألف مرة من أن تتعفن في فراشك متراخياً كسولاً، ولعلّ جان بول سارتر كشف عن هذه الحقيقة عندما كتب أنّ أجمل سنوات حياته عاشها وقتما كان عضواً فاعلاً في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال الألماني. كان سارتر حينها عرضة للموت كلّ لحظة، ومع مجابهة الموت تتعاظم قيمة الإحساس بالحياة.كلّ مهنة فيها جانب استلابي لا نرتاح إليه؛ لذا قيل في الأمثولات المتداولة: «سعيدٌ من كانت هوايته هي مهنته». قد تصلحُ هواية ما أن تكون مهنة تأتي بمال يكفي متطلبات عيشة مستورة؛ لكنّ هذا لا يصحُّ مع القراءة، ولا يجب أن يصح.كل الناس في العالم يقرأون، أينما كانوا وفي كل الأوقات، تراهم على الدوام يمسكون كتباً ورقية أو إلكترونية أو صوتية متاحة في الوسائل الإلكترونية الحديثة. هل انتبهتَ أنهم يقرأون خارج نطاق وقت الوظيفة؟ القراءة ليست وظيفة إذن بقدر ما هي فعلٌ يمثل واحة استرخاء خارج الوظيفة؛ لذا لا أحد منهم يهتمُّ بنشر قوائم طويلة عن كتب قرأها في الشهر الفلاني أو السنة الفلانية. اقرأ 100 كتب أو ألفاً. لن يعني الأمر شيئاً للآخرين، وليس في هذا الأمر مأثرة لك. الأساس هو أن تقرأ وتتلذذ بما تقرأ وتجعله خبرة مضافة لك؛ أما أن تجعل من نفسك إعلاناً استعراضياً لماكينة قراءة بشرية فليس بالأمر الذي سيلقى هوى لدى آخرين. اقرأ وتلذذ بما تقرأ، هذا هو منتهى الأمر وخلاصة الحكمة في القراءة.القراءة فعلٌ نرتاحُ إليه ونحن في خلوة محببة، ونفعله إرضاءً لنا، لا لغيرنا، ولسنا نطلبُ منه مكافأة سوى مكافأة المتعة والخبرة وترميم ما انكسر من أرواحنا في هذه الحياة، ومواصلة العيش بقلب ثابت يقوى على المشقات.القراءة فعلٌ منقاد بقرار شخصي، دافعه الأساس هو الرغبة في قراءة هذا الكتاب أو ذاك. ثمة ملايين الكتب المتاحة للقراءة في يومنا هذا، وبخاصة في عصر القراءة الإلكترونية الذي جعل من التحسّر على قراءة كتاب ما ذكرى مطوية في غياهب النسيان. نحنُ نختارُ الكتاب الذي نريد قراءته بحسب إعداداتنا المسبقة، من يشأ قراءة الروايات والاكتفاء بها فله ذلك، ومن يشأ قراءة كتب التقنية أو الفلسفة أو الاقتصاد أو السياسة أو الاجتماع فله ذلك أيضاً. أنت في النهاية تختارُ الكتب التي تسعدك لأنها تتوافق مع إعداداتك المسبقة، ولا أظنُّ أنّ أمراً ما في هذا العالم يمكن أن يُرغِمَ أحدنا على قراءة ما لا يرغبه إلا في حدود ضيقة للغاية يمكن تجاوزها فيما بعد. في القراءة أنت الفاعل الأكبر. أنت من تحدّدُ الكتب التي تختارها اختياراً يتوافق مع ذائقتك ويحقق انتشاءك العقلي والنفسي. لا كتابَ عصياً على القراءة أمامك متى ما امتلكت الإعدادات اللازمة لقراءته.في القراءة ومن خلالها يمكنُ أن نُسعد بمعاينة «القمم» الفكرية التي بلغها بعضُ بني البشر. سنتوقفُ كثيراً عند قراءة عبارة حتى مفردة. سنعيدُ قراءة بعض الفصول مرات ومرات، وقد نضيفُ الكتاب إلى قائمة الكتب التي ساهمت في تشكيل عقولنا وأرواحنا ثمّ نعيدُ قراءتها بين حين وآخر مثلما نفعلُ مع المسرحيات الشكسبيرية أو بعض أعاظم مؤلفات عصر النهضة أو كتابات أكابر ناثرينا العرب. القراءة في النهاية سعي وراء الكمال الذي نلمحه في الآخرين وليس فينا.القراءة فعلٌ بشري قصدي ينطوي على تَوْق وطهرانية، التوقُ إلى استكشاف عوالم جديدة لم نختبرها على المستوى العياني لأنه لا سبيل مادياً لنا إليها؛ لذا يكون البديل المعقول هو الاستكشاف الرمزي لها عبر فعل القراءة. أما طهرانية القراءة فتنبعُ من أنك لا تسعى من ورائها إلى نيل مكافأة فورية. القراءة تكافئنا بالتأكيد؛ لكنّ مكافآتها تتجلى في لذّات عقلية يستعصي فهمها وتقدير أهميتها من جانب كلّ من لم يختبر سحر القراءة في حياته.كلُّ من استطاب القراءة وعدّها شرطاً لازماً لمعيشه اليومي يدرك تماماً الحقيقتيْن التاليتيْن...1. القراءة استكشاف لا نهائي لعوالم متوازية. يعيش الكائن الحي حياته خاضعاً لسلسلة من المحدوديات. هذا أحد قوانين العيش التي لا نستطيع التفلّت منها. واحدة من أهمّ وظائف القراءة مدُّ نطاقات قدراتنا العقلية والحسية عبر تمثّل خبرات أناسٍ آخرين. وبهذا الفهم تكون القراءة بمثابة عيش حيوات إضافية.2. القراءة ترويض للكائن الضوضائي الذي يكمن فيك. العالم مكان ينتجُ الضوضاء ويعيش فيها. ثمّة من يستطيب هذه الضوضاء ويجعلها إطاراً لازماً لحياته؛ لكن في الوقت ذاته هناك من يُعلي قيمة أن تخمد هذه الضوضاء الدنيوية حتى يُتيح لعقله حرية التفكّر الهادئ في أفكار شتى. يجب أن تبتعد عن العالم لتتسنى لك مراقبته ومحاكمته وعدم الوقوع أسيراً للمعتقدات الجمعية الحاكمة له. القراءة هي التي تمنحك هذه الرفاهية النفسية والأخلاقية.لا تفارق ذهني صورة متخيلة أراها كثيراً، كم كانت حيرة كلكامش ستبدو عظيمة لو عرف بوجود مخلوقات في الكون اسمُها «الكتب». أظنّهُ كان سيُبطِلُ رحلة بحثه الملحمي عن الخلود. ما لَهُ والخلود لو كان سيخلدُ بين دفتي كتاب؟ الخلود هو خلود الأفكار في نهاية المطاف. ليس ما يخلدُ في هذا العالم سوى شيئين اثنين؛ الكتب (لتكن الأفكار، لا فرق!)، والأفعال النبيلة. كل ما سوى ذلك قبضُ ريحٍ مآلُهُ إلى عدم مستديم.القراءة أعظم من أن تكون وظيفة. تاق بورخس، أحد «أعظم الرائين» في عالمنا، لأن تكون الجنة مكتبة. هل ثمة من يجرؤ على مناكفة بورخس في توقه هذا؟


مقالات ذات صلة

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

ثقافة وفنون «أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون نبوءة جورج أورويل المخيفة

نبوءة جورج أورويل المخيفة

السيطرة على البشر وتوجيههم عن طريق التحكم في الخلايا العصبية والشرائح الذكية نبوءة رأيناها تتحقق في أفلام الخيال العلمي، بل قرأنا عنها في أدب وأفلام الديستوبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

كثيرة، منذ القرن التاسع عشر، هي الأعمال الأدبية العربية وكتب الرحلات والمذكرات التي تتمحور حول موسم الهجرة إلى الشمال، أوروبا أو القارة الأميركية الشمالية.

د. ماهر شفيق فريد
كتب رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

صدر حديثاً للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة كتاب جديد بعنوان «شي جينبينغ: 101 قصة من الطفولة إلى القيادة العالمية»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب مستقبل القرار الطبي في زمن الذكاء الاصطناعي

مستقبل القرار الطبي في زمن الذكاء الاصطناعي

يقدم الكتاب مفهوم «السلطة السريرية» بوصفه إطاراً يحافظ على الدور القيادي للطبيب في اتخاذ القرار

«الشرق الأوسط» (لندن)

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية
TT

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

كثيرة، منذ القرن التاسع عشر، هي الأعمال الأدبية العربية وكتب الرحلات والمذكرات التي تتمحور حول موسم الهجرة إلى الشمال، أوروبا أو القارة الأميركية الشمالية. والأمثلة ليست بحاجة إلى تذكرة: رفاعة الطهطاوي، توفيق الحكيم، يحيى حقي، الطيب صالح، سهيل إدريس.. إلخ. لكن ماذا عن موسم الهجرة من الجنوب إلى الجنوب، من بلد عربي أفريقي أو آسيوي إلى دول الخليج؟

سؤال يجيب عنه كتاب صادر باللغة الإنجليزية هذا الصيف هو كتاب «الهجرة إلى الخليج في الرواية العربية» (Migration to the Gulf in the Arabic Novel) (مطبعة جامعة إدنبرة 2026، 271 صفحة) من تأليف نادين دقاق (Nadeen Dakkak) المحاضرة في قسم اللغة الإنجليزية والكتابة الإبداعية في جامعة إكستر البريطانية. والكتاب هو أحدث إصدارات سلسلة «دراسات إدنبرة في الأدب العربي الحديث» التي يشرف عليها الدكتور رشيد العناني. وقد صدر منها حتى الآن - اعتباراً من عام 2013 - أكثر من 30 كتاباً.

كان انبثاق النفط من رمال الصحراء - وما تبعه من تحديث متسارع الخطى - إيذاناً بتغيرات جيو - سياسية واجتماعية واقتصادية مهمة طالت الحياة في دول الخليج وجعلتها محط أنظار ومعقد آمال آلاف يحلمون بـ«عقد عمل» يعودون بعده إلى بلادهم وقد غدوا أقدر على مواجهة تكاليف العيش والضغوط الاقتصادية الواقعة عليهم وعلى من يعيلون.

عالج موضوع الهجرة، خلال سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، كتاب مصريون وفلسطينيون، أو فلسطينيون أردنيون، ولبنانيون، وأريتري. من هذه الأعمال خماسية «مدن الملح» لعبد الرحمن منيف، «رسالة البصائر في المصائر» لجمال الغيطاني، «اهبطوا مصر» و«صمت الرمل» لمحمد عبد السلام العمري، ثلاثية «أطفال بلا دموع» لعلاء الديب، «مسك الغزال» وأقصوصتان من المجموعة القصصية «وردة الصحراء» لحنان الشيخ، «بيع نفس بشرية» لمحمد المنسي قنديل وغيرها.

من الأعمال التي يتوقف عندها كتاب نادين دقاق رواية «براري الحمى» (1985) لإبراهيم نصر الله وهي عن مدرس شاب يعمل في بلد عربي بعقد مؤقت. ونحن نراه ممدداً في فراشه في حالة هلاس متولد من الحمى عقب لدغة بعوضة. إنها رؤية كافكاوية ناجمة عن شعور بالعجز والاضطهاد.

وهناك رواية إبراهيم عبد المجيد «البلدة الأخرى» (1991) وبطلها خريج قسم فلسفة يعمل في وظيفة إدارية بإحدى الشركات في بلدة عربية. تروى الأحداث بضمير المتكلم على لسانه. وإذ يفدحه الشعور بركود حياته يحاول كتابة يوميات ويصبح مدمناً على برامج تافهة ومسلسلات أميركية على شاشات التلفزيون. ولكن عودته إلى مصر بعد عام من الاغتراب لا تنبئ بما هو أفضل. ويعدد الدكتور محمد بدوي تقنيات الروائي هنا، وهي التشويق ولغة السرد التي تركز على تفاصيل دون أخرى ومنظور المراقب للأحداث.

و«سمراوية» (2012) رواية للقاص الأريتري حاجي جابر تصور حيرة الجيل الثاني من المهاجرين. إن عمر يلتقي في مقهى بأسمرة فتاة تدعى سمراوية، ويقع في حبها من أول نظرة. وتتحرك الرواية في نقطة وسط بين الخيال والواقع مجسدة اقتلاع الأريتري من أرضه. فوالد عمر وأجداده يضطرون إلى الهجرة من بلدهم عقب الصراعات السياسية العنيفة في حرب استقلال أريتريا عن إثيوبيا. والحكي في الرواية لا يتخذ شكل خط مستقيم وإنما يمثل تنقلاً بين الطفولة والرشد وسفراً عبر عدة مدن.

وفي خلفية هذه الأعمال تتخايل رواية الأديب الفلسطيني غسان كنفاني «رجال في الشمس» (1962) التي تعزف نغمة مأسوية، إذ تصور محنة الاقتلاع من الوطن السليب والحلم الذي يتحول إلى كابوس وذلك من خلال ثلاثة فلسطينيين يحاولون الوصول إلى الكويت عبر صحراء العراق فيكون مآلهم الموت اختناقاً داخل صهريج الشاحنة التي تقلهم في وقدة القيظ.

وإذا كان من الممكن أن نعتبر روايات الهجرة إلى الخليج جنساً أدبياً قائماً بذاته - وإن يكن على نطاق محدود - فما هو المستقبل الذي ينتظر هذا الجنس الأدبي؟ تختم نادين دقاق كتابها بأن تقول: من الصعب أن نرجم بالظنون عن المستقبل المنظور، وهل سيشهد مزيداً من الإضافات إلى هذا الجنس، ولكن المؤشرات تومئ لأن الاتجاه نحو التعددية قد يكون الاتجاه الغالب على المدى الطويل، بما يعكس التعدد على أرض الواقع وتشابك خيوطه. تشهد بهذا كثير من الكتابات في المجلات الأدبية الصادرة في دول الخليج ومدونات الفضاء الإلكتروني.

ما من كتاب واحد يمكنه أن يغطي كل ما يمكن أن يقال في موضوعه. وليس من العدل أن نطالب نادين دقاق بأن تذكر كل ما كتب عن الخليج. ولكني افتقدت عملاً واحداً أحسب أنه لا يمكن إغفاله في هذا السياق، حيث إنه يقع من موضوع المؤلفة في الصميم. إنه رواية «الخليج» للروائي المصري محمد جبريل. بطل الرواية رؤوف العشري صحافي يعمل في منطقة الخليج إبان الغزو العراقي للكويت. وتنتقل بنا المشاهد بين الكويت ومسقط والإسكندرية، فللمكان حضور بارز في هذا العمل، حيث تتجاور نقائض الحداثة والتراث، وتنهض أحدث مخترعات الغرب التكنولوجية في مواجهة قيم تقليدية تراثية تحكم دوافع السلوك وأنماط العيش. وفيما عدا هذا النقص ليس لدى إلا الثناء على كتاب يجمع - مثل سائر كتب السلسلة التي تضمه - بين دقة البحث العلمي ونفاذ البصر النقدي وإتقان الإخراج الطباعي.


رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

شي جينبينغ
شي جينبينغ
TT

رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

شي جينبينغ
شي جينبينغ

صدر حديثاً للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة كتاب جديد بعنوان «شي جينبينغ: 101 قصة من الطفولة إلى القيادة العالمية»، يحمل عنواناً فرعياً هو «رحلة الإنسان والقائد وباني نهضة الصين نحو المستقبل»، ويقدّم سيرة فكرية وإنسانية للرئيس الصيني شي جينبينغ من خلال مائة قصة وقصة، تجمع بين السرد الأدبي والتوثيق التاريخي والتحليل السياسي.

لا يقدّم الكتاب سيرة تقليدية تكتفي بتسجيل المحطات الزمنية أو استعراض الإنجازات، بل يسعى إلى الاقتراب من التجربة الإنسانية التي أسهمت في تكوين شخصية شي جينبينغ، وتتبع العوامل المختلفة التي رافقت انتقاله من طفولة اتسمت بالتحديات، إلى تجربة قاسية في الريف الصيني، ثم إلى مواقع المسؤولية، وصولاً إلى قيادة الصين في مرحلة تشهد تحولات واسعة.

ينطلق قميحة من أن الكتابة عن القادة الكبار ليست أمراً يسيراً؛ لأنها تتطلب محاولة لفهم روح التجربة الإنسانية والظروف التي صنعتها. ويرى أن الكتابة عن شي جينبينغ تضع الكاتب أمام تحديين متلازمين: تحدي الفهم وتحدي الإنصاف، ولا سيما أن تجربته القيادية نشأت في سياق صيني خاص، يختلف في جذوره الفكرية والتاريخية والسياسية عن النماذج الغربية السائدة.

ومن هنا، يعود الكتاب إلى البدايات الأولى في حياة شي جينبينغ، وإلى البيئة العائلية التي نشأ فيها والقيم التي تلقاها، قبل أن يتوقف عند تجربة إبعاده في سنوات شبابه إلى قرية ليانغجياخه الريفية. وهناك واجه الفقر والعمل الشاق وقسوة الظروف الطبيعية والاجتماعية، واختبر بصورة مباشرة تفاصيل حياة المزارعين وتطلعات الفئات الأكثر احتياجاً.

وتكشف القصص كيف أسهمت سنوات الطفولة والشباب في بناء إرادة قوية مكّنت شي جينبينغ من مواجهة الصعوبات والاستمرار في مسيرته السياسية. كما تتناول انخراطه المبكر في العمل العام، وبدايات مسيرته داخل الحزب الشيوعي الصيني، والتجارب الإدارية التي خاضها في المناطق المحلية، حيث تعرّف عن قرب إلى تحديات التنمية والفقر والبنية التحتية والتعليم والإدارة العامة.

ويتابع الكتاب انتقال شي جينبينغ بين مواقع المسؤولية في عدد من المقاطعات الصينية، مستعرضاً كيف تطورت رؤيته للإدارة والإصلاح من خلال العمل الميداني والتواصل المباشر مع المزارعين والحرفيين وأصحاب المشاريع الصغيرة.

ويقول المؤلف إن الكتاب، رغم تركيزه على سيرة قائد، لا ينظر إلى القيادة بوصفها فعلاً فردياً معزولاً، ولا إلى التاريخ بصفته صناعة شخص واحد. فالتجربة التي يتناولها نشأت داخل إطار جماعي واسع، كان فيه الحزب الشيوعي الصيني القوة التنظيمية والفكرية التي رافقت مسيرة التحديث، في حين كان الشعب الصيني شريكاً فاعلاً في البناء والتحول، لا مجرد متلقٍ للسياسات.

وعلى هذا الأساس، يقدّم المؤلف مسيرة الصين بوصفها نتيجة تفاعل مستمر بين القيادة والرؤية، وبين التنظيم الحزبي والإرادة الشعبية.

ولا تتوقف القصص عند سيرة شي جينبينغ، بل تنتقل إلى دراسة أبرز ملامح فكره في الحكم وإدارة الدولة، وفي مقدمتها مفهوم الحلم الصيني والنهضة الوطنية والازدهار المشترك والعدالة الاجتماعية. كما تتناول رؤيته لتحديث الحوكمة، وتعزيز الانضباط داخل الحزب، ومكافحة الفساد.

ويرصد الكتاب حرص شي جينبينغ على الجمع بين عناصر من الفكر الصيني التقليدي ومتطلبات الدولة الحديثة. ففي خطابه السياسي تبرز مفاهيم مستمدة من التراث الحضاري الصيني، مثل الانسجام والمسؤولية الأخلاقية واحترام المعرفة وأولوية المصلحة العامة، إلى جانب مقاربات حديثة في الإدارة والاقتصاد والتكنولوجيا والتخطيط الاستراتيجي.

ويضيء المؤلف على العلاقة بين حكمة التراث الصيني وروح الثورة ومقتضيات العصر، موضحاً كيف حافظت القيادة الصينية على عناصر الهوية الثقافية الوطنية، بالتوازي مع الانفتاح على الابتكار العلمي والتكنولوجي وتطوير أدوات الحوكمة.

ويخصص الكتاب مساحة واسعة للتحولات التي شهدتها الصين في العصر الجديد، وفي مقدمتها مكافحة الفقر وتحسين الأوضاع المعيشية، وتنمية المناطق الريفية، وتحديث البنية التحتية، ودعم التعليم والبحث العلمي، وتعزيز الابتكار والتحول الرقمي، وتطوير الصناعات والتكنولوجيا والطاقة النظيفة.

كما يتناول تجربة الصين في تحقيق قدر أكبر من التوازن بين المدن والأرياف، ودعم المشاريع المحلية، وتحديث الزراعة والصناعة، وتعزيز الأمن الغذائي، وإدارة الموارد الطبيعية، والمحافظة على البيئة. ويربط الكتاب هذه التحولات بفكرة أساسية مفادها أن التنمية لا ينبغي أن تُقاس بحجم الاقتصاد وحده، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس وتوسيع فرصهم وتعزيز شعورهم بالأمان والاستقرار.

ويتوقف قميحة عند التحول الذي قاد الصين من «ورشة عمل عملاقة» إلى قوة علمية وتكنولوجية ومختبر لتجربة تنموية وحضارية تسعى إلى تقديم رؤيتها الخاصة للعالم. ولا يتعامل الكتاب مع هذه التجربة بوصفها نموذجاً يجب استنساخه، بل بوصفها مساراً تشكل خارج النموذج الغربي التقليدي ويستحق أن يُقرأ ويُفهم ضمن سياقه التاريخي والثقافي.

ويتناول الكتاب كذلك المكانة المتنامية للصين، وكيف انتقلت في ظل قيادة شي جينبينغ إلى دور أكثر حضوراً في مناقشة مستقبل النظام العالمي. ويعرض في هذا السياق المبادرات الخمس الكبرى التي طرحها الرئيس الصيني، وهي مبادرة الحزام والطريق، ومبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية.

ومن خلال هذه المبادرات، يبرز الكتاب رؤية شي جينبينغ إلى مستقبل الصين ودورها الدولي، ليس بوصفها دولة تبحث عن تنميتها الخاصة فقط، بل قوة تدعو إلى التعاون والمنفعة المتبادلة وتقاسم فرص التنمية مع العالم، ولا سيما مع دول الجنوب العالمي.

وفي موازاة صورة القائد وصانع السياسات، يقترب الكتاب من شي الإنسان، من خلال قصص تتناول علاقته بالشعب وأسرته، وزياراته الميدانية، وشغفه بالقراءة والتاريخ، وطريقته في التواصل مع المواطنين والمسؤولين.

وتعتمد القصص على وقائع موثقة وخطابات رسمية وشهادات. وقد أعاد المؤلف صياغة هذه المادة بأسلوب قصصي وتأملي، محافظاً على التوازن بين جاذبية السرد الأدبي ومتطلبات الدقة التوثيقية.


«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية
TT

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

صدر العدد السادس عشر- من مجلة «الأديب الثقافية»، وقد تضمّن موضوعات عدة، منها: محور «التحولات الرقمية ما بعد المعلوماتية »، ابتداءً من إنترنت الأشياء، وصولاً إلى «الروبوت المفكر»، ومروراً بالمعلوماتية الفائقة ما بعد الافتراضية، بما في ذلك التحديات الجديدة في طور المجتمع الخامس، ومجتمع السايبر، واتجاهات المستقبل في التحوّلات الرقمية، والبودكاست في الخطاب الرقمي المعاصر، ومن بحوث هذا المحور:

«العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية العربية المعاصرة» للدكتورة وسن عبد المنعم ياسين، و«ما بعد الافتراضية: رقمنة الأدب وتشكيل الوعي الجديد» للدكتورة إيمان عبد دخيل، و«الحداثة السائلة وسلطة التأويل في عصر الذكاء الاصطناعي» للدكتورة أوراد محمد كاظم، و«السرد البصري وتحولات المعنى الرقمي» للدكتور عمر رعد أسعد، و«أزمات البحث عن الذات في زمن الحب السائل» للدكتورة إنصاف سلمان، و«الروبوت المفكر - الرقمنة بوصفها بنية مفكرنة» للناقد عباس عبد جاسم.

وفي حقل «بحوث» قدّمت الدكتورة سنا صباح علي أستاذة الفلسفة المعاصرة في جامعة البصرة دراسة عن «جدل الفضاء والمعنى في العمارة المعاصرة عند جان بودريارد»، وكتب الباحث المغربي حمزة بومليك عن «ضفاف النظر، لغة بصرية مشتركة في البحر المتوسط»، وقدّم الناقد الدكتور سمير الخليل «رؤية في مصطلح - ما وراء التجنيس - الميتاتجنيس»، وبحث الدكتور علي محمد ياسين في «الحداثة الشعرية -والخروج على سلطة النموذج - بنية التعليق في الجملة الشعرية»، وقدّمت الباحثة الدكتورة تبارك عمار حسن العزاوي دراسة عن «أنطولوجيا النص وتحولات الوعي» واتخذت من «الوعي الشقي» محوراً لدراستها الأنطولوجية.

وفي حقل «حوار» حاور الدكتور أحمد ضياء - المُنَظِّرة النسوية والأستاذة الجامعية التونسية الدكتورة آمال قرامي.

وتضمن حقل «قراءات» قراءة للدكتورة إنصاف سلمان لكتاب «الذات والدواة» للمفكر والروائي المغربي سعيد بنسعيد العلوي.

وكتب الناقد الدكتور حاتم الصكر عن «عطايا الماضي المستقبلية» من خلال قراءة في ديوان «ألواح الطين وأسرار القصيدة» للشاعرة العراقية المغتربة دنيا ميخائيل.

وقدَّم الدكتور قيس عمر محمد قراءة في «المرجعيات الثقافية» لرواية «يوليانا» لنزار عبد الستار.

وقدَّمت الدكتورة رغد محمد جمال البياتي «قراءة في النسق المتعالي» لكتاب «اللامفكر فيه في الفكر النقدي».

وفي حقل «نقطة ابتداء» كتبت الشاعرة والكاتبة العراقية المغتربة أمل الجبوري عن «أبي البركات البغدادي وفوكو - هل أزمتنا أزمة معرفة أم أزمة ضمير؟».

تصدر «الأديب الثقافية» عن «مركز تنوير للبحوث والدراسات التنموية» بطبعتين ورقية وإلكترونية.