الذكاء الصناعي... هيمنة «الروبوت الكاتب»؟

يدخل مجال الإبداع الأدبي ويطرح إشكاليات أخلاقية وقانونية

الذكاء الصناعي... هيمنة «الروبوت الكاتب»؟
TT

الذكاء الصناعي... هيمنة «الروبوت الكاتب»؟

الذكاء الصناعي... هيمنة «الروبوت الكاتب»؟

خبر تسريح «غوغل» لأحد مهندسي الذكاء الصناعي لأنه أقّر بأن أحد الروبوتات يملك شعوراً و«وعياً ذاتياً» أحدث ضجة كبيرة وفتح الباب نحو أسئلة كثيرة؛ إذا كان الذكاء الصناعي قد تجاوز بالفعل القوة الفكرية للدماغ البشري، فأين نرسم الحدود الفاصلة؟ هل الآلة تكتفي بتطبيق ما طُلب منها أم أنها قادرة على الإبداع؟ وإن كان المبدع هو المخترع، فمن هو هذا الإنسان خلف الآلة؟ وماذا يريد؟ أسئلة قد تبعث على الابتسام وُتذكر بأفلام الخيال العلمي، على طراز «تيرميناتور». لكن الواقع أن مثل هذه الإشكاليات قد دخلت فعلاً ساحة النقاش في المجتمعات الغربية، ولا سيما أن الذكاء الصناعي أصبح يُستعمل في مجال الإبداع، وبخاصة الأدب.
خيالات الكُتاب أنفسهم انساقت نحو هذه النوعية من المواضيع، فكتب الفرنسي فيليب فاسي في روايته «نسخة العرض» عن «سكريبت ريجيناتور» البرنامج الذي أصبح حديث العالم، لأنه لا يكتب إلا الروايات الأكثر مبيعاً أو «البيست سيلر»! وأنتوان بيلو عن «أدا» الآلة التي بُرمجت لتأليف روايات رومانسية، لكنها تتمرد على مخترعها لتكتب بحرية، وأنتوني ألتمان في «الرواية الأخيرة» عن فيكتوريا الفتاة التي تفوز بفضل الشريحة المزروعة تحت جلدها، والتي تقوم بالكتابة بدلاً عنها. اليوم مثل هذه التجارب موجودة فعلاً على أرض الواقع، كما أن بعضها كُلل بالنجاح. في 2016 رواية بعنوان «اليوم الذي سيكتب فيه الكومبيوتر رواية» من إنجاز مختبر الذكاء الصناعي، التابع لجامعة هاكوداته اليابانية، انتهت في قائمة المتأهلين للتصفيات النهائية لمسابقة أدبية من بين 1450 مشاركاً، حتى إن لجنة التحكيم وصفت العمل المُرشح بـ«الرواية المنظمة للغاية». في 2018 نشرت إصدارات جان بويت «في الطريق»، وهي أول رواية كُتبت بواسطة الذكاء الصناعي في سيارة كاديلاك أثناء رحلة برية بين نيويورك ونيو أورلينز. ومؤخراً، اكتشف العالم بذهول الإنتاج الأدبي والشعري الذي طوّرته شركة «أوبن آي» التابعة لإيلون ماسك، الذي تقدم حسب اللّجان التي فحصته على الكتابة البشرية في الإمتاع والتشويق والتقارب في الدقة والاتسّاق. وقبل الخوض في القيمة الأدبية لهذه الأعمال، من المهم التذكير بوجود تحفظ شديد باتجاه فكرة وجود «أدب صناعي» ببساطة لأنه يتعارض مع الصورة التي ترسمها الذاكرة الجماعية عن الأدب، كحصيلة من التجارب والمشاعر الإنسانية المركبة التي لا يمكن تحديدها أو التنبؤ بها، وهو ما جعل فرويد يقارن «الإبداع الأدبي» بحالة أشبه بالعُصاب. تقول الكاتبة لورانس دو فيلار، في كتابها «رجال وروبوتات» (دار نشر بلون): «من هي الآلة القادرة على محاكاة أسلوب جين أوستن أو إيميلي برونت في تصوير المشاعر المركبة، أو سخرية فلوبير، أو الإبداع في مشاهد اللقاء عند تولستوي أو ستندال؟... وماذا يحدث حين نقرأ نصاً أدبياً يفتقد للروح البشرية، وللخيال الإبداعي الذي تحل محله تعليمات وحسابات الخوارزميات؟».
باسكال موجان، الجامعي ومدير دراسات الثقافة والذكاء الصناعي في جامعة باريس ساكلي، يلفت الانتباه في مقال بعنوان «هل يجب أن نخاف من كتب الروبوتات؟» إلى الصعوبة في تقبل فكرة «تفويض مُهمة الكتابة إلى آلة»، قائلاً؛ إذا كانت ورش عمل كبار النحاتين والرسامين قد عرفت ومارست هذا المبدأ لقرون، فإن أسلوب العمل الذي تكتب به برامج الذكاء الصناعي يتعارض مع الصورة المثالية للكاتب، ذلك «العبقري المنفرد» أو «المبدع المتميز» الذي يكتب في غياهب الليل وبمعزل عن العالم، ثم يضيف: «فكرة الاستعانة بمصدر خارجي أو تفويض قدراتنا الإبداعية إلى روبوت تبدو صعبة التوافق مع الشرعية الأدبية، ولذا فإن إنتاجات الذكاء الصناعي في مجال الأدب تعرف من البداية إقصاء آيديولوجياً، عكس ما يُلاحظ في مجال الموسيقى أو الرسم والفن السابع».
المواقف الرافضة لمثل هذه الإنتاجات غير مبررة، بحسب آخرين. الكاتب الفرنسي جيروم غام يقول في إحدى مداخلاته إن «علينا تمييز ما يمكن أن نحصل عليه من استعمال الذكاء الصناعي في مجال الأدب، فقد نحصل على كتابات من المفترض أن تكون من إنتاج بشري، أو على العكس من ذلك، فقد نحصل على كتابات لا يستطيع الإنسان إنتاجها. وبدلاً من تقليد الإنتاج البشري فإن الذكاء الصناعي سيبتكر أدباً لا يستطيع الإنسان إنتاجه، وهو ما قد يجعله متميزاً، ولنسميه «فناً مختلفاً» يستطيع أن يستحضر المفاهيم والأفكار أو يعرض نفسه ببساطة ليتم تقديره». الإشكالية الأخرى تتمثل في صعوبة الإقرار بأبوة «الإبداع» لهذه الآلات، وهو موقف مشروع، فإذا فرضنا أن الروبوتات تحتاج إلى تدخل بشري لتعمل، أي أنها غير مستقلة في العملية الإبداعية، فمن المبدع، الإنسان الذي يبرمج أم الروبوت الذي يكتب الرواية أو القصيدة؟ عن هذه المسألة تجيب لورانس دوفيلر في كتابها «رجال وروبوتات» بما يلي: «الروبوتات التي تعمل بواسطة نظام التعلم العميق (ديب ليرنينغ) تستخدم قاعدة بيانات، تستلهم منها لإنتاج العمل الإبداعي، مُعيدة دمج الأشكال والأنماط والمكونات الموجودة في البرنامج، ولهذا لا يمكن اعتبار هذه الروبوتات كأدوات بسيطة، فهي بدورها تصبح مبدعة، لأنها تستخدم شكلاً من أشكال الإبداع لإنتاج محتوى فني دون تدخل بشري في العملية». هذه المسألة حُسمت في قضية «بورتريه إدموند بيلامي» هذه اللوحة التي أنجزها برنامج ذكاء صناعي، وبيعت بأكثر من 400 ألف دولار في مزاد سوذبيز. الخبر الطريف أن اللوحة التي حصلت على إعجاب المشاركين حملت توقيع معادلة رياضية، لأن فريق مهندسي الذكاء الصناعي وخبراء الفن الذين أشرفوا على المشروع اعتبروا أن المعادلة التي استعملت في البرنامج هي من سمحت بإنجاز هذه التحفة.
على أن أكبر تحدٍ يمثله الذكاء الصناعي اليوم في مجال الأدب يبقى مدفوعاً بالربح المادي، والمكاسب الهائلة التي تعدُ بها الآلةُ الناشرَ الذي سئم من تماطل المؤلفين التقليدين ومطالبهم المالية المتزايدة، وهو ما يحدث فعلاً في الصحافة الإلكترونية التي يتم فيها استخدام الخوارزميات لكتابة القصص الإخبارية والنشرات القصيرة. تقول الروائية كاترين لانغ، في حوار مع موقع «إيجي بوك»: «لكم أن تتخيلوا مستقبلاً تكون فيه الرواية من توقيع كاتب معروف، لكن مهمة الكتابة توكل فيها لبرنامج الذكاء الصناعي الذي يحفظ في ذاكرته أسلوب الكاتب وتعابيره ويقلد كتاباته بطريقة جد مُتقنة»، وهو ما تقترحه فعلاً «ستارت أب» (شركة ناشئة فرنسية) بتطبيق يسمى «جيناريو» يساعد المؤلفين على الكتابة بواسطة الذكاء الصناعي، المُتمثل في قاموس «ذكي» يسمح بالغوص في آلاف الكلمات للعثور على الأسلوب والإيقاع المناسب، عبر جداول لتحليل الحبكة الروائية ومسار الشخصيات وتفاعلاتهم، إضافة إلى مكتبة افتراضية من ملايين القصصّ، تُمكن الكاتب من مقارنة موضوعات وشخصيات وهياكل سرد وأسلوب نصّه مع تلك الخاصة بأكبر الكتاب. أين الإبداع في كل هذا؟ وهل هذا يعني أن الكتابة الصناعية ستحل يوماً ما محل الكتابة البشرية؟ المتفائلون يجيبون بالنفي، لكن لا مفر من هيمنة الذكاء الصناعي على عالم النشر والكتب. فما يحدث اليوم هو أن الخوارزميات تختار لنا ما نقرأ في منصات بيع الكتب، وتتنبأ لنا بالرواية المُرجحة لأن تكون الأكثر «نجاحاً» بجداول وأرقام معينة، كما في موقع «أنكيت» الألماني. وفي النهاية، فقد يجد كُتاب الأجيال القادمة الذين يخضعون لحسابات هذه الخوارزميات أنفسهم وهم يقدمون أدباً متشابهاً يفتقد للأصالة والتنوع لأن الجميع يركض وراء الرواية «المثالية». الكاتب أنتوني ألتمان يطرح التساؤل نفسه على لسان أبطال قصته «الرواية الأخيرة»، في حوار يسأل فيه أحدهم صديقه الكاتب؛ ماذا سيحل بنا إذا استعملت الروبوتات في الكتابة بدلاً منا؟ فيجيب صديقه؛ سنصبح كالديناصورات، وكتبنا ستعرض... في المتاحف...

 


مقالات ذات صلة

دراسة من «MIT»: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المهام لا الوظائف فقط

تكنولوجيا الدراسة ترى أن تقدم الذكاء الاصطناعي في العمل يحدث تدريجياً عبر نطاق واسع من المهام لا عبر صدمات مفاجئة (رويترز)

دراسة من «MIT»: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المهام لا الوظائف فقط

تظهر دراسة «MIT» أن الذكاء الاصطناعي يتقدم تدريجياً في إنجاز المهام مع تفاوت قطاعي وفجوة مستمرة في الاعتمادية.

نسيم رمضان (لندن)
علوم نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

نظم ذكاء اصطناعي... لجميع اللغات والثقافات

جهود حثيثة من أميركا اللاتينية إلى آسيا

كريس ستوكل - والكر (واشنطن)
علوم «الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

«الذكاء المُتذبذب» أهم سمات الذكاء الاصطناعي

بخلاف الدماغ البشري حيث تترابط المعارف وقدرات حل المشكلات..

كيد ميتز (نيويورك)
الاقتصاد شعار شركة «تي إس إم سي» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

قفزة بـ58 % في الأرباح... «تي إس إم سي» تُحكم قبضتها على مستقبل الذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات (تي إس إم سي)، يوم الخميس عن قفزة بنسبة 58 في المائة في أرباح الربع الأول، مسجِّلة مستويات قياسية فاقت توقعات السوق.

«الشرق الأوسط» (تايبيه )
المشرق العربي أشخاص يمرون أمام لافتة تعرض صور الصحافييَن فاطمة فتوني وعلي شعيب اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية في جنوب لبنان خلال مظاهرة في بغداد 7 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«رابطة الصحافة الأجنبية» تتهم الجيش الإسرائيلي بفبركة صورة لصحافي لبناني لتبرير قتله

هاجمت «رابطة الصحافة الأجنبية» الجيش الإسرائيلي بسبب صورة مفبركة بالذكاء الاصطناعي استخدمها لاتهام صحافي لبناني قتله الشهر الماضي بأنه عضو في «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.