أفلام إيليا سليمان تطرح صورة فلسطينية مختلفة

«سايت آند ساوند» تحتفي بأحد أفلامه

«لا بدّ إنها الجنّة» (ركتانغل برودكشنز)
«لا بدّ إنها الجنّة» (ركتانغل برودكشنز)
TT

أفلام إيليا سليمان تطرح صورة فلسطينية مختلفة

«لا بدّ إنها الجنّة» (ركتانغل برودكشنز)
«لا بدّ إنها الجنّة» (ركتانغل برودكشنز)

احتفى العدد الجديد من مجلة «Sight and Sound» البريطانية بـ25 فيلماً من إنتاج القرن الحالي (فيلم عن كل سنة)، وذلك في محاولة لقراءة معالم سينما هذا القرن وتوجهاتها.

كل فيلم اختير (من بين مئات الأفلام الأخرى)، انتخب لسبب وجيه وتقديراً لمخرجه. بين هؤلاء، المخرج إيليا سليمان عبر فيلمه «يد إلهية» (2002)، الذي ما زال أشهر أفلامه وأكثرها رواجاً عالمياً. هذا تقدير كبير يفتح الباب واسعاً لاستعراض هوية السينما، فنياً وسياسياً، التي حقّقها سليمان في عدد لم يتجاوز 5 أفلامٍ طويلة و3 قصيرة و3 أخرى لأفلام اشترك في تحقيق جزء (Segment) منها.

على ذلك، حرّكت معظم أفلامه المنوال السائد في السينما العربية. هو من المخرجين الذين لا يهمّهم تقديم فيلم يحكي قصّة بفصولها الثلاثة (البداية، المنتصف، النهاية)، بل تبعاً لأسلوب ذاتي خاص به. لا يعني ذلك أن أفلامه لا قصص فيها، بل الحقيقة أن القصّة هي محيطها العام. الغلاف والبعد وكل ما بينهما كما يتضح من هذه النماذج الثلاثة.

إيليا سليمان (شاترستوك)

«مفكرة غياب» (2002)

بعد فيلم متوسط الطول بعنوان «مقدّمة لنهايات جدال» (1991)، استعرض فيه عدداً من الأفلام الغربية التي دارت أو تطرّقت إلى الصراع في المنطقة العربية (أفلام مثل «لورنس العرب» و«إكزودوس»)، أنجز سليمان هذا الفيلم الذي حمل بصمته الفنية كاملة. لم تكن قد تطوّرت على نحو كامل بعد، لكنها جاءت تعبيراً شاملاً لكل منهاجِ أعماله اللاحقة والفورميلات التي يوفرّها مشاهداً وأفكاراً.

عن قصد استبعد المخرج أي محاولة للربط بين مشاهده بخيط روائي، جعل الدراما نتاج الملاحظات التي ساقها حوله تبعاً لما يشاهده ويدوّنه من موزاييك وتابلوهات. الفلسطيني المتذمر الذي يقود سيارته وسط البلدة شاتماً كلّ من يمر به. المشهد مضحك لأنه، من ناحية فعلٌ نعرفه من كثب، ومن ناحية ثانية، لأنه، لجانب مشاهد نقد تصرّفات قبله وبعده (مثل تعبئة الزجاجات بماء الحنفيات وبيعها على أساس أنها مياه مقدّسة)، يعكس حالة أوسع من حياة متضاربة. وما يلبث سليمان أن ينتقل إلى كل تلك المشاهد اللاحقة التي حين عرضها متوالية تدلّنا على أن ما هو مضحك هو في الأساس مُبْكٍ في عرضه لحياة الناس تحت الاحتلال الذي لم يكن، في ذلك الحين، بالضراوة التي هو عليها الآن. ومن ثمّ ما يلبث الفيلم في نهايته أن يكوّم ملاحظاته لتتحوّل إلى مشهد ساخر كبير في نهايته.

«يد إلهية» (2002)

شهد فيلم سليمان التالي «يد إلهية» اكتمال فن صياغته لما يتناوله. هناك ثوابت بدأها في الفيلم السابق وطوّرها، هنا بحيث لم تعد عرضة للريب. مثلاً، ثابر على الانتقال من فصل من المشاهد إلى فصل آخر، من دون رابط قصصي، بل بالاعتماد على ربط تلك الفصول بحياكة كبيرة تنبع من ملاحظاته وتتولى استعراض مواقفه وملاحظاته.

لقطة من «يد إلهية» (Arte France Cinema)

على سبيل المثال أيضاً واستنتاجاً مما سبق، لم يتحدّث عن حقّ وباطلٍ وحرية واحتلال، بل دمجها كلّها في فيلم بلا آيديولوجيا، فيلم يطرح كل المسائل المفهومة حول هوية الصراع بين شعبين إنما على نحو يخلو تماماً من الخطابة والإعلان المباشر.

ما يطرحه سليمان هنا واضح. مشاهد سوريالية توفر معاني رمزية: بذرة المشمش التي يرميها على دبابة إسرائيلية تجوب الشارع فتنفجر. صديقته التي يتخيّلها قد تحوّلت إلى فنانة قتال نينجا وهي تنقضّ على رتلٍ من العساكر وتطيحُ بهم كما في الأفلام الصينية (ولاحقاً الأميركية) من النوع. هذا التخيّل مصاحب بمشاهد واقعية: هو وصديقته في سيارة فوق تلٍّ يشرف على معبر إسرائيلي يشاهدان (ونحن) منه كيف يُعامَل الفلسطينيون عند تلك المعابر.

في المشهد الأخير يتنبأ سليمان بأن الوضع لن يبقى على ما هو عليه. ها هو يقف مع والدته ينظران إلى طنجرة على النار وهي تغلي. هذا ترميز واضحٌ لما وصل إليه الوضع الحالي إن لم يكن «نبوءة» فعلية.

«لا بد أنها الجنة» (2020)

من البداية كشف إيليا سليمان عن شخصية غير متداولة عربياً يُؤديها بمفهوم واضح ومؤكد. شخصية هي نقطة لقاء بين عملاقين من الكوميديين هما الأميركي باستر كيتون والفرنسي جاك تاتي. استعار من الأول الوجه الذي لا يضحك ومن الثاني فعل المراقبة ووضعهما في صورة تخصّه مثل فرع ثالثٍ لفن أداء كوميدي عريق.

ما يتغيّر هنا هو أن سليمان الملاحظ لمشاهد الحياة من حوله ينتقل من الناصرة، حيث وُلد إلى باريس ونيويورك حيث يكتشف تشابهاً بين ما تركه وراءه وبين ما يحدث أمامه. سيكتشف أن التشابه موجود. نرى ذلك في استعراضٍ عسكري وفي مشهد دبابات تمرّ في أحد شوارع، تبدو كما لو كانت ماضية في مهمّة عسكرية.

هذا الجانب بعيدٌ عن الواقع، لكن سليمان يلوي الواقع كما يريد ما دام يمارس أفلامه رمزياً وسوريالياً وكوميدياً. يتحرّر من اللوم. رغم ذلك ومع ابتعاده عن طرح ما هو فلسطيني أكثر (في هذا الفيلم قد يكون سليمان مواطناً من دولة عربية ما) يبدو الفيلم كما لو كان يبحث عن سبب في هذه الموازاة، وهو على الغالب يفعل.

مشاهده ما زالت تابلوهات لأفكاره. في مشهد نيويوركي يراقب شراء الأميركيين الأسلحة النارية كما يشتري الواحد منّا زجاجة حليب. بذلك، ومع ما سبق من مشاهد، هو لا يتحدّث عن فلسطين بقدر ما يتحدّث عن عالم يتدحرج - مثله - بعيداً عنها (المنتج الأميركي الذي يتحدّث سليمان إليه طالباً التمويل يخبره بأن مشروعه المقدّم يحتاج لأن يكون «فلسطينياً» أكثر).


مقالات ذات صلة

لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

يوميات الشرق «الفهد» (تاتيوس فيلمز)

لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

ليس «سارقو الدراجات» بداية الواقعية الجديدة بل أحد تتويجاتها، فيما تكشف العودة إلى أعمال لوكينو ڤيسكونتي المبكرة عن الجذور الفعلية لهذا التيار وتحولاته اللاحقة

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)

أنكور هودا: «العِجل البديل» يوثق تحولات الأرياف في الهند

قال المخرج الهندي أنكور هودا إن فيلمه الأول «العِجل البديل» لم يولد من فكرة سينمائية جاهزة بقدر ما تشكَّل من تجربة شخصية حميمة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق اعتمد الفيلم على أرشيف متنوع لطرابلس (الشركة المنتجة)

المخرجة اللبنانية رانية الرافعي: لا أؤمن بالحياد في السينما

قالت المخرجة اللبنانية رانية الرافعي إن فكرة فيلمها الوثائقي «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» لم تبدأ من قصة محددة، وإنما انطلقت من أسئلة طويلة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الفنان أحمد زكي المُلقَّب بـ«النمر الأسود» (فيسبوك)

أين تُعرض مقتنيات أحمد زكي؟ لغز يتجدَّد كلّ عام

قائمة مقتنياته وأغراضه الخاصة لم تُعرض جماهيرياً حتى الآن، أسوةً ببعض نجوم الفنّ المصري.

داليا ماهر (القاهرة )

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
TT

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت ثلاثة أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي «صِراط» للإسباني أوليڤر لاش، و«خاطئون» لرايان كوغلر، و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن.

هذا ليس لأن الموضوعات المختارة لهذه الأفلام لم يكن من الممكن تصويرها بأسلوب آخر، بل لأن مخرجيها اختاروا الشاشة العريضة والتصوير الذي يستخدم أحجامَ أفلامٍ كبيرة لكي تملأ أعمالهم الشاشة بعرضها. هذا في مقابل تلك التي تختار الحجم التقليدي (35 مم) وكاميرات رقمية فقط.

دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» (وورنر)

عن السُّلطة

بول توماس أندرسن (الذي كتب في مفكرته، حين كان لا يزال دون العاشرة، بأنه يريد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر) ينبري اليوم في إطار السينما الأميركية بوصفه مخرجاً لا يوازيه حالياً في شغفه بالتصوير الذي يملأ الشاشة العريضة سوى ترنس مالك («شجرة الحياة»، و«رحلة في الزمن»، و«الخط الأحمر الرفيع»...). وكلاهما يتبعان عدداً من المخرجين الذين آمنوا بأن التصوير على هذا النحو هو السبيل الأفضل لسرد الموضوع وتصوير المواقف على نحو مشبع. من هؤلاء سام بكنباه، وبرايان دي بالما، وستانلي كوبريك، وفرانسيس فورد كوبولا.

بالنسبة لأندرسن فإن سينماه تنقسم مرحلياً إلى اثنتين: الأولى تألفت من أفلام تنتمي إلى سينما «صغيرة» مثل «بوغي نايتس» (Boogie Nights) عام 1997 و«ماغنوليا» (1999)، ثم «حب بلكمة مترنحة» (Punch-Drunk Love) عام 2002.

القسم الثاني هو الذي قرر فيه الانتماء إلى تشبيع الشاشة بالصورة لتعبِّر أكثر، وأفضل، عن الموضوع، كما في There Will Be Blood («ستيسل الدماء»، 2007)، و«ذا ماستر» (2012)، وInherent Vice («رذيلة متأصلة»، 2014)، وحتى في فيلم محدود المكان (غرف مغلقة) وهو «خيط شبحي» (Phantom Thread) عام 2017.

فيليب سايمور هوفمن في «السيد» (وينستين كومباني)

سينما الزمن

ينضح «ستسيل الدماء» بمشاهد مذهلة تصويراً وبلقطات طويلة تعكس الزمن كاملاً وتسهم في تأليف الملحمة التي يتوق إليها المخرج، متعرّضاً لتاريخ من الصراع بين الرأسمالية والدين، الممثلتين في شخصيتي الأب (دانيال داي لويس) والابن (بول دانو)، الذي يتعرّض لسوء معاملة أبيه الذي يريده أن ينظر إلى الحياة من منظاره فقط. يكتفي المخرج أساساً بشخصيتيه ويركّز على الدوافع التي جعلت من دانيال وحشاً مرهوب الجانب. الدقائق الأولى تحتفي بالتاريخ الصامت للسينما، إذ تنطلق من عام 1898 لتتوقف سنة 1927، السنة التي نطقت فيها السينما.

التزم أندرسن بالتاريخ في فيلمه اللاحق «السيّد» (The Master) بفترة زمنية مبكرة، إذ تقع أحداثه في عام 1950. بطل الفيلم كويل (يواكيم فينكس) عائد من الحرب بشخصية مزدوجة: واحدة تعرّيه من البراءة، والثانية تصوّره كإنسان مضطرب نفسياً لفظته الحرب شخصاً مشوشاً. يبدأ العمل مصوراً فوتوغرافياً ثم يضطر للعمل في حقل كرنب. نجده يستخدم المنجل كما لو كان يقطع رقاب بشر. لاحقاً يتسلل إلى سفينة صغيرة تقلع به. في اليوم التالي يمتثل أمام صاحب السفينة، لانكستر (فيليب سيمور هوفمن)، الذي يعرّف بنفسه قائلاً: «أنا كاتب وفيلسوف وطبيب، وفيزيائي نووي، وفوق كل شيء أنا إنسان». لكن الصورة المستعارة من الواقع شبيهة بشخصية ل. رون هوبارد، مبتدع كنيسة السيانتولوجي التي تفرض نظاماً خاصاً على تابعيها.

 منذ طولته أراد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر 

على غرار ما سبق، ينهل «معركة بعد أخرى» (2025) من الماضي، إذ يسرد أحداثاً تقع في السبعينات. بذلك يكون المخرج قد انتقل، منذ «ستسيل الدماء»، من مطلع القرن الماضي إلى النصف الثاني منه. لكن الزمن ليس سوى جانب واحد من أفلامه. هو المعبر الذي يتابع فيه أندرسن الحياة كما كانت، إلى الزمن غير البعيد، ومنه ربما إلى الزمن الحالي في أي فيلم قادم له.

الجانب الآخر هو الجانب العائلي من أفلامه، من أعماله الأولى إلى الآن. شخصية دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» تقوم على سلبية الأحادية والسلطة، وتتشابه كثيراً مع شخصيته في «خيط شبحي» (الخيّاط الذي يفرض الصمت على العائلة من خلال سلطته).

كتب الأديب الروسي ليو تولستوي ذات مرة قائلاً: «تتشابه العائلات السعيدة، أما العائلات غير السعيدة فتختلف».

نظرة على مفهوم العائلة في أفلام أندرسن تضمن حيازتها هذا المنظور. عائلات أندرسن غير سعيدة، ولو أنها تتماسك في «معركة بعد أخرى» حين تتعرض للخطر.


شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
TT

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)

PROJECT HAIL MARY

★★★

إخراج:‫ فيل لورد وكريستوفر ميلر

الولايات المتحدة (2026) | خيال علمي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015. كلتا الروايتين تتناول قصة رائد فضاء وحيد في بعثته.

في «المريخي»، يحطّ البطل مارك (جسّده مات ديمون في الفيلم) على سطح ذلك الكوكب، ويعيش معزولاً عن الأرض والعالم. أما في الرواية الجديدة، فنجد البطل ريلاند (يؤدي دوره رايان غوسلينغ) وحيداً داخل مركبته في أعماق الفضاء السحيق، في مهمة غامضة إلى مجاهل بعيدة.

يتعرَّض ريلاند لغيبوبة، وعندما يستيقظ بعد سنوات، يكتشف أن زميليه في الطاقم قد توفيا. المشكلة أنه لم يعد يتذكّر شيئاً يُذكر عن مهمته. هنا يلجأ المخرجان لورد وميلر إلى تقنية الاسترجاع (الفلاشباك) لكشف خلفية الشخصية، وهو عالم أحياء، وطبيعة المهمة التي أُوكلت إليه. ومع استئناف الرحلة، يلتقي بمخلوق فضائي (يشبه العنكبوت)، ويجد الاثنان نفسيهما يسعيان معاً لاستكمال المهمة التي أُنيطت بريلاند.

الفيلم طموح بلا شك، وقد نُفّذ بأسلوب يهدف إلى تحقيق نجاح جماهيري كبير، وهو ما بدأ بالفعل، إذ حقق نحو 100 مليون دولار خلال أسبوعه الأول من العرض العالمي. ومع ذلك، فهو يخرج بنتيجة أقل تأثيراً من الرواية (الصادرة عام 2021، وقد قرأتها مطلع العام الماضي).

يعود ذلك، في جانب منه، إلى أن المخرجين لم يسعيا إلى استلهام النبرة الداكنة للرواية، بل فضَّلا تخفيفها وإضفاء طابع أكثر خفة، وهو ما يجعل الفيلم مختلفاً عن رؤية الكاتب الأصلية. لكنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يبتعد فيها العمل السينمائي عن النص الأدبي ومراميه.

SALVATION

★★★

إخراج:‫ أمين ألبر | تركيا (2026)

دراما قروية (مسابقات مهرجان برلين)‬

«خلاص» نوع من الأفلام التي تدور رحاها في بعض القرى الجبلية البعيدة، عن شخصيات قاسية على نفسها وعلى آخرين. المكان والموضوع الذي تتطرّق إليه الحكاية يذكّران بأفلام المخرج الكردي يلماز غونيه، لكن أفلام المخرج الراحل كانت تستخدم، وعلى نحو مشروع، الصراعات المتدايرة بين البشر لتوجيه رسائل سياسية. على ذلك، يحتوي هذا الفيلم على حكاية وموقع مناسبين، ولو من دون استغلال كافٍ للجوانب التي كان يمكن أن تمنح العمل تميّزاً وعمقاً. في كل الأحوال، استحق «خلاص» الجائزة الفضية للجنة تحكيم مهرجان برلين الأخير.

«خلاص» (مهرجان برلين)

هناك صراع على الأرض بين الذين يملكون بعضها وبين النازحين إليها. وهناك صراع آخر بين المعتقدات الآيلة للاندثار بفعل توارثها وبين النوايا والعقول السليمة. ثم ذلك الصراع في داخل شخصية مسعود (شانر شندوروك)، الذي تسكنه الهواجس وتهدّد رجاحة عقله. توليف الفيلم يمرّ على هذه الصراعات من دون سياق جيد، والأرجح أن السيناريو، الذي وضعه المخرج نفسه، كُتب كذلك على هذا النحو وتحت ثقل ما يريد سرده، ولو عنوة.

في حين أن الفيلم يوزّع مراميه على نحو أفقي، تتجلّى النقطة الأهم فيما يعرضه: فمسعود يتوهّم الأشياء التي لا تقع ويبني عليها واقعه. لم يعد يستطيع النوم. يخرج ليلاً وراء أصوات يسمعها أو أشباحٍ لأشخاص يعتقد أنهم يحيطون به. في أحد المشاهد التي تنبئ عن حال رجل يتهاوى في سحيق معتقداته، يخبره الطبيب بأن زوجته حامل بتوأم. اللقطة التالية على وجه مسعود كمن لو أن الخبر أزعجه. يؤخّر المخرج شرح ذلك لنحو عشر دقائق، حين يسرّ مسعود لمن يحادثه بأن واحداً من التوأم هو بذرة يزرعها الشيطان في جسد المرأة إمعاناً في تحدّي قدرة الله عز وجل، ما يعني أن أحد التوأمين شرّ مستطير.

يواصل الفيلم تسليط الضوء على ما سيقع لمسعود، وللصراع حول الأرض بين مزارع لا يملكها وصاحبها الذي يريد تهجيره قبل أن يحصد المزارع الحقل، وفوق ذلك البحث عن خلية إرهابية تحرق وتفجّر. كل ذلك مُحاك بمعرفة، رغم أن الفيلم يتوجّه من دون ترتيب جيد لهضم ما يسرده على نحو أعمق من مجرد عرضه.

FRONTIER CRUCIBLE

★★

إخراج:‫ تراڤيز ميلز

الولايات المتحدة (2026) | وسترن‬

يُذكّر «محنة جبهة» (عنوان غير موفّق) بحكايات وأجواء الأفلام التي خرجت في الخمسينات من النوع نفسه، ولو من حيث التطرّق إلى حكاية تقع أحداثها بين الأخيار والأشرار، ثم بينهما ضد أفراد الأباتشي. هناك الرحلة في البرية وما يواجهه البعض فيها من ضراوة ترتبط بدواخل الشخصيات وتصرّفاتهم، كما بطبيعة المكان القاسية.

«محنة جبهة» (بونفاير لجند)

ميرَك (مايكل كلوسي) يقوم بمهمة نقل أدوية إلى بلدة في ولاية أريزونا في سبعينات القرن الثامن عشر، عندما يعترض طريقه ثلاثة أشرار، فيكون ذلك مدخلاً للقتال بين الطرفين، ثم بين الأشرار فيما بينهم، وخلال ذلك بين الجميع وأفراد من قبيلة أباتشي. لكن على عكس أفلام الأمس، ينحو المخرج ميلز إلى العنف الذي ينقسم في أفلام الوسترن إلى نوعين: نوع ضروري يعكس دواخل الشخصيات وقدراً من الشعر حول الزمن والطبيعة (على غرار أفلام سام بكبناه)، ونوع مجاني مباشر على غرار ما نشاهده هنا. يستند المخرج ميلز إلى هذه المشاهد من حيث لا ينفع ولا يسدّ ثغرة. الفيلم يفتقر إلى أسلوب معالجة تتجاوز سرده للحكاية وتصويره الشخصيات من الخارج، وحسب ما تعبّر عنه ملامحها العامة.

إنه الدور الأول للممثل آرمي هامر منذ سنوات، لاعباً دور أحد الأشرار، واستعادة للممثل الذي أصبح نجماً ذات مرّة عندما لعب بطولة «فارغو» (1996)، ثم توقَّف لسنوات عن استحواذ الأدوار المناسبة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.