بيروت في الواجهة من عين بريطانية، والسبعينات تراود المشاهدين في فيلم رائع. وفيلم ثالث عن تقاليد تبحث عن سبب وجيه لتقديمها.
The Holdovers ★★★★
إخراج: ألكسندر باين | الولايات المتحدة | 2023
وسط ركام الأفلام الحديثة التي تنتقد القناعات الدينية (المسيحية أساساً) وتزدريها وتضع المُشاهد، رضيَ أم لم يرضَ، أمام مفادات مقصودة بذاتها لتوفير طاقة من التمييع للأساسيات الأخلاقية، يأتي «المستمرون» مختلفاً من حيث إنه يحفل بالمواقف التي تجعل مشاهدته تجربة إنسانية وروحية راقية.
هو ليس في وارد التصدّى والانتقادات لما تتوجه إليه الأفلام الحديثة الأخرى، لكنه يعيد تشغيل المحرك الروحاني الذي كان انطفأ منذ بضع سنوات.
كعادته، ينطلق المخرج ألكسندر باين من حبكة صغيرة تكشف عن أوضاع وأبعاد أكبر حجماً. في هذا الفيلم هناك أستاذ التاريخ القديم هونام الذي لا يحبّه أحد. ملتزم بالتفاصيل. يهجو ويسخر من طلابه وينتقدهم وعندما يوزّع عليهم نتائج الامتحان فإن المشترك بين معظمهم هي العلامات المتدنية. هناك استثناء واحد من نصيب الطالب تولي الذي، رغم تفوّقه، لا يطيق هذا الأستاذ المتذمر الخالي من اللطف الذي يتفاخر بمعلمه ومعلوماته. مدير المدرسة أول مَن يخبره بأن عليه، لكي ينجح، أن يكون إنساناً في المقام الأول. لكنَّ هونام لا يعرف كيف يكون شخصاً آخر. والفيلم ينتهي به وقد تحوّل جزئياً عن شخصيّته السابقة من دون أن يتخلّى عنها تماماً.
ما يحدث هو أن المدرسة اختارته لكي يبقى في تلك المنطقة الثلجية المنعزلة مع خمسة طلاب آخرين رغم عطلة الكريسماس. لاحقاً يُرحَّل أربعة ليبقى تولي الذي لا يطيق هونام وهونام الذي لا يطيق أحداً.
في تلك المدرسة هناك الطبّاخة الأفرو-أميركية ماري، والكناس الذي يحاول التقرّب منها، لكنها مصابة بحزن شديد كونها خسرت زوجها ثم ابنها («لم يطبّق أحدهما الرابعة والعشرين من العمر»، كما تقول).
لكنّ هونام، كما يؤديه ببراعته السامية بول جياماتي، هو المحور. إنه أفضل شأناً مما يعتقده الجميع. يستطيع أن يكون بالغ اللطف والكياسة وبفضل ماري (دافين جوي راندولف) وتولي (دومينيك سيسيا) يبدأ بالتغيير مستعيداً ذلك الجانب الإنساني المفقود.
هناك محطات كوميدية، لكنّ الغالب هو الحزن الذي يعيشه الجميع؛ كل واحد من هؤلاء الثلاثة منفصلاً. أو كما يقول هونام في حوار له: «حاولت ألا أكون وحيداً وفشلت. أعتقد أنني أحب وحدتي». العقدة التي تسهم في توفير أسباب التغيير والتغيير المقابل من ناحية تولي كذلك، ستبقى هنا طي الكتمان حتى لا تحترق، لكنها مادّة مستفيضة بالشجون والمفارقات. المخرج باين يمنح الفيلم نوستالجيّته أولاً من خلال أن الأحداث تقع في السبعينات وثانية من خلال أن هناك عودة إلى السينما الفنية التي وفّرتها هوليوود في ذلك الحين، وثالثاً من خلال الموسيقى وانتخاب أغانٍ من الفترة.
اختيار فترة الكريسماس ليس احتفاءً بالثلج وأغاني المناسبة فقط، بل أساس لإعادة الحياة إلى ترانيم جميلة وإضافة أجواء هي مزيج من الفرح والحزن معاً. هذا فيلم أساسي لباين الذي سبق وتعامل مع بول جياماتي في «جانبياً» (Sideways) قبل 19 سنة.
• عروض: غولدن غلوب.
In the Shadow of Beirut ★★★★
إخراج: ستيفن جيرالد كَلي | بريطانيا | 2023
هذا بالتأكيد ليس الفيلم الأول ولا الوحيد عن مجزرة صبرا وشاتيلا لكنه مختلف من بعض النواحي المهمّة ومن بينها أنه من إخراج وتصوير رجل بريطاني يعيش ويعمل في بيروت منذ بضع سنوات تعرّف خلالها على أشخاص لديهم ما يروونه من حكايات عن الحياة في ظل المدينة وفي ظل التاريخ وظل الحياة في آن واحد.

إلى حد بعيد، يُثير الفيلم، من بين النواحي المهمّة الأخرى، الحرية التي سمحت للمخرج بتحقيق هذا الفيلم، إن لم يكن لأنه غريب في صبرا وشاتيلا والجوار، فلأنه غريب وأجنبي أيضاً. هو لا يظهر في الفيلم بل نسمع صوته وتعليقه. الحديث لأبناء المنطقة الذين ما زال لديهم الكثير لكي يحكوه عن تلك الأحداث المفجعة.
يمنح المخرج الوقت لأربع عائلات يتحدث أفرادها عن أحوالهم من قبل واليوم. والكاميرا تقرن الحديث بتصويرها لتلك المنطقة التي تترعرع فيها العصابات الصغيرة والجريمة في الشارع العام بينما يبقى البيت وجدرانه عازلاً على السكان الاحتماء فيه من كل سوء.
يضع المخرج ما يستنتجه من معلومات على الطاولة أمامنا. الكثير من هذه المعلومات نعرفه جيداً، لكنّ المحكّ الصحيح هو: كيف يدفع المخرج بهذه المعلومات المصوّرة إلى العين الأجنبية التي تعيش بعيداً؟
في السنوات الماضية، شاهدنا أفلاماً وثائقية كهذا تتمحور حول الطبقات الفقيرة التي تعيش في كربٍ دائم. بعض الأفلام لم تترك أثراً لأنها لم يكن لديها سوى المنحى الريبورتاجي لكي توفّره، لكنّ الغالبية فتحت العين على الوقائع، وهذا الفيلم من بينها.
سيكتشف المشاهدون هنا أن سكان هاتين المنطقتين ما زالوا غرباء عن الوطن بفعل القوانين التي لا تمنحهم المواطنة. هناك سبب وجيه لذلك، لكنّ الوضع الإنساني البائس هو سبب وجيه في مواجهة الأول. الضحايا، كما يطرح الفيلم، هم أولئك الذين وُلدوا على هذا المنوال من الحياة ويعيشونه اليوم بكل سوداويته.
على ذلك، لا يخشى بعض المتحدثين (خصوصاً النساء) من التعبير عن تفاؤلهم الذي ربما وُلد معهم أو كان نتيجة أنْ لا شيء آخرَ له معنى سوى التفاؤل. في كل الأحوال تصوير المخرج للأحياء وترتيب مشاهده من داخل وخارج تلك الأحياء، بالإضافة إلى نوعية التصوير والموسيقى والتوليف، كل ذلك يجعل من هذا الفيلم أحد أهم الأفلام التي جرى تحقيقها عن أي وضع من هذا النوع في لبنان أو خارجه.
• عروض: مهرجان البحر الأحمر.
A Match ★★
إخراج: جاينت ديغمبر سومالكار | الهند | 2023
بصرف النظر عمّا رغب المخرج الشاب سومالكار في إيصاله من خلال حكايته، فإن الناتج لا ينجز تلك الرغبة على نحو مقبول. هناك شغل على الواقع الاجتماعي ووضع المرأة فيه، لكن لا هو فعل نقدي (طريقة مرينال سن) ولا هو فكري (على طريقة ساتياجت راي).

هذا لا يُخفي أن المخرج يطرح صوتاً جديداً وخاصاً به، لكنَّ نجاح ذلك مستقبلاً يتوقّف على ما إذا كان يستطيع الإقلال من الإيقاع الرتيب، ومن التكرار في المشاهد والمعاني الواردة وتقديم ما هو أكثر إثارةً للاهتمام.
بطلته فتاة شابه اسمها سافيتا (نانديني شكتي) تستيقظ صباح أحد الأيام مدركةً ما عليها القيام به. تعيش في قرية صغيرة تحكمها العادات والتقاليد، وفي هذا اليوم بالتحديد عليها أن تخضع لمعاينة رجال من القرية واستجوابها لمعرفة ما إذا كانت أهلاً لكي تتزوّج من أحد الشبّان.
المقابلة تدور في غرفة ضيّفة من المنزل. على اليمين بضعة رجال وعلى اليسار كذلك، لكن في الصدارة أربعة رجال تزدحم بهم الكنبة وهم مَن يوجّهون الأسئلة: كم عمرك؟ ما هواياتك؟ كم طولك؟ وعدد آخر من الأسئلة التي من الغريب أن تُبنى صلاحية فتاة للزواج على أساسها. لكنّ هذا ما يقع وعلينا أن نصدّق أن هذه هي العادة التي يحترمها المجتمع هناك.
هذا شيء، وإخراج فيلم عن هذا الموضوع شيء آخر. إعادة المشهد ذاته ثلاث أو أربع مرّات وفي نفس المكان ومن موقع الكاميرا ذاته لا يخدم أيَّ ما يريد المخرج إيصاله. حتى لو رأينا أن الرغبة هي إظهار التقاليد على أنها بالية، لكن من حق الفيلم أن يحتجّ على معاملته على هذا النحو.
• عروض: مهرجان تورنتو
★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز



