شاشة الناقد

كايلي سبايني في «بريسيلا» (زوتروب برودكشنز)
كايلي سبايني في «بريسيلا» (زوتروب برودكشنز)
TT

شاشة الناقد

كايلي سبايني في «بريسيلا» (زوتروب برودكشنز)
كايلي سبايني في «بريسيلا» (زوتروب برودكشنز)

في العام الماضي خرج علينا باز لورمن بفيلمه عن ألفيس برسلي. الآن نحن مع زوجته برسيلا برسلي ولديها حكاية مختلفة عنه.

Priscella**

إخراج: ‪صوفيا كوبولا‬ | الولايات المتحدة | 2023

هناك لمسة مصطنعة تشمل كل أفلام المخرجة صوفيا كوبولا. لمسة تمنع هذا الناقد من قبول دعوتها للمضي معها إلى حيث تريد أن تأخذ مشاهديها. هذا متوفر في أيّ من أفلامها السابقة بما فيها «ماري أنطوانِيت» (2006)، الذي استقبل جيداً في «كان» لسببين، الأول أن نصف الفيلم مثير كأسلوب عمل فني، والثاني أن الفرنسيين يحبون تقدير الأميركيين لتاريخهم، حتى ولو كانت الشخصية هي الملكة التي طلبت من شعبها أن يأكلوا البسكويت.

«برسيلا» يملك تلك المسحة الاصطناعية التي تبدو هنا في مكانها إذا ما رضي المرء بذلك القدر من الإجادة. يتحدّث عن زوجة المغني الأميركي الشهير ألفيس برسلي نقلاً عن كتاب زوجته برسيلا «ألفيس وأنا». يبدأ الفيلم سنة 1959 عندما التقت بريسلا بألفيس لأول مرّة. هي كانت في الـ14 من العمر وهو في الـ24. حين عاد من ألمانيا زار والديها وأعلن حبه لها وتزوّجا، وبذلك أصبحت زوجة أشهر نجوم الغناء (وأحد أشهر نجوم السينما ولو لفترة قصيرة). الفضول يتوقّف هنا لأن المخرجة قررت الاكتفاء بتتابع الأحداث كما ترد في الكتاب. المشكلة ليست في نقل النص المنشور، بل حقيقة أن المعالجة تقليدية بلا نفحة تجديد. حتى مراحل الانتقال الزمني تعمد إليها على نحو لم نشاهده منذ الستينات: عبر أوراق الروزنامة المنتزعة من التقويم.

«بريسيلا» يمكن اعتباره الجواب على فيلم «ألفيس» في العام الماضي. ليس إنه معاكساً لما ورد في ذلك الفيلم، بل لأن فيلم باز لورمن احتفى بألفيس (كما أداه أوستن بتلر) فناناً مطرباً، وشخصية جذابة ومستقطبة ونجماً كبيراً بالطبع، بينما فيلم كوبولا ينضوي على قصّة حب تتحوّل إلى مشاكل شخصية وعاطفية. الصورة التي توفرها لألفيس نقلاً عن زوجته ليست باهية، إذ بعد انحسار الحب وارتفاع الشهرة بات شخصاً مختلفاً حيالها يريدها أن تبقى في البيت بلا أي طموح خاص بها، وحين تواجهه بعلاقاته العاطفية يغضب ويرميها بما تصل إليه يده (في ذلك المشهد كرسي).

كل من كايلي سبايني في دور بريسيلا وجاكون إلرودي في دور ألفيس جيدين. أحياناً ما يوحيان بأن الكيمياء بينهما ليست متناسبة ولا الفيزياء أيضاً، كون سبايني قصيرة وإلرودي طويل القامة، مما يخلق في البداية ما يدعو للسخرية قبل أن تتحوّل إلى نقطة غير مضيئة كلما صوّرتهما كابولا معاً.

تبقى صوفيا كوبولا على السطح طوال الفيلم. في تلك المشاهد التي تتطلب إشعارنا بوحدة بريسيلا الناشئة عن إهمال زوجها لها، ستكتفي بالدلالات العامّة وتهيئة الديكور لكي يستقبل لقطة بعيدة مع ضوء محدود. لكن لا شيء من كل هذا يتجاوز النظرة إلى حيث كان من المطلوب النفاذ إلى المشاعر.

* عروض: عالمية.

‪ The Killer ‬***

إخراج: ‪ديفيد فينشر‬ | الولايات المتحدة | 2023

القانون الأول، يقول فيلم «القاتل» لمستمعه أن يُصغي لنفسه ولا يدع أي شيء آخر يعترض طريقه. نصيحة ثمينة لا نجد أن قائلها قادر على تطبيقها.

في «القاتل» شخصية رجل بلا اسم (مايكل فاسبيندر) يعمل قاتلاً مأجوراً، وفي البداية نراه يحاول قنص سياسي في شقته في باريس. إنه في ذلك المشهد الأول المؤلف من نحو 10 دقائق يبدأ بتلاوة القوانين التي على كل قاتل محترف، أو من يود أن يصبح قاتلاً محترفاً، اتباعها. 10 لاءات حاولت تذكّرها حتى أكتبها هنا (أو ربما لكي أمارسها فيما لو قررت التحوّل إلى قاتل محترف) لكني نسيت معظمها.

«القاتل» (أركايا إنترتينمنت)

واحدة من تلك اللاءات أو القوانين التي ما زالت في البال هو الصبر خلال العمل. نصيحة قيّمة أخرى، خصوصاً عندما تشاهد فيلماً كهذا يُخفق في تحديد ما يريد قوله. تنتهي مهمّته بالفشل (بعض القوانين لم يكن فاعلاً على ما يبدو)، ويعود إلى جمهورية الدومينيكان، حيث يعيش، ليكتشف أن صديقته (صوفي شارلوت) قد ماتت مقتولة. من هنا الفيلم هو قصّة انتقام أخرى. بطلنا الذي لا يعطيه المخرج اسماً يكتشف الفاعلين ويمارس مهنته في التخلص منهم.

للفيلم حسناته بالتأكيد. إخراج الخبير ديفيد فينشر يقتنص اللحظات المهمة في مشاهد موحية وبسرد متواصل. لكن الفيلم لا يكشف ما هو المرغوب قوله هنا. ما هو المفاد العام الذي يمكن أن يخرج به المُشاهد؟ هذه شخصية لا تستطيع أن تحبّها ولا المخرج يطلب منك أن تكرهها. هو حرفي تصدقه لكن الأحداث المحيطة به لا تملك ما يكفي لمنحه الأهمية والتميّز. هناك ما يستدعي الاهتمام في الفيلم، لكن في اللحظة التي نبدأ فيها بالتساؤل عن ماهية الرسالة التي يود طرحها، يتساقط كل شيء أرضاً.

* عروض: حالياً في صالات السينما

‬Shoshana**

إخراج: مايكل وِنتربوتوم | بريطانيا | 2023

استوحى وِنتربوتوم فيلمه عن قصّة نُشرت قبل نحو 20 عاماً بعنوان «One Palestine Complete» لكاتب غير معروف جداً في الوسط الأدبي هو توم سيغيف، صحافي إسرائيلي لديه بضعة مؤلفات تهتم بتاريخ المنطقة و«فلسطين واحدة كاملة» هي واحدة منها، وتعود إلى الثلاثينات عندما كانت البلاد ما زالت تحت عهدة بريطانيا. في تصريحاته، ذكر وِنتربوتوم أنه قرأ الرواية خلال الغزو الأميركي للعراق، ووجد أن الدور الذي قامت به بريطانيا خلال تلك الفترة يشبه الدور الذي قامت به الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان. هذا التشبيه غير موجود في الفيلم، لكن الاستنتاج الذي يمكن للمُشاهد الخروج به لا يختلف كثيراً عن تلك الصورة. يحتوي «شوشانا» على سرد تاريخي، لكنه ليس ناصعاً كما يتمنى المرء. هذا لأن الفيلم - الذي يذكر في مقدّمته أنه مبني على وقائع حقيقية - يتبنى وجهة نظر بطلته المهاجرة الروسية شوشانا (إرينا ستارشنبوم) التي تؤمن بأن فلسطين عليها أن تكون دولة لليهود. انتقال المخرج بين الفريقين، العربي واليهودي، ليس متساوياً في الفترة الزمنية الممنوحة لكل فريق. هذا مفهوم تبعاً للنص الأصلي، لكن المخرج كان يستطيع تجاوزه، فيما لو أراد رسم صورة كاملة. لكن في الوقت الذي لا يود الفيلم فيه أن يكون بوق دعاية لأي طرف، يصرف المخرج وقتاً لا بأس به لمناوءة الصوت العنصري بين فصيل ثوري يهودي ينادي باستخدام العنف ضد العرب لأنه «لا يمكن بناء إسرائيل إلا بالعنف»، وآخر يؤمن بحل الدولتين. على الجانب العربي، نجد البريطانيين يمارسون أسلوب البطش حيال المعارضين للهجرة اليهودية إلى فلسطين. في الوقت نفسه هناك إدانة مماثلة (ولو عابرة) للدعوة التي تتبناها المنظمات اليهودية لفرض سيطرتها وطرد الفلسطينيين من أراضيهم.

لقطة من «شوشانا» (ريفوليوشن فيلمز)

ما سبق ذكره هنا يؤدي إلى قرارات غير نهائية، ومستويات غير ثابتة، وآراء لا تقدم على موقف واحد حتى نهايته. هناك قصّة حب واضحة بين شوشانا والضابط ويلكِن، عندما يلتقيان في حفلة بالمدينة التي ستصبح تل أبيب يوظفها الفيلم كدراما عاطفية مواكبة للمواقف السياسية الناشئة. هناك أيضاً مشاهد مبهمة من حيث ترتيب أحداثها ومعرفة ما المقصود منها وما هي المواقف التي يؤيدها البعض ويعارضها البعض الآخر ولماذا. هذا عاكس لما يبدو حيرة المخرج في قراراته. في أفضل الحالات يريد توفير فيلم بثلاثة أضلاع متساوية (عرب وبريطانيون ويهود). في سبيل ذلك، يمضي وقتاً كبيراً في تبادل المواقف والاتجاهات من دون أن يحقق الرغبة المطلوبة.

* عروض: مهرجان تورنتو

ضعيف* | وسط**| جيد ***| ممتاز**** | تحفة*****


مقالات ذات صلة

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)
سينما «لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف.

محمد رُضا (برلين)
سينما دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً.

محمد رُضا (لندن)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز