شاشة الناقد

«إن شاء الله ولد» (إيماجنريوم)
«إن شاء الله ولد» (إيماجنريوم)
TT

شاشة الناقد

«إن شاء الله ولد» (إيماجنريوم)
«إن شاء الله ولد» (إيماجنريوم)

إن شاء الله ولد ****

إخراج: أمجد الرشيد | الأردن | 2023

• تتعدد المشاكل التي تواجه بطلة فيلم «إن شاء الله ولد» في هذا الفيلم الجيد من مخرج جديد يطرق باب السينما بثقة. بطلة الفيلم هي نوال (منى حوا) التي تستيقظ في أحد الأيام لتجد أن زوجها (محمد الجيزاوي) ميت في فراشه. يفتح هذا الموت المفاجئ الباب أمام تداعيات كثيرة. ليس فقط للزوجة وابنتها نورا (سالينا ربابة)، بل هناك حقيقة أن المنزل الذي تعيش فيه والذي ساعدت زوجها في شرائه ليس ملكها. وثيقة الشراء لا تحمل اسمها؛ لذلك تجد نفسها في وضع صعب عندما يطرق شقيق زوجها رفقي (هيثم عُمري) الباب ذات يوم لكي يطلب منها بيع المنزل؛ لأن الشرع يحتم أن يرث أهل الزوج كل شيء.

يوضح الفيلم بأنه ما دام أن الزوجة لم تنجب ولداً فإن الميراث من حق عائلة الأب. بطبيعة الحال ترفض البيع لأنه إذا ما فعلت ستجد نفسها في الشارع، كما تقول. الجدل هنا لا ينتهي ورفقي الذي يبدأ كلامه بهدوء يكشف عن أنه في نهاية الأمر يطمع في البيت والمال من دون أي حساب للزوجة التي لا تكن إليه بالقربى. بالإضافة إلى ذلك، هناك القضية التي يرفعها ضدها، وهناك عودة نوال إلى العمل ممرضةً لكي تعيل ابنتها، والزوجة المسيحية الحامل التي تريد إجراء عملية إجهاض لأن زوجها الذي حملت منه لديه علاقات أخرى. هناك تناقض في وضع هاتين المرأتين ينصبّ في سياق الحكاية من دون تعقيد. وإذا ما أضفنا حيرة نوال في أمرها، خصوصاً بعدما يعرض عليها زميل في العمل، الزواج، ندرك كم كان المخرج واعياً لضرورة التحكم في أفعال وردات أفعال كل شخصياته لكي يتجنّب السقوط في ميلودرامية الوضع والتعامل مع القضية الأساسية (وضع المرأة في المجتمع) من دون زلات عاطفية سريعة.

عروض مهرجان «كان»

The Covenant ****

إخراج: غاي ريتشي | الولايات المتحدة | 2023

• لا تشي خلفية المخرج البريطاني غاي ريتشي بأنه سيعمد في يوم ما إلى توظيف مهارته في سرد حكاياته في فيلم يحمل قضية جادة. مباشرة قبل هذا الفيلم، وفي العام ذاته، أخرج:‬ Ruse de Guerre The Covenant من بطولة ممثله المفضل جاسون ستاثام الذي تداول حكاية مكررة من نوع تصدي البطل ومعاونيه لمنظمة ترعرعت وكبرت وتهدد الآن سلامة العالم لولا بطل الفيلم ورفاقه. كعادته، عمد ريتشي إلى إرثه من المبالغات والمواقف التي تستدعي مشاهد المطاردات والحركة الدؤوبة والحوار الذي يشبه الإعلانات التجارية.

لكن «العهد» مختلف تماماً. ضابط أميركي اسمه جون كينلي (جاك جيلنهال) يختار مترجماً له اسمه أحمد (دار سالم) لكي يكون طرف تواصل مع الأفغانيين خلال إحدى سنوات الحرب الأميركية. في البداية هو لا يثق به كثيراً، لكن الثقة تتولّد عندما ينقذ أحمد فرقة أميركية بكاملها من كمين. بعد حين يتوجهان مع فرقة أخرى للكشف عن مخزن تكديس أسلحة في براري أفغانستان. هذه المرّة تهاجم قوات «طالبان» الأميركيين وتقتل الجميع باستثناء جون وأحمد. هما الآن هاربان بين الجبال الوعرة والوديان السحيقة وفي أثرهما مقاتلو «طالبان». يُصاب جون بطلقات نارية. يكشف أحمد عن معدنه ويجهد لأيام عدة في سبيل إنقاذ حياة الضابط متوجهاً به (حيناً بشاحنة وحيناً بعربة بيع جوّال) إلى حيث الأمان.

إذ يعود جون معافى إلى زوجته، لا يستطيع نسيان تضحية أحمد وبذله وكيف أنه الآن ينتقل متخفياً وزوجته وابنهما من قرية إلى قرية خوفاً من انتقام رجال «طالبان». يقرر العودة لمساعدة أحمد وعائلته على الفرار؛ ما يدفع باتجاه مغامرة أخرى.

الفيلم مشدود الوتيرة ورغم وجود مشاهد نعرف إلى أين ستؤدي بالحكاية، فإن حُسن التنفيذ وحُسن إدارة المخرج لفيلمه ينجيان الفيلم من مغبة السقوط في خانة التقليد. أداء العراقي دار سالم مدهش في حسن توقيته والمخرج يمنحه بطولة مناصفة يستحقها بلا تردد.

عروض تجارية عامّة.

«سبايدر - مان: عبر سبايدر ڤيرس» (صوني)

Spider‪-‬Man‪:‬ Across the Spider‪-‬ Verse **

إخراج: واكيم دوس سانتوس، جوستن تومسون، كمب باورز | الولايات المتحدة | 2023

• تمتّع «سبايدر - مان: عبر أشعار سبايدر» بإعجاب كبير من معظم النقد الغربي. استخدم المعجبون كلمات مثل «مذهل»، «جريء»، «ثري» وأحدهم وصفه بأنه «أصيل روحياً»! لكن كل هذه الكلمات وسواها لم تقنع الكثيرين للتوجه إلى صالات السينما ومشاهدة المذهل والجريء والثري والروحاني من كثب.

الفيلم هو رسوم متحركة أكثر التصاقاً بالأصل كما ورد في مجلات الكوميكس التي دارت حول هذه الشخصية. هو أكثر تشبّهاً بها من غالبية الأفلام الحيّة التي نقلت الشخصية ومغامراتها إلى المشاهدين عاماً بعد عام. لكنه لا يتحدث عن سبايدر مان واحد تساعده (أو تنافسه) سبايدر وومان، بل عن «سبايدرات» آخرين عدّة يشتركون معاً لمجابهة الخطر الآتي من شرير واحد. ليس من هموم الفيلم الذهاب لما بعد هذا السطر من الموضوع، لكن تعدد الشخصيات التي ترمي خيوطها العنكبوتية بسرعة وإتقان مدهشين يبدو كما لو أن صانعي الفيلم قرروا أن «سبايدر - مان» واحداً لا يكفي... «ماذا لو أضفنا إليه آخرين، ألن تتضاعف الإثارة؟». الجواب عن هذا السؤال يعود للمتلقي. بعضهم يحب أن يري بطله وقد أصبح نسخاً مختلفة كل منها يؤدي فعلاً كان من المفترض أن يؤديه هو وحده. البعض الآخر يجد في المحاولة قدراً من الاستماتة لتحقيق النجاح فقط.

الحركة دؤوبة والتوليف سريع، لكن القصّة تطير من النافذة فاقدة أهميّتها. أما تلك الرسوم المنفّذة بكاملها على الكومبيوتر فهي أكثر ملامح الفيلم تصنّعاً وخلوّاً من أي روح.

عروض تجارية عامّة.

A crack in the Mountain **

إخراج: أليستر إيڤنز | هونغ كونغ | 2022

• هناك في قلب مقاطعة «فونغناكي بان» في فيتنام يكمن أكبر كهف طبيعي في العالم. موجود منذ الأزل، لكن التفكير باستخدامه وسيلة جذب سياحي بدأ قبل بضع سنوات والحكومة سارعت لتنفيذ مشروع يتضمن تسهيل الوصول إلى الكهف ببناء عربات تنقل الراغبين بدخول الكهف واستكشافه من أسفل الجبل إلى أعلاه.

الفكرة لا غُبار عليها كون السياحة تعود بالنفع الاقتصادي للمنطقة وللبلد، شأنهما في ذلك شأن العديد من المناطق الطبيعية التي تتميّز بانفراد أو أهمية أو جمال ما، لكن ما يهم هذا الفيلم بحثه هو كيف أثّرت هذه الخطوة على البيئة الاجتماعية.

هذا الفيلم التسجيلي وفكرته مثيران للاهتمام، لكن تنفيذه في 100 دقيقة شأن آخر. معظم الوقت يمضي في مقابلات تطرح أسئلة وتصوّر الناس وهم يجيبون عنها. هذا بالإضافة إلى موسيقى صاعقة؛ ما يؤدي إلى إيقاع روتيني وضجر. المنقذ الوحيد (وغير الكافي) تصوير جيد للمناظر الطبيعية وتلك المشاهد داخل ذلك الكهف.

عروض بريطانية

ضعيف* | وسط**| جيد ***| ممتاز**** | تحفة*****


مقالات ذات صلة

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)
سينما «لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف.

محمد رُضا (برلين)
سينما دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً.

محمد رُضا (لندن)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز