الوميض الأخير لجوائز «غولدن غلوبز»

مستقبلها مرهون باحتمالات وبمفاجآت

عزز ستيفن سبيلبرغ موقف الجمعية وفاز بجائزتين (ذا هوليوود فورين برس)
عزز ستيفن سبيلبرغ موقف الجمعية وفاز بجائزتين (ذا هوليوود فورين برس)
TT

الوميض الأخير لجوائز «غولدن غلوبز»

عزز ستيفن سبيلبرغ موقف الجمعية وفاز بجائزتين (ذا هوليوود فورين برس)
عزز ستيفن سبيلبرغ موقف الجمعية وفاز بجائزتين (ذا هوليوود فورين برس)

وافق المدّعي العام لولاية كاليفورنيا، يوم الاثنين الماضي، على خطة تقتضي بالفصل بين جوائز «غولدن غلوبز» الشهيرة وبين الجمعية التي تمنحها وهي «جمعية هوليوود للصحافة الأجنبية» المعروفة بـHollywood Foreign Press Association أو HFPA اختصاراً.

هذا القرار تم اتخاذه بعد أشهر طويلة من المباحثات بين مؤسسة بولي التجارية والجمعية الأميركية. لجانب مؤسسة بولي دخلت شركة بنسسكي ميديا كوربوراشن على الخط، التي هي شريك في تموّيل إنتاجات الإعلامي دِك كلارك التي تتضمّن، ومنذ عقود، إنتاج وبث جوائز «غولدن غلوبز» على محطة NBC التلفزيونية.

بموجب القرار الذي وافقت عليه كل الأطراف المعنية فإن «جمعية هوليوود للصحافة الأجنبية» بقيت مؤسسة خاصّة غير خاضعة للضرائب كونها ليست مؤسسة ربحية، بينما أصبحت جوائزها المعروفة ملكاً للمؤسستين التجاريّتين المذكورتين.

كيت بلانشت فازت بالجائزة مطلع هذا العام (فوكاس فيتشرز)

يشبه هذا الوضع، كثيراً، عملية خلع أسنان شخص في التاسعة والسبعين من العمر (وهو عمر الجمعية منذ تأسيسها سنة 1943) من دون تركيب وجبة أسنان بديلة. فـ«غولدن غلوبز» كان مصدر فخر واعتزاز وقوّة الجمعية في هوليوود وكانت، لسنوات عديدة، شوكة في خاصرة مؤسسات أخرى (من بينها صحف وجمعيات نقدية مختلفة) ومنافساً في الشهرة والمكانة لجوائز الأكاديمية.

صحيح أنها لم تخطف الضوء منها كاملاً، لكن جوائز «غولدن غلوبز» نالت تلك الشهرة العالمية التي نالتها جوائز الأوسكار وبنجاحها تبوأت المرتبة الثانية من الاهتمام والنجاح بين مناسبات الجوائز السنوية. حتى سنوات قليلة ماضية، كانت حفلة توزيع الجوائز، تحت إدارة HFPA تحصد الإعجاب والاهتمام من جميع أركان صناعة السينما في هوليوود، وفي مناطق مختلفة من العالم. جوائز الجمعية الذهبية كانت محط منافسة الشركات والمؤسسات الإنتاجية وما تنتجه من أفلام وبرامج تلفزيونية، كما الممثلين والكتاب والمخرجين.

وكثيراً ما تمّت، في الصحافة المكتوبة أو في مواقعها، المقارنة بين حفلتي الأوسكار والغولدن غلوبز وتم الثناء على الأخيرة لتصاميمها وبرامجها وحرية الحركة خلال الحفلة عوض الالتزام بالمقاعد الثابتة لثلاث ساعات كما الحال حين توزيع جوائز الأوسكار.

كل هذا انتهى سنة 2020 عندما نشرت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» مقالاً يتهم الجمعية بالفساد والعنصرية والرشوة. التهمة في زمن كهذا تسوده حملات الإصلاح المختلفة دفعت معظم شركات الإنتاج والوكالات الصحافية التي تعتمدها تلك الشركات لمقاطعة المؤسسة التي كانت أمضت سبعة عقود من النشاط السينمائي الفريد. إدارة الجمعية لم تحسن الدفاع عن نفسها حيال تلك التهم، بل اعترفت ضمنياً بها عندما اكتفت بإصدار بيانات تعد فيه بالإصلاح من دون أن تفنّد تلك التهم أو تواجهها.

كل ذلك يبدو اليوم في التاريخ القريب (وأشرنا إليه في «الشرق الأوسط» حينها)، لكن ما حدث منذ ذلك العام هو أن محاولات وضع اليد على جوائز الجمعية اكتملت بنجاح وبذلك تم خلع تلك القوّة النوعية منها. وعلى الرغم من عودة حفل توزيع «غولدن غلوبز» هذه السنة على نحو واعد إذ حفلت بالأسماء المتسابقة ففاز كولِن فارل بجائزة أفضل ممثل كوميدي (عن The Banshees of Inisherin) وجاوره أوستن بتلر كأفضل ممثل درامي (عن Elvis). كما خرجت كيت بلانشت بجائزة أفضل ممثلة درامية عن Tar وحظت ميشيل يوا «غولدن غلوبز» عن «كل شيء كل مكان في ذات الوقت».

بدأ «غولدن غلوبز» تحت إدارة جماعية، واعداً أكثر عندما كسر المخرج والمنتج ستيفن سبيلبرغ موانع هوليوود وحضر الحفل، حيث فاز بجائزتي «غولدن غلوبز» واحدة كأفضل مخرج والثانية كأفضل فيلم (عن The Fabelmans).

بخطف «غولدن غلوبز» من «جمعية هوليوود للصحافة الأجنبية» يتوقع أن تصبح الجمعية هيكلاً شبه خاو. كيان يُذكر لماضيه وليس لحاضره أو مستقبله.

رغم ذلك، فأن المسألة قد تنقلب لصالح الجمعية من حيث إنه ما زال لديها خيط متين يربطها بـ«غولدن غلوبز». ذلك أن تحويلها من مالكة الجوائز إلى مجرد جمعية سينمائية محدودة القدرات، لن يمنعها من لعب دورين أساسيين: الأول إعادة تكوين نفسها في المدى القصير، وربما إطلاق جائزة جديدة خاصّة بها فيما بعد، والثاني إن جوائز «غولدن غلوبز» تحتاج إلى أعضاء الجمعية لكي تصوّت عليها.

مؤامرة

بكلمات أخرى، فإن أعضاء الجمعية هم من سيصوّتون على جوائز «غولدن غلوبز» تماماً كما كان الحال سابقاً. الاختلاف الكبير هو أنه عوض قيامهم بهذه المهمّة مجاناً، كما في الماضي، سيتقاضى كل منهم 75 ألف دولار سنوياً لقاء مشاهدة الأفلام والبرامج التلفزيونية والإدلاء بصوته.

هذا وحده يمنح الجمعية وجوداً فعلياً ولو بحجم وبفاعلية إعلامية ومعنوية أقل مما كانت عليه أيام عزّها. صحيح أن مؤسسة بولي وشركائها دفعت ما يعوّض الجمعية وأعضائها مادياً، إلا أن هناك ما لا يعوّض مثل لعب الدور الكبير الذي كانت الجمعية تؤديه منذ الأربعينات.

هذا كله لا يعفي من التساؤل حول مصير جوائز «غولدن غلوبز» ذاتها، من حيث قدرتها على استعادة أهميّتها الكبيرة التي كانت لها سابقاً. الأسئلة المناطة في هذا الوضع الحالي هي: هل ستثق هوليوود بالمؤسسة الجديدة المالكة لـ«غولدن غلوبز»؟ هل ستنجح المؤسسة في تحقيق أرباح عبر تلك الجوائز (إيراد الجمعية سابقاً من وراء بث الحفل على محطة NBC قُدّر في السنوات الأخيرة قبل النكسة بنحو 20 مليون دولار سنوياً)؟ ثم من هي المحطة التلفزيونية التي ستتعاقد مع مؤسسة بولي لبث الحفل بعد اليوم؟

الاتصالات جارية الآن بين مالكي الجوائز الجدد وبين NBC بغية تجديد العقد القائم. وهذه الاتصالات والمباحثات غالباً ما ستؤتي ثمارها رغم أن المؤسسة تتباحث كذلك مع محطات ومنصّات أخرى كأي صاحب مشروع يود الحصول على العرض الأفضل.

جواثز غولدن غلوبز (ذا هوليوود فورين برس)‬

جوائز «غولدن غلوبز» في السنوات العشر الأخيرة

* دراما:

‫2012: The Descendants‬

2013: Argo

2014: Twelve Years a Slave

2015: Boyhood

2016: The Revenant

2017: Moonlight

2018: Three Billboards Outside Ebbing, Missouri

2019: Bohemian Rhapsody

2020: 1917

2021: Nomadland

2022: The Power of the Dog

‫2023: The Fabelmans‬

* كوميدي أو موسيقي:

‫2012: The Artist‬

2013: Les Misérables

2014: American Hustle

2015: The Grand Budapest Hotel

2016: The Martian

2017: La La Land

2018: Lady Bird

2019: Green Book

‫2020: Once Upon a Time in Hollywood‬

2021: Borat Subsequent Moviefilm

2022: West Side Story

2023: The Banshees of Inisherin


مقالات ذات صلة

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز